المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اخرجوا من زنازين أنفسكم لتلتقوا بعليّ (ع)



عطر الولايه
12-09-2017, 02:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين

منهج علي (ع) في الحياة

في مناسبة الغدير، وغدير عليّ (ع) هو غدير الحياة كلها، بكل روحانيتها وأخلاقيتها ورساليتها،لأنّ علياً(ع) هو الإنسان الذي عاش لله تعالى كل حياته، وفتح عقله للحياة في كل امتداداتها، وأراد للإنسان في كل زمان ومكان أن يعيش الصفاء والنقاء والعقل والتوازن والتواضع، وأن يكون إنسان الخير في كل علاقاته بالناس وبالحياة كلها.
ـ انسان الروح والرسالة
إن علياً(ع) لم يرد للإنسان أن يكون مجرد جسد يرتبط بلذاته، ولكنه أراد له أن يكون عقلاً وفكراً وروحاً ورسالة، بحيث يعيش لله وللإنسان وللحياة، لتغتني الحياة بعقله مما يعطيها من عقل، ومن قلبه مما يعطيها من محبة، ومن طاقاته من خلال ما يعطيها من خير. هكذا أراد الإمام عليّ(ع) للإنسان، أن يعيش في الأعالي ليسمو ليكون القريب من الله تعالى، لا أن يعيش في الأسفل ليكون القريب من الشيطان.
ـ الاخلاص لله ولرسوله:
لذلك، نحن نحتاج دائماً إلى أن نستمع إليه في كلماته القصار والطوال، ونستمع إليه وهو يبتهل إلى الله، وهو يوصي وينصح وينقد ويحاور ويعالج المشاكل في حياته. إن علياً (ع) كبير كبير لا تتّسع الدنيا له، لأنه أكبر منها، وعليّ (ع) العظيم العظيم الذي عاش عظمته في عبوديته لله وفي إخلاصه له، وفي إخلاصه لرسول الله (ص)، وفي جهاده للرسالة كلها. لذلك، إذا أردتم أن تكونوا مع عليّ (ع) فكونوا مع الله تعالى، وكونوا مع رسول الله (ص)، ومع الإسلام، لا تدخلوا في زنازين أنفسكم، لأن عليّاً لم يعش في زنزانة نفسه، وإن كانت نفسه تعيش كل الرحابة، كان عليّ يعيش الأفق الرحب، ويحبّ الناس كلهم، يحبّ الذي يلتقي معه ليتعاون معه، ويحب الذي يختلف معه ليتحاور معه وليهديه سواء السبيل.
ـ غنى العقل:
هكذا يجب أن نفهم شخصياتنا الإسلامية، أن لا نحبسهم في تعقيداتنا النفسية وفي أحقادنا الطائفية، لقد عاش عليّ (ع) الرحابة في الأفق وعلينا أن نعيش هذه الرحابة، فتعالوا لنستمع إلى وصيته لولده الإمام الحسن (ع): "يا بني، احفظ عني أربعاً وأربعاً، لا يضرك ما عملت معهن - إذا حفظت هذه الوصايا الثمان فانك تستطيع أن تغني كل حياتك، لأنها تملأ الحياة كلها، فلا يضرك شيء خارجها - إن أغنى الغنى العقل"، ليست المسألة أن تكون غنياً في مالك، هب أنك تملك الدنيا، ولكن هذا المال مهما كثر لا يمثل شيئاً يُغني ذاتك، هل يزيد عقلك وعلمك بزيادة مالك؟ هل يزيد حجم قلبك بزيادة مالك؟ المال شيء خارج عن كل ذاتك، تملكه قانونياً ويملكك من خلال طمعك.
لذلك، إذا كنت غنياً ولكنك غبي، أو بليد، أو لا عقل معك، أو كنت فقيراً بعقلك وقلبك، فأي غنى هو هذا؟! أن توقّع الشيكات هذا ليس غنى، هذا شيء خارج ذاتك، لكن أن تعطي فكراً جديداً، أن تعطي للحياة عقلاً جديداً، أن تعطي من قلبك للحياة حباً ونبضة خيّرة وأن تعطي من طاقاتك ما يرتفع مستوى الحياة معها، ذاك هو الغنى لأنك عشت الحياة وأعطيتها، أغنيت الإنسان بغنى عقلك، وأغنيت الحياة في تطورها في الحاضر والمستقبل بتطور عقلك، إن الذين ملكوا العقول وحرّكوها هم الذين أعطوا الحياة غناها وتطورها وتقدّمها، وقد قال عليّ (ع): "هلك خزّان الأموال وهم أحياء، والعلماء - الذين يعيشون العلم النافع - باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة - هم تحت التراب - وأمثالهم في القلوب موجودة"..
ـ التوازن في النظرة:
ويُكمل عليّ (ع) وصيته: "وأكبر الفقر الحمق - الأحمق هو الإنسان الذي لا يملك توازن العقل والنظرة الى الأشياء، بحيث ينظر إلى الحياة ويتخذ المواقف بطريقة غير متوازنة، ويعيش مع الناس بأسلوب غير متوازن، فهل هناك أشد من هذا الفقر، إنه لا يستطيع أن ينفع نفسه ولا غيره، بل قد يضر نفسه وغيره من حيث يريد أن ينفعهما - وأوحش الوحشة العُجب - ليست الوحشة هي أن لا يكون لك أنيس من الناس حولك، ولكن عندما تعيش العُجب لنفسك، أو عندما تتضخّم شخصيتك عند نفسك فترى أنك أعظم الناس وأعلم العلماء وأعقل العقلاء، فتحتقر الآخرين من حولك، وتعيش مع نفسك ولا تعيش مع الآخرين.
ـ التواضع وحسن الخلق:
أما المتواضع الذي يرى لنفسه علماً وعقلاً، فيحاول أن يضم علمه وعقله إلى علم الآخرين وعقلهم، فيشعر بحاجته إلى الناس فيما يملكون من علم وعقل يعترف به، وفيما يحتاج الناس إليه، هذا الإنسان الذي يعيش الأنس بالناس في ما يملكون من طاقات - وأكرم الحسب حسن الخلق" - إذا أردت حسباً يرفعك فليس الحسب هو ما تملك من نسب ممتد في التاريخ، لأن نسبك ليس أنت، أبوك كان عالماً كبيراً فما دخلك في علم أبيك، نسبك لا يعطيك قيمة، الذي يعطيك القيمة هو أن تمتلك القيم الأخلاقية، فالأخلاقية أن تكون الإنسان الذي يعيش حُسن الخلق مع أهله، فلا يكون أهله أشقى الناس به، وفي مجتمعه فيرتاح مجتمعه معه، ويعيش حسن الخلق مع الحياة، فلا تشكو الحياة من أخلاقه عندما يتعامل معها في القضايا، ونحن نقرأ في القرآن الكريم أن الله تعالى لم يتحدث عن نبيه إلا بأخلاقه، لم يتحدث عن عبادة رسول الله (ص) وهو الذي كان يعبد الله كأفضل ما تكون العبادة، ولم يتحدث عن علمه وقد كان سيد العلم، بل تحدث عن أخلاقه: {وإنك لعلى خلق عظيم}..
ـ الابتعاد عن الأحمق:
وينتقل الإمام عليّ (ع) ليوصي ولده ويوصينا من خلال ولده بمن نصادق، لأن قضية أن يعاشر الإنسان الناس هي أن يختار عشيره وصديقه، لأن قصة الصديق ليست قصة إنسان يكون معك وتكون معه، ولكن الصديق يدخل في حياتك ويترك تأثيره عليها سلباً أو إيجاباُ، إن الصداقة تعني أن هناك نوعاً من الاندماج بين الصديق وصديقه، ولذلك قيل: "قل لي من تعاشر أقل لك من أنت"، فيقول (ع): "يا بني، إياك ومصادقة الأحمق - هذا الذي لا يعيش التوازن في عقله وعاطفته ومواقفه - فإنه يريد إن ينفعك فيضرّك - لأنه لا يعيش التوازن في فهم الأشياء والحاجات والقضايا - وإياك ومصادقة البخيل، فإنه يقعد عنك أحوج ما تكون إليه - هو غير مستعد لمعاونتك في الوقت الذي تكون فيه بأشدّ الحاجة إليه - وإياك ومصادقة الفاجر - هذا الذي اتخذ الفجور أسلوباً له في الحياة، فإنه لا يعيش القيم الإنسانية والخوف من الله والتقوى - فإنه يبيعك بالتافه - فالمسألة عنده هي كيف يرضي شهواته - وإياك ومصادقة الكذّاب فانه كالسراب يقرّب إليك البعيد ويبعّد عليك القريب"، وقد حذّر الإمام الباقر (ع) من الكذّاب بقوله: "أيّ شيء أشد من الكذّاب، كلما أفنى أحدوثة مطّها بأخرى". ولذلك نجد أن الكذّابين عندما يتحركون في المجتمع، فإنهم يخرّبونه بالإشاعات والكلمات التي تغيّر صورة الأشياء للناس، وقد ورد عندنا في الحديث: "لا يكذب الإنسان وهو مؤمن"، لأن الإيمان يعني الالتزام بالحق، والكذب يعني الارتباط بالباطل.
ـ ذكر المعاد دوماً:
ومن كلمات عليّ (ع): "طوبى لمن ذكر المعاد - فإنه يذكر دائماً اليوم الآخر، عندما يعيش في بيته وقبل أن ينام أو يخرج إلى عمله، ومشكلتنا أننا لا نذكر اليوم الآخر، ولهذا فإننا لا نحسب حساب الوقوف بين يدي الله تعالى - وعمل للحساب، وقنع بالكفاف"، عندما يرزقه الله مالاً يكفيه في حياته فإنه يعيش القناعة، وليس معنى ذلك أن لا يعمل أكثر، بل أن لا يطمع بما لا يستطيع الحصول عليه من عمله..
وفي الختام، نستمع إلى كلمته (ع): "إذا رأيت الله سبحانه يتابع عليك نعمه - يعطيك الصحة والأمان والمال والأولاد - وأنت تعصيه فاحذره"، لا تتصوّر من خلال هذه النعم أن الله تعالى قد تركك، بل هو سبحانه يعطيك ليرى هل تشكر أم تكفر.. هذه كلمات عليّ(ع)، وهي النور الذي يُشرق في عقولنا وقلوبنا، فتعالوا إلى غديره نشرب من هذا الماء الصافي، حتى نشرب من صفاء ينبوعه في الدنيا، لنقف غداً عند الحوض حتى يسقينا شربة لا نظمأ بعدها أبداً.
إن الانتماء إلى عليّ (ع) مكلّف، عليّ يُتعب الناس بالخط الأصيل، كما قال عمر بن الخطاب عندما تحدث عن الشورى: "لو وليها عليّ لحملهم على المحجة البيضاء"، لأن علياً ليس لديه شيء من ظلمة العقل ولا القلب ولا الحياة، هو البياض كله لأنه النور كله.

الرضا
12-09-2017, 08:19 PM
الأخت الكريمة
( عطر الولاية )
بارك الله تعالى فيكم على هذا الطرح الموفق
جعله المولى في ميزان حسناتكم