المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من أدب الدفاع المقدس سأبقى هنا..



علي حسين الخباز
30-06-2016, 09:26 PM
لم أرَه من قبل ينعزل عنا بهذا الشكل، ينفث دخان سيكارته بهذه الحرقة، وهو يرصد ظلمة القرية المهجورة والشجر الكثيف، وكأنه ينظر الى قرية الهنشي لأول مرة، يمثل لي هذا الرجل الجانب الحي الحقيقي داخل هذا العالم الملغم، حتى في أسوأ الأزمات لم يفارق ثقته بنفسه، فهو رغم تجاوز عمره الستين بعامين لكنه كان يزود الشباب بالثقة والشجاعة والحراك الدؤوب، يقول: دعوا الأسماء، فأنا أحب الأرض بجميع أسمائها، كلها عراقية، لكني أرى أن قريتنا الهنشي توحدت معه روحياً، وأكيد هي تعرف الآن ما القضية التي جعلته يفور كمرجل غضب لا يهدأ..
:ـ ما بك؟ هل تعاني من وعكة صحية؟، هل انقلك الى الطبابة؟ وعندما رأيته لا يجيب، قلت لاستدرجه الكلام..
:ـ أنظر لهذا الجرف الممتد من النهر الى مواقعنا التي هي في اول القرية، كانت تنبض بالجمال والحياة، لكن يبقى هذا الشجر جميلاً في النهار مخيفاً في الليل..!
فأجابني:ـ الشجر هو شجر ليل او نهار، لكن عليك ان تنظر الى الانسان كيف يقدر أن يتخلص من آدميته ومشاعره وإنسانيته، ليحول نفسه الى كتلة نار تلتهم أجساداً خلقها الله تعالى، لا فرق بين المكان ولا الزمان لديه حقد على الطفولة والأمومة والحياة، يفجر المدارس والمستشفيات والمساجد، وحتى نفسه التي يراها ضالة ولا يقومها إلا بموت الآخرين.. الله تعالى خلق الحياة وفيها الصفاء والمحبة والسلام..
:ـ هل أخبرتك الهنشي بشيء محزن.. هجوم متوقع..
:ـ وما الذي تتوقعه من عدو يقبع عنك مسافة 700م فقد أدمن الحقد والدسيسة، وتمرس الموت والحرب والدمار.. هو جاء إلى السواتر من أجل أن يحول الحياة الى موت..
ونحن جئنا لنبعد الموت عن ناسنا..
قلت مع نفسي: الحاج ابو كرار الطبراوي أكبر من أن يهزه خوف، لكن المسألة تبدو مختلفة عن هذه الأمور، ولا أعتقد ثمة أمور في البيت تقلقه أبداً، ورحت كعادتي أستدرجه، أبحث في الجوال عن صور تحفل بالمواقف النيرة:ـ انظر لهذه الصورة يا حاج... هذه اين..؟
:ـ هذه في جبل حمرين، وتم تطهير المنطقة منها..
:ـ وهذه اين..؟
:ـ هذه في تكريت عند تحريرها.. وشاركت في معركة الزلاية كمراسل حربي، وهذه لقطات في تحرير منطقة الصينية.. وهذه في بيجي..
كان صاحبي يعمل بواجبين بصيغة مقاتل ومراسل حربي، لم أستطع معرفة زعله المفاجئ، وربما تخصصه الاعلامي جعل مهمتي مكشوفة امامه، فقررت تغيير اسلوبي الى النسق العاطفي..
:ـ يا حاج، لولا الحرب لكان هؤلاء الشباب في احضان أسرهم، ولم يتحرك صديقي الحاج، فرحت استعرض لنفسي بعض الحوارات واسمع صاحبي..
:ـ مع كل الخراب الذي احاط بقريتي النهشي بقى اسمها نفسه، ونحن سنعيد لها الحياة بعد النصر ان شاء الله تعالى..
تذكرت الحاج ابو كرار، وهو يهزج يوم حررناها، وتم الالتفاف نحو الطاقة الغازية والحرارية في بيجي، كانت أهازيج اهل الجنوب تحتضن جميع القرى المحررة المحيطة كقرية شويش، وحاوي البوجواري..
أووه.. يبدو أن غضب الحاج اكبر من الذكريات، لكن الغريب في الأمر أن الحاج تعرض الى مواقف كثيرة مؤذية حيث شيد الدواعش حملات اعلامية مسعورة تعمل لتشويه صورته وحضوره، وما جعله يجهش بالصمت، ولم يبقَ أمامي سوى العرض المباشر للسؤال..
:ـ أقسم عليك بكل غال يا حاج حدثني ما بك..؟
قال حينها بصوت حزين..
:ـ لم أستوعب الأمر للوهلة الاولى لدهشتي من الأمر، وما إن سمعت الخبر حتى جن جنوني، انهم يحاربون وجودنا.. يلتفون على قرار المرجعية بالجهاد..
برهة صمت ثم يسألني..
:ـ أليس من حقي أن أغضب.. متى حددوا الجهاد بعمر..؟ هم يريدون عزل حبيب بن مظاهر عن واقعة الطف؛ لأن عمره تجاوز السن القانونية التي وضعتها الحكومة للجهاد..!
أردت أن أهدئ هذا الغضب الساطع فيه قلت..
:ـ لا أعتقد أن قراراً يحدد اعمار المجاهدين في الحشد الشعبي ستتم الموافقة عليه.. فصرخ بنشيح مؤلم:ـ انها كارثة كبرى.. لكن ثق لا أحد يستطيع ان يوقفني عن القتال، ماذا عندهم لدي؟ الراتب.. أنا لم أستلم أي اجور على وجودي هنا، وإذا منعوني من الجهاد كمقاتل كونهم سيحددون الاعمار، فأنا سأبقى هنا كمراسل حربي.. سأبقى هنا مع المقاتلين، لا يستطيع أحد أن يمنعني من البقاء هنا.. في كل الاحوال أنا سأبقى هنا..