المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرد على شبهة البكاء على الميّت



الشيخ ابو اسد الله
14-08-2017, 03:11 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي تجلى للقلوب بالعظمة ، واحتجب عن الابصار بالعزة ، واقتدر على الاشياء بالقدرة ، فلا الابصار تثبت لرؤيته ، ولا الاوهام تبلغ كنه عظمته ، تجبر بالعظمة والكبرياء ، وتعطف بالعز والبر والجلال ، وتقدس بالحسن والجمال ، وتمجد بالفخر والبهاء ، وتهلل بالمجد والآلاء ، واستخلص بالنور والضياء . خالق لا نظير له ، وواحد لاند له ، وماجد لا ضد له ، وصمد لا كفو له ، وإله لاثاني معه ، وفاطر لا شريك له ، ورازق لا معين له ، الاول بلا زوال والدائم بلا فناء ، والقائم بلاعناء ، والباقي بلا نهاية ، والمبدئ بلا أمد ، والصانع بلا ظهير، والرب بلا شريك ، والفاطر بلا كلفة والفاعل بلا عجز . ليس له حد في مكان ولا غاية في زمان ، لم يزل ولا يزول ولن يزال ، كذلك أبدا هو الاله الحي القيوم ، الدائم القديم القادر .
والصلاة على أشرف أهل الاصطفاء محمد بن عبدالله سيد الانبياء ، وعلى آله الحافظين لما نقل عن رب السموات والأرضين , واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين .

أكثرنا قد جرّب الحزن و التأثر عند فقدان الأحبة كونه أمر جُبلت عليه الفطرة الإنسانية ، فإذا ابتلي إنسان بمصاب عزيز من أعزّائه أو فلذة من أفلاذ كبده وأرحامه ، يحسّ بحزن شديد يتعقّبه ذرف الدموع على وجناته ، دون أن يستطيع أن يتمالك حزنه أو بكاءه .
ولا يوجد عاقل ينكر هذه الحقيقة إنكار جد و موضوعية ، ومن الواضح بمكان أنّ الإسلام دين الفطرة يجاريها ولا يخالفها.
قال سبحانه: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] .
ولا يمكن لتشريع عالمي أن يحرم الحزن و البكاء على فقد الأحبة إذا لم يقترن بشي‏ء يغضب الرب .
ومن حسن الحظ نرى أنّ النبي (صلى الله عليه و آله وسلم) والصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان ساروا على وفق الفطرة .
فهذا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) يبكي على ولده إبراهيم ، ويقول: « العين تدمع ، و القلب يحزن ، و لا نقول إلّا ما يرضي ربنا ، و إنّا بك يا إبراهيم لمحزونون ».
روى أصحاب السِّيَر و التاريخ ، أنّه لمّا احتضر إبراهيم ابن النبي ، جاء (صلى الله عليه و آله و سلم ) فوجده في حجر أُمّه ، فأخذه و وضعهُ في حجره ، و قال : « يا إبراهيم إنّا لن نغني عنك من اللّه شيئاً - ثمّ ذرفت عيناه - و قال : إنّا بك يا إبراهيم لمحزونون ، تبكي العين و يحزن القلب و لا نقول ما يسخط الربّ ، و لو لا أنّه أمرٌ حقٌّ و وعدٌ صدقٌ و أنّها سبيل مأتيّة لحزَنّا عليك حزناً شديداً أشدّ من هذا».
و لمّا قال له عبد الرحمن بن عوف : أو لم تكن نهيت عن البكاء ؟ أجاب بقوله: « لا، و لكن نهيتُ عن صوتين أحمقين و آخرين ، صوت عند مصيبة وخمش وجوه و شقّ جيوب و رنّة شيطان ، و صوت عند نغمة لهو، و هذه رحمة ، و من لا يَرحم لا يُرحَم » (1) .
و ليس هذا أوّل وآخر بكاء منه ( صلى الله عليه و آله و سلم ) عند ابتلائه بمصاب أعزّائه ، بل بكى ( صلى الله عليه و آله و سلم ) على ابنه « طاهر» و قال : « إنّ العين تذرف ، و إنّ الدمع يغلب و القلب يحزن ، و لا نعصي اللّه عزّ و جلّ » (2) .
و هذا هو ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ينعى جعفراً ، و زيد بن حارثة ، و عبد اللّه بن رواحة ، وعيناه تذرفان (3) .
و هذا هو (صلى الله عليه و آله و سلم) زار قبر أُمّه وبكى عليها و أبكى من حوله (4) .
و هذا هو (صلى الله عليه و آله و سلم) يقبّل عثمان بن مظعون و هو ميّت و دموعه تسيل على خدّه (5) .
و هذا هو (صلى الله عليه و آله و سلم) يبكي على ابن لبعض بناته ، فقال له عبادة بن الصامت : ما هذا يا رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله و سلم ) ؟ قال : « الرحمة التي جعلها اللّه في بني آدم ، و إنّما يرحم اللّه من عباده الرحماء » ( 6 ) .
و هذه الصدّيقة الطاهرة تبكي على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) ، و تقول : « يا أبتاه من ربّه ما أدناه ، يا أبتاه أجاب ربّاً دعاه ، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه ، يا أبتاه جنّة الفردوس‏ مأواه » ( 7 ) .
وهذه عمّة جابر بن عبد اللّه جاءت يوم أُحُد تبكي على أخيها عبد اللّه بن عمر، و قال جابر: فجعلتُ أبكي و جعل القوم ينهوني و رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لا ينهاني ، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) : « ابكوه و لا تبكوه فو الله ما زالت الملائكة تظلّله بأجنحتها حتى دفنتموه» (8) .
أما أصحاب الخلاف فيروون عن عمر بن الخطّاب و عبد اللّه بن عمر أنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه و آله و سلم) قال: « إنّ الميّت يعذَّب ببكاء أهله » (9) .
وجواباً على ذلك نقول : إنّ ظاهر هذا الحديث يخالف فعل عمر في مواطن كثيرة أثبتها التاريخ .
منها : أنّه بكى على النعمان بن مقرن المزني لَمّا جاءه نعيه ، فخرج و نعاه إلى الناس على المنبر، و وضع يده على رأسه يبكي ( 10 ) .
و منها : بكاؤه على خالد بن الوليد عندما مات و امتنعت النساء من البكاء عليه ، فلما انتهى ذلك إلى عمر، قال : و ما على نساء بني المغيرة أن يرقن من دمعهنّ على أبي سليمان ما لم يكن لغواً و لا لقلقة (11) .
و منها: بكاؤه على أخيه زيد بن الخطّاب ، و كان صحبه رجل من بني عدي ابن كعب فرجع إلى المدينة ، فلمّا رآه عمر دمعت عيناه ، و قال : و خلّفت زيداً قاضياً و أتيتني (12 ) .
فالبكاء المتكرّر من عمر يرشدنا إلى أنّ المراد من الحديث- لو صحّ سنده- معنى آخر، كيف و أنّ ظاهر الحديث لو قلنا به فإنّه يخالف الذكر الحكيم ، أعني قوله سبحانه : ( وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏) , فأيّ معنى لتعذيب الميّت ببكاء غيره عليه !!
كلّ هذه النقول توقِفنا على أنّ المراد من الحديث « إنّ الميّت يعذَّب ...» - إن صحّ سنده- غير ما يفهم من ظاهره ، و قد كان متحفا بقرائن سقطت عند النقل ، و لأجل ذلك توهّم البعض حرمة البكاء على الميّت استناداً إلى هذا الحديث ، غافلًا عن مرمى الحديث و مغزاه .
وقد أخرج مسلم في صحيحة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال: ذكر عند عائشة قول ابن عمر: الميت يعذب ببكاء أهله عليه ، فقالت : رحم اللّه أبا عبد الرحمن ، سمع شيئاً فلم يحفظه ، إنّما مرّت على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) جنازة يهودي ، و هم يبكون عليه ، فقال : أنتم تبكون و انّه ليعذب ( 13 ) .
وأخرج أبو داود في سننه عن عروة عن عبد اللّه بن عمر قال : قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) : إنّ الميّت ليعذّب ببكاء أهله عليه ، فذكر ذلك لعائشة فقالت - و هي تعني ابن عمر- : إنّما مرّ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) على قبر يهودي فقال: إنّ صاحب هذا ليُعذَّب و أهله يبكون عليه . ثمّ قرأت {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] ( 14 ) .
قال الشافعي: ما روت عائشة عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) أشبه أن يكون محفوظاً عنه ( صلى الله عليه وآله وسلم) بدلالة الكتاب و السنّة ، فإن قيل : فأين دلالة الكتاب ؟ قيل : في قوله عزّ و جلّ: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] و {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } [النجم: 39] و قوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } [الزلزلة: 7، 8] و قوله: { لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى } [طه: 15] .
و أخرج مسلم عن ابن عباس: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) : « إنّ الميت يعذّب ببكاء أهله عليه » ، فقال ابن عباس : فلمّا مات عمر ذكرت ذلك لعائشة ، فقالت: يرحم اللّه عمر، لا و اللّه ما حدّث رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) إن اللّه يعذّب المؤمن ببكاء أحد، و لكن قال: إنّ اللّه يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه ، قال: و قالت عائشة : حسبكم القرآن : {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] (15).
و بذلك ينتفي إشكال البكاء على الميت لأنّ تعذيب المؤمن ببكاء أهله عليه يتضاد مع الذكر الحكيم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
(1) السيرة الحلبية: 3/ 348.
(2) مجمع الزوائد للهيثمي: 3/ 8.
(3) صحيح البخاري: كتاب المناقب في علامات النبوّة في الإسلام؛ سنن البيهقي: 4/ 70.
(4) سنن البيهقي: 4/ 70؛ تاريخ الخطيب البغدادي: 7/ 289.
(5) سنن أبي داود: 2/ 63؛ سنن ابن ماجة: 1/ 445.
(6) سنن أبي داود: 2/ 58؛ سنن ابن ماجة: 1/ 481.
(7) صحيح البخاري، باب مرض النبي و وفاته؛ مسند أبي داود: 2/ 197؛ سنن النسائي: 4/ 13؛ مستدرك الحاكم: 3/ 163؛ تاريخ الخطيب: 6/ 262.
(8) الغدير: 6/ 164- 167.
(9) صحيح مسلم: 3/ 41- 44، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه من كتاب الصلاة.
(10) العقد الفريد: 3/ 235.

(11) العقد الفريد: 3/ 235.
(12) العقد الفريد: 3/ 235.
(13) صحيح مسلم: 3/ 44، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه من كتاب الصلاة.
(14) سنن أبي داود: 3/ 194، برقم 3129.
(15) صحيح مسلم : 2 /641 بترقيم الشاملة آلياً .

الغاضري
14-08-2017, 05:48 PM
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
احسنتم واجدتم شيخنا المفضال على موضوعكم القيم وردكم لهذه الشبهة
سائلا الله تعالى لكم دوام التوفيق وبإنتضار المزيد من ابداعكم
تقبلوا مروري.