المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إعتراضات إبن قدامة المقدسي الحنبلي صاحب " المغني " على حديث الغدير وردها



عطر الولايه
10-09-2017, 02:15 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين


إعترض صاحب المغني بما نقل عن شيخه بما حاصله : أن معنى الخبر الإبانة عن الفضل القطعي بحسب الأزمان ، فأوجب رسول الله (صلى الله عليه وآله) موالاته على القطع من غير اختصاص بالحاضرين ، وهذه منزلة أشرف من منزلة الإمامة تختص به ، ودلوا على أن المراد بمولى ما ذكروه بقوله تعالى {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا} [محمد: 11] وأن المراد بذلك موالاة الدين والنصرة ، وبقوله تعالى {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ} [التحريم: 4] وبينوا أن الموالاة وإن كانت مشتركة ، فقد غلب عرف الشرع في استعمالها في هذا الوجه ، قال الله تعالى {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } [التوبة: 71] ويدل على هذا " اللهم وال من والاه " وقول عمر " أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة " يدل على أن هذا هو المراد انتهى كلامه بعضه بالمعنى وبعضه باللفظ (1) .
وحاصله : أن الموالاة وإن كان كانت بحسب اللغة النصرة ، لكن ربما كان استعمالها في هذا المقام في كمالها الذي هو موافقة الظاهر للباطن ، ولهذا لا يختص الدعاء بالموالاة بالحاضرين في المكان والموجودين في الزمان .
وفيه أنه ظهر من كلامه عدم حكمه بعدم تواتر المقدمة ، وظاهر أن قوله (صلى الله عليه وآله) " ألست أولى بكم من أنفسكم " لا يناسب غير الأولوية في أمور الأمة ووجوب الطاعة ، فذو المقدمة مثلها . وأيضا قول عمر " أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة
وأيضا يجب حمل اللفظ على معنى يفهمه الناس ، وظاهر أن الأولوية المذكورة في المقدمة مما يفهم العامة والخاصة ، منها معنى الأولوية في أمرهم ووجوب إطاعتهم ، ولا يفهم منها أحد ممن يخلو نفسه عن الأغراض ما ذكره ، فكيف يحمل الكلام الذي صدر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمجمع عام مع اهتمامه التام في الاسماع لإفهامهم على معنى لا يفهمه أحد منهم أو أكثرهم وأيضا أصبحت في قول عمر يدل على أن حصول هذه الحالة كان في هذا اليوم ، ولو كان المراد كما ذكره كان الحصول سابقا والاظهار في هذا اليوم .
وأيضا استدلاله (عليه السلام) بهذا الخبر في الشورى يدل على دلالته على الإمامة ، سواء كانت باعتبار المزية التي تظهر منه على ما نقلنا من شيخ صاحب المغني ، أو للدلالة على أولويته بالأمر ، وإلا لم يكن الحق دائرا معه (عليه السلام) ، وهو خلاف الرواية المنقولة بطرق الخاصة والعامة المسلمة بين الفرق .
لا يقال : استدلاله بهذا الخبر في الشورى لا يدل على ادعائه الإمامة بهذا الخبر في هذه المرتبة لا قبل الأول .
لأنا نقول : استدلاله بهذا الخبر يدل على استحقاقه الإمامة أول الأمر ، لدلالة الخبر على أنه (عليه السلام) مولى لمن كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مولاه ، وكونه (صلى الله عليه وآله) مولى عام فكذا أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وعدم القائل بإمامته (عليه السلام) بعد عمر.
وتوهم السؤال هاهنا بدلالة الخبر على إمامته (عليه السلام) في زمانه (صلى الله عليه وآله) على تقدير حقية ما ذكر ، مثل السؤال المذكور في آية الولاية .
والجواب مثل الجواب المذكور هناك مع زيادة ، هي أن السامعين لمثل هذه المقالة من الأنبياء والأئمة والسلاطين والمشايخ يفهمون منه الاستخلاف الذي هو النيابة بعد الوفاة لا الشراكة حين الحياة .
قال صاحب المغني بعد منع كون المراد من المقدمة وجوب الطاعة والانقياد ، وتجويز كون المراد بها الاشفاق والرحمة وحسن النظر ، ما حاصله : أنه على تقدير تسليم أن المراد بالمقدمة ما ذكروه ، فلا نسلم وجوب رعاية موافقة معنى المقدمة في الجملة التالية ، بل تقديم المقدمة للتأكيد عليهم ، مثل قوله (صلى الله عليه وآله) ، إنما أنا لكم مثل الوالد ، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط ، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط وبول (2) .
فكأنه (صلى الله عليه وآله) قال : ألست أولى بكم في بيان الشرائع والأحكام ، فإذا كنت كذلك في بيان الدين ، فمن يلزمه موالاتي ونصرتي وإطاعتي ظاهرا وباطنا ، فليوال عليا على هذا الحد ، ولو صرح بما ذكرته كان خارجا عن العبث .
وقال السيد في جوابه ما حاصله : قد يكون اللفظ محتملا لأمر منفرد أو لا يحتمله منضما ، كما أنه إذا قال صاحب عبيد : عبدي حر ، فلفظه مجمل محتمل لكل واحد من عبيده ، وبأيهم فسره فهو مقبول ، وإذا عين أحد عبيده بصفات وقال بعدها : عبدي حر ، فالمراد هو العبد المعين ، ولو فسره بغيره فهو خطأ واضح .
وما شبهه بقوله (صلى الله عليه وآله) " إنما أنا لكم مثل الوالد " الخ خارج عن المشابهة ، لأن تعيين المقدمة لمعنى التالي لها إنما هو في موضع يحتمل المؤخر معنى المقدم ، والمثال ليس كذلك ، وجواز أحدهما وعدم جواز الآخر واضح ، وكذلك مخالفة حكم التصريح والاجمال ، وجواز التصريح بهذا وعدم جواز الاجمال مع إرادة هذا المعنى (3) .
وأقول : موالاته ونصرته (عليه السلام) ظاهرا وباطنا مثل موالاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونصرته مأخوذ على الأمة ، بناء على هذا الاحتمال فكيف حال أهل الشورى ؟ أليس ذكر مناقبه (عليه السلام) التي منها حديث الغدير في يوم الشورى في مقام استدلاله (عليه السلام) على استحقاق الأمر دعوى منه بالاستحقاق ؟ أو لم يكن هذا استنصارا منه (عليه السلام) بهم وبغيرهم ممن قال بوجوب إطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله) ؟ ألم يكونوا مندرجين في دعاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) على من خذله (عليه السلام) ؟ أليس ما فعلوه تركا لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورعاية ما قاله ابن الخطاب ضمنا - كما يظهر في مبحث الشورى ... - وابن عوف صريحا ؟
تأمل فيما يقول المنكر للولاية لابقاء الاعتقاد الذي وجد آباءه وكبراءه عليه ، فافرض احضارك للحساب ، وهيأ الجواب ليوم المآب ، واتبع الصادق المصدق الذي لم يتكلم عن الهوى ، ولا ترض بمساواتك لمن رد قول الصادق المصدق بقوله {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ } [الزخرف: 23] .
نقل صاحب المغني عن شيخه أبي الهذيل ما حاصله : أن بعض أهل العلم نقموا على علي (عليه السلام) بعض أموره ، فظهر على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فأخبر منزلته (عليه السلام) دفعا للفتنة ، وقال بعضهم : إن سبب ذلك أنه وقع كلام بين أمير المؤمنين (عليه السلام) وبين أسامة بن زيد ، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : أتقول هذا لمولاك ، فقال : لست بمولاي بل مولاي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فقال (صلى الله عليه وآله) : من كنت مولاه فعلي مولاه ، يريد بيان منزلته (عليه السلام) ، وقال بعضهم مثل ذلك بينه وبين زيد بن حارثة ، وأنكروا كون خبر الغدير بعد موت زيد .
أقول : وإن لم يرض القاضي بما قاله شيخه ، وقال : المعتمد في معنى الخبر ما قدمناه ، لأن كل ذلك لو صح وكان الخبر خارجا ، فلم يمنع من التعلق بظاهره وما يقتضيه لفظه ، فيجب أن يكون الكلام في ذلك دون بيان السبب الذي وجوده كعدمه في أن وجود الاستدلال بالخبر لا يتغير ، لكن لما جوز بعض المتأخرين هذه الاحتمالات ، وكانت شبهة لبعض الناظرين ، نقلته مع بعض ما يتعلق به .
وحاصل بعض ما ذكره السيد في جوابه الحوالة بما ذكره سابقا من اقتضاء الخبر الإمامة ، فما ينافي الاقتضاء فهو باطل . وأما نسبة المنازعة إلى خصوص زيد ، فباطل بوجه آخر ، وهو أنه قتل بموتة ، وحديث الغدير بعد المراجعة من حجة الوداع ، وبينهما زمان طويل (4) .
وأيضا لو كان المقصود من الخبر ما ذكروه ، لما حسن من أمير المؤمنين (عليه السلام) احتجاجه به في الشورى ، ولوجب أن يقول القوم في جوابه : سبب هذا الخبر كيت وكيت فلا يدل على فضلك ، فالاحتجاج والسكوت شاهدان على بطلان الاحتمالات المذكورة .
وأيضا على ما ذكروه لم يكن لقول عمر على ما تظاهرت به الروايات " أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة " معنى .
اعلم أن بعض ما ذكر من الاستدلال بخبر الغدير استدلال به مع المقدمة وبعضه عام ، ويمكن الاستدلال به من غير حاجة إلى المقدمة بقوله (صلى الله عليه وآله) " اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله " بأن نقل الشيعة متواتر في كونه مدعيا للإمامة في أول الأمر في مواضع يمكن اظهاره ، وكونه متواترا لا ينافي عدم ظهوره للمنكرين لاعتقادهم بضد ذلك ، باعتبار عدم التخلية في المستدلين والتبعية لهم في المقلدين ، والاعتقاد بالضد مانع لظهور الحق وإن كان متواترا ، ولهذا لم يظهر معجزة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لليهود والنصارى وسائر المنكرين .
وكما يدل النقل على دعوى الإمامة ، كذلك سيرته (عليه السلام) في الامتناع عن البيعة على قدر الإمكان أولا ، وإظهاره كونه مظلوما في بعض المواضع آخرا ، كما يظهر لك عند بلوغ النوبة إليه إن شاء الله تعالى ، وإذا كان مدعيا للأمر ، ووجب موالاته ونصرته ، ويستحق المعاداة والخذلان من عاداه وخذله ، فالأمر حق له ، فذكر المقدمة ليس لحاجة المطلوب إليها بل للأظهرية ، بل لك استنباط المطلوب من قوله (صلى الله عليه وآله) " واخذل من خذله " من غير حاجة إلى الكلام السابق مطلقا .
________________
(1) الشافي 2 : 283 عنه .
(2) مسند أحمد بن حنبل 2 : 247 .
(3) الشافي 2 : 304 - 305 .
(4) الشافي 2 : 311 - 313 .