المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاصول العامة للتأويل في القران



حجي عبد
02-07-2010, 09:47 AM
قال تعالى (( هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات )) آل عمران 7.
لقد وصف أمير المؤمنين (ع) هذا الكتاب بقوله ( ظاهره أنيق وباطنه عميق ) وظهر القران يرمز لآياته المحكمات اللاتي أحكمت عباراتها بان حفظت من الاحتمال والاشتباه ، إما باطن القران فهو يرمز لآياته المتشابهات فلا يتضح مقصودها إلا بالفحص والنظر ، وبما إن المحكمات هن أم الكتاب وإلام هي الأصل إذن فإرجاع الفروع إلى أصلها كما ورد عن أئمة الهدى (ع) ( إرجاع المتشابه إلى المحكم ) أي إرجاع ( البنات إلى أمها ) وعليه فيكون إرجاع المتشابهات إلى المحكمات . إن المحكم يفسر تفسيراً ظاهرياً وأما المتشابه فيؤول تأويلاً باطنياً ، والتأويل مأخوذ من آل - يؤول (رجع - رجوع ) أي إرجاع الشيء إلى أصله ، ومن خلال التأويل يستطيع المؤول الغوص في باطن القرآن العميق الحاوي على بحور علمه الزاخرة التي لا تنفد ولا تبيد قال تعالى {ولو إنما في الأرض من شجر أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم }لقمان 27 إن هذه البحور هي دلالة لعلم الله اللامتناهي والكلمات التي في القرآن هي تمثل كلام الله الظاهر وهي محدودة اما الكلمات التي لاتنفد ولاتبيد فهي بطون القرآن ، ولذلك قال أمير المؤمنين(ع) :(إن باطنه عميق) والمراد بالسبعة أبحر التكثير دون الاختصاص بهذا العدد فالازدياد ممكن ، والبحر الأول هو التفسير المتكفل بظاهر القرأن والسبعة أبحر هي علوم التأويل المتكفلة بباطن القرأن . ان تأويل القران هو من مختصات الأئمة المعصومين (ع) فهو يجري عليهم كجريان الشمس والقمر ، فقد جاء عن الفضيل بن يسار قوله :سألت ابا جعفر (ع) عن هذه الرواية : ( ما في القرآن آية الا ولها ظهر وبطن . قال (ع) : ظهره تنزيله وبطنه تأويله ومنه ما قد قضى ومنه ما يكن يجري كما تجري الشمس والقمر كل ما جاء تأويله شيء يكون على الأموات كما يكون على الاحياء ، قال الله (( وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم )) نحن نعلمه) وسائل الشيعة ج27 ص196.
ان القاعدة العامة للتأويل هي ارجاع المتشابه الى المحكم فقوله تعالى (( اذا الشمس كورت )) فالشمس هو رسول الله (ص) في زمانه وكذلك القمر هو وزيره علي بن ابي طالب (ع) لأن الضياء مصدره الشمس ، والنور مصدره القمر الذي يأخذ نوره من الشمس كما هو معلوم وقوله تعالى (( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً )) يونس 5- وفي روضة الكافي عن جابر عن ابي جعفر قال : ( فضرب الله مثل محمد ( الشمس) ومثل الوصي القمر ) وقد امرنا سبحانه وتعالى بأتباع الوزير أي الوصي وذلك من اجل الفلاح والفوز برضا الله عز وجل حيث قال تعالى (( فالذين امنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه اولئك هم المفلحون )) الاعراف 157.
فلا يتم الفلاح بأن يؤمنواالتأويل،ويعزروه وينصروه فقط بل بأتباع وصيه الذي هو مبعث النور ليجلي دياجير الظلام ، فقد قاتل علي (ع) على التأويل كما قاتل محمد (ص) على التنزيل ، إما في زماننا فيكون انطباق الشمس على الإمام المهدي (ع) ، وذلك لورود الروايات الدالة على ذلك : ( تنتفعون في غيبته كالانتفاع بالشمس إذا غيبها السحاب ) وقد يأتي تأويل القران الكامل ويعمل به بما وعدتنا الاية الكريمة ( يوم يأتي تأويله ) أي يوم القائم لأن زمانه هو اخر الازمان وكل شيء يبرز محتواه في آخره أي بطن القران الذي بين ايدينا وهو العلم التأويلي ، وهذا ما تشير اليه الروايات انه (ع) يأتي بكتاب جديد وما قول أمير المؤمنين (ع) : ( علمني رسول الله (ص) إلف باب وكل باب يفتح الى إلف باب ) إلا إن يكون مصداقاً لذلك ، والتأويل جزء من هذه الأبواب ، وان لعلم التأويل بطون متفرعة ومتشعبة ومصادقيها في القرآن ، فقد جاء عن أمير المؤمنين (ع) قوله : ( إن الكون كله في القران والقران كله في الفاتحة والفاتحة كلها في بسم الله الرحمن الرحيم والبسملة في الباء والباء في النقطة .......) ظاهرها التنزيل وباطنها التأويل ، وبذلك يكون مصدر الفيض من النقطة . ذكرنا إن السبعة أبحر في قوله تعالى { ولو إنما في الأرض من شجر أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم} لقمان 27 ، هي علوم التأويل والمتكفلة بباطن القران ، وكما ورد في حديث رسول الله (ص) ( إن للقران ظهراً وبطناً ولبطنه بطن إلى سبعة أبطن ) عوالي اللألئ ج4ص107 - وقلنا ان السبعة ابحر في هذه الاية المباركة ليس المراد منها التحديد بهذا العدد بل الكثرة ، والازدياد ممكن فقد ورد عن الائمة المعصومين (ع) ( ان للقرأن عشرة بطون ) اقول ان للقرأن ظاهراً (التنزيل )وباطناً( التأويل )ولهذا الباطن سبعة بطون هي (الحروف،الكلمات ، الجمل ، الاشارات ،الدلالات ، الاسرار ، النقطة )فتنبثق من بطن الحروف بحر الحروف ، ومن بطن الكلمات بحر الكلمات ، ومن بطن الجمل بحر الجمل ، ومن بطن الاشارات بحر الاشارات ، ومن بطن الدلالات بحر الدلالات ، ومن بطن الاسرار بحر الاسرار ، ومن بطن النقطة بحر النقط ،.
لقد تطرقنا في هذا البحث عن البطون السبعة التي تنبثق منها البحور السبعة، وأخذنا مصداقاً واحداً كمثال لما ذكرناه.
ثم ان لقاعدة القيود والافراد في المنطق انطباقاً واضحاً في التأويل فكلما زادت القيود قلت الافراد في الخارج وكلما قلت القيود زادت الافراد ، فمثلاً عندما يقول قائل : اعطني قلماُ دون تحديد ، فمن الممكن اعطائه أي قلم ومن أي نوع سواء أكان هذا القلم رصاص او جاف او حبر او ماجك لأن الامر مفتوح وليس محصور ، ففي هذه الحالة قلّت القيود وزادت الافراد ، أما اذا قال ، اعطني قلم جاف فيكون الامر محصوراً في القلم الجاف فقط بغض النظر عن مواصفات هذا القلم من ناحية لونه او نوعية صناعته وبالامكان اعطائه قلم جاف أزرق أو اسود أو أحمر أو اخضر ومهما كانت صناعة هذا القلم ، في هذه الحالة زادت القيود أكثر من الطلب الأول وقلت الإفراد بانحصار الطلب بالقلم الجاف دون بقية الأنواع ، إما إذا قال ، أعطني قلم جاف ازرق نوع سوفت ، فلا يكون إمام المعطي إلا نوع واحد محدد ، وفي هذه الحالة كثرت القيود أكثر من الحالتين السابقتين وقلت الإفراد وانحصر الطلب في شيء واحد محدد.
ويتبين ذلك في قوله تعالى :- { وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم إن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله ان اكون من الجاهلين * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال انه يقول انها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال انه يقول انها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ان البقر تشابه علينا وإنا انشاء الله لمهتدون * قال انه يقول انها بقرة لا ذلول تثير الارض ولا تسق الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا ألان جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون } البقرة 67 -71 ، فقوله تعالى في المرة الاولى { ان تذبحوا بقرة } كان الامر في ذبح بقرة من غير تحديد عمر هذه البقرة أو لونها فكانت القيود قليلة والإفراد في الخارج كثيرة فسألوا عن مواصفات البقرة التي أمرهم الله بذبحها :{ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } فجاء الخطاب الإلهي بتحديد عمر البقرة أنها لا كبيرة ولا صغيرة في السن بل هي متوسطة :{ أنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك } وهنا كثرت القيود وقلت الافراد فتحديد الامر الالهي بذبح بقرة متوسطة العمر ، بغض النظر عن لون هذه البقرة ، فتسائل بني اسرائيل مرة ثانية عن لون هذه البقرة فهل هي بيضاء او سوداء او صفراء او حمراء او مرقطة { قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها } فكان الجواب {انها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين } ففي هذه المرة زادت القيود اكثر من السابق وقلت الافراد فقد تحدد لون البقرة اضافة الى عمرها في الاية السابقة ، فطلب بني إسرائيل تحديد مواصفات أخرى لتبيان البقرة المطلوبة لأنهم وجدوا الكثير من الأبقار ذات اللون الأصفر الفاقع والتي تسر الناظرين ، {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إنشاء الله لمهتدون } فكان جواب المولى تبارك وتعالى بتحديد المواصفات الكاملة للبقرة بقوله { قال انه يقول أنها بقرة لا ذلول تثير الارض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الان جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون}.
ويسهل بذلك التأويل في القرأن لان بعضه يصدق بعضاً ووراء كل حق حقيقة كما في قول بني اسرائيل { الان جئت بالحق } فالحقيقة كانت البقرة بعد كشفها من خلال تكثير القيود ، وقوله تعالى { ان البقر تشابه علينا } له ارتباط وثيق مع قوله { فيتبعون ماتشابه منه } ال عمران7.
وقد وردعن امير المؤمنين (ع) انه كان يعرف الفتن من خلال سورة غافر لكثرة قيودها حيث قال ابن عباس : ( كان علي (ع) يعرف بها الفتن قال : واراه زاد في الحديث وكل جماعة كانت في الارض او تكون في الارض ومن كل قرية كانت او تكون في الارض ) الظرائف ج1 ص23 نقلاً عن صحيح مسلم - ففي هذه السورة المباركة أي ( سورة غافر ) زادت القيود في الاتجاهين المتباينين فأنحسرت افرادها في الخارج تأويلياً وكثيراً ما نرى قول امير المؤمنين (ع) في خطبه مبيناً الفتن ومعرفة افرادها حيث قال في خطبة البيان : ( انا مخبركم بما يجري والى ما يكون في اخر الزمان حتى تكونوا على حقيقة من البيان ) الزام الناصب ج2.
وينطبق ما ذكرنا في تأويل الرؤيا مثال ذلك صاحب يوسف (ع) في السجن حيث قال الله تعالى حكاية عنه : ( اني اراني احمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه ) يوسف 36 - ففي هذه الرؤيا مثل : ( الحمل ، الرأس ، الخبز ، الاكل ، الطير ) ولتعدد هذه القيود اهمية في معرفة تأويل هذه الرؤيا من خلال دلالاتها برموز الحكمة فكان تأويلها ان اخبره بالصلب واكل الطير من رأسه ، من خلال ما ذكر يتبين لنا الاصول العامة للتأويل في القران وهو الباطن ولا يعرفه الا أهل البيت (ع) او من يفيض الله عليه من خلال الاخلاص له.
وكما ورد في الحديث : ( من اخلص لله اربعين صباحاً جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ) ، وقد وصلنا منهم (ع) من خلال بطون الكتب قواعد اساسية للتأويل وجزء يسير لهذه العلوم وستكون بشكل واسع في شخص الداعي الى الامام بحكم تشرفه بالاتصال المباشر ( بالشمس ) الامام المهدي (ع) وافاضته عليه برموز الحكمة لبقر علم التأويل بقراً . اما في قيام الامام المهدي(صلوات الله عليه ) ستكون بشكل اوسع ومطلق وهو ما عني بالكتاب الجديد أي علم تأويل باطن القرآن ، فمن النقاط المهمة التي يعرف بها الداعي والممهد الرئيسي له هو التأويل حيث يعطي الناس تاويلاً جزئياً استعداداً لقبوله كلياً في زمن القيام ، وكذلك لأن لا تشتبه على المؤمنين الدعاة ، وكا جاء في قول الامام الصادق(ع) للمفضل بن عمر : ( ولترفعن اثنتا عشر راية مشتبهه لا يعرف أي من أي . قال المفضل : فبكيت فقال لي : ما يبكيك ؟ قلت : جُعلت فداك كيف لا ابكي وانت تقول : ترفع اثنتا عشر راية مشتبهه لا يعرف أي من أي قال : فنظر الى كوة في البيت التي تطلع فيها الشمس في مجلسه ، فقال : أهذه الشمس مضيئة ؟ قلت : نعم ، فقال : والله امرنا أضوء منها ) غيبة النعماني.
يتضح للقارئ اللبيب ان الضوء الذي يدخل من الكوة هو اشارة الى العلم لأن العلم نور والجهل ظلام وهذا يتضح في عصر الظهور من خلال الرايات الباطلة التي تدعي نصرتها للامام زوراً وبهتاناً ولكن المؤمنين الصادقين يرون نور قضية الامام المهدي (ع) من خلال وزيره(القمر ) الذي يبقر علوم الائمة المعصومين بقراً . زادنا الله وإياكم علماً وهدانا إلى الطريق المستقيم وثبت إقدامنا انه نعم المولى ونعم النصير ، والحمد لله رب العالمين. نقلا عن الوسوعه القرانيه للسيد ابو عبد الله الحسين القحطاني