المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النبوة



لواء صاحب الزمان
25-07-2009, 04:44 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على محمد وال محمد

استهلال وتمهيد:

الحمد لله رب العالمين والصلاة وازكى التسليم على النبي الامين وآله الطيبين الطاهرين و اللعن الدائم على اعدائهم اجمعين الى قيام يوم الدين.

وبعد: أرأيت الأنظمة الفاسدة التي تدير دفتها الحكومات؟

أرأيت الحروب الطاحنة، والأغلال التي على الناس، من جراء القوانين المدنية؟

هل فكرت يوماً: في أن إنساناً واحداً، كم تضغط عليه العائلة والبيئة والحكومة، وكم سلبت راحته العادة والعرف؟

هل فكرت: إن الإنسان ـ وهو حر ـ مغلول يداه، مقيد رجلاه مطوق عنقه، على كل من لسانه وعينه وأذنه.. رقباء، وثم لا ترجع المنفعة إليه، وإنما قيدته بهذه القيود الجهل والاستعباد والاستغلال؟

الإنسان مسكين! وأي مسكين !

إنه ينشأ في ظلمات الرحم، ثم يقيد بالمهد.. فإذا شب وزعم: إنه تخلص من السجون، فإذا بكابوس الجهل والفقر، وضاغوط المرض والأنظمة الفاسدة، تحيط به من الجهات الست.

فهو من سجن، إلى سجن، إلى سجن.. إلى أن يقبر!

إن الله خلق العالم بميزان عادل وقسطاس مستقيم، فجعل لكل شيء صلاحاً، ولكل حركة وسكون نظاماً، فلو حاد عن ذلك النظام، وزاغ عن القانون العام، لكر فاسداً مفسداً.

ولا يعرف هذا النظام إلا هو سبحانه، أو من جعل أزمَّته بيده وعرَّفه مفاتيحه، (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) سورة الانعام: 59.

والأنبياء هم وحدهم يعرفون سنَّة الله في الخلق، فهم يعرفون الصلاح والفساد، والرقي والانحطاط، والتقدم والتأخر، والذهاب والتقهقر.

وأما من سواهم، فلا يعرفون عن النظام الصالح شيئاً، فلو كُلِّفوا وضع الأنظمة وتقنين القوانين، فسدوا وأفسدوا، وساد الهرج، وعم الفوضى والظلم، ونجمت الحروب وانتثر عقد الاجتماع.

لو فرضنا أفراد الإنسان كأجهزة الماكنة الواحدة قلنا:

كما أن آلات الماكنة المتبددة، لا يتمكن من تركيبها على نحو الصلاح، ومقتضى الصنعة الأولية لها، إلا المهندس الخبير، العارف بكيفية التركيب والنصب، حتى لو تكفل جاهل ذلك ـ مهما أوتي من مال وسلطان ـ لم يرجع إلا بإيقاف الماكنة وشلها عن الحركة والإنتاج. ولو أخذنا: أنه تمكن من تركيبها تركيباً ناقصاً، عاد الأمر إلى خراب الآلات، وضئالة الإنتاج.

كذلك أفراد البشر: هم كأجزاء تلك الماكنة، يلزم وضع كل موضعه، وتوجيه كل إلى ما فيه صلاح المجموعة البشرية، وتحت نظام دقيق، وميزان عادل، فيلزم أولاً صوغ الفرد في قالب الكمال، حيث يصلح أن يكون عضواً في المجتمع، ثم تنظيم العائلة تنظيماً صحيحاً، يعود كل فرد منهم جزءً بناءً للعائلة، ثم تكوين الدولة التي تضم تحت جناحها شتيت العوائل، بسن قوانين الخير والصلاح والرقي، والهيمنة على المذاهب البشرية، حتى يجري كل حسب المتوخى من العدل والإحسان.

والمنظم لمثل هذه الأمور لا يكون إلا الخالق، الذي يعرف الخير والشر، والحسن والقبيح، والصلاح والفساد، والعدل والجور.. لأنه هو الذي خلق وربى وأبدع، وعلم بما في الضمائر، من الغرائز والصفات، والنزعات والإمكانيات.

والمبلِّغ عن الله ليس إلا النبي الذي يوحى إليه، أو خلفاؤه المهديون وأوصياؤه المؤتمنون.

وقد رأينا في تاريخ الإنسان الطويل: أن كل جيل أخذوا بهدي الأنبياء وسلكوا الطريق المستن لهم بنور الوحي، قلَّ ـ بل عدم ـ فيهم الشرور، وعاشوا في رفاه ودعة.

وكل أمة رفضت الرضوخ لحكم المرسلين، وثنت عطفها عن متابعة الأنبياء، تاهت في فيافي الظلم والاعتساف، والفوضى والهرج، وكان عاقبة أمرها خسراً.

ويكفي دليلاً على المطلب مثال واحد:

إن المسلمين الذين أخذوا ببعض تعاليم الإسلام، رأيناهم وقد حلّقوا إلى المستوى الرفيع، وسادوا العالم في أقل من نصف قرن، وصلح أمرهم، واجتمع شملهم، وارتفع قدرهم، وظهر عزهم، وبانت شوكتهم، واستراحوا من أكثر الأغلال الاجتماعية التي كانت عليهم، فحلقوا والغرب تئن تحت نير الاضطهادات، في ظلم وقسوة وهمجية، يستغيثون فلا يغاثون، ويستجيرون فلا يجارون، يسود فيهم الفوضى والطغيان، ويحكمهم طواغيت الأرض، ويسفك دماءهم جراثيم الأمم، ويستذلهم طغمة الملوك.. حتى أخذوا قبل قرن بشيء من تعاليم الإسلام ـ من حيث يشعرون أو لا يشعرون ـ فاستراحوا وأراحوا، وانتظم نوعاً ما أمرهم وساد فيهم الصلاح والعدل، قدر ما أخذوا من التعاليم.

ولست أنا أقول هذا.. إن جورج جرداق ـ وهو نصراني لا يدين بدين الإسلام ـ يذكر في كتابه: (صوت العدالة الإنسانية):

إن علياً عليه السلام وهو عبد من عبيد محمد صلى الله عليه وآله ـ على حد تعبير الإمام نفسه ـ سبق مفكري فرنسا أمّ الحضارات في وضع وثيقة حقوق الإنسان باثني عشر قرناً تقريباً، بل فضل عليهم في جودة القانون وإتقان النظام.

ثم نرى: فرنسا هذه، حيث تحيد عن قانون الحق، التي تدعي أنها وضعت صيغتها، قبل قرن، تغلب عليها الوحشية والسبعية والقساوة، فتسوق الألوف من الجزائريين إلى المجازر الرهيبة، وتخمد صوت الحق بالحديد والنارا.

نعم.. الأنبياء (عليهم السلام) هم الوحيدون في إمكان جعل النظام العادل، وهم وحدهم جعلوا هذا النظام للإنسانية، على ضوء الوحي من خالق الإنسانية.

ونحن لو لاحظنا النُظُم الحاضرة التي تسود البلاد، ثم لاحظنا النُظُم الإسلامية لرأينا البون شاسعاً والفرق كثيراً، ولرأينا أن أكثر هذه الحروب الباردة والحارة، التي تهلك الحرث والنسل، وتشتعل في كل فترة، إنما هي بسبب انحراف الناس عن هدي الأنبياء، واستبدادهم في الجعل والتنظيم وسن القوانين ووضع الأنظمة.

ولعرفنا أن الدين لو كان سائداً، وهدي الأنبياء حاكماً، لعاش الناس في جو من الحق والعدل والهدوء والسلام والأخوة والصفاء…

ثم إن العراقيل التي تأخذ بالأكظام، والمشاكل التي تترى على الإنسان في هذه الأوقات، من ضغط واستعباد واستذ‎لال، ما هي إلا ولائد الأنظمة الفاسدة والقوانين الجائرة الحائدة عن هدي المرسلين وهداية إله الخلق.

فليرزح الإنسان في أثقال الجهل والفقر والمرض والفوضى والحروب والمشاكل، حتى يرجع إلى رشده، ويعرف صوابه، ويأخذ بقوانين السماء، وينبذ قوانين الجبابرة.

وسيأتي يوم ذلك وهو قريب.

القوانين والدين:

هناك فرقان جوهريان بين قوانين الأرض وأحكام السماء:

1: إن قوانين الأرض، تضعها ـ في أحسن الفروض ـ زمرة من الخبراء الذين يحبون خير البشر، ولكن:

هل نظرهم مأخوذ عن جميع الأفراد المتشتة في شرق الأرض وغربها، أم مأخوذ عن أفراد بيئتهم الذين هم بعض أفرادها، فيحسون بأحاسيسهم فقط، ويرون في نطاق رؤيتهم؟

هل فكر مستقى من جميع الظروف والأزمنة التي تعاصرهم وتأتي في المستقبل، أم مستقى ظرفهم الملابس، وزمانهم الخاص؟

هل هم معصومون عن الأخطاء؟

وهل علمهم يستوعب جميع الجهات؟

إنها أسئلة تعترض في هذا المقام..

والجواب:

إن فكرتهم مستقاة عن جيل معين، وزمان محدود، ودرايتهم غير معصومة تخطأ مرة وتصيب مرة.

وفي هذه الحالة، كيف يمكن الركون إلى فكرهم، وتحكيم قوانينهم.

دع عنك إن غالب المقننين تحكم عليهم الإنسانية، وحب السلطة والقومية، وتميل طباعهم نحو الجور والعسف، مما يزيغ بالقانون حتى عن نصابه الممكن.

وكثيراً ما لا يوجد شيء من هذه الميول والاتجاهات في المقنن ولكن هناك رقيب عليه من سلطة عليا ـ كما رأينا كثيراً في السلطات الدكتاتورية، التي كانت توجه البرلمان كيفما شاءت ـ .

أو ينحرف عن الأكثرية، التي تتجه نحو ميولها ورغباتها المشبعة.

وهذا: بخلاف الدين.

فإن مشرّعه وواضع نظامه هو الله، الذي لا ينظر إلى جيل دون جيل أو زمان غير زمان أو بيئة لا سواها، ولا تزيغه الأهواء والميول، ولا يجهل الصلاح.

وهو تعالى ـ بعد هذا وذاك ـ أرأف بعباده من كل أحد.. ولذا يكون حكمه هو الصلاح، وشريعته هي العدل، ونظامه هو الحق،(فماذا بعد الحق إلا الضلال سورة يونس: 32.

2: قوانين الأرض تعني بحاجة الجسد، وحاجة الجسد فقط.. فهي موضوعة للبيع والشراء، والزواج والطلاق، والرهن والإجارة، والتعليم والصناعة، والزراعة والري، والسرقة والتهريب.

وذلك بخلاف قوانين السماء: فهي معنية بالجسد والروح معاً.. فهي كما تعني بالزواج والطلاق، تعني بالحب والطهارة.

وكما تلاحظ البيع والشراء، تلاحظ الغش وحب الخير للطرف الآخر.

وكما تحث على التعليم، تحث على الخلوص وصفاء القلب.

وكما تحبذ الزرع، تحبذ التجويد والتوكل.

ثم تضع شطراً سخياً: لطهارة القلب من الكبر والحسد، والأنانية وحب الذات، وحب الظهور وحب السلطة.. ولتحليه بالإخلاص والعطف، واللين وحب الخير، وكراهة الشر.

ولطهارة اللسان عن الكذب والغيبة، والنميمة، والغمز والهذر.

ولطهارة البطن والفرج عن مال الحرام، والزنا، واللواط، والسحق..

ولطهارة اليد...

ولطهارة الرجل...

ولطهارة الأذن...

ولذا نرى: أن القانون جامد لا روح له.

والدين: حي يتحرك وينمو، ويزهر ويثمر.

ومن سبر تاريخ الإنسان رأى أن كل مجتمع ساده الدين، عاش في ظلال الأمن والعدل والراحة والرفاه.. وكثرت فيه المساواة والأخوة، والعطف والحنان..

وبالعكس من ذلك: المجتمع الذي نزح عن الدين، ففيه القساوة بأقصى درجاتها، والفوضى والعسف، والفساد والشر.

الأنبياء ونبي الإسلام صلى الله عليه وآله:

إن شرائع الله لا تختلف في جوهرها وحقيقتها، وإن اختلفت في صيغها وبعض كيفياتها، إن الأنبياء كلهم أخوة، وإن تعددت أمهاتهم واختلف آبائهم.

فآدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد (صلوات الله عليهم أجمعين)، إنما جاؤوا من قبل إله واحد، وكانت دعوتهم واحدة، وغايتهم واحدة، وسلوكهم واحد.

كل يأمر بالخير، وينهى عن الشر.

وكل يدعو إلى الله الحق، ويحث على العدل.

أساس علمهم الوحي، وملاك أمرهم إيقاظ الضمير، وعماد دعوتهم الحق.

أولهم يصدق آخرهم، وآخرهم يصدق أولهم، وأوسطهم يصدق الأول ويدعو للأخير.

لذا نرى: أنه لا اختلاف بينهم جوهرياً، وإن حرَّف المحرفون وحوَّر الدخلاء ولعبت الأهواء.

هذا هو الفارق الوحيد بين الأنظمة الأرضية ـ سواء وضعها الحكماء والفلاسفة، أو البرلمانات ومجالس القانون، أو السلطات الاستبدادية ـ وبين الأحكام السماوية التي هي كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضاً ويؤيد أحده الآخر.

يقول القرآن الحكيم: ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحدا ونحن له مسلمون ) سورة البقرة: 133.

وقال تعالى: ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لانفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ، فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ، صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون) سورة البقرة: 136-138.

الدين:

*العقيدة

*الفضيلة

* العمل العبادي

*الأعمال الأخر

إن الدين يعتمد على أركان أربعة:

1: العقيدة

2: الفضيلة

3: العمل العبادي

4: الأعمال الأخر

وكل هذه الأمور عقلية ـ بحد ذاتها ـ وتشترك الأديان في الدعوة إليها، وإن اختلفت صيغتها، وتفرقت كيفياتها، مما يرجع إلى مصالح الأجيال والأزمنة.

وسنعرض صورة إجمالية: عن أصول هذه الأركان، إلماعاً إلى ما نحن بصدده.

العقيدة:

العقيدة ترجع أصولها إلى ثلاث:



الايمان بالله:

الأول: الإيمان بالله: خالق الخلق، وباسط الرزق، الحي القيوم، القدير العليم، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، العدل الذي لا يجور ولا يظلم، الرؤوف الرحيم، الذي له ملك السماوات والأرض..

والإيمان بملائكته الذين هم عباد مكرمون لا يعصون الله وهم بأمره يعملون.

يقول القرآن الحكيم: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) سورة آل عمران: 64.

ثم هل من المعقول أن عيسى عليه السلام أو غيره من الأنبياء (عليهم السلام) كانوا يأمرون الناس بالشرك أو ينسبون إلى الله تعالى ما لا يليق بشأنه من الظلم أو الجهل، أو العجز، أو.. أو..؟

كلا، ثم كلا!

الايمان بالأنبياء:

الثاني: الإيمان بالأنبياء والرسل، والأوصياء والخلفاء، ما تقدم منهم وما تأخر، ومعنى ذلك: الاعتقاد بأن الله أرسل سفراء إلى البشر، يهدوهم إلى الحق وإلى طريق مستقيم، وينقذوهم من الهلاك والبوار، والتكالب والفساد، و..و..

ومن المعلوم: إن أول الرسل يصدق آخرهم، وآخرهم يصدق أولهم، وأوسطهم يبشر بمن يأتي ويعترف بمن تقدم.

وهكذا بالنسبة إلى أوصياء كل رسول ـ الذي هو مبحث الإمامة ـ .

وحال الأنبياء والأوصياء بالنسبة إلى هذا: حال الحكام الذين يعيّنهم رئيس الحكومة متعاقباً على البلاد، فإن أولهم يعلم بأن سيلحقه خلف، وآخرهم يدري بأن سبق له سلف، وأوسطهم يعترف بسلفه ويعلم بخلفه.

يقول الله تعالى في نبوة عيسى عليه السلام: (ومصدقاً لما بين يديه من التوراة) سورة المائدة: 46.

و: (ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) سورة الصف: 6.

ويقول في نبوة إبراهيم عليه السلام وأنه دعا لإرسال النبي محمد صلى الله عليه وآله:

(ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكّيهم إنك أنت العزيز الحكيم) سورة البقرة: 129.

ويقول في تصديق النبي محمد صلى الله عليه وآله لمن تقدمه من الأنبياء: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيّون من ربّهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون)سورة البقرة: 136.

وقال تعالى: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين) سورة البقرة: 130.



وقال سبحانه: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرّق بين أحد من رسله) سورة البقرة: 285.

إن أنبياء الله (عليهم السلام) لهم رسالة واحدة، والله يعلم أشخاصهم: أولهم وآخرهم، فلم لا يخبر كل نبي ويبشر أمته بنبي لاحق؟

وكيف لا يلزم كل نبي أن يأخذ من أمته الاعتراف بالأنبياء السابقين، وهم ممثلون لحقيقة واحدة، وخلفاء لإله واحد ؟

والأمم ـ بهذا الاعتبار ـ واحدة، لأن كلهم أمة الله، وكلهم رعية الملك الواحد.

قال تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) سورة الانبياء: 92.

وبالرغم من كل تحريف وتحوير حدث في الكتب السابقة، فقد اشتملت على جملة دلالات تفيد البشارة بالنبي اللاحق.



الايمان بالمعاد:

الثالث: الإيمان بالمعاد، وأن الله يبعث الموتى بعد أن صاروا في التراب رميما، لأن يجزي المحسن بالحسنى، والمسيء بالسوءى، فيحاسب الناس على أعمالهم، وله كتاب حفيظ لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، في صعيد واحد: اسمه المحشر، وهنالك يخسر المبطلون ويفوز المحسنون.

وهذا شيء اتفقت عليه أنبياء الله، لا فرق بين آدمهم ومحمدهم، وعيساهم وموساهم.. (عليهم أفضل الصلاة والسلام).

وإلا فَلِمَ جاؤوا؟

وبما ذا بشروا؟

وعمّاذا أنذورا؟

يقول القرآن الحكيم: (وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة) سورة يس: 78-79.

وقال تعالى: (أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاّق العليم، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) سورة يس: 81-82.



الفضيلة:

دين الإسلام يأمر بالفضائل، وينهى عن الرذائل..

وهي بالإضافة إلى كونها عقلية، تتفق الأديان السماوية فيها، فلا ترى فضيلة في دين الإسلام إلا وهي فضيلة في شريعة المسيح أو الكليم(عليهما السلام).

ولا تكون رذيلة نهى عنها الإسلام، إلا وقد نهى عنها شرائع السماء كافة.



اصول الفضائل:

وترجع أصول الجميع إلى ستة:

طهارة اللسان، طهارة السمع، طهارة البصر، طهارة القلب، طهارة البطن، طهارة الملمس.

1ـ أما طهارة اللسان: فمن الكذب، والغيبة، والبهتان، والسخرية، والخوض في الباطل، وشهادة الزور، والحكم بالباطل..

3ـ وأما طهارة السمع: فمن استماع الغناء والكذب و.. و..

3ـ وأما طهارة البصر: فمن أن يمد عينه إلى ما ينافي الصلاح.

4ـ وأما طهارة القلب: فمن الغل والحسد، والكبر، والرياء، والنفاق، والعجب..

5ـ وأما طهارة البطن: فمن المحرَّم من المآكل والمشارب: كالسرقة، والخيانة.

6ـ وأما طهارة الملمس: فمما ينافي العفة.

فهل يمكن: أن لا ينهى نبي عن الخيانة، أو لايأمر بالصدق، أو يبيح الوقوع في أعراض الناس؟

كلا!

إتفقت كلمة الأنبياء (عليهم السلام) على الصلاح والطهارة، والعفة والنزاهة، والاستقامة في العمل، والخلق والعشرة.

يقول القرآن الحكيم عن عيسىعليه السلام: (وبَرًّ بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيّاً) سورة مريم: 32.

ويقول عن رسول الله محمد صلى الله عليه وآله: (وإنك لعلى خلق عظيم)سورة القلم: 4.

العمل العبادي:

إتفقت رسالات الله في الصلاة، والزكاة، والحج، والجهاد، والأمر بالخير، والنهي عن الشر، وتولي الصالحين، والتبري من المفسدين.

وهي التي تعتبر في الشريعة الإسلامية ـ بإضافة الخمس الذي هو شقيق الزكاة ـ الفروع العبادية.

وهذه بالإضافة إلى أن الكتب السماوية مليئة بها ـ وبالأخص القرآن الحكيم ـ : أمور تأمر بها العقول، وتستحسنها الطبائع.

أليست الصلاة: تشكراً عن الله لنعمه، وخضوعاً لعز جلاله؟ وهل يرتاب عاقل في استحقاق الخالق الرازق العطوف الودود.. للشكر والخضوع؟!

أليست الزكاة والخمس: حقاً مالياً يؤديها الأغنياء للمصالح العامة التي منها إقامة أود الأود: الاعوجاج والانحناء.

الفقير، وترفيه الحياة على البائس المسكين؟!

أليس الحج: قصداً إلى بيت الله، الذي جعله علماً للناس، يتذكرون فيه ربهم، ويثوبون إلى رشدهم، ويطهرون بأعمالهم الروحانية رواسب أنفسهم..؟.

أليس الجهاد: دفعاً للمفسدين، وتطهيراً للأرض عن الطواغيت المسيطرين، وتخليصاً للضعفاء عن براثن الظالمين المستعبدين، وكسراً لقيود الجهل والخنوع أمام من لا يستحق الإعظام..؟

أليس الأمر بالخير، والنهي عن الشر: حماية يقوم بها الاجتماع الصالح ، حتى لو قل المصلحون لفسدت الأرض ومن عليها؟

أليس تولي الصالحين والتبري من المفسدين: من دعائم المجتمع الخير حتى يرغب الناس في الخير، ويقلعون عن الشر؟ ولذا نشاهد في المجتمعات الراقية يعظمون العلماء والمصلحين، ويرثون المفسدين والجهلة.

إن هذه هي عباديات الإسلام، وهي دعائم كل دين من الأديان السماوية، حتى أنك لا تجد شريعة من شرائع الله خالية من هذه الأمور.

يقول القرآن الحكيم عن النبي عيسىعليه السلام: (وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً) سورة مريم: 31.

ويقول مخاطباً أمة النبي محمد صلى الله عليه وآله: ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم)سورة البقرة: 183.

وفي الحديث: (إن موسى عليه السلام حج، وحج قبله وبعده الأنبياء) راجع بحار الأنوار: ج96 ص64 باب5 ح41.

ويسترسل القرآن الكريم في الأوامر العبادية:

قال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً) سورة آل عمران: 97.

وقال سبحانه: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر..) سورة آل عمران: 104.

وقال عزوجل: (جاهدوا بأموالكم وأنفسكم) سورة الانفال : 72.

وقال تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) سورة الفتح : 29.

وقال سبحانه: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادُّون من حادَّ الله) سورة المجادلة: 22.

وقال عزوجل: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا) سورة البقرة: 127.

وقال تعالى: (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهراً بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) سورة البقرة: 125.

بل: يذهب القرآن إلى أبعد من هذا، فيقول: إن الإسلام بما يشتمل عليه من أحكام، هو دين الأنبياء كافة، وإن من يرغب عنه فهو مخالف للأنبياء، وليس ذلك إلا لأن شريعة الأنبياء واحدة في الجوهر والحقيقة، وإن اختلفت في الشكل والحدود.

قال سبحانه: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه… ، إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ، ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بنيَّ إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون) سورة البقرة: 130-132.



الأعمال:

في تنظيم المجتمع لابد وان توضع أحكام للمعاملات، والزواج والطلاق، والحدود للجنايات، إذ الإنسان بطبعه ميال إلى الاجتماع، والأخذ والعطاء، كما بذاته يميل ـ كثيراً ـ إلى الجناية والإجرام.

ورقي الجامعة وانحطاطها ـ في الأغلب ـ يتبع رقي الجهاز الارتباطي بين أفرادها وانحطاطها، فالمجتمع الخير هو المجتمع الذي يكون العدل سائداً على أنظمته، والمجتمع الفاسد هو الذي يسوده الظلم والعسف، ويتفشى فيه الإجرام.

والإسلام ـ كسائر شرائع السماء ـ يعتني بهذا الجهاز بكمال الدقة وغاية الإيضاح والشرح، حتى لا يخفى شيء يسبب الزيغ والانحراف.

فمثلاً: يقول القرآن ـ في صدد التبادل ـ : (أحل الله البيع وحرم الربا) سورة البقرة: 275.

وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) سورة النساء: 29.

ويقول ـ في صدد الدَين ـ : (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمَّى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علَّمه الله… واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء… ولا تسأموا أن تكتبوا صغيراً أو كبيراً إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا) سورة البقرة: 282.

ويقول ـ في صدد إبداء الشهادة ـ : (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) سورة البقرة: 283.

ويقول ـ بصدد النكاح ـ :(وأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) سورة النور: 32.

وقال سبحانه: (فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدة ) سورة النساء: 3.

ويقول ـ بصدد الطلاق ـ :(الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً... ، فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره... ، وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف أو سروحهن بمعروف ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه) سورة البقرة: 229-231.

ويقول ـ في صدد الرضاعة ـ :(والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده) سورة البقرة: 233.

ويقول ـ في صدد القصاص ـ :(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان) سورة البقرة: 178.

و قال سبحانه: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له) سورة المائدة: 45.

ويقول ـ في صدد الأطعمة والأشربة ـ : (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر) سورة المائدة: 90-91.

وقال تعالى: (يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) سورة الاعراف: 157.

وقال سبحانه: ( كلوا واشربوا ولا تسرفوا) سورة الاعراف: 31.

وهكذا يذكر الإسلام كل حكم حكم، ويعتني بالمجتمع عناية فائقة وليس بدعاً في ذلك، فقد كانت شرائع السماء ـ كلها ـ من لدن آدم عليه السلام إلى أن أفرغت صيغتها الأخيرة من لسان النبي محمد صلى الله عليه وآله معتنية بهذه الجهة.

وفي يدنا آثار كثيرة من شرائع الأنبياء السالفين، وإن نسجت عليها عناكب التحوير والتحريف، فأصبح الباقي منها كبقايا دمنة، أو كبقايا أزهار سحب عليها الخريف ذيله فلم تبق منها إلا زهور متناثرة هنا وهناك.

نعم قد عرفت: أن بين الشرائع اختلافات يسيرة، لكنها لا ترجع إلى جوهرها وأصلها، وإنما ترجع إلى كيفياتها وهيئاتها وأجزائها وشرائطها.

قال تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) سورة المائدة: 48.

ولا يرجع هذا الاختلاف، إلا لاختلاف مقتضيات الأزمنة، وتغاير أحوال الأجيال التي شرعت لها الأديان.

مثلاً: كون قبلة النبي موسى عليه السلام بيت المقدس، وقبلة النبي محمد صلى الله عليه وآله الكعبة لا يرجع إلى أنه بدا لله عدم صلاحية القبلة الأولى, تعالى عن ذلك، بل يرجع إلى أن المعمورة توسعت في زمان محمد صلى الله عليه وآله، وامتدت من جوانب الكعبة حتى صارت كالوسط بينها، مما ينبغي أن تكون قبلة ومتجهاً، بينما كان بيت المقدس بالنسبة إلى أمة موسى عليه السلام هكذا.

هذه هي شرائع الله وقوانين السماء وأنظمة الأديان، فهل ترى فيها تبايناً واختلافاً؟!

قال سبحانه: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) سورة النساء: 82.

أو هل ترى أنها قابلة للتغير: فيصبح الله وله شريك؟! أو يصبح الصدق رذيلة؟! أو يصبح إعانة الفقراء بالزكاة مذمومة..؟

كلا!..

لا يكون ذلك أبداً.



ختم الأنبياء:

للإنسان في الحياة دورة: يبتدئ طفلاً، ثم يافعاً، ثم كهلاً.. ولكل من هذه الأحوال مقتضيات: فمقتضى الطفولة اللعب واللهو.. ومقتضى اليفاعة العلاقة بالسياحة والتفاخر.. ومقتضى الشباب النشاط والعمل والجد.. ومقتضى الكهولة الفكر والتجربة.. ثم ليس بعد ذلك شيء في هذه الدنيا.

وكذلك الثقافة: فتبتدئ المدرسة من الصف الأول متدرجاً إلى آخر صف من الكليات والمعاهد العالية، فتدريس الدرس الخاص بالخامس ـ مثلاً ـ خطأ في غيره.. متقدماً أو متأخراً.

ولو نظرنا إلى أدوار الإنسانية في هذا الكوكب، لوجدناها كأدوار الفرد الواحد.

ولو أمعنا في شرائع الأنبياء ـ في القرون المتلاحقة ـ لألفيناها كدروس المدارس.

كل جيل يتطلب ثقافة خاصة، وشريعة تلائمها.

وكل شريعة تناسب زمانها وتوافقه.

هذا: بعد أن علمنا أن الأديان متفقة في الجوهر، وإن اختلفت في الخصوصيات.

فهي كالرياضيات ـ مثلاً ـ التي تبتدأ من الصف الرابع إلى آخر صف من كلية الهندسة، فكلها رياضيات ولكن تتفاوت حسب تفاوت الأفهام، وتتدرج في الكمال حسب تدرج مراتب العقل في التلاميذ.

كانت الأنبياء مختلفة من حيث عموم الدعوة وخصوصها: فدعوة يونسعليه السلام ـ كما يقول القرآن الكريم: (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون) سورة الصافات: 147.

ـ كانت خاصة بهذه الكمية من أفراد البشر، ودعوة لوطعليه السلام كانت بأهل بلده، وهكذا دعوة صالح وهود، وشعيب.. (عليهم السلام).

وذلك يرجع على الأغلب ـ كما يحتمل ـ إلى أن الأمم كانت متباينة وكانت وسائل الاتصال فيما بين البلدان قليلة جداً، فكان من الصعب أن ينتشر في جميع الأمم وشعوبها دعوة موحدة، ولذا فقد كان في كثير من الأجيال في زمان واحد نبيّان أو أكثر، هذا يدعو قومه وذاك يدعو قومه.

بالإضافة إلى أن المفاسد التي كانت سائدة في قوم غير المفاسد التي كانت تغزو قوماً آخر، فكان نبي كل فريق يأتي لإصلاح مفاسد قومه.

وكان من بين الأنبياء الذين عددهم: مائة وأربعة وعشرون ألفاً ـ كما في الأحاديث قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إن أول وصي كان على وجه الأرض هبة الله بن آدم، وما من نبي إلا وله وصي، وكان عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرين ألف نبي خمسة منهم أولو العزم…) الخ راجع إعلام الدين: ص 464 فصل في حسن الظن بالله.

خمسة تعم دعوتهم شرق الأرض وغربها وهم:

1: نوح عليه السلام .

2: إبراهيم عليه السلام.

3: موسى عليه السلام.

4: عيسى عليه السلام.

5: محمد صلى الله عليه وآله.

وذلك لما كان لانتشار تعاليمهم من إمكان، ولما كان في شريعتهم من كمال، ولما كان في نفوسهم من قوة وعزم، ولعل هذا هو سبب تسمية هؤلاء الخمسة: بـ: (أولي العزم).

وحيث أن الأمم كانت متدرجة في الرقي، ولم يبلغ بعد كمالها اللائق بإلقاء الرسالة الإصلاحية عليها، نسخت كل شريعة لاحقة ملابسات الشريعة السابقة، وتوسعت في العمق والكمال، وإن أُبقي الجوهر على حاله الأول.

ولو شبهنا الأمم في زمان نوح وإبراهيم (عليهما السلام) بالطفل الذي لا يستحق أكثر من دراسة الابتدائية، وفي زمان موسى وعيسى (عليهما السلام) باليافع الذي لايستحق أكثر من دراسة الثانوية، وفي زمان محمد صلى الله عليه وآله بالشاب المكتمل الذي يصلح لدخول المعهد وإلقاء الدروس النهائية عليه، لم نكن بعيدين عن الحق.

ولعل يشير إلى هذا، كلام النبي محمد صلى الله عليه وآله: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) مكارم الأخلاق: ص فإن مكارم الأخلاق سادت الناس بفضل تعاليم الأنبياء، والنبي محمد صلى الله عليه وآله هو المتمم لها.

هذا هو مبعث النبي صلى الله عليه وآله، وهذا هو شركة شريعته مع شرائع السماء السابقة، وهذا هو المائز بين دينه وسائر الأديان.

إن شريعة النبي محمد صلى الله عليه وآلههي الصيغة الأخيرة لإصلاح البشر، وقد اشتملت من المبادئ الإصلاحية ما يجعلها جديرة بالبقاء والخلود.

فهي خالدة ما دام الإنسان على ظهر الأرض.

يقول القرآن الحكيم: (ولكن رسول الله وخاتم النبيين) سورة الاحزاب : 40.

ويقول ـ عن الإسلام ـ :

(ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) سورة آل عمران: 85.

وفي الحديث: (حلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة) بصائر الدرجات: ص 148 ح 7 .

ولن تفلح الانسانية، الا بالتمسك بشريعته صلى الله عليه وآله، والأخذ بتعليمه واتباع هديه والخضوع لأحكامه.

انه لا جمود ولا رهبة ولا خرافة ولا تمويه.

انه الحق والبقاء والخلود.

أهَلْ يمكن أن يأتي زمان لا تحكم فيه هذه الآيات؟

قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) سورة النحل : 90.

وقوله سبحانه: (تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) سورة المائدة: 2.



وقوله عزوجل: (ولتكن منكم أمه يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) سورة آل عمران: 104.

وقوله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) سورة الإسراء: 29.

وقوله سبحانه: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) سورة النساء : 58.

و…



دليل النبوة:

النبي هو خليفة الله في الأرض.

فهل نقبل قول من يدعي هذا المنصب الخطير، بمجرد دعواه؟

كلا!

إنا لا نقبل من الطبيب دعواه الطب إلا بعد أن يبرز شهادته، ولا نقبل من المهندس دعواه المقدرة على التخطيط والهندسة إلا بعد أن نرى (دبلومه)..

فهل نقبل من رجل يدعي: أنه مرسول من عند إله الكون، ومن بيده أزمة الحياة والموت.. بمجرد أنه يقول: أنا نبي مرسل؟

لا.. لا يكون هذا أبدا.

إذن: لابد من دليل يشهد لصدق كلامه، وليس الدليل إلا تصديق الله انه رسوله.

وما هو الدليل؟

هل نرى الله؟ والله غير ممكن رؤيته.

أم نسمع كلامه؟! فليس الله يكلم كل أحد.

إن دليل النبوة: هو أن يظهر النبي خرقاً لناموس العادة، مما لا يتمكن عليه إلا الله وحده، فهذا هو دليل الرسالة.

فإن خرق نواميس الكون التي جرت عليه العادة، لا يتمكن منه إلا من كان خليفة لله تعالى.

وقد أبدى الأنبياء (عليهم السلام) خوارق ركع البشر أمامها، ولم يتمكنوا من الإتيان بمثلها، وبذا نجحت دعوتهم، والتفَّ البشر حولهم، وقبلوا قولهم، وصدَّقوا ما أتوا به من عند ربهم.

فكانت لموسى عليه السلام تسع آيات بينات، التي منها: أن يلقي عصاه فإذا هي حيَّة تسعى، ومنها: أن يدخل يده تحت إبطه ثم يخرجها فإذا هي كالشمس المشرقة..

يقول القرآن الكريم: (يا موسى إني أنا الله رب العالمين ، وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جانّ ولّى مدبراً ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين ، أُسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب، فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوماً فاسقين) سورة القصص: 30-32.

وكانت لعيسى بن مريمعليه السلام خوارق ظاهرة لا يرتاب فيها أحد: فكان يبرئ الأكمه، ويشفي الأبرص، ويحيي الموتى، ويخلق من الطين طيراً..

يقول القرآن الحكيم: (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ،... ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ، ورسولاً إلى بني إسرائيل أَني قد جئتكم بآية من ربكم أَني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين) سورة آل عمران: 45و48 -49.

وكان إبراهيمعليه السلام لم يحترق بالنار التي أوقدت لأجله.

يقول القرآن الحكيم: (قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم) سورة الانبياء: 69.

وكذا معاجز سائر الأنبياء (عليهم السلام): كناقة صالح، وطوفان نوح (عليهما السلام).

فكان يأتي كل نبي بمعاجز تناسب أزمنته، لتكون أقوى في الحجة وأولى في القبول:

فكان زمن موسى قد فشى فيه السحر، ونبغ سحرة ماهرون، ولذا أتى هوباليد البيضاء، والعصا، فإذا رأتها السحرة أذعنوا بأنها فوق السحر، وخارقان لا يكونان إلا بإذن الله، فآمنوا بإله موسى وعرّضوا أنفسهم لاضطهادات فرعون وتعذبيه.

وكان زمن عيسى عليه السلام قد انتشر فيه علم الطب، وكان هناك أطباء ماهرون، ولذا أتى هو عليه السلام: بإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص.



ولو انعكس الأمر:

فكان يأتي موسى عليه السلام بخوارق عيسى عليه السلام لقال معاصروه: إنا لا نعرف الطب، ولعل ما أتيت به من أقسام الطب الراقي.

وكذا لو أتى عيسى عليه السلام بمعاجز موسى عليه السلام، لقال معاصروه: إنا لا نعرف السحر، ولعل ما أتيت به من أقسام السحر الراقي.

فلم تكن تكمل الحجة، ولكان للناس العذر في الرد وعدم القبول.

أما إذا كانوا أطباء، واعترفوا بأنه فوق مقدور علم الطب. أو كانوا سحرة وعجزوا عن أن يأتوا بمثله، فلا يبقى ريب في أنه ليس بمتناول البشر، وإنما هو بإشارة من الله الحكيم، الذي تعنو له حياة العناصر، وتخضع لأمره الأرض والسماء.



محمد صلى الله عليه وآله والقرآن:

بزغ نور نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وآله، وقد انخمد نور العلم، وسيطر على العرب الجهل، ولم يكن لهم حظ من الثقافة، فكيف يثبت لهم أنه نبي من عند الله يجب اتباع تعاليمه؟!

لا طريق إلا بأن يأتيهم بمثل ما هم عارفون به، ثم يتحداهم بأن يأتوا بمثله. وكانت معرفتهم منحصرة في البلاغة، وقد وصلوا إلى قمتها، فكانوا يعقدون الأندية، ويقيمون الأسواق، لأجل هذه الغاية، وقضية سوق عكاظ إسم سوق للعرب بناحية مكة، كانوا يجتمعون بها في كل سنة يقيمون شهراً ويتبايعون ويتناشدون شعراً ويتفاخرون.

مشهورة.

فأتى النبي محمد صلى الله عليه وآله بـ(القرآن الحكيم) ودعا العرب كافة إلى أن يأتوا بمثله، فأحجموا ولم يتمكنوا.

ثم دعاهم ثانية إلى أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، فلم يتمكنوا.

ثم دعاهم ثالثة: إلى أن يأتوا بسورة من مثله ـ ولو كانت كأقصر السور:

(بسم الله الرحمن الرحيم ، انا أعطيناك الكوثر ، فصل لربك وانحر ، إن شانئك هو الأبتر) سورة الكوثر: 1-3.

أو(بسم الله الرحمن الرحيم ، قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد) سورة الإخلاص: 1-4، فلم يتمكنوا.

يقول القرآن الحكيم: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) سورة الإسراء: 88.

وقال تعالى: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ، فإلّم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله) سورة هود: 13-14.

وقال سبحانه: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ، فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين) سورة البقرة: 23-24.

ولم تكن معجزة النبيصلى الله عليه وآله منحصرة في القرآن، فقد حفظت عنه التواريخ معاجز كثيرة، لكنها كانت وقتية راجع كتاب (مدينة المعاجز) و(بحار الأنوار) و..

ولم تكن مثل القرآن باقية إلى هذا اليوم.



القرآن وسائر الكتب:

إن الله لا يُنزل إلا الحق، ولا يقول إلا الحق، لكن الجاهلون والمعاندون يخلطون الحق بالباطل والصحيح بالسقيم.

كانت التوراة المنزلة على موسىعليه السلام هدى ونوراً، وكان الإنجيل المنزل على عيسى عليه السلام حقاً وصواباً، لكن ما لبثت اليهود والنصارى بعد بنيها، إلا وحرفا وبدلا، وأدخلا في الكتابين ما ليس منهما، وأخرجا منهما ما كان منهما.

ويكفي أقل نظر إلى هذين الكتابين: الذين يعبر عنهما بـ (العهدين) أو (الكتاب المقدس)، للإذعان بما ذكرنا من وقوع التحريف والتحوير الشائن فيهما، فهل يعد من وحي السماء، وكلام الله الحكيم؟ :

1: ما ينقله سفر التكوين، الإصحاح التاسع عشر: عن لوطعليه السلام انه شرب الخمر وزنى مع بنته الكبرى، ثم شرب في الليلة الثانية الخمر وزنى مع بنته الصغرى!

2: ما ينقله سفر أشعيا، الإصحاح العشرين: من أن الله أمر أشعيا النبي أن يمشي مكشوف العورة والإستة ثلاث سنين، ففعل النبي أشعيا!

3: ما ينقله سفر حزقيال، الإصحاح الرابع: من أن الله أمر نبيه حزقيال، أن يأكل خبزاً من الشعير على الخرء الذي يخرج من الناس يخبزه أمام عيون الناس!

4: ما يقوله بولس، في رسالته إلى أهل غلاطية، في الإصحاح الثالث: المسيح افتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا، لأنه مكتوب: (ملعون كل من علق على خشبة)!

ودع عنك الخرافات التي تثبتها مما يندى لها الجبين: كمصارعة الله لبعض أنبيائه، وكون بعض الأنبياء ولد زنا، ومشي الله في الجنة، ونزوله لتفريق كلمة الناس… راجع كتاب (ماذا في كتب النصارى؟) للإمام المؤلف (دام ظله) .

فهل كتاب يلعن مثل عيسى المسيحعليه السلام، وينسب إلى الزنا بذات المحارم مثل لوطعليه السلام ويستهزئ بأنبياء الله ـ: من أكلهم العذرة ومشيهم عاري العورة والإستة ـ.. كتاب وحي من عند الله وهدى ونور؟!

كلا.. وألف كلا!

ولقد صدق الله تعالى حيث يقول: (فبما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكِّروا به… ، ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكِّروا به) سورة المائدة: 13-14.

وقال تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) سورة البقرة: 79.

فهم كما قال القرآن الحكيم: (مثل الذين حمّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا، بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله..) سورة الجمعة: 5.

ثم إن كتاب (العهدين) كتاب عجيب يفضل عليه كتب التواريخ والقصص، فهو كتاريخ حشوه مضطرب اللفظ والمعنى، بعيد غاية البعد عن الذوق والفكر.

وقد شهدت تواريخ أهل الكتاب أنه حرِّف، ثم حرِّف، ثم حرِّف، كما يظهر ذلك لمن راجع (الهدى) أو (الرحلة) للعلامة البلاغي (رحمه الله).

أما القرآن الحكيم، فهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقال الله تعالى فيه: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) سورة الحجر: 9.

وفيه من الحِكَم والأحكام، والأخلاق والآداب، والمواعظ والنصائح، والحق والعدل، والصدق والفصاحة، والحضارة والثقافة، وأحوال المبدأ والمعاد، والجنة والنار، والدنيا والآخرة، وقصص الأنبياء بما يليق بهم من نزاهة وطهارة، وحكاية الأمم الغابرة، والأمثال والعبر و...، بحور وبحور!

كيف لا يكون كذلك، وهو كلام الله ووحيه، وهداه ونوره، ودستوره للخلق إلى يوم يبعثون.

الهادي
26-07-2009, 07:10 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلي على محمد واله الطاهرين انا اشكر الاخ لواء صاحب الزمان على هذا الفيض العظيم الذي بين فيه دور الانبياء وتاثيرهم في المجتمع واسئل الله ان تحشر مع الذي كتبت عنه وتدافع عنه وهو النبي الاعظم صلى الله عليه واله وسلم واخيرا لاتقطعو وصلكم بنا من خلال ماتمليه اناملكم وكما قال الشاعر رحمة الله عليه ( افيضو ا علينا من الماء فيضا فنحن عطاشا وانتم ورود)