المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أنََا شَهْرُ رَمَضَانَ، أََنا لَيْلَةُ الْقَدْرِ...



العجرشي
13-08-2010, 04:53 PM
أنََا شَهْرُ رَمَضَانَ، أََنا لَيْلَةُ الْقَدْرِ... (http://www.3shak-alzahra.com/vb/showthread.php?t=7218)


في معنى الصَّـوم

من خلال قول المولى(ع) :


أنََا شَهْرُ (http://www.3shak-alzahra.com/vb/showthread.php?t=7218)رَمَضَانَ، (http://www.3shak-alzahra.com/vb/showthread.php?t=7218)أََنا (http://www.3shak-alzahra.com/vb/showthread.php?t=7218)لَيْلَةُ (http://www.3shak-alzahra.com/vb/showthread.php?t=7218)الْقَدْرِ...

قال المولى أمير المؤمنين صلوات الله عليه:
أَنَا شَهْرُ (http://www.3shak-alzahra.com/vb/showthread.php?t=7218)رَمَضَانَ، (http://www.3shak-alzahra.com/vb/showthread.php?t=7218)أَنَا لَيْلَةُ (http://www.3shak-alzahra.com/vb/showthread.php?t=7218)الْقَدْرِ، أَنَا أُمُّ الْكِتَابِ، أَنَا فَصْلُ الْخِطَابِ... بَلْ نَحْنُ الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالَّليَالِي وَالاَْيَّامُ([1]).
في معرض هذا الكلام النورانيّ الصادر من الساحة المقدّسة لمولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه ، نحاول أن نطرق الأسباب ونُرشد الألباب، إلى الأسرار والمعاني الإلهيّة العميقة الّتي يتضمّنها هذا الكلام الإلهي. نعم، كلام الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، هو كلام الله تبارك وتعالى بلا فصل، وليفهم المعاندون المجادلون بالباطل ما يفهموه من كلامنا هذا، وينسبوا ما ينسبوا إلينا من غلوّ وشرك وغيره; فكلامنا معلوم محدود، ومبرهن عليه من القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة والعقل السليم، وذلك بأنّ كلامهم صلوات الله عليهم، هو كلام رسول الله«صلى الله عليه وآله» بعينه، وكلام رسول الله«صلى الله عليه وآله» هو كلام الله تعالى.
قال تعالى في محكم كتابه العزيز:
(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)([2])
وبما أنّ هذا البحث والبحوث الّتي تليه، تتضمّن ابتداءً وختاماً بعض أسرار المولى أمير المؤمنين صلوات الله عليه، من خلال الخطب والأقوال والحكم الّتي صدرت من الساحة المقدّسة للمولى صلوات الله عليه، والّتي بيّن فيها حقيقته الإلهية العِلْويَّة، وإنّيته النورانية العَلَويَّة، المبرهن عليها من كتاب الله المجيد، وسنّة نبيّه الحميد، فلابد إذن التمعّن في كلّ فقرة من فقرات هذه البحوث، والوقوف عندها، ويجب أن نفهم المراد الحقيقيّ من كلام المولى أمير المؤمنين صلوات الله عليه، ولا نقف على ظاهر اللفظ. أي، لنغوص بعقولنا بكلّ ما نملك من وسائل الإدراك، لكي نصل إلى جوهر الكلام وحقيقته ونتمسّك به.
إعلم، وفّقك الله للحقّ واتّباعه! وجنّبك الباطل وآثاره! انّ الغنيمة كلّ الغنيمة في ذلك، فخذ حظّك الأوفر منه، فإن أعجزَك الفهم _والعياذ بالله_ فلا يفوتنّك التفهّم إن شاء الله تعالى.
بعد هذه المقدّمة نعود إلى كلام المولى صلوات الله عليه. فعندما يقول: أنا شهر رمضان أنا ليلة القدر... بل نحن الصلاة والصيام...
ما المراد الحقيقي من هذه الأنوار والكلمات الإلهية؟
قبل الإجابة على ذلك، وبما أننّا في شهر الله تعالى، شهر رمضان المبارك، لذا نحاول قدر الإمكان أن نستعرض _إجمالا_ سرّاً رمضانياً عظيماً من خلال الأحاديث المعصومية لمحمّد وآل محمّد صلوات الله عليهم.
فقد ورد في الحديث القدسي:
«الصوم لي وأنا اُجزى به»([3]).
في معرض هذا الحديث القدسيّ لنا مجموعة من التأمّلات والأبحاث الهامّة، نركّز على بحثين منها:
الأوّل: في معنى الصوم، والمراد من «الصوم لي».
الثاني: في معنى «أنا اُجزى به».
أمّا بخصوص البحث الأوّل.
فالصوم: عبارة عن روح وجسد، قالب ومحتوى، أي: لا يمكن أن نُعرّف الصوم بأنّه عبارة عن كفّ النفس عن المفطرات فحسب _كما يتصوّره كثير من الناس هكذا أو ما أشبه_ فهذا في الواقع هو ما نطلق عليه ظاهر الصوم، وهذا هو الشكل والعنوان العامّ للصوم.
أمّا روح الصوم وحقيقته، فهو عمارة الظاهر والباطن، وصقل النفوس وتزكية الأبدان. تُرى، ماذا يكون غرض الصائم الذي يتوجّه إلى الله سبحانه وتعالى بهذا السرّ وبهذا الفرض؟
بعض العرفاء الكمّل له إجابة لطيفة في ذلك ، حيث قال: بأنّ ذلك إنّما لأجل إعداد الباطن لقبول الفيوضات، ولقبول النفحات الّتي تهبط في ليالي شهر رمضان المبارك، وفي أيّامه، لا سيّما في ليلة القدر.
فالصيام إذن: عمليّة إعداديّة للنفس، لتكون مورداً للنفحات الرحمانيّة، ومحلا لهبوط الفيوضات الربّانية، فتخرج من قعر الظلمة لتكون في دائرة النور في هذا الشهر الشريف.
فقوله تبارك وتعالى _في الحديث القدسي_: «الصوم لي» يعنى أنّ كلّ الفرائض قد تكون مشتركة فيما بين الله وبين المخلوق، (فيما بين الحقّ وبين الخلق) فالزكاة مثلا عملية إنماء، والخمس عملية تطهير، والجهاد هو الفوز والمغنم، وما إلى ذلك من فرائض، بحيث لو قسّمتها وأتيت عليها واحدة واحدة، تجد الإشتراك فيما بينها في الفائدة، بمعنى أنّ الفائدة تعود إلى الإنسان، والعبادة يتوجّه بها إلى الله تعالى، أمّا الصوم فلا شراكة فيه; لأنّه لله تعالى مطلقاً، وهذا يوضّح ما قالته مولاتنا فاطمة الزهراء صلوات الله عليها: «وجعل الصيام تثبيتاً للإخلاص»([4]).
فالإنسان الصائم هو الإنسان السويّ والمخلص لوجه الله تعالى، وهذا هو معنى «الصوم لي» بمعنى: أنّه لا يشرك معه غيره على الإطلاق.
وأمّا قوله: «وأنا اُجزى به».
هنا قراءتان لهذا النصّ القدسيّ :
الأولى: أنا أجزي به. يعني، أنّ الصائم جزاءه عليّ، وأنا اُجازيه. أي، اُعطيه جزاء صومه لي الجنّة والحور... وما أشبه. كما ورد على ألسنة البعض، حيث قيل: الجزاء هنا هو عبارة عن رضوان الله، وفسّره بعضٌ _عندما ورد في القرآن وفي الأخبار_ بأنّه عبارة عن الجنان، والفوز بالجنة.
الثانية: أنا اُجزى به. والمعنى، أنّ الجزاء الذي يحصل عليه الصائم هو الله تعالى. الجزاء هنا ليس الفوز بالجنّة، ولا الرضوان، ولا ما إلى ذلك من تصوّرات جزائية، بل الجزاء هو الله سبحانه، ذلك أنّ الصائم ينال الفوز الأعظم بلقاء الله تعالى، ويكون الصوم من أعظم العبادات.
وبهذا تلاحظ القرب الحقيقي بين هذا المعنى وكلام المولى صلوات الله عليه: «نحن الصلاة والصيام...».
إذن، إذا صام الإنسان بالمعنى الحقيقيّ للصوم فاضت عليه الأنوار الهابطة، ونزلت في داره الرحمات النازلة، كلّ ذلك ببركة الإخلاص، وببركة الصدق في النيّة لله تعالى، وببركة وليّ الله المطلق.
إذن، فجزاؤكم _أيّها الصائمون وأيّتها الصائمات_ هو «الله» تبارك وتعالى. أي أنّ الله هو الجزاء لا جنّة المتع واللذائذ، لا الخلاص من النيران والعبور على الصراط وما أشبه! ما قيمة ذلك قبال لقاء الله سبحانه والقرب منه تعالى؟!
ولكن كيف سيكون هذا اللقاء مع الله، والله يُجلّ عن أن يحدّ بمكان أو زمان وما إلى ذلك من حالات؟! فالله تبارك وتعالى أجلّ من أن يُرى أو يُحدّ بحدّ أو رسم.
قال تبارك وتعالى:
(لاَتُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)([5]).
فكيف يمكن التوفيق بين هذه الآية المباركة، وقوله في الحديث القدسي: «أنا اُجزى به»؟
هذا ما نودّ أن نطرحه من خلال مقطع من خطبة مولانا أمير المؤمنين«عليه السلام» والّتي تكون محطّ القرب لله تعالى في مثل هذه الليالي المباركة.
قال مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه :
«أنا شهر رمضان، أنا ليلة القدر..أنا صاحب الصلاة في الحضر والسفر، بل نحن الصلاة والصيام ...».
هنا نحطّ الرحال فترة حتّى نثبت ما المراد بـ «نحن صيام المؤمنين وصلاتهم»؟ أنا شهر رمضان، أنا كلّ هذه الفرائض.
التفسير الأوّل: أن يكون هناك مقدّر حُذف لمعلوميّة المراد، وهو كلمة «سرّ» فيكون الأصل: أنا سرّ الصيام، أنا سرّ شهر رمضان، أنا سرّ ليلة القدر. وقد مال إلى هذا التفسير جملة من العلماء، حيث قالوا:
إنّه لابدّ من التقدير، والتقدير أمر مرسوم في كتاب الله،قال الله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّ)([6]). المجيء والانتقال من حال إلى حال يستلزم المحال; لأنّ المجيء إذا كان ينسب إلى الله، فمعنى ذلك أنّه ممكن مخلوق؛ لأنّ ذلك من لوازم الممكن، إذ إنّ من لوازم المخلوق المُحدث، الحركة والسكون، وهذه ليست صفات الحقّ على الإطلاق، وإنّما هنا لابدّ من تقدير.
نقل العلاّمة الطبرسي«رحمه الله» في الاحتجاج، عن الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، قال ـ في خصوص هذه الآية الشريفة، وفي حديث طويل-: وليس جيئه _جلّ ذكره_ كجيئة خلقه; فإنّه ربّ كلّ شيء، ومن كتاب الله يكون تأويله على غير تنزيله، ولا يشبه تأويله بكلام البشر، ولا فعل البشر([7]).
ونقل الشّيخ الصدوق ; في عيون الأخبار، عن الإمام الرضا«عليه السلام» في تفسير هذه الآية، قال: إنّ الله لا يوصف بالمجيء والذهاب _تعالى عن الانتقال_ إنّما يعني بذلك: وجاء أمر ربّك... ([8]).
الربّ: يراد به السيّد، المولى، المحمود، الناصر. وأيّ سيد ومولى ومحمود وناصر أجلّ وأشرف من مولانا محمّد«صلى الله عليه وآله» وعليّ وآل عليّ صلوات الله عليهم؟! هذا أوّلا.
ثانياً : ما المقصود من الأمر الّذي يجيء؟
الأمر ليس لفظاً أو مصطلحاً اعتبارياً، أو شيئاً مجهولا ، بل الأمر الذي يجيء مع الملائكة، ويصطفّ معهم يراد به حقيقة وجوديّة كالملائكة، هذه الحقيقة الوجوديّة المعبّر عنها بالأمر تجدها مصرّحاً بها في «الزيارة الجامعة الكبيرة» حيث يقول المعصوم«عليه السلام» : «والمستقرّين في أمر الله» وقوله: «وأمره إليكم»([9])وورد في زيارة الإمام الحسين«عليه السلام»: «إرادة الربّ في مقادير اُموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم»([10]).
قد يقول قائل: ما هو الوجه والفائدة من هذه الأبحاث الّتي غالباً ما تكون عميقة وصعبة على الناس؟
وفي الجواب نقول: رُفع سبب الصعوبة، الآن نحن في عصر انفتاح باب العلم على مصراعيه، في الشرق والغرب. يقال : إنّه سيكون هناك جهاز يستطلع حركات كلّ من في المشرق والمغرب، وكذلك القرص النوري الخاص بجهاز العقل الآلي «الكمبيوتر» الحاوي على ملايين الكلمات والمعلومات الّتي تكون حاضرة بين يديك في أقلّ من لحظة، فإذا كان العقل وصل إلى هذه المقدرة، فهل يصعب على أمير المؤمنين«عليه السلام» أن يكون خازن العلوم، وأنّ فيه أسرار الكتاب المبين؟!
لاريب، أنّه كلّما تصاعدت درجات المعرفة، تصاعدت درجات الفهم والإقبال على اُولئك الأشخاص، ومن هذا السرّ _أي سرّ العلم_ ننطلق لكي نعرّف تلك الأسرار لأمير المؤمنين«عليه السلام» حتّى يذعن الإنسان بين يدي أقطاب الوجود في العالمين: المولى عليّ وآل عليّ صلوات الله عليهم.
إذن ، فالمراد بـ «أنا الصوم»: يعني أنا سرّ الصوم، يعني كلّ الفرائض متعلّقة بولايتي، كلّ الأشياء مرتبطة بها. وكلّ الرسالات والرّسل وجميع الكتب والصحف من زبور وإنجيل وتوراة وفرقان... كلّها متوقّفة على الروح العلويّ، بمعنى أنّه لا قيمة لصوم وغيره، في جميع الأطوار والأكوار السماويّة والأرضيّة إلاّ بمعرفة السرّ العلويّ المكنون، المراد في كلّ شيء. وهذا المعنى، بل هذه الحقيقة مبرهن عليها ومصرّح بها في القرآن المجيد.
فكلّ شيء مرتبط تمام الارتباط بهذا السرّ، لذا قال المولى: «أنا الصيام» «أنا شهر رمضان» «أنا ليلة القدر» بمعنى، أنّها كلّها قوالب حقيقتها وباطنها وسرّها ولاية الميامين صلوات الله عليهم.
قال الحقّ سبحانه _مخاطباً خاتم أنبيائه وسيّد رسله«صلى الله عليه وآله»_: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)([11]). بمعنى، أنّ كلّ أتعابك، وكلّ رسالتك السماويّة الّتي هي جامعة لكلّ الرسالات السماويّة السابقة، لم تبلّغ، ولم تنزل للواقع ما لم تبلّغ ولاية عليّ بن أبي طالب «عليه السلام» ([12]).
وعندما أبلغ الرسول الأعظم«صلى الله عليه وآله» ما أمره ربّه بولاية عليّ ابن أبي طالب«عليه السلام»» نزلت الآية الشريفة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِين) ([13]).
أُنظر _أيّها الموالي_، إنّ إكمال الدين وإتمام النعمة ، بل قبول الإسلام _بكلّ واجباته ومستحباته_ منوط بولاية أمير المؤمنين صلوات الله عليه.
فهذا معنى: أنا شهر رمضان، أنا ليلة القدر، أنا أمّ الكتاب، أنا فصل الخطاب... بل نحن الصلاة والصيام والليالي والأيام.
يعني، أنا سرّ هذه الفرائض والأحوال، أنا باطنها. فصوم ليس فيه معرفة لولايتهم صوم أجوف لا قيمة له، ولا أثر له إلاّ الجوع والعطش؛
لأنّه لم يرتكز على المحور الربّانيّ، والسرّ الإلهيّ، وهو معرفة مولانا عليّ بن أبي طالب«صلى الله عليه وآله».
روى البرسيّ«رحمه الله» في مشارق أنوار اليقين، قال:
روى صاحب عيون أخبار الرضا«عليه السلام» قال:
إنّ أمير المؤمنين «عليه السلام» مرّ في طريق، فسايره خيبريّ، فمرّ بواد قد سال،فركب الخيبريّ مرطة، وعبر على الماء، ثمّ نادى أمير المؤمنين«عليه السلام»:
يا هذا! لو عرفت ما عرفت لجزت كما جزت.
فقال له أمير المؤمنين«عليه السلام»: مكانك! ثمّ أومأ بيده إلى الماء فجمد، ومرّ عليه، فلمّا رأى الخيبري ذلك، أكبّ على قدميه، وقال له:
يا فتى، ما قلت حتّى حوّلت الماء حجراً؟
فقال له أمير المؤمنين«عليه السلام»: فما قلت أنت حتّى عبرت على الماء؟
فقال الخيبري: أنا دعوت الله باسمه الأعظم.
فقال له أمير المؤمنين «عليه السلام»: وما هو؟
قال: سألته باسم وصيّ محمّد«صلى الله عليه وآله».
فقال أمير المؤمنين «عليه السلام»: أنا وصيّ محمّد«صلى الله عليه وآله».
فقال الخيبريّ: إنّه لحقّ، ثمّ أسلم([14]).
أجل أخي الفاضل، إنّه عليّ أمير المؤمنين، الّذي وضع اسمه على العرش فاستقرّ، وعلى السماوات فقامت، وعلى الأرض ففرشت، وعلى الريح فذرت، وعلى البرق فلمع، وعلى الوادي فهمع، وعلى النور فقطع، وعلى السحاب فدمع، وعلى الرعد فخشع، وعلى الليل فدجا وأظلم، وعلى النهار فأنار وتبسّم.([15])
التفسير الثاني: أنّ المراد بالصيام هو الحقيقة الولائيّة المطلقة; لأنّ الصوم هو إفراغ النفس عن كلّ لون من ألوان الودّ والمحبّة للجبت والطاغوت، أي عبارة عن تخليص النفس من الشوائب، وأيّ شائبة أعظم من شائبةّ حبّ الجبت والطاغوت ! وأيّ عبادة يخلص فيها الباطن أعظم من ولاء عليّ وآل عليّ «صلوات الله عليهم» فإذا صمت _بمعنى حقيقة الصوم_ أصبحت مصداقاً للوليّ، وإذا صرت وليّاً صرت بمرتبة من هو بين قاب قوسين أو أدنى ولكن لا يدرك حقيقة الصوم إلاّ النبيّ أو الإمام أو العبد الذي امتحن الله قلبه للإيمان.
إذن، قوله «عليه السلام»: «أنا الصيام» بمعنى، أنا الفرض الربّاني الّذي ما من فرض إلاّ وحقيقته وجوهره وروحه ولايتي، والانكشاف نحو حقيقة التوجّه إلى مقامي.
قال عزّ وجلّ: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ)([16]) يعني هل أنت ملاق الربّ بمعنى الذات؟ حاشا لله، هذا كفر بالله عظيم، فإذا قال: أنا ألقى الله! وأتحدّث وأرى وما أشبه، هذه كلمات باطلة بنصّ القرآن الكريم([17]). فالمقصود بلقاء الربّ هو: لقاء أولياء الله«عليهم السلام» لقاء وجه الله، لقاء نور الله؛ لأنّ الله ليس بجسم، ولا يعقل أن يتّصف بذلك أو غيره من الصفات الإمكانية تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
إذن قوله تعالى: «أنا اُجزى به» يعني، محمّد«صلى الله عليه وآله» هو الجزاء، عليّ هو الجزاء، الأئمّة المعصومون هم الجزاء. هذه هي الحقيقة الّتي نستطلعها من خطابات المولى أمير المؤمنين صلوات الله عليه: أنا الصيام، أي أنّ حقيقة الصوم هي التولّي، هي المعرفة والانكشاف لوجه الله، وهم وجه الله على الإطلاق.
أورد الصفار في «بصائر الدرجات» عن الحرث بن المغيرة، قال: كنّا عند أبي عبد الله «عليه السلام» فسأله رجل عن قول الله تعالى: (كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ) ([18]) فقال:
ما يقولون؟ قلت: يقولون هلك كلّ شيء إلاّ وجهه.
فقال: سبحان الله! لقد قالوا عظيماً، إنّما عنى كلّ شيء هالك إلاّ وجهه الّذي يؤتى منه، ونحن وجهه الّذي يؤتى منه.([19])
هذه بعض أسرار مولانا أمير المؤمنين«عليه السلام» وكلّ مؤمن مستعدّ في مثل هذه الليلة المباركة لأن يكون ضيفاً على الله، فقد ورد عن الرسول الأعظم«صلى الله عليه وآله» في شهر رمضان، أنّه قال: وهو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجُعلتم فيه من أهل كرامة الله([20]). أي ضيافة وليّ الله، وضيافة عبد الله المطلق، ووليّه الّذي لا حدّ له في هذا الوجود.
والحمّد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وآله الهداة المهديّين