المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام



هاني حماده
11-05-2019, 11:36 PM
مولوي بل حكمه الوجوب العقليّ، وما ورد من الأمر فهو محمول على الإرشاد إلى ما أدركه العقل.

وأما المعنى الثاني فهو اصطلاحي خاص، وهو: التحفّظ عن ضرر الغير

بموافقته في القول والعمل.

قال في معجم الفقهاء: التّقِيّة: بفتح التاء وكسر القاف وتشديد الياء

المفتوحة، مصدر وقي، الحذر والمخافة: إظهار غير ما يعتقد وقاية لنفسه من أذى قد يصيبها(1) .

ولهذا المعنى حكم المولويّة، ويتّصف بالأحكام الشرعية الخمسة من

الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة والإباحة، وهو محلّ البحث والكلام.

أدلة التقية:

ويمكن الاستدلال على التقية بالأدلة الأربعة:

الدليل الأول: من الكتاب:

وقد استدلّ بعدة آيات:

الأولى: قوله تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلاّ أن تتقوامنهم تقاة﴾ (2) .

الثانية: قوله تعالى: ﴿إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾(3) .

والآيتان صريحتا الدلالة في التقية، وقد ذكر المفسرون أن الآية الثانية

نزلت في شأن عمار بن ياسر في قصة مشهورة تقدم ذكرها(4) .

الثالثة: قوله تعالى ﴿أولئك يدرؤون بالحسنة السيئة﴾ ورد في الرواية أن

المراد من الحسنة هي التقية(1) ، وستأتي الرواية في الدليل الثاني.

الرابعة: قوله تعالى ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ أي أشدّكم تقيّة، كما

في صحيحة عبد الله بن حبيب عن أبي الحسن عليه السلام (2) .

الخامسة: قوله تعالى: ﴿اجعل بيننا وبينهم ردماً﴾ ورد في رواية المفضل

عن الصادق عليه السلام أنها التقية، وقوله تعالى: ﴿فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقباً﴾ ،
قال: إذا عملت بالتقية لم يقدروا لك على حيلة، وهو الحصن الحصين، وصار بينك وبين أعداء الله سدّاً لا يستطيعون له نقبا (3) .

السادسة: قوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ ، ورد عن

حذيفة عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال: هذا في التقية(4) .

السابعة: قوله تعالى: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا﴾ ورد في

صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد الله قال: بما صبروا على التقية(5) ، وسيأتي نصّ الرواية في الدليل الثاني.

الثامنة: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا﴾

ورد في رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل: >يا أيها الذين آمنوا ...<
قال: اصبروا على المصائب وصابروهم على التقية ورابطوا على من تقتدون به، واتقوا الله لعلكم تفلحون(6) .

وغيرها من الآيات.

والحاصل: أنّ التقية ثابتة بالكتاب العزيز، وبعض الآيات وإن لم تكن

1- ـ وسائل الشيعة ج ١١ باب ٢٤ من أبواب الأمر والنهي الحديث ١ .

صريحة في دلالتها، وإنما دلّت بمعونة الروايات التفسيرية، إلاّ أنها بعضها الآخر صريح في دلالتها كما هو بيّن.

الدليل الثاني: من السنة: والروايات الواردة في التقية كثيرة تبلغ أكثر

من سبعين رواية، ولذا لا يبعد القول بأنها متواترة إجمالاً بحيث تطمئن النفس بصدورها عن المعصومين عليهم السلام .

وبعض هذه الروايات ورد في بيان أصل مشروعية التقية، وبعضها الآخر

في بيان الحكم بالوجوب.

أما الطائفة الأولى: وهي التي يستفاد منها المشروعية فمنها:

ما ورد في صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز

وجل: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا﴾ ، قال: بما صبروا على التقية
﴿ويدرءون بالحسنة السيئة﴾ قال: الحسنة التقية، والسيئة الإذاعة(1) .

ومنها: صحيحة حريز عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: التقية ترس الله بينه

وبين خلقه(2) .

ومنها: صحيحة هشام بن سالم، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (ما

عبد الله بشيء أحب إليه من الخباء) ، قلت: وما الخباء؟ قال: (التقية) (3) .

ومنها: صحيحة زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: التقية في كل ضرورة،

وصاحبها أعلم بها حين تنزل به(4) .

ومنها صحيحة إسماعيل الجعفي ومعمّر بن يحيى بن سالم، ومحمّد بن مسلم، وزرارة قالوا:
سمعنا أبا جعفر عليه السلام يقول: (التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم

فقد أحلّه الله له) (1) .

ومنها: رواية محمّد بن مروان، عن أبي عبد الله عليه السلام ، قال: كان أبي عليه السلام

يقول: وأي شيء أقرّ لعيني من التقية، إنّ التقيّة جنّة المؤمن(2) .

ومنها: رواية حبيب بن بشر قال: قال أبو عبد الله عليه السلام : سمعت أبي يقول:

لا والله ما على وجه الأرض شيء أحب إليّ من التقية، يا حبيب: إنه من كانت له تقية رفعه الله،
يا حبيب من لم تكن له تقية وضعه الله. يا حبيب: إن الناس في هدنة فلو قد كان ذلك كان هذا(3) .

إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة الدالة على أنّ التقية أمر مشروع.

أما الطائفة الثانية: وهي التي يستفاد منها وجوب التقية فهي أيضاً

ودلالة هذه الرواية صريحة في الوجوب فإنّها تنفي الإيمان عمّن لا تقية له.

ومثلها في الدلالة صحيحة معمّر بن خلاّد، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن

القيام للولاة، فقال: قال أبو جعفر عليه السلام : التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقيّة له(5) .

وهكذا صحيحة عبد الله بن أبي يعفور، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:

(التقية ترس المؤمن، والتقية حرز المؤمن، ولا إيمان لمن لا تقية له) (1) .

ومعتبرة أبان بن عثمان، عن الصادق عليه السلام أنّه قال: (لا دين لمن لا تقية

له، ولا إيمان لمن لا ورع له) (2) .

وصحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا خير فيمن لا تقية له،

ولا إيمان لمن لا تقية له) (3) .

وما أورده صاحب السرائر في خاتمة كتابه، نقلاً من كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم مولانا عليبن محمّد عليه السلام من مسائل داود الصرمي، قال: قال لي:

(يا داود لو قلت: إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً) (4) .

ورواية الحسين بن خالد، عن الرضا عليه السلام ، قال: (لا دين لمن لا ورع له،

ولا إيمان لمن لا تقية له، وإن أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية، قيل: يابن رسول الله إلى متى؟ قال: إلى قيام القائم، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منّا) (5) .

إلى غير ذلك من الروايات الدالة على وجوب هذا الحكم، بل إنه من أعظم الواجبات، فاتصاف التقية بالوجوب مما لا إشكال فيه.

وأما كيفية ذلك فسيأتي بيانه.

الدليل الثالث: الإجماع منقولاً ومحصّلاً، قولاً وعملاً:

فإنّ المتسالم عليه عند الفقهاء، أنّ التقية واجبة، بل لا نظن أن أحداً من الفقهاء يخالف في ذلك. نعم المتيقن به أنها محلّ اتفاق في الجملة لا في كل مسألة مسألد، فلا خلاف فيها بين الفقهاء، بل قد تعدّ من ضروريات المذهب، وقد ذهب بعض العامة إلى القول

بوجوبها، كما نسب ذلك إلى الشافعي وغيره، وهكذا سيرة العلماء والمتشرعة على ذلك، وهذه السيرة تنتهي إلى الأئمة عليهم السلام ، وإنها ممضاة من قبلهم عليهم السلام عملاً، وهذا مما لا يعتريه ريب بل تتصل بالأنبياء والأوصياء السابقين قبل الإسلام، كما تقدم في الحديث ـ مفصلاً ـ عن تاريخ التقية.

الدليل الرابع: العقل: فإن التقية موافقة لمقتضى حكم العقل، والاستدلال

به على التقية على نحوين:

الأوّل: استقلال العقل بهذا الحكم، فيقال: إن العقل يرى أن أحكام الدين

إنما شرعت لسعادة الإنسان في حياته إلى الأبد، فإذا كانت هذه السعادة وإدامة الأحكام متوقفة على التقية والإخفاء عن الأعداء في فترة من الزمن، فالعقل يستقل بالحكم بحسن التقية تقديماً للأهم على المهم، نظير سكوت أمير المؤمنين عليه السلام عن حقه رعاية لبقاء الدين.

والشاهد على ذلك سيرة العقلاء في حياتهم العملية، فإنهم في حالات

الخوف من الأعداء يخفون عقائدهم ويظهرون الموافقة لخصومهم تحفظاً على أنفسهم، وذلك أمر شايع بيّن، وقد تحدث القرآن عن ذلك في العديد من الآيات ومن ذلك:

أصحاب الكهف فإنهم فتية آمنوا بربهم إلاّ أن الخوف على أنفسهم وإيمانهم دفعهم للتقية، وفكانوا يشدون الزنانير ويشهدون أعياد الناس، فآتاهم الله

أجرهم مرتين كما نطقت بذلك الروايات.

كما تحدث القرآن عن إبراهيم الخليل عليه السلام فإنه مارس التقية مع قومه حيث

قال: إني سقيم، وهكذا بالنسبة إلى موسى الكليم عليه السلام فإنه عاش في بيت فرعون بالتقية إلى أن صار مأموراً بالتبليغ، ومثله يوسف الصديق عليه السلام فإنه أصبح خازن

الصفحة 67
الملك الكافر وقد عاش في تلك الأجواء بالتقية، وكذلك تحدثت السيرة عن أبي طالب عليه السلام وتمكنه من الدفاع عن النبيّ صلي الله عليه و آله بواسطة التقية وقد اشار القرآن الكريم إلى قضية عمار بن ياسر كما مر.

وغيرهم من الأنبياء والأوصياء والأخيار والعقلاء الذين كانوا يماسرون

التقية.

وإذا كان الأمر كذلك فلا ندري كيف ساغ للعامة الإنكار على الشيعة

لقولهم بالتقية؟ وكيف اجترأوا على الشيعة بالتشنيع لذلك، وهل هذا إلاّ ضلال منهم عن الصراط المستقيم وانحراف عن الحق والهداية، حيث لم يدخلوا البيوت من أبوابها ولم يأخذوا الأحكام من معادنها ولم يتبعوا أئمة الهدى عليهم السلام وأهل بيت العصمة والطهارة الذين هم أحد الثقلين الذين أمرنا بالتمسك بهم(1) .

الثاني: الاستدلال بالعقل غير المستقل، بأن يقال: إن نظر الشارع المقدس

في أحكامه أنه: إذا دار الأمر بين الضرر كالقتل والقطع وأمثالهما وبين حكم شرعي بوجوب شيء ما مثلاً فالعقل يحكم بتقديم الضرر على الحكم الشرعي، إذ

لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، وأحلّ الله ما اضطروا إليه، فتدخل المسألة بهذه المقدمة في الأدلة الحاكمة على الأحكام الأولية وحينئذ يرتفع الحكم الشرعي، وتجب التقية بحكم العقل لا مستقلاًّ بمعونة الشارع.

ويمكن الاستدلال أيضاً بالقواعد الكلية إذا تحققت صغريات بعض

المسائل، كما إذا كان هناك ضرر راجع إلى النفس، أو العرض، أو المال الخطير، فيقدم على الحكم الشرعي، ولابد حينئذ من التقية، وإن كان هذا يرجع إلى النحو الأول كما لا يخفى.

ثم أنّه ليس في سرد بقيّة أحكام التقية من الحرمة والاستحباب والكراهة

الصفحة 68
والإباحة كثير فائدة، ولهذا نقتصر على الحكم الأول وهو الوجوب، وقد نتعرض لبعض هذه الأحكام تبعاً، ونعطف الكلام على ذكر ما هو المهم في المقام، وهو البحث حول موارد التقية المشهورة الواردة في الروايات في جميع أبواب الفقه كما ذكرنا آنفاً، والتحقيق في كل مورد بخصوصه بحسب ما تقتضيه طبيعة المورد نظراً لأهمية التقية في مجال التشريع ولعموم الابتلاء بمواردها واستمراره في مجالي العمل والتطبيق، فقد ورد في الاحتجاج عن أبي محمّد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام ، في حديث أن الرضا عليه السلام جفا جماعة من الشيعة وحجبهم، فقالوا: يابن رسول الله صلي الله عليه و آله ما هذا الجفاء العظيم، والاستخفاف بعد الحجاب الصعب؟ قال: لدعواكم أنكم شيعة أمير المؤمنين عليه السلام ، وأنتم في أكثر أعمالكم مخالفون ومقصرون في كثير من الفرائض، وتتهاونون بعظيم حقوق إخوانكم في الله، وتتقون حيث لا تجب التقية، وتتركون التقية حيث لابد من التقية(1) .

وغيرها من الروايات الواردة في هذا المعنى.

ولما كان تشخيص مواردها وبيان الوظيفة العملية فيها وكيفية التعامل معها

في جهتي الموافقة والمخالفة من الأهمية بمكان، ولم نقف إلى الآن على كتاب جامع يخدم هذا الغرض وإن كان علماؤنا رضوان الله تعالى عليهم بحثوا موضوع التقية ووضعوا فيها كتباً ورسائل إلاّ أنها تناولت كليات مسائلها وبعضاً من مواردها، ولذلك انعقد العزم بتوفيق الله على التعرّض لموارد التقية المشهورة في جميع أبواب الفقه والتي صارت مورداً للبحث والكلام أو وردت في روايات أهل

البيت عليهم السلام (2) .

وينبغي أولاً الإشارة إلى العناوين التي تنطبق عليها التقية.

وثانياً: الموارد المستثناة التي لا يجوز فيها التقية.

الرضا
12-05-2019, 07:08 AM
الأخ الكريم
( هاني حماد )

بارك الله تعالى فيكم على هذه الجهود الطّيّبة

نتمنّى منكم الاستمرار والتواصل

صدى المهدي
13-05-2019, 12:08 AM
اللهم صل عل محمد وال محمد
احسنتم
الله يبارك بيكم
شكرا لكم