المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سؤال حول حرمة التقليد ووجوبة ؟



محمد الكرماشي
14-04-2019, 01:50 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هناك بعض المغرضين الجهله يثير مساله مفادها ان التقليد حرام ويستند بمقطع من كلام الشيخ المفيد (قدس سره )

حيث ينسبون هذا الكلام للشيخ نصا : (اياكم والتقليد فان من قلد في دينه هلك ) .

والسؤال هل ورد نص من المعصومين بهذا الفظ ؟
ثانياً هل المراد بالتقيلد تقليد بالاحكام الشرعية ام في أصول الدين ؟
ثالثاً اذا كان قصد الشيخ المفيد حرمة التقليد فلكيف كان يقلده الكثير من المكلفين في عصره, وتخرج على ايديه العشرات من العلماء كلهم كانوا مقلدين له بل والف العديد من الرسائل الفقهية لهم ؟
اتحفونا بالاجابة مشكورين وجزاكم الله رب العالمين .

صدى المهدي
18-04-2019, 07:11 AM
. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موضوع التقليد موضوعٌ ثابت وراسخٌ، تدلُّ عليه أدلّة كثيرة توجبه وتجعل عمل المكلَّف من دون تقليد واتّباع لمرجع من مراجع الدّين عملاً باطلاً وغير مقبول.
وهذا المعنى ـ أي وجوب التقليد ـ نقوله لمن لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد ولم يقدر على الاحتياط في عباداته ومعاملاته.
أدلة وجوب التّقليد
التقليد في اللغة: من القلادة، ومعناه: جعلها في عنق الغير.
واصطلاحاً: هو الأخذ بفتوى الغير وتعلُّمها للعمل بها.
أو: هو الاستناد إلى فتوى الغير في مقام العمل.
ولعلِّ التعريف الثّاني هو الأنسب للمعنى اللّغويّ؛ لأنَّ المقلَّد هو مَن يجعل القلادة في عنق الغير، والعاميُّ عندما يقلَّد المجتهدَ الجامعَ للشّرائط فهو يجعله مسؤولاً عن صحّة عمله أمام الله عزَّوجلَّ، ويجعل هذا العمل في عنق المجتهد، وهذا لا يتحقّق إلاّ بنفس العمل لا بالأخذ أو الالتزام على بعضِ التّعريفات التي قالت:(التقليد: هو الالتزام بفتوى الغير).
ويؤيّد هذا المعنى: ما رواه الكلينيُّ بسندٍ صحيح، عن أبي عبيدة الحذّاء، قال: قال أبو جعفر (عليه السَّلام): ((مَن أفتى النّاس بغير علمٍ ولا هدىً من الله لعنته ملائكة الرّحمة وملائكة العذاب، ولحقَه وزرُ مَن عمل بفتياه)) (1).
فانظر إلى قوله (عليه السّلام): ((ولحقه وزرُ مَن عمل بفتياه)) فالمدار في التقليد ـ إذن ـ على العمل دون الأخذ أو الالتزام ـ الذي هو أمر نفسيٌّ وإن لم يعمل ـ.
الدليل الأول: وجوب التّقليد من القرآن الكريم:

قال الله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(2).
فهذه الآية المباركة التي دلّت على وجوب النّفر للتفقّه في الدّين، هذا الوجوب المستفاد من دخول (لولا) التحضيضيّة على الفعل الماضي، فقد أكَّدَ علماء اللُّغة بأنّ (لولا) إذا دخلت على الفعل المضارع أفادت الحضَّ على الفعل والطلب له، وإذا دخلت على الماضي أفادت التّوبيخ واللَّوم على ترك العمل(3).
وهي هنا قد دخلت على الفعل الماضي، فهي تفيد اللّوم والتّوبيخ على ترك النّفر للتفقُّه في الدّين، وهي بهذا المعنى تفيد وجوب النّفر(4)؛ لأنَّ اللّوم والتوبيخ على ترك الفعل لا يصح إلا إذا كان الفعل واجباً.
فهذه الآية الكريمة دلَّت على وجوب الاجتهاد ـ الذي هو التفقُّه في الدّين ـ وأنّ هذا الوجوب على نحو الوجوب الكفائيّ لا العينيّ؛ لأنّها قالت بأنّ هذا الأمر إنّما يجب على طائفة من كلِّ فرقة، فهو وجوبٌ كفائيّ لا عينيّ.
فهي كما دلَّت على وجوب الاجتهاد دلَّت على وجوب التّقليد أيضاً.
(الملازمة بين وجوب الاجتهاد ووجوب التّقليد)

قد تقول: ومن أين هذه الملازمة بين وجوب الاجتهاد والتفقُّه في الدّين ووجوب التّقليد هنا؟
نقول: للملازمة بين إيجاب الإنذار وإيجاب القبول، وإلّا كان التّشريع لغواً.
بيان ذلك: إن قوله تعالى:( وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) يفيد وجوب الإنذار على المتفقِّهين، بمعنى: أنّ على الّذين هاجروا وسافروا إلى طلب العلم والتفقُّه في الديّن يجب عليهم أن يقوموا بمهمّة تحذير قومهم وإنذارهم من عدم الإلتزام بالشّريعة إذا رجعوا إليهم، وهذا الإيجاب للإنذار على المتفقّهين يلزم منه إيجاب قبول إنذارهم من الطّرف الآخر، وإلا كان إيجاب الإنذار بدون إيجاب القبول لغواً وبلا فائدةٍ.
(اختلاف ماهيّة الاجتهاد لدى المتقدَّمين)

وها هنا قد يُطرح هذا السُّؤال بلحاظ الآية الكريمة، فيُقال: إنّ الفقاهة والاجتهاد في الصّدر الأول للإسلام هي غير الفقه والاجتهاد في العصور المتأخَّرة؛ لأنّ التفقّه في العصور السّابقة إنّما كان بسؤال الأحكام وسماعها من المعصومين (عليهم السلام)، ولم يكن وقتئذٍ من الاجتهاد بالمعنى المصطلح عليه اليوم عين ولا أثر، وبالنتيجة: فلا دلالةَ للآية الكريمة على لزوم الأخذ بإنذار الفقيه بالمعنى المصطلح حتّى يكون التّقليد واجباً؟
الجواب: لا يختلف الاجتهاد في زماننا عن الاجتهاد في الزّمان السّابق إلّا من حيث الصّعوبة والسُّهولة، فإنَّ التفقُّه ومعرفة الأحكام بالدّليل في الصّدر الأوّل لم يكن متوقَّفاً على مقدِّمات كثيرة كما هو الحال في زماننا الحاضر، وإنَّما كان يتوقّف على سماع الحديث فقط، فهو لم يكن متوقِّفاً على تعلُّم اللّغة؛ لكونه من أهل اللّسان، وحتّى لو كانوا من غيرهم ولم يكونوا عارفين باللّغة كانوا يسألونها من الإمام (عليه السلام)، وأمّا حجيّة الظهور واعتبار الخبر الواحد ـ اللّذان هما الرُّكنان في الاجتهاد ـ كانتا عندهم من المسلَّمات، وهذا كلُّه بخلاف العصور المتأخَّرة التي يتوقف الاجتهاد فيها على هذه المقَّدمات ونحوها.
الدليل الثاني: وجوب التّقليد من الرَّوايات الشرّيفة:

الرِّوايات الشّريفة الواردة في جواز التّقليد، بل وجوبه على غير المجتهد والمحتاط ـ كثيرةٌ جداً، نذكر منها:
1: قول الإمام الصّادق (عليه السلام) لأبان بن تغلب: (( اجلسْ في مسجد المدينة وأفتِ النّاس، فإنّي أحبُّ أن أرى في شيعتي مثلك))(5).
ومن الواضح: أنّ جواز الإفتاء يلازم جواز العمل به.
2: قول الإمام الرِّضا (عليه السّلام) لعبد العزيز المهتدي عندما سأله: إنّي لا ألقاك في كلِّ وقتٍ، فممّن آخذ معالم ديني؟ فقال (عليه السّلام): ((خُذْ عن يونس بن عبد الرّحمن))(6).
3: قول الرِّضا (عليه السّلام) لعليّ بن المسيّب الهمدانيّ عندما سأله: شقّتي بعيدةٌ، ولستُ أصلُ إليك في كلَّ وقتٍ، فممّن آخذ معالم ديني؟ قال (عليه السّلام): ((من زكريا بن آدم القمّيّ المأمون على الدّين والدُّنيا))(7).
4: وتوجد جملةٌ من الرِّوايات التي أرجعَ فيها الأئمّة (عليهم السَّلام) شيعتَهم إلى التّقاضي عند الفقهاء الأصحاب ولزوم الأخذ بقولهم، وهذا لونٌ من ألوان التّقليد والعمل بفتاوى وحكم الفقهاء.
ففي رواية أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال، قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمّد الصّادق (عليه السَّلام): ((إيّاكم أن يحاكِم بعضُكم بعضاً إلى أهل الجّور، ولكن انظروا إلى رجلٍ منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإنّي قد جعلته قاضياً، فتحاكموا إليه))(8).
وجاء في معتبرة داود بن الحصين، عن أبي عبد الله الصّادق (عليه السّلام) في رجلينِ اتّفقا على عدلينِ جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلافٌ، فرضِيا بالعدلينِ، فاختلف العدلان بينهما، عن قولِ أيّهما يمضي الحكم؟ قال (عليه السّلام): ((يُنظر إلى أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا وأورعهما فينفُذُ حكمُه، ولا يُلتفَت إلى الآخر))(9).
وهكذا توجد عشرات الرِّوايات، وفي مختلف المجالات التي يُمكِن استفادة جواز التّقليد، بل وجوبه على مَن لم يستطيع استنباط الحكم الشّرعيّ بنفسه.
وهنا قد يشكل البعض ويقول: ومَنْ قال إنّ الأئمة (عليهم السلام) أرجعوا شيعتهم إلى الأصحاب بعنوان أنهم فقهاء يأخذون الأحكام منهم، فقد يكون إرجاعهم إليهم بعنوان أنهم رواة لأحاديثهم (عليهم السلام)، وبالتالي لا تثبت هذه الروايات جواز التقليد للفقهاء والأخذ بأقوالهم؟
نقول: إنّ كلام الإمام الصادق (عليه السلام) في معتبرة داود بن الحصين واضح إذْ هو إرجاع لمن هو أفقه وأعلم، حيث قال الإمام (عليه السلام): ينظر إلى أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا." ولم يقل (عليه السلام): ينظر إلى مَنْ هو أصدق في نقله عنا، حتى يكون المدار على الرواية هنا دون الفقه والإستنباط.
وعند مراجعة الروايات تجد بأنّ الأئمة (عليهم السلام) قد علّموا أصحابهم أصول الإستنباط، ولم يكتفوا بإعطائهم الروايات فقط، ومن هنا تجد أنّ هذا الإرجاع لبعض الأصحاب دون غيرهم إنما هو بعنوان أنهم فقهاء يفتون الشيعة على وفق الموازين والضوابط التي وضعها لهم أئمة اهل البيت (عليهم السلام) لا بعنوان أنهم رواة فقط، ومن هذه الروايات التي يستفاد منها هذا المعنى:
1ـ تعليم الأئمة (عليهم السلام) لأصحابهم القواعد الكلية: روى ابن إدريس في مستطرفات السرائر: نقلاً عن كتاب هشام بن سالم عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال:" إنما علينا أن نلقي إليكم الأصول وعليكم أن تفرّعوا".(10)
ونحوه جاء في كتاب أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الإمام الرضا (عليه السلام) قوله:" علينا إلقاء الأصول وعليكم التفريع".(11)
وكذلك ما ورد في الفقيه للشيخ الصدوق(قده) عن إسحاق بن عمار قال: قال لي أبو الحسن الأول (عليه السلام):" إذا شككت فابنِ على اليقين. قال: قلت: هذا أصلٌ؟ قال: نعم.(12)
2ـ تعليمهم معاريض كلامهم (عليهم السلام) حتى يكونوا فقهاء: روى الصدوق بسنده عن إبراهيم الكرخي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنه قال: حديث تدريه خير من ألف حديث ترويه، ولا يكون الرجل منكم فقيهاً حتى يعرف معاريض كلامنا. (13)
3ـ تعريفهم بكيفية علاج الأخبار المتعارضة بعرضها على كتاب الله والأخذ بالموافق للكتاب والمخالف للعامة، كما هو التفصيل المذكور في مقبولة عمر بن حنظلة المشهورة.
4ـ تعليمهم طريقة الإستنباط من خلال التطبيق: ففي رواية أنّ زرارة بن أعين سأل الأمام الباقر (عليه السلام): من أين علمت أنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك الإمام (عليه السلام) وأجابه: عرفته من كتاب الله، فعندما قال الله عزّ وجل:" فاغسلوا وجوهكم" عرفنا أنّ الوجه كله ينبغي أن يُغسَلَ، وعندما قال: برؤوسكم " عرفنا أنّ المسح ببعض الرأس، لمحلّ الباء.(14)
الدليل الثالث: وجوب التّقليد يُستفاد من السّيرة العقلائيّة القطعيّة:

تُعتبر السّيرة العقلائيّة القطعيّة هي احدى أدلّة الاستنباط للحكم الشرعيّ، وعليها مدار التّعويل في أهم ركن من أركان الاجتهاد، وهو: حجيّة خبر الواحد، فالفقه يعتمد كثيراً على خبر الواحد، ولولا خبر الواحد لاندرست الشريعة وتوقّفت عن التّواصل مع النّاس عبر الأجيال، فليس كلُّ الأحكام الفقهيّة متواترةً أو مقطوعةَ الصُّدور عن أهل البيت (عليهم السلام)، فالمتواترُ قليلٌ جداً في الشريعة ولم يبقَ طريقٌ أمام الناس للأخذ بالأحكام إلّا من خلال خبر الواحد، وقد ثبتت حجيّة خبر الواحد من خلال السّيرة العقلائيّة القطعيّة، أي: من خلال السّيرة الممضاة من زمان المعصومين (عليهم السّلام)؛ حيث كان النّاس يعتمدون في معاملاتهم واتّفاقاتهم على خبر الواحد، ويأخذون به، وكان الأئمّة (عليهم السلام) يلاحظون هذه السّيرة بين النّاس في الأخذ بخبر الواحد، ولم يعترضوا عليها، فعُدَّ هذا السّكوت من المعصومين (عليهم السّلام) إمضاءً لحجيّة خبر الواحد، ويجوز الأخذ به شرعاً، والاعتماد عليه في استنباط الأحكام الشرعيّة.
نقول: نفس هذا المعنى من السّيرة العقلائيّة تجده في الرُّجوع إلى أهل الخبرة، فقد كان النّاس يرجعون إلى أهل الخبرة أيّام المعصومين (عليهم السّلام)، بل قبل زمانهم، وكان هذا الرُّجوع على مرأى ومَسمَع من المعصومين (عليهم السّلام)،ولم يثبت صدور ردعٍ من المعصومين (عليهم السّلام) للنّاس في عدم الرُّجوع إلى أهل الخبرة.
فعُدَّ هذا السّكوت وعدم الرّدع من الأئمة (عليهم السَّلام) إمضاءً للأخذ بهذه السّيرة العقلائيّة في الرّجوع إلى أهل الخبرة، والفقهاء والمجتهدون هم من أهل الخبرة في اختصاصهم، فيجوز الرّجوع إليهم في هذا الجانب؛ بموجِب هذه السّيرة العقلائيّة الممضاة من الأئمة المعصومين (عليهم السَّلام).
الدليل الرابع: سيرة المتشرِّعة وعلماء الطّائفة قائمةٌ على جواز التّقليد:

من الأدلّة التي يمكن الاستناد إليها في المقام هي: سيرة المتشرّعة، وهذه السّيرة لا تحتاج إلى إمضاء المعصوم ـ كالسّيرة العقلائيّة المتقدِّمة ـ، بل هي بنفسها تستبطن رضا المعصوم (عليه السّلام) وموافقته؛ باعتبارها سيرة خاصّة بالمتشرِّعة بما هم متشرّعة، وليس بما هم عقلاء.
فقد تقدَّم في بعضِ الرِّوايات: أنَّ الأئمة (عليهم السّلام) أرجعوا شيعتهم إلى العلماء من أصحابهم في أخذ معالم الدّين وفي القضاء، وعلى هذا كانت سيرة أتباع أهل البيت (عليهم السّلام) في الرّجوع إلى أصحاب الأئمّة الثقات وأخذ معالم الدّين عنهم؛ بأمرٍ من الأئمّة (عليهم السّلام) أنفسهم، وقد شهدنا عصرَ الغيبة الصُّغرى ووجدنا الشّيخَ الكلينيّ (قدَّس سرّه) يؤلِّف كتاباً يتضمّن اختيارات فقهيّة واستنباط للأحكام في الجمع بين الرِّوايات المتعارضة وترجيح بعضها على بعض، وهو كتابه المعروف بـ(الكافي)، وكذا وجدنا عليَّ بن بابوبه ـ والد الشّيخ الصّدوق ـ له رساله (الشّرائع) التي كانت مشهورةً بين الأصحاب، وقد نقل الشّيخ الصّدوق ولدُه فقراتٍ منها في كتبه، وهكذا يمتد الأمر إلى زمن الغيبة الكبرى فيؤلَّف الشّيخ الصّدوق ـ المولود بدعاء الحجّة (عجّل الله فرجَه) كما هو المعروف ـ كتاب (الفقيه) و(المقنع) و(الهداية)، ويؤلَّف الشّيخ المفيد كتاب (المقنعة)، ويؤلَّف الشّيخ الطوسيّ كتابَ (النّهاية)، وكلُّها كتبٌ فقهيّة ألّفها أصحابها للنّاس؛ لغرض العمل بها، كما تشير إلى ذلك مقدِّمات هذه الكتب.
بل نجد مِن علماء الطّائفة مَن يصرِّح بالإجماع على جواز التّقليد، كالسيّد المرتضى (قُدِّس سرُّه) الذي قال: (لا خلافَ بين الأمّة قديماً وحديثاً في وجوبِ رجوع العاميّ إلى المفتي.. ومَن خالفَ في ذلك كان خارقاً للإجماع)(15).
وقال الشّيخ الطوسيُّ: (والذي نذهبُ إليه: أنّه يجوز للعاميّ ـ الّذي لا يقدر على البحث والتّفتيش ـ تقليد العالِم. يدلُّ على ذلك: أنّي وجدتُ عامّةَ الطّائفة من عهد أمير المؤمنين (عليه السَّلام) إلى زماننا هذا يرجعونَ إلى علمائها، ويستفتونهم في الأحكام والعبادات، ويفتونهم العلماءُ فيها(16).
وقال المحقَّق الحليّ (قدِس سرُّه): (اتّفاق علماء الأمصار على الإذنِ للعوام في العمل بفتوى العلماء من غير تناكر، وقد ثبت أنّ إجماع أهل كلِّ عصر حجّة)(17).
شبهات وردود

1ـ ما ورد في بعض الرِّوايات من ذمِّ التّقليد:

قد يتعرضُ البعضُ على لزوم التّقليد: بما ورد من ذمِّ التّقليد في بعض الرِّوايات، كهذه الرِّواية التي رواها الشّيخ المفيد(قدِّس سرُّه) من غير ذكر إسنادٍ للرِّواية، قال: وقال (عليه السَّلام): ((وإيّاكم والتّقليد، فإنّه مَن قلَّدَ في دينه هلكَ، وإنَّ الله تعالى يقول: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ)
فلا والله ما صلّوا لهم ولا صاموا، ولكنّهم أحلّوا لهم حراماً، وحرَّموا عليهم حلالاً، فقلّدوهم في ذلك، فعبدوهم وهم لا يشعرون))(18).
والمُلاحَظ على هذه الرَّواية:
1: أنّها محذوفة الإسناد، فهي مرسلةٌ من هذه النّاحية، ولا حجيّة للمرسَل فقهاً.
2: لقد وردت عدّة روايات عن أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) حول تفسير الآية الكريمة الواردة في هذه الرِّواية، وبعضُها معتبرٌ، لم يرد فيها شيءٌ من التّعبير بالتّقليد الذي أورده الشّيخ المفيد (قُدَّس سرُّه)، ولعلّه نقل بالمعنى؛ لِمَا شاع في زمان المفيد عن التّقليد المذموم في العقائد.
3: ولو سلَّمنا أنّها تتناول التّقليد في الفروع ـ الحلال والحرام ـ، فإنّها تذمُّ تقليدَ من ليس مؤهَّلاً للإفتاء من الّذين يستقون علومَهم ومعارفهم من غير أئمّة أهل البيت (عليهم السَّلام).
2ـ ما ورد في كلمات بعض العلماء من عدم جواز التّقليد:
وقد يلاحظ البعض كلمات بعض العلماء، كالمفيد حيث يقول: (لا يصحّ النهي عن النّظر؛ لأنّ في العدول عنه المصير إلى التّقليد، والتّقليد مذمومٌ باتّفاق العلماء ونصَّ القرآن والسنّة)(19).
أو قول الشّيخ الطوسيّ، فإنّه قال ـ بعد إيجاب النّظرـ: (فإنْ قيل: أين أنتم عن تقليد الآباء والمتقدَّمين؟ قلنا: التّقليد إن أُريد به قبول قول الغير من غير حجة ـ وهو حقيقة التّقليد ـ فذلك قبيح في العقول)(20).
أو قول المحقَّق الحليّ: (إنَّ التّقليد قبول الغير من غير حجّة، فيكون جزماً في غير موضعه، وهو قبيحٌ عقلاً)(21).
نقول: كلُّ هذه الأقوال وأمثالها إنَّما تتحدّث عن ذمِّ التّقليد في أصول الدّين لا فروع الدّين، وإلا فنفس هؤلاء العلماء الأعلام عندهم رسائل عمليّة أفتوا فيها للنّاس بمختلف الأحكام الفقهيّة، وكانوا مراجع تقليدٍ في زمانهم.

ـــــــــــــــــــــــ
المصدر - مركز الرصد العقائدي ف العتبة الحسينية المقدسة

مولانا القريشي سمحت لنفسي ان ارد ع سؤال الاستاذ ارجوا المعذرة
ولكم الراي اليقين ف السؤال لكم لانكم من اهل العلم جزاكم الله خيرا ولان القسم هو ضمن اشرافكم عليه
هدفي هو الرد ع كل المواضيع احتراما للاعضاءالكرام وتواجدهم معنا

م.القريشي
19-04-2019, 12:11 AM
بارك الله فيكم اختنا صدى المهدي على جوابكم القيم
وجزى الله اخي الفاضل محمد الكرماشي لسؤاله القيم كذلك