المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شبهات حول التقليد: التقليد الشرعي مخالف للتقليد الذي يدعيه الفقهاء: القسم الثالث



محب الامام علي
27-09-2017, 05:13 PM
ثالثاً: العدالة:
وجوب اتصاف مرجع التقليد بالعدالة هو رأي معظم الفقهاء بشمولية تكاد ترتفع الى مستوى الاتفاق العام.
ورأينا في غير موضع مما تقدم أن اشتراط العدالة في مرجع التقليد أمر مفروغ منه، لأنه المرتكز في أذهان المتشرعة، وعليه جرت سيرتهم، وعلى امتداد تاريخها منذ عصور التشريع الأولى، وحتى يوم الناس هذا.
ومما يدل على اشتراط هذا الشرط في مرجع التقليد مضافاً الى ما تقدم:
الحديث المروي عن الإمام العسكري (8) حيث جاء فيه: فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه.
فان قلت: الحديث المذكور وقع في كتاب التفسير المنسوب الى الإمام ابي محمد العسكري (8)، ونسبة التفسير الى الإمام (8) موضع خلاف بين علمائنا من حيث النفي والإثبات؟
قلت: نعم ويرجع سبب الاختلاف عند بعضهم الى عدم اعتباره السند المذكور، لجهالة محمد بن القاسم، المفسر الاستربادي، أو لتضعيفه من قبل ابن الغضائري، وجهالة من روى عنهما مباشرة، وهما ابن زياد وابن سيار.
وعند بعضهم الآخر لقضايا تاريخية وأخرى عقائدية ذكرت في التفسير لا يعتقد صدورها من المعصوم، لما فيها من الغلو او مايشبهه، وعند غيرهم لورود الحديث في التقليد بأصول الدين، فلا علاقة له بما نحن فيه.
وفي الطرف الآخر، اعتمد الآخرون اعتماد الشيخ الصدوق عليه بالقدر الذي يرتفع به الى مستوى توثيق الاستربادي والوثوق بروايته.
وقد تناول موضوع نسبة التفسير الى الإمام العسكري (8) بالبحث المناسب كل من:
الميرزا النوري في خاتمة المستدرك عند حديثه عن تفسير العسكري وصحح النسبة ايضاً.
والشيخ الطهراني في (الذريعة) عند حديثه عن (تفسير العسكري)، وصحح النسبة ايضاً.
وذكر كل منهما أسماء العلماء النافين للنسبة والعلماء المثبتين لها.
والذي يهمنا هنا ان نشير الى ان التفسير المذكور له سند آخر ذكره ابن شهر آشوب في (المناقب)، كما نقل عنه ذلك في (المستدرك) و(الذريعة) ينتهي الى الحسن بن خالد البرقي، وهو ثقة.
وقال في (معالم العلماء): الحسن بن خالد البرقي اخو محمد بن خالد، من كتبه: تفسير العسكري من إملاء الإمام (8) مائة وعشرون مجلدة([1] (https://forums.alkafeel.net/#_ftn1)).
ومن الغريب أن ابن الغضائري الذي نُقل عنه تضعيف الاسترابادي قد جاء اسم الاسترابادي في إسناد المحقق الكركي في إجازته للقاضي صفي الدين عيسى، راوياً عن الصدوق عن المفسر الاسترابادي عمن روى عنهما عن الإمام العسكري.
ونص الإسناد هو: المحقق الكركي عن أحمد بن فهد عن محمد بن معية عن علي بن عبد الحميد بن فخار الحسيني عن والده عبد الحميد عن علي بن العريضي عن محمد بن شهرآشوب عن محمد بن معبد العلوي الحسني، كلاهما عن الشيخ الطوسي عن ابن الغضائري عن الصدوق عن محمد بن زياد وعلي بن محمد بن سيار عن الإمام العسكري.
وهذا مما يدعونا الى التشكيك في صحة نسبة التضعيف لابن الغضائري.
وقد يكون هذا العدم صحة نسبة كتاب (الضعفاء) اليه كما هو رأي غير واحد من علمائنا.
وعلى أي حال: إن هذا التفسير لا يختلف حاله، من حيث محتوياته، عن كتب الحديث الأخرى أمثال الكافي والتهذيب، ففيه ما يُقبل بلا تأويل، ومنه ما يُقبل مع التأويل.
والاعتماد في تحقيق الحال على القرائن، وهو ما لوح اليه الشيخ الأنصاري في رسالته (الاجتهاد والتقليد) عند استشهاده بحديث التقليد المذكور في أعلاه نقلاً عن التفسير المذكور بقوله: دل هذا الخبر الشريف اللايح منه آثار الصدق على جواز قبول قول من عرف بالتحرز عن الكذب، وإن كان ظاهره اعتبار العدالة بل ما فوقها، لكن المستفاد من مجموعه أن المناط في التصديق هو التحرز عن الكذب. فافهم.
فالمدار في تقييم الرواية هو الوثوق بالصدور، سواء كان هذا عن طريق الوثوق بالراوي او عن طريق القرائن المصاحبة والملابسة للرواية.
وعلى كل حال فالحديث مقبول لاحتفافه بالقرائن مضافاً الى الأدلة الأخرى التي ذكرناها والتي سنذكرها.
واستدل عليه ـ ايضاً ـ ببناء العقلاء بدعوى ان العقلاء لا يساوون بين المستهتر ـ فيما يؤمن به ـ والمتقيد بحرفية ما يقول.
فهم أقرب وثوقاً واطمئناناً الى العامل برأيه من غيره في صورة تساوي اهل الخبرة حتى مع الوثوق بصدق ما يخبر به من رأي.
وهذا النوع من البناء ـ لو نوقش في وجوده ـ بالنسبة الى مطلق أهل الخبرة في بقية المواضع فلا أظن أن المناقشة تتم بالنسبة الى عوالم التقليد ومشابهاته، فالناس بطبعها ترى في المُقَلَد ـ بحكم مهمته التشريعية ـ موضعاً للاقتداء والمحاكاة لا أخذ الرأي عنه فقط.
ومن الصعب عليهم تفكيكهم بين ما يوحيه انحراف شخصيته ـ لو كان ـ والإيمان بقوله.
فهم في هذا الحال ينساقون الى الأخذ عمن توفرت جوانب الملائمة بين فعله وقوله، وترك الآخر، لو خلوا وطبعهم([2] (https://forums.alkafeel.net/#_ftn2)).
كما استدلوا له بامتناع جعل الحجية لرأي الفاسق، بتقريب: أن الشارع لا يمكن أن يلزم بالرجوع الى الفاسق، ويجعله موضعاً لاقتداء ومحاكاة، لعلمه (يعني علم الشارع) أن العامة أسرع ما يكونون الى التأثر بواقع المقلد ومحاكاته منهم الى الأخذ بقوله.
فلو قدر لمقلَّد أن ينهي عن شرب الخمر ـ مثلاً ـ وهو يعاقرها ليل نهار، لكن تأثيره على العوام ـ بعد تلقيهم المسوغ الشرعي في الرجوع اليه ـ في التسامح بشربها أكثر بكثير من ألف قول يصدر عنه بتحريمها، ومن هنا قيل: إن وظيفة المرجع وظيفة إمامة.
وفساد الإمام فساد لرعيته، والأمم إنما تنهار بانهيار ساستها وقادتها.
وما أكثر ما شاهدنا وحدثنا التاريخ من انهيار مجتمعات لانهيار حكامها الذين اتخذوا من أنفسهم قادة للناس او اتخذتهم شعوبهم ـ بدافع من محاكاة الضعيف للقوي ـ مثلاً تقتدي في السلوك([3] (https://forums.alkafeel.net/#_ftn3)).
بل ان بعض الفقهاء اشترطوا درجة عالية من العدالة ولم يكتفوا بما هو المعتبر منها في الشهود وإمامة الصلاة، ومن النصوص المشيرة لذلك ما قاله السيد محمد سعيد الحكيم (دام ظله)، وهو في معرض الاستدلال لشرط العدالة: مع أن اكتفاء العوام بالموثوق معرض للأحكام للضياع، لسهولة حصول الوثوق للعامي بأدنى استئناس له بالشخص او بتجربة يسيرة أو مظاهر كاذبة ونحوها مما لا يكلف القائم بها عناء ولا نصباً، وهو لا يناسب ما هو المعلوم من احتياط الشارع الأقدس للأحكام.
ولعله لذا كان المرتكز عند المتشرعة لزوم حصول المفتي على ملكة عالية من العدالة تقرب من العصمة يحتاج احرازها فيه الى تجربة قاسية لا يقوى عليها الا القليل، تبلغ بالشخص مرتبة القدسية في نفوس الناس تناسب استئمانه على الأحكام، كما أشير اليه في الخبر المتقدم عن تفسير العسكري (8).
وبهذا امتازت الفرقة المحقة ـ زادها الله عزة وشرفاً ـ بين المسلمين، وعليه جرت سيرتهم خلفاً عن سلف متصلاً بعصر المعصومين([4] (https://forums.alkafeel.net/#_ftn4)).
وفي العروة الوثقى للسيد اليزدي: وأن لا يكون مقبلاً على الدنيا وطالباً لها، مكباً عليها، مجداً في تحصيلها، ففي الخبر: Sمن كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام ان يقلدوهR.
وفي تحرير الوسيلة لليد الخميني: يجب ان يكون المرجع للتقليد عالماً مجتهداً عادلاً ورعاً في دين الله، بل غير مكب على الدنيا، ولا حريصاً عليها، وعلى تحصيلها جاهاً ومالاً على الأحوط، وفي الحديث: Sمن كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام ان يقلدوهR.
وفي (الأحكام الواضحة) للشيخ الفاضل اللنكراني: يشترط في المجتهد...والأحوط عدم الأقبال على الدنيا.
وفي أجوبة الاستفتاءات للسيد الخامنئي: نظراً الى حساسية وأهمية منصب المرجعية يشترط ـ على الأحوط وجوباً ـ في مرجع التقليد، إضافة الى العدالة: التسلط على النفس الطاغية وعدم الحرص على الدنيا.

([1]) معالم العلماء: ابن شهرآشوب، ص70.

([2]) الأصول العامة: ص67.

([3]) م. ن.

([4]) مصباح المنهاج: باب الاجتهاد والتقليد.