المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مكانة فاطمة الزهراء عند أبيهاالرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)



عطر الولايه
29-03-2016, 03:21 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وسهل مخرجهم
وصل اللهم على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها عدد ماأحاط به علمك
وعجل فرج يوسفها الغائب ونجمها الثاقب واجعلنا من خلص شيعته ومنتظريه وأحبابه يا الله
السلام على بقية الله في البلاد وحجته على سائر العباد ورحمة الله وبركاته


إنّ من الصعب المستصعب تحديد مكانة السيدة فاطمة الزهراء عند أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومن الصحيح أن يقال : إنّه خارج عن قدرة القلم واللسان ، والتحليل والبيان .
ويمكن لنا أن نجمل القول ونوجزه فنقول :
كانت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) قد حلّت في أوسع مكان من قلب أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ووقعت في نفسه الشريفة أحسن موقع .
فكان النبي يحبّها حبّاً لا يشبه محبّة الآباء لبناتهم ، إذ كان الحب مزيجاً بالاحترام والتعظيم ، فلم يعهد من أي أبٍ في العالم ما شوهد من رسول الله تجاه السيدة فاطمة الزهراء .
ولم يكن ذلك منبعثاً من العاطفة الأبوية فحسب ، بل كان الرسول ينظر إلى ابنته بنظر الإكبار والإجلال ؛ وذلك لما كانت تتمتّع به السيدة فاطمة من المواهب والمزايا والفضائل ، ولعلّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان مأموراً باحترامها وتجليلها ، فما كان يَدَعُ فرصةً أو مناسبةً تمرّ به إلاّ وينوّه بعظمة ابنته ، ويشهد بمواهبها ومكانتها السامية عند الله تعالى وعند رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .
مع العلم أنّه لم يُسمع من الرسول ذلك الثناء المتواصل الرفيع ولا معشاره في حق بقيّة بناته .
ولم يكن ثناؤه عليها اندفاعاً للعاطفة والحُبِّ النفسي فقط ، بل ما كان يسع له السكوت عن فضائل ابنته ودرجتها السامية عند الله تعالى . ولو لم يكن لها عند الله تعالى فضل عظيم لم يكن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يفعل معها ذلك ؛ إذ كانت ولده وقد أمر الله بتعظيم الولد للوالد ، ولا يجوز أن يفعل معها ذلك ، وهو بضدّ ما أمر به أُمَّته عن الله تعالى .
وكان ذلك كلّه لأسباب منها :
كشفاً للحقيقة ، وإظهاراً لمقام ابنته عند الله وعند الرسول ، وكان (صلّى الله عليه وآله) يعلم ما سيجري على ابنته العزيزة من بعده من أنواع الظلم والاضطهاد والإيذاء وهتك الحرمة ؛ ولهذا أراد الرسول أن يتمّ الحجّة على الناس ، حتى لا يبقى لذي مقالٍ مقالٌ أو عذر ، وإليك هذه الأحاديث التي تدل على ما كانت تتمتّع به السيدة فاطمة من المكانة في قلب الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) :
رُوي عن الإمام الصادق ، عن آبائه ( عليهم السلام ) ، عن السيدة فاطمة ( عليها السلام ) قالت : ( لما نزلت : ( لا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً ) هبِتُ رسول الله أن أقول له : يا أبة . فجعلت أقول : يا رسول الله . فأقبل عليَّ فقال : يا فاطمة إنّها لم تنزل فيكِ ولا في أهلكِ ولا في نسلكِ ، أنتِ منّي وأنا منك ، إنّما نزلت في أهل الجفاء والبذخ والكبر من قريش ، قولي : يا أبة ؛ فإنّها أحيى للقلب وأرضى للرب ، ثم قبَّل النبي جبهتي ... ) (1) .
أيضاً : عن عائشة بنت طلحة ، عن عائشة قالت : ما رأيت أحداً أشبه

-----------------------------

(1) المناقب لابن المغازلي الشافعي ص 364 .

كلاماً وحديثاً برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من فاطمة ، كانت إذا دخلت عليه رحَّب بها وقبَّل يديها وأجلسها في مجلسه ، فإذا دخل عليها قامت إليه فرحَّبت به وقبّلت يديه ... إلى آخره .
وسأل بزل الهروي الحسينَ بن روح قال : كم بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ؟
قال : أربع .
فقال : أيّتهن أفضل ؟
قال : فاطمة .
قال : ولِمَ صارت أفضل وكانت أصغرهنّ سنّاً وأقلّهنّ صحبة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ؟
قال : لخصلتين خصّها الله بهما :
1 ـ أنّها ورثت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .
2 ـ ونسل رسول الله منها ، ولم يخصّها بذلك إلاّ بفضل إخلاصٍ عرفه من نيّتها .
وعن حذيفة قال : كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا ينام حتى يقبّل عرض وجه فاطمة ... (1) .
وعن ابن عمر : أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبَّل رأس فاطمة وقال : فداكِ أبوكِ ، كما كنت فكوني (2) .
وفي روايةٍ : فداكِ أبي وأُمّي (3) .
وعن عائشة : قبَّل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نحر فاطمة .


----------------------------

(1) و (2) مقتل الحسين للخوارزمي الحنفي ص 66 .
(3) مستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري الشافعي ج3 ص 165 .


وفي رواية : فقلت : يا رسول الله فعلتَ شيئاً لم تفعله ؟
فقال : يا عائشة إني إذا اشتقتُ إلى الجنّة قبّلت نحر فاطمة (1) .
وعن عائشة قالت : كان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذا قدم من سفر قبَّل نحر فاطمة وقال : منها أشمّ رائحة الجنّة (2) .
أقول : قد ذكرنا شيئاً من هذه الأحاديث في أوائل الكتاب .
وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال : ( رائحة الأنبياء : رائحة السفرجل ، ورائحة الحور العين : رائحة الآس ، ورائحة الملائكة : رائحة الورد ، ورائحة ابنتي فاطمة الزهراء : رائحة السفرجل والآس والورد ) (3) .
وعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال : ( ... ولو كان الحُسن شخصاً لكان فاطمة ، بل هي أعظم ، إنّ ابنتي فاطمة خير أهل الأرض عنصراً وشرفاً وكرماً ) (4) .
وعن الإمام الحسين بن علي ( عليهما السلام ) ، عن جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال : ( فاطمة بهجة قلبي ، وابناها ثمرة فؤادي ، وبعلها نور بَصري ، والأئمّة من ولدها أُمناء ربّي ، وحبله الممدود بينه وبين خَلقه ، مَن اعتصم به نجا ، ومَن تخلّف عنه هوى ) (5) .
وروي أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ناول الزهراء ماءاً ، فشربت فقال لها : ( هنيئاً مريئاً يا أُمَّ الأبرار الطاهرين ) إلى آخر الحديث (6) .


------------------------

(1) ذخائر العقبى للمحب الطبري ص 36 ، وسيلة المآل للحضرمي ص 79 طبعة المكتبة الظاهرية بدمشق .
(2) ينابيع المودَّة للقندوزي الحنفي ص 260 .
(3) بحار الأنوار ، كتاب الأطعمة والأشربة ، باب السفرجل .
(4) فرائد السمطين للجويني الشافعي ج 2 ص 68 .
(5) فرائد السمطين للجويني الشافعي ج 2 ص 66 .
(6) بحار الأنوار ج 76 ص 67 .


وعن فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) قالت : قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : ( ألا أُبشِّرك ؟ إذا أراد الله أن يتحف زوجة وليِّه في الجنّة ، بعث إليك تبعثين إليها من حُليِّك ) (1) .
وبهذه الأحاديث الآتية ـ الصحيحة عند الفريقين ـ يمكن لنا أن نطّلع على المزيد من الأسباب والعلل التي كوَّنت في سيّدة نساء العالمين تلك القداسة والعظمة والجلالة :
1 ـ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : أفضل نساء أهل الجنّة : خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، وآسية بنت مزاحم ( امرأة فرعون ) ومريم بنت عمران (2) .
2 ـ وقال أيضاً : خير نساء العالمين أربع : مريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد (3) .
3 ـ وقال أيضاً : حسبك من نساء العالمين : مريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ، وآسية امرأة فرعون (4) .
هذه أحاديث ثلاثة تصرِّح بتفضيل هذه السيّدات الأربع على سائر


-------------------------

(1) دلائل الإمامة ص 2 .
(2) مسند أحمد بن حنبل ج 1 ص 293 ، الاستيعاب لابن عبد البر الأندلسي ج 2 ص 750 في ترجمة السيدة خديجة ، مستدرك الصحيحين للحاكم ج 3 ص 160 ، الاعتقاد للحافظ البيهقي ص 165 ، تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 92 أسد الغابة لابن الأثير الجزري ج 5 ص 437 وغيرها .
(3) المصدر السابق .
(4) الاستيعاب ، لابن عبد البر الأندلسي ج 2 ص 750 ، مشكل الآثار للطحاوي ج 1 ص 48 ، مستدرك الصحيحين للحاكم ج 3 ص 157 ، معالم التنزيل للحافظ البغوي الشافعي ج 1 ص 291 وغيرها .


نساء العالم ، إلاّ أنّها لا تصرِّح ببيان الأفضل من تلك الأربع ، ولكنّ الأحاديث المتواترة المعتبرة تصرِّح بتفضيل السيدة فاطمة الزهراء عليهنّ وعلى غيرهن .
ونحن لا نشك في ذلك ، بل نعتبره من الأمور المسلَّمة المتفق عليها ؛ لأنّها بضعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولا نعدل بها أحداً .
ولم ننفرد بهذه الحقيقة ، بل وافقنا على ذلك الكثير الكثير من العلماء والمحدّثين المنصفين ، من المتقدّمين منهم والمتأخّرين والمعاصرين ، بل صرَّح بذلك بعضهم ، وإليك بعض أقوال أُولئك الأعلام :
عن مسروق قال : حدثتني عائشة أُم المؤمنين قالت : إنا كنّا أزواج النبي عنده لم تغادر منا واحدة ، فأقبلت فاطمة تمشي ، لا والله ما تخفي مشيتُها من مشية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ، فلمّا رآها رحَّب بها وقال : مرحباً بابنتي ، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ، ثم سارّها (1) فبكت بكاءً شديداً ، فلمّا رأى حزنها سارّها الثانية ! فإذا هي تضحك ، فقلت لها ـ أنا من بين نسائه ـ : خصّكِ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالسرّ من بيننا ، ثم أنتِ تبكين ؟
فلما قام رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سألتها : عمّا سارّك ؟
قالت : ما كنت لأفشي على رسول الله سرَّه . فلمّا توفّي قلت لها : عزمتُ عليك بما لي عليك من الحق ( !! ) لما أخبرتيني !
قالت : أما الآن فنعم ، فأخبرتني قالت : سارَّني في الأمر الأول فإنّه أخبرني أنّ جبرائيل كان يعارضه ( القرآن ) كل سنة (2) وأنّه قد عارضني به


---------------------

(1) أي : أسرّ إليها .
(2) هكذا وجدنا في المتن ، والأصح : يعارضني ، كما في مصادر أُخرى .


العام مرّتين ، ولا أرى الأجل إلاَّ قد اقترب ، فاتقي الله واصبري فإنّي نعم السلف أنا لك ، قالت : فبكيت بكائي الذي رأيتِ ، فلما رأى جزعي سارَّني الثانية قال : يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء المؤمنين أو سيّدة نساء هذه الأُمّة ؟ (1) .
وفي رواية البغوي في ( مصابيح السنة ) : ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء العالمين وسيّدة نساء هذه الأُمّة ، وسيّدة نساء المؤمنين ؟
والأحاديث التي تصرّح بسيادتها وتفضيلها على نساء العالمين كثيرة جدّاً ، وجُلّها مرويّة عن : عائشة ، وعن عمران بن حصين ، وعن جابر بن سمرة ، وعن ابن عباس ، وأبي بريدة الأسلمي ، وغيرهم ، وقد روى البخارى هذا الحديث في الجزء الرابع ص 203 من صحيحه ، وعدد كثير من علماء العامّة كالقسطلاني والقندوزي والمتقي والهيثمي والنّسائي والطحاوي ، وغيرهم ممّن يطول الكلام بذكرهم .
ولقد ورد هذا الحديث بطرق عديدة ، وفي بعضها : أنّ سبب ضحكها هو إخبار النبي لها بأنّها أوّل أهل بيته لحوقاً به ، وفي بعضها أنّ سبب ضحكها أو تبسّمها هو إخبار النبي لها أنّها سيّدة نساء العالمين .
ولكن روى أحمد بن حنبل حديثاً يجمع بين هاتين الطائفتين من الأحاديث : بإسناده عن عائشة قالت : أقبلت فاطمة تمشي كأنّ مشيتها مشية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال : مرحباً بابنتي ، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ، ثم أنّه أسرَّ إليها حديثاً فبكت ، ثم أسرَّ إليها حديثاً


---------------

(1) طبقات ابن سعد ج 2 ، ورواه باختلاف يسير كل من : مسلم في صحيحه ج 7 ص 142 ، والبلاذري في أنساب الأشراف ص 552 ، والسيوطي في الخصائص ص 34 والحافظ البيهقي في الاعتقاد ص 125 ، والطبري في ذخائر العقبى ص 39 ، وسبط ابن الجوزي في التذكرة ص 319 ، وغيرهم .


فضحكت ، فقلت : ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن ، فسألتُها عمّا قال ؟ فقالت : ما كنت لأفشي سرَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .
حتى إذا قُبض النبي سألتها ؟
فقالت : إنّه أسرّ إليّ فقال : إنّ جبرئيل كان يعارضني بالقرآن في كل عام مرّة ، وإنّه عارضني به العام مرّتين ، ولا أراه إلاَّ قد حضر أجلي ، وإنّكِ أوّل أهلي لحوقاً بي ونعم السلف أنا لكِ ، فبكيتُ لذلك ، ثم قال : ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء هذه الأُمّة أو نساء المؤمنين ؟
قالت : فضحكتُ لذلك (1) .
وقد روى البخاري في صحيحه ج 5 ص 21 و 29 : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال : فاطمة بضعة منّي ، فمَن أغضبها فقد أغضبني .
وروى البخاري عن أبي الوليد : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال : فاطمة بضعة منّي مَن آذاها فقد آذاني .
وقد ورد هذا الحديث بألفاظ متنوّعة ومعاني متّحدة كقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) :
فاطمة بضعة منّي ، يؤذيني ما آذاها ، ويغضبني ما أغضبها .
فاطمة بضعة منّي ، يقبضني ما يقبضها ، ويبسطني ما يبسطها (2) .
فاطمة شجنة منّي (3) ، فاطمة مضغة منّي فمَن آذاها فقد آذاني .
فاطمة مضغة منّي ، يسرّني ما يسرّها .
يا فاطمة إنّ الله يغضب لغضبكِ ويرضى لرضاكِ .


--------------------
(1) مسند أحمد ج 6 ص 282 .
(2) أي : يسرّني ما يسرّها ؛ لأنّ الإنسان إذا سرّ انبسط وجهه .
(3) الشجنة أي : القطعة والبضعة .


فمَن عرف هذه فقد عرفها ، ومَن لم يعرفها فهي بضعة منّي .
هي قلبي وروحي التي بين جنبيّ ، فمَن آذاها فقد آذاني ، ومَن آذاني فقد آذى الله .
إنّ الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها .
وقد روى هذه الأحاديث أكثر من خمسين رجلاً من رجال الحديث والسنن ، كأحمد بن حنبل ، والبخاري ، وابن ماجة ، والسجستاني ، والترمذي ، والنسائي ، وأبو الفرج ، والنيسابوري ، وأبو نعيم ، والبيهقي ، والخوارزمي ، وابن عساكر ، والبغوي ، وابن الجوزي ، وابن الأثير ، وابن أبي الحديد ، والسيوطي ، وابن حجر ، والبلاذري ، وغيرهم ممّن يعسر إحصاؤهم
وقد وقعت هذه الأحاديث موقع الرضا والقبول من الصحابة والتابعين ؛ لتواترها وصحّة أسنادها وشهرتها في الملإ الإسلامي .
أمّا الصحابة فلنا في المستقبل مجال واسع لاعتراف بعضهم بصحّة هذا الحديث وسماعه من الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .
وأمّا التابعون فقد روى أبو الفرج في الأغاني ج 8 ص 307 بإسناده قال : دخل عبد الله بن حسن على عمر بن عبد العزيز ، وهو حديث السن وله وفرة ، فرفع مجلسه ، وأقبل عليه وقضى حوائجه ، ثم أخذ عُكنة من عُكنه (1) فغمز ( بطنه ) حتى أوجعه وقال له : اذكرها عندك للشفاعة .
فلما خرج ( عبد الله بن حسن ) لامه أهله (2) وقالوا : فعلتَ هذا بغلام حديث السن ، فقال : إنّ الثقة حدثني حتى كأنّي اسمعه من فيّ رسول


---------------------------

(1) العكنة ـ بضم العين ـ اللحم المنثني من البطن .
(2) أي : لام الناس عمر بن عبد العزيز .


الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (1) قال : ( إنّما فاطمة بضعة منّي يسرّني ما يسرّها ) وأنا أعلم أنّ فاطمة لو كانت حيَّة لسرّها ما فعلت بابنها .
قالوا : فما معنى غمزك بطنه وقولك ما قلت ؟
قال : إنّه ليس أحد من بني هاشم إلاَّ وله شفاعة ، فرجوت أن أكون في شفاعة هذا .
قال السمهودي ـ بعد إيراده حديث : فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها ويريبني ما أرابها ـ : فمَن آذى شخصاً من أولاد فاطمة أو أبغضه جعل نفسه عُرضة لهذا الخطر العظيم ، وبضدّه ( وبالعكس ) مَن تعرَّض لمرضاتها في حبّهم وإكرامهم .
وقال السهيلي : هذا الحديث يدل على أنّ مَن سبّها كفر ، ومَن صلَّى عليها فقد صلَّى على أبيها ، واستنبط أنّ أولادها مثلها لأنّهم بضعة مثلها ، وفكّ الفرع من أصله هو فكّ الشيء من نفسه وهو غير ممكن ومحال ، باعتبار أنّ ذلك الفرع هو الشخص المعمول من مادة ذلك الأصل ونتيجته المتولّدة منه . انتهى كلامه .
أقول : لعلّ المقصود من الخطر العظيم الذي ذكره السمهودي هو إشارة إلى قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً ) وقوله : ( وَالّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .
أيها القارئ الذكي : بعد الانتباه إلى هذه الآيات ، وبعد الإمعان والتدبّر في هذه الأحاديث والروايات ما تقول فيمَن آذى فاطمة الزهراء ؟!!
أعود إلى حديثي عن مدى حبّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)


---------

(1) أي : من فم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) .


لابنته السيدة فاطمة الزهراء :
من الصعب إحصاء الأحاديث التي تصرّح بأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذا أراد سفراً كان آخر عهده بإنسان من أهله فاطمة ( عليها السلام ) وأول مَن يدخل عليها ـ بعد رجوعه من السفر ـ فاطمة (1) .
كان (صلّى الله عليه وآله ) إذا رجع من سفره دخل على ابنته فاطمة أوّلاً ، ثم ذهب إلى داره والتقى بزوجاته (2) .
إنّه كان يفضّل الزهراء على زوجاته ونسائه ؛ وما ذاك إلاّ لأنّ الله فضّلها عليهنّ وعلى نساء العالمين .
فقدم من غزاة ، وقد علَّقت مسحاً أو ستراً على بابها ، وحلَّت (3) الحسن والحسين قلبين من فضّة ، فقدم ولم يدخل ، فظنّت أنّ ما منعه أن يدخل دارها ما رأى ، فهتكت الستر ، وفكَّت القلبين من الصَّبيين ، وقطعته منهما ، ودفعته إليهما ، فانطلقا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهما يبكيان ، فأخذه منهما فقال : يا ثوبان اذهب بهذا إلى فلان ، إنّ هؤلاء أهلي أكره أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا ، يا ثوبان (4) اشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج .
روى هذا الحديث الخطيب العمري في ( مشكاة المصابيح ) ، والطبري في ( ذخائر العقبى ) ، والنويري في ( نهاية الارب ) ، والقندوزي في ( ينابيع المودّة ) ، والطبراني في ( المعجم الكبير ) ، والزبيدي في ( إتحاف السادة ) ، وغيرهم .

---------

(1) السُنن الكبرى للبيهقي ج 1 ص 26 ، ذخائر العقبى للطبري ص 37 ، مستدرك الصحيحين للحاكم ج 3 ص 156 وغيرها .
(2) الاستيعاب للأندلسي ج 2 ص 750 ، مستدرك الصحيحين ج 3 ص 155 .
(3) حلَّت ـ من التحلية ـ وهي التجميل ولبس الحلي . قلبين ـ تثنية قلب ـ وهو السوار .
(4) ثوبان : اسم غلام .

وقد روى هذا الحديث من علمائنا : الشيخ الكليني في ( الكافي ) ، والطبرسي في ( مكارم الأخلاق ) أكثر تفصيلاً وتوضيحاً مع اختلاف يسير :
عن زرارة عن أبي جعفر ( الباقر ) ( عليه السلام ) قال : كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذا أراد سفراً سلَّم على مَن أراد التسليم عليه من أهله ، ثم يكون آخر مَن يسلّم عليه فاطمة ( عليها السلام ) فيكون وجهه إلى سفره من بيتها ، وإذا رجع بدأ بها ( أي يزورها قبل كل أحد ) فسافر مرَّة ، وقد أصاب علي ( عليه السلام ) شيئاً من الغنيمة فدفعه إلى فاطمة فخرج ، فأخذت سوارين من فضّة ، وعلَّقت على بابها ستراً ، فلمّا قدم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دخل المسجد ، فتوجَّه نحو بيت فاطمة كما كان يصنع ، فقامت فرحة إلى أبيها صبابة وشوقاً إليه ، فنظر فإذا في يدها سواران من فضّة وإذا على بابها ستر ، فقعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حيث ينظر إليها ، فبكت فاطمة وحزنت وقالت : ما صنع هذا بي قبلها .
فدعت ابنيها ، فنزعت الستر عن بابها ، وخلعت السوارين من يديها ، ثم دفعت السوارين إلى أحدهما والستر إلى الآخر ثم قالت لهما : انطلقا إلى أبي ، فأقرئاه السلام وقولا له : ما أحدثنا بعدك غير هذا ، فشأنك به . فجاءاه ، فأبلغاه ذلك عن أُمّهما ، فقبّلهما رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والتزمهما وأقعد كل واحد منهما على فخذه ، ثم أمر بذينك السوارين فكسّرا فجعلهما قطعاً ، ثم دعا أهل الصُّفة ، وهم قوم من المهاجرين ، لم يكن لهم منازل ولا أموال فقسّمه بينهم قِطَعا ... إلى آخره .
إنّ هذا الحديث الذي تراه مشهوراً عند الفريقين ، مرويّاً بطرق عديدة لعلّه يحتاج إلى شرح وتعليق ، مع العلم أنّ رواة هذا الحديث لم يتطرّقوا إلى

أقول : ليس المقصود من هذا الستر هو الستر المرخى على مدخل البيت عند فتح باب البيت ؛ لأنّ هذا أمر مستحب للمبالغة على التستّر والحجاب ، وحاشا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يغضب من سترٍ قد عُلّق على مدخل بيت فاطمة .
بل المقصود أنّ السيدة فاطمة ( عليها السلام ) كانت قد علَّقت على باب البيت ( لا مدخل البيت ) ستراً يستر الباب الخشبي ، للزينة ، المسمَّى في زماننا بـ ( الديكور ) تجمّلاً أو تجميلاً للباب ، وبعبارة أخرى : ألبست الباب ثوباً ـ أي ستراً ـ وليس هذا بحرام ، بل لأنّه لا يتفق مع التزهّد أو الزهد المطلوب من آل محمد ( عليهم السلام ) والمواساة المترقّبة المتوقّعة منهم ، ونفس هذا الكلام يأتي في موضوع السوار والقلادة .
وبناءً على صحّة هذا الحديث كان الأفضل للسيّدة الزهراء ( عليها السلام ) أن تنفق ذلك الستر في سبيل الله بسبب الحاجة الماسَّة إليه ، لكثرة الفقراء ، وشدَّة الفقر المدقع عند فقراء المهاجرين ومن باب المواساة والإيثار .
وروى ابن شاهين في ( مناقب فاطمة ) عن أبي هريرة وثوبان هذا الحديث مع تغيير يسير ، إلى أن قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : ـ بعدما دفعت الزهراء الستر والسوار إلى أبيها ـ : فعلت ، فداها أبوها ـ ثلاث مرات ـ ما لآل محمد وللدنيا ؟ فإنّهم خُلقوا للآخرة ، وخُلقت الدنيا لهم .
وفي رواية أحمد بن حنبل : فإنّ هؤلاء أهل بيتي ، ولا أحب أن يأكلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا .
ويستفاد من هذا التعليل أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا يحب أن ينقص حظ ابنته فاطمة الزهراء من الأجر والثواب في الآخرة ؛

لأنّ مرارة الحياة وخشونة العيش في الدنيا لهما تعويض في الآخرة .

عن تفسير الثعلبي ، عن الإمام جعفر بن محمد ( عليه السلام ) وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قالا : رأى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فاطمة وعليها كساء من أجلّة الإبل ، وهي تطحن بيديها ، وترضع ولدها ، فدمعت عينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال : يا بنتاه تعجّلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة .
فقالت : يا رسول الله الحمد لله على نعمائه ، والشكر لله على آلائه .
فانزل الله : ( ولسوف يعطيك ربّك فترضى ) (1) .

-------

(1) بحار الأنوار ج 43 .

الرضا
30-03-2016, 04:11 PM
الأخت الكريمة
( عطر الولاية )
بارك الله تعالى فيكم على هذا الاختيارالموفق
جعله الله تعالى في ميزان حسناتكم
ورزقنا الله وإياكم شفاعة الصديقة الشهيدة أم أبيها
فاطمة الزهراء عليها السلام