المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : على لسان خيرة النسوان



عطر الولايه
24-10-2016, 08:02 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وسهل مخرجهم
وصل اللهم على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها عدد ماأحاط به علمك
وعجل فرج يوسفها الغائب ونجمها الثاقب واجعلنا من خلص شيعته ومنتظريه وأحبابه يا الله
السلام على بقية الله في البلاد وحجته على سائر العباد ورحمة الله وبركاته

سيطول بعدي ياسكينةُ فاعلمي منكِ البكاء إذا الحِمام دهاني
فإذا قُتلت فأنتِ أولى بالذي تأتينهُ يا خيرة النسوانِ

***

مُذ خرجنا من مدينة جدي رسول الله -صلى الله عليه وآله- والسكون مطبقٌ على رحلنا الهاشمي، كل علويٍ وكل شيءٍ ساكنٌ ويترقّب ما يأتي علينا، إلا صوت دمعة عمتي زينب يخترق كل ذاك السكون ويجعل أرواح الفاطميات مضطربة داخل هوادجها.


أتأمل وجه عمتي لأقرأ من خلال عينيها القلقتين ما الذي يعتلج في فؤادها، عمتي خائفة من أنه حان موعد الحدث الأعظم الذي أخبر به رسول الله، وجه عمتي متغيّر اللون وعينها لا تبارح النظر إلى والدي.



الآن صوت والدي الحسين يأمر الرجال بالتوقف يريد الاستهلال، وعين عمتي زينب تتعلّق بعينه وتنظر معه حيثما نظر. يطأطأ والدي برأسه، يحوقل ويسترجع وبجانبي أنّت المخدّرة أنةً عظيمة خفت عليها أن تزهق روحها على اثرها، فلقد علِمَت أنه حان موعد الحزن المنتظر، حزن فقد الأهل والإخوة الذين لم يُنجَب مثلهم أبد الدهر.


ينكشف جزءٌ من طرف الهودج ويُدخل القمر رأسه إلينا ووجههُ قد ملأه الذهول على أخته العقيلة وينزف جبينهُ غيرةً على ميلان الهودج المقدّس، راح يطمئنها ويقرأ اسم الله على قلبها المرتعب. هنا لم أتمالك نفسي وعيني هطلت كما المطر من مرآهما، فكيف بعمتي بعد عاشوراء وما من عبّاسٍ يقرأ عليها؟ كيف بعمتي وما من ضرغامٍ تستندُ إلى كتفه؟


اقترب عمي ناحيتي ليهمس لي أن لا تخافي وعمّكِ موجود " هل يُخيف سكينة العزيزة هلال؟". بل يا عمّ يخيفها أن يُخسف قمرها الأبيض ببزوغ هذا الهلال!



ظـلام الليـل يلچـمـني ولغراب
غريبه يعوفني ابداري ولغراب
گلِـت تالـي يرِـد ليَّـه ، ولغراب
إجه او گطَّر دِمه نحرك بديَّه


نسيرُ في هذه الصحراء الموحشة وسط أجواءٍ مليئة بالترقب والدموع وكل واحدةٍ فينا تُبدي قلقها للأخرى، وكل الركب متوجهون إلى قبلة والدي الحسين، لا أدري أنُشبع أنظارنا من جماله أم نعوّذه بالله من كل آفةٍ وشيطانٍ مارد! كالشمس يتقدّم الهاشميين ووجهه يتهلّلُ طمأنينةً وعزّة.


ليتكِ يا أختاهُ معي تتأملين وجه أبيكِ وتربتين على كتفي كلما ارتجف مُعلنًا البكاء، ليتكِ معي لأُلقي بنفسي في أحضانكِ، أختكِ الصغيرة يا فاطمة ما عادت تتصبّر على حمل كل هذا.


آهٍ لفاطمة، ما حالها والمنزل أكثر ظلمةً من الظلام وهي وحدها، تارةً تُغشى من ألم المرض وتارةً من الحزن، وحدها في المنازل تتصوّر إحمرار السماء وتنظر دماء الحسين على يديها، وتصرُخ بلا مواسي، تطلُب من الله أن ترى وجه أبي قبل أن تزهق روحها..لكنها لا تراه، تتمنى أن تُقبّل كفيه ورأسه.. لكنه بعيد، بعيدٌ جدًا!




ولا أحد غير غربان الشؤم تصيح في وجهها كل يوم وتخبرها بالحزن العظيم الذي سيقع على قلبها، والفاجعة التي ستحلّ على رأسها. آهٍ يا فاطِمة لحالكِ وحالي.. آهِ لنا بعد يوم العاشر!

عطر الولايه
24-10-2016, 08:03 PM
تنتحبُ وتنشج "حميدة" في حضن والدي، ودموعه تتساقط على رأسها المُثقل بعظم المصيبة، وقلبها أكثر حرارةً من الجمر الملتهب، وهي تجترُّ حديثها من بين الدموع لتقول يا خال إن روحي تتصدّع لفقد والدي، أنا يا خال لم يمرّ ببالي أن سفرهُ هذا يطول ولا أرى نور وجهه أبدًا، لم أدرِ أن روحي لن يحتضنها ظل الأب بعد هذا اليوم. بكى والدي معها وارتفع صوته وهو يقول لها أنا أبوكِ وبناتي أخواتكِ يا بُنية.


انتحبتُ أنا وعزلت نفسي جانبًا لأبكي متذكرةً ظهر عاشوراء، فحميدة ستفقد والدها الحسين أيضًا، ستتأجج جمرة قلبها أكثر وستُحرق قلبها حزنًا وحسرات، وسأحتضنها وأصيح برفيع صوتي لقد رحل والدي يا حميدة، وضاع أملي وكُل عيشي السعيد قد مات.
نعم انشجي يا حميدة واندبي فهذا اول المصاب، واللهُ معيننا على الآتي، والله كافلنا من بعد الحسين

صحت عبّاس هل تسمع يخيّ ماي

سكت مارد صحت طيحن يخيماي

الأرض تبچي على اطفالك يخيماي

طحت بس العرش دنّگ تجيّه

ناصر الصالحي


صوت بكاءٍ مرتفع ضجّ لأجله المخيم ودهُش له الأطفال، هرعت لأرى ما الأمر فإذا بأبي محتضنًا عمي العباس وعيناه تدور والأرض تحتهما تضطرب.. ركضتُ متعثرةً بعباءتي وأشعر بروحي تريد الخروج قبل أن ترى جماله قاصدًا السهام، قبل أن ترى ضوءه خافتًا منخسفا.

التفت إلي وقال بنية ارجعي إلى الخيمة لكي لا يصيبكِ سهمٌ من الأعداء. عمّاهُ دع كل السهام تصيبني، ولا يصيبني سهم فقدك، دع بصري يذهب ولا تذهب أنت يا ماء عيني.. أخذني بين يديه وأتى بي إلى الخيمة، أحتضنته وانتحبت. أخذ يقرأ عليّ آيات الله ثم قام متوجهًا نحو فرسه والريح تتعلّق بردائه وتملأ أنفاسي بعطره. وذهب قاصدًا العلقمي.


والدي وعمتي وكل من في المخيم قلوبهم ترجف وأركانهم منهدّة، وأنا أنظر إلى الراية التي نشرها عمي فوق خيمته وكتَب عليها "نصرٌ من الله وفتحٌ قريب"، لم يذهب عمي يومًا بلا رجعة وقد وعدني بالماء ورؤية جمال غرّته، رحت بجانب عمتي أنظر كيف تتطاير الرؤوس من بين يديه، ليس الرؤوس فحسب بل أجسادهم بكاملها تتطاير من حوله وكأنما نسرٌ جاء يخطف أجسادهم. تهلّل وجهي وارتاح قلبي..


عبّاس هذا إذا ما كرّ مغتَضِبًا

يحيضُ عن وجلٍ من صوتهِ الذكرُ –

محمد الحرزي


ساعة وإذا بوالدي جاء بلا عمامة، وثيابه مصبوغةٌ بدمٍ مختلف عن بقية الدماء التي جاء بها من قبل، دمٌ له رائحة المسك ورائحة الغيرة..ركضتُ نحوه وما إن رآني حتى صفق براحتيه وعلا صوت نحيبه، ماذا جرى يا أبة؟ أين قرة العين؟ لم يجبني بل مشى محنيّ الظهر نحو الخيمة التي بوجودها ترتاح نفوسنا وقصد إلى عمودها وأرخاه، تهاوت الخيمة على رؤوسنا، على قلوبنا..

تربّع والدي وعمتي زينبُ قبالته ونحنُ حولهما والمكانُ ضجّ من البكاء، والأرض تموج حزنًا من حزن والدي وقد علا صوته قائلاً " واضيعتنا بعدك يا أبا الفضل.." ،ما كتبته في النهاية مقتبس من كتاب العباس بن علي بطل رائد الكرامة والفداء في الاسلام-باقر القرشي

يسور المرمر الماله مصاعيد

يصل الرمل يمنفر العرابيد

يطير السعد يمعذْب الصياييد

حاطت بيه وفوق الرمح وكّر

***




صهل جواد أبي عند الخيام فهرعت إليه عمتي زينب وأنا خلفها أعدو، فإذا هو محني الظهر دامع العين وسرجهُ ملوي، ويكسو ناصيته دمٌ قانٍ، دم جدّي رسول الله.. خاطبته عمتي تسأله عن والدي وهو لا يجيب إلا بجريان الدموع. خرجنا جميعًا لاطمات الخدود قاصداتٍ المولى التريب فإذا بعدو الله وأقذر خلقه مرتقٍ أعظم مرتقى.. تمنّيت عمي العباس معنا يرى الشمر يضرب عمتي برمحه ويُنحّيها عن جسد الحسين وهي تريد أن تشمّ جراحات والدي وتحسب عددها..



رجعنا للخيمة ولذنا برداء أخي زين العابدين وقلوبنا بين رحى المصاب مطحونة وننتظر كسف الشمس وإعوال الملائكة. ومامن صوتٍ سوى صوت "ملاذي حُسين"..



أتى الزلزال ونكّس أخي رأسه واقتحمت النيران خيماتنا وما درينا ماذا نفعل! حتى جاء صوت خليفة الله "عليكن بالفرار"..