المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الامام المهدي الموعود عليه السلام وغيبته في بشارات الأديان



ramialsaiad
14-08-2010, 01:21 PM
المهدي الموعود(عليه السلام) وغيبته في بشارات الأديان

علاقة الإيمان بالمصلح العالمي يعتبر الايمان بحتمية ظهور المصلح الديني العالمي وإقامة الدولة الإلهية العادلة في كل الأرض من نقاط الاشتراك البارزة بين جميع الأديان (1)، والاختلاف فيما بينها إنّما هو في تحديد هوية هذا المصلح الديني العالمي الذي يحقق جميع أهداف الأنبياء(عليهم السلام).

وقد استعرض الدكتور محمد مهدي خان في الأبواب الستة الاُولى من كتابه (مفتاح باب الأبواب) آراء الأديان الستة المعروفة بشأن ظهور النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله) ثم بشأن المصلح العالمي المنتظر وبيّن أن كلَّ دين منها بشّر بمجيء هذا المصلح الإلهي في المستقبل أو في آخر الزمان ليصلح العالم وينهي الظلم والشر ويحقق السعادة المنشودة للمجتمع البشري.(2) كما تحدث عن ذلك الميرزا محمد الاستربادي في كتابه (ذخيرة الأبواب) بشكل تفصيلي، ونقل طرفاً من نصوص وبشارات الكثير من الكتب السماوية لمختلف الأقوام بشأنه.

وهذه الحقيقة من الواضحات التي أقرَّ بها كل مَن درس عقيدة المصلح العالمي حتى الذين أنكروا صحتها أو شككوا فيها كبعض المستشرقين مثل جولد زيهر المجري في كتابه (العقيدة والشريعة في الإسلام)،(3) فاعترفوا بأنها عقيدة عريقة للغاية في التأريخ الديني وجدت حتى في القديم من كتب ديانات المصريين والصينيين والمغول والبوذيين والمجوس والهنود والأحباش فضلاً عن الديانات الكبرى الثلاث: اليهودية والنصرانية والإسلامية.(4)

فالبشارات بالمنقذ في الكتب المقدسة:

والملاحظ في عقائد هذه الأديان بشأن المصلح العالمي أنها تستند الى نصوص واضحة في كتبهم المقدسة القديمة وليس الى تفسيرات عرضها علماؤهم لنصوص غامضة حمّالة لوجوه تأويلية متعددة.(5)

وهذه الملاحظة تكشف عراقة هذه العقيدة وكونها تمثل أصلاً مشتركاً في دعوات الأنبياء ـ صلوات الله عليهم ـ، حيث ان كل دعوة نبوية ـ وعلى الأقل الدعوات الرئيسة والكبرى ـ تُمثل خطوة على طريق التمهيد لظهور المصلح الديني العالمي الذي يحقق أهداف هذه الدعوات كافة.(6)

كما أن للتبشير بحتمية ظهور هذا المصلح العالمي تأثيراً على هذه الدعوات فهو يشكل عامل دفع لاتباع الأنبياء للتحرك باتجاه تحقيق أهداف رسالتهم والسعي للمساهمة في تأهيل المجتمع البشري لتحقيق أهداف جميع الدعوات النبوية كاملة في عصر المنقذ الديني العالمي.

ولذلك كان التبشير بهذه العقيدة عنصراً أصيلاً في نصوص مختلف الديانات والدعوات النبوية.

رسوخ الفكرة في الديانتين اليهودية والنصرانية

إن الإيمان بفكرة ظهور المصلح ثابت عند اليهود مدوّن في التوراة والمصادر الدينية المعتبرة عندهم، وقد فصّل الحديث عن هذه العقيدة عند اليهود كثير من الباحثين المعاصرين خاصةً في العالم الغربي مثل جورج رذرفورد في كتابه (ملايين من الذين هم أحياء اليوم لن يموتوا أبداً)، والسناتور الأميركي بول منزلي في كتابه (من يجرؤ على الكلام) والباحثة غريس هالسل في كتابها (النبوءة والسياسة). وغيرهم كثير.(7)

فكل مَن درس الديانة اليهودية التفت الى رسوخ هذه العقيدة فيها. والنماذج التي ذكرناها آنفاً من هذه الدراسات اختصت بعرض هذه العقيدة بالذات عند اليهود والآثار السياسية التي أفرزتها نتيجة لتحرك اليهود انطلاقاً من هذه العقيدة، وفي القرون الأخيرة خاصة بهدف الاستعداد لظهور المنقذ العالمي الذي يؤمنون به.

وسبب هذا التحرك هو أن عقيدة اليهود في هذا المجال تشتمل على تحديد زمني لبدء مقدمات ظهور المنقذ العالمي; الذي يبدأ من عام (1914) للميلاد ـ وهو عام تفجر الحرب العالمية الاُولى كما هو معروف ـ، ثم عودة الشتات اليهودي الى فلسطين وإقامة دولتهم التي يعتبرونها من المراحل التمهيدية المهمة لظهور المنقذ الموعود، ويعتقدون بأن العودة الى فلسطين هي بداية المعركة الفاصلة التي تنهي وجود الشر في العالم ويبدأ حينئذ حكم الملكوت في الأرض لتصبح الأرض فردوساً).(8)

وبغض النظر عن مناقشة صحة ماورد من تفصيلات في هذه العقيدة عند اليهود، إلاّ أن المقدار الثابت هو أنها فكرة متأصلة في تراثهم الديني وبقوة بالغة مكّنت اليهودية ـ من خلال تحريف تفصيلاتها ومصاديقها ـ أن تقيم على أساسها تحركاً استراتيجياً طويل المدى وطويل النفس، استقطبت له الطاقات اليهودية المتباينة الأفكار والاتجاهات، ونجحت في تجميع جهودها وتحريكها باتجاه تحقيق ما صوّره قادة اليهودية لأتباعهم بأنه مصداق التمهيد لظهور المنقذ الموعود.

وواضح أنّ الايمان بهذه العقيدة لو لم يكن راسخاً ومستنداً الى جذور عميقة في التراث الديني اليهودي لما كان قادراً على إيجاد مثل هذا التحرك الدؤوب ومن مختلف الطاقات والاتباع، فمثل هذا لا يتأتى من فكرة عارضة أو طارئة لا تستند الى جذور راسخة مجمع عليها.

كما آمن النصارى بأصل هذه الفكرة استناداً الى مجموعة من الآيات والبشارات الموجودة في الإنجيل والتوراة. ويصرح علماء الإنجيل بالايمان بحتمية عودة عيسى المسيح في آخر الزمان ليقود البشرية في ثورة عالمية كبرى يعم بعدها الأمن والسلام كل الأرض كما يقول القس الالماني فندر في كتابه (ميزان الحق)(9) وأنه يلجأ الى القوة والسيف لإقامة الدولة العالمية العادلة. وهذا هو الاعتقاد السائد لدى مختلف فرق النصارى.

الإيمان بالمصلح العالمي في الفكر غير الديني:

الملاحظ أن الايمان بحتمية ظهور المصلح العالمي ودولته العادلة التي تضع فيها الحرب أوزارها ويعم السلام والعدل في العالم لا يختص بالأديان السماوية بل يشمل المدارس الفكرية والفلسفية غير الدينية أيضاً. فنجد في التراث الفكري الإنساني الكثير من التصريحات بهذه الحتمية، فمثلاً يقول المفكر البريطاني الشهير برتراند رسل: (إن العالم في انتظار مصلح يُوحّده تحت لواء واحد وشعار واحد).(10) ويقول العالم الفيزياوي المعروف ألبرت اينشتاين صاحب النظرية النسبية: (إن اليوم الذي يسود العالمَ كله فيه السلام والصفاء ويكونُ الناس متحابين متآخين ليس ببعيد).(11)

وأدق وأصرح من هذا وذاك ما قاله المفكر الايرلندي المشهور برناردشو، فقد بشّر بصراحة بحتمية ظهور المصلح وبلزوم أن يكون عمره طويلاً يسبق ظهوره; بما يقترب من عقيدة الإمامية في طول عمر الإمام المهدي(عليه السلام); ويرى ذلك ضرورياً لإقامة الدولة الموعودة، قال في كتابه (الانسان السوبرمان) ـ وحسب ما نقله عنه الدكتور عباس محمود العقاد في كتابه عن برناردشو ـ في وصف المصلح بأنه: (إنسانٌ حيٌ ذو بنية جسدية صحيحة وطاقة عقلية خارقة، إنسانٌ أعلى يترقى إليه هذا الانسان الأدنى بعد جهد طويل، وأنه يطول عمُرهُ حتى ينيف على ثلاثمائة سنة ويستطيع أن ينتفع بما استجمعه من أطوار العصور وما استجمعه من أطوار حياته الطويلة).(12)

طول عمر المصلح في الفكر الانساني:

إن الأوصاف التي يذكرها المفكر الايرلندي للمصلح العالمي من الكمال الجسمي والعقلي وطول العمر والقدرة على استجماع خبرات العصور والأطوار بما يمكنه من انجاز مهمته الاصلاحية الكبرى قريبة من الأوصاف التي يعتقد بها مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في المهدي المنتظر (عليه السلام) وغيبته.

وقضية طول العمر في هذا المصلح العالمي التي أكد ضرورتها برناردشو; تشيرُ الى إدراك الفكر الإنساني لضرورة أن يكون المصلح العالمي مستجمعاً عند ظهوره لتجارب العصور لكي يكون قادراً على إنجاز مهمته،(13) وهذه الثمرة متحصلة من غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) الطويلة حسب عقيدة الإمامية الاثني عشرية، ولكن الفرق هو أن عقيدتنا في الإمام المعصوم تقول بأنه مستجمع منذ البداية لهذه الخبرة والثمار المرجوة من طول عمره، فهو(عليه السلام) مؤهّل بدءاً لأداء مهمته الاصلاحية الكبرى ومسددٌ إلهياً لإنجازها، قادرٌ عليها متى ما تهيأت الأوضاع الملائمة لظهوره. وانّ طول الغيبة يؤدي الى اكتساب أنصاره والمجتمع البشري واقتطافهم لهذه الثمار فيستجمعونها جيلاً بعد آخر.(14)

الإيمان بالمهدي (عليه السلام) تجسيد لحاجة فطرية:

إنّ ظهور الإيمان بفكرة حتمية ظهور المنقذ العالمي في الفكر الإنساني عموماً يكشف عن وجود أسس متينة قوية تستند إليها تنطلق من الفطرة الانسانية، بمعنى أنها تعبّر عن حاجة فطرية عامة يشترك فيها بنو الانسان عموماً، وهذه الحاجة تقوم على ما جُبل عليه الإنسان من تطلّع مستمر للكمال بأشمل صوره وأن ظهور المنقذ العالمي وإقامة دولته العادلة في اليوم الموعود يُعبّر عن وصول المجتمع البشري الى كماله المنشود.

يقول العلامة الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره): (ليس المهدي (عليه السلام) تجسيداً لعقيدة إسلامية ذات طابع ديني فحسب، بل هو عنوانٌ لطموح اتجهت إليه البشرية بمختلف أديانها ومذاهبها، وصياغة لإلهام فطري أدرك الناس من خلاله ـ على تنوع عقائدهم ووسائلهم الى الغيب ـ أن للانسانية يوماً موعوداً على الأرض تحقق فيه رسالات السماء مغزاها الكبير وهدفها النهائي، وتجد فيه المسيرة المكدودة للإنسان على مرِّ التأريخ استقرارها وطمأنينتها بعد عناء طويل.

بل لم يقتصر هذا الشعور الغيبي، والمستقبل المنتظر على المؤمنين دينياً بالغيب، بل امتد الى غيرهم أيضاً وانعكس حتى على أشد الايدلوجيات والاتجاهات رفضاً للغيب، كالمادية الجدلية التي فسرت التاريخ على أساس التناقضات وآمنت بيوم موعود، تُصفّى فيه كل تلك التناقضات ويسودُ فيه الوئامُ والسلامُ.

وهكذا نجد أن التجربة النفسية لهذا الشعور والتي مارستها الإنسانية على مرّ الزمن من أوسع التجارب النفسية وأكثرها عموماً بين بني الانسان).(15)

إذن فالإيمان بالفكرة التي يجسدها المهدي الموعود هي من اكثر وأشد الأفكار انتشاراً بين بني الانسان كافة لأنها تستند الى فطرة التطلع للكمال بأشمل صوره، أي أنها تعبّر عن حاجة فطرية، ولذلك فتحققها حتمي; لأن الفطرة لا تطلب ماهو غير موجود كما هو معلوم.

موقف الفكر الانساني من غيبة المهدي (عليه السلام):

إنّ الفكر الانساني لا يرى مانعاً من طول عمر هذا المصلح العالمي الذي يتضمنه الإيمان بغيبته وفقاً لمذهب أهل البيت (عليه السلام)، بل يرى طول عمره أمراً ضرورياً للقيام بمهمته الإصلاحيّة الكبرى كما لاحظنا في كلام المفكر الإيرلندي برناردشو. وعليه فالفكر الانساني العام لا يرفض مبدئياً الإيمان بالغيبة إذا كانت الأدلة المثبتة لها مقبولة عقلياً.

وقد تناول العلماء ايضاح الإمكان العقلي لطول عمر الإمام المهدي وعدم تعارضه مع أي واحد من القوانين العقلية، كما فعل الشيخ المفيد في كتابه (الفصول العشرة في الغيبة) والسيد المرتضى في رسالته (المقنع في الغيبة) والعلاّمة الكراجكي في رسالته (البرهان على طول عمر إمام الزمان (عليه السلام)) التي تضمنها كتابه كنز الفوائد في جزئه الثاني، والشيخ الطبرسي في (اعلام الورى)، والسيد الصدر في بحثه عن المهدي وغيرهم كثير، بل قلّما يخلو كتاب من كتب الغيبة عن مناقشة هذا الموضوع والاستدلال عليه.

الفكر الديني يؤمن بظهور المصلح العالمي بعد غيبة

إن الإجماع على حتمية ظهور المصلح العالمي مقترنٌ بالإيمان بأن ظهوره يأتي بعد غيبة طويلة، فقد آمن اليهود بعودة عزير أو منحاس بن العازر بن هارون، وآمن النصارى بغيبة المسيح وعودته، وينتظر مسيحيو الأحباش عودة ملكهم تيودور كمهدي في آخر الزمان، وكذلك الهنود آمنوا بعودة فيشنوا، والمجوس بحياة أوشيدر، وينتظر البوذيون عودة بوذا ومنهم مَن ينتظر عودة ابراهيم (عليه السلام) وغير ذلك.(16)

إذن قضية الغيبة قبل ظهور المصلح العالمي ليست مستغربة لدى الأديان السماوية، ولا يمكن لمنصف أن يقول بأنها كلّها قائمة على الخرافات والأساطير، فالخرافات والأساطير لا يمكن أن توجد فكرة متأصلة بين جميع الأديان دون أن ينكر أي من علمائها أصل هذه الفكرة، فلم ينكر أحدٌ منهم أصل فكرة الغيبة وإن أنكر مصداق الغائب المنتظر في غير الدين الذي اعتنقه وآمن بالمصداق الذي ارتضاه.

إنّ انتشار أصل هذه الفكرة في جميع الأديان السماوية كاشفٌ عن أرضية اعتقادية مشتركة رسخها الوحي الإلهي فيها جميعاً، ودعمتها تجارب الأنبياء (عليهم السلام) التي شهدت غيبات متعددة مثل غيبة ابراهيم الخليل وعودته، وغيبة موسى عن بني اسرائيل وعودته اليهم بعد السنين التي قضاها في مدين، وغيبة عيسى (عليه السلام) وعودته في آخر الزمان التي أقرّتها الآيات الكريمة واتفق عليها المسلمون من خلال ورودها في الأحاديث النبوية الشريفة، وغيبة نبي الله إلياس التي قال بها أهل السنة كما صرّح بذلك مفتي الحرمين الكنجي الشافعي في الباب الخامس والعشرين من كتابه (البيان في أخبار صاحب الزمان)، وصرّح كذلك بايمان أهل السنة بغيبة الخضر (عليه السلام) وهي مستمرة الى ظهور المهدي(عليه السلام) في آخر الزمان حيث يكون وزيره.(17)

بل إن انتشار فكرة غيبة المصلح العالمي في الأديان السابقة قد تكون مؤشراً على وجود نصوص سماوية صريحة بذلك كما سنلاحظ ذلك في نموذج النبوة الواردة في سفر الرؤيا من الكتاب المقدس والتي طبقها الباحث السني سعيد أيوب على المهدي الإمامي.

أما الاختلاف في تشخيص هوية المصلح الغائب فهو ناشئ من الخلط بين النصوص المخبرة عن غيبات بعض الانبياء (عليهم السلام) وبين النصوص المتحدثة عن غيبة المصلح العالمي، بدوافع عديدة سنشير إليها لاحقاً.

الاختلاف في تشخيص هوية المنقذ العالمي:

http://www.shiaislam.se/ar/images/stories/emam%20zaman%20-%20wallpapers%20-%20mihandownload.com%2017.jpgإذن فالإجماع قائم في الأديان السماوية على حتمية اليوم الموعود، وكما قال العلامة المتتبع آية الله السيد المرعشي النجفي في مقدمة الجزء الثالث عشر من (إحقاق الحق): (وليعلم أن الأمم والمذاهب والأديان اتفقت كلمتهم ـ إلاّ من شذ وندر ـ على مجيء مصلح سماوي إلهي ملكوتي لإصلاح ما فسد من العالم وإزاحة ما يرى من الظلم والفساد فيه وإنارة ما غشيه من الظلم، غاية الأمر أنه اختلفت كلمتهم بين من يراه عُزيراً، وبين مَن يراه مسيحاً، ومن يراه خليلاً، ومَن يراه ـ من المسلمين ـ من نسل الإمام مولانا أبي محمد الحسن السبط ومَن يراه من نسل الإمام مولانا أبي عبد الله الحسين السبط الشهيد...).

وإذا اختلفت الأديان بل الفرق والمذاهب المتشعبة عنها في تحديد هوية المصلح العالمي رغم اتفاقهم على حتمية ظهوره وعلى غيبته قبل عودته الظاهرة، فما هو سر هذا الاختلاف؟

يبدو أن سبب هذا الاختلاف يرجع الى تفسير النصوص والبشارات السماوية وتأويلها استناداً الى عوامل خارجة عنها وليس الى تصريحات أو اشارات في النصوص نفسها، وإلى التأثر العاطفي برموز معروفة لاتباع كل دين أو فرقة وتطبيق النصوص عليها ولو بالتأويل، بمعنى أن تحديد هوية المصلح الموعود لا ينطلق من النصوص والبشارات ذاتها بل ينطلق من انتخاب شخصية من الخارج ومحاولة تطبيق النصوص عليها. يُضاف الى ذلك عوامل أخرى سياسية كثيرة لسنا هنا بصدد الحديث عنها، ومعظمها واضحٌ معروف فيما يرتبط بالأديان السابقة وفيما يرتبط بالفرق الاسلامية، ومحورها العام هو: إن الإقرار بما تحدده النصوص والبشارات السماوية والنبوة نفسها ينسف قناعات لدى تلك الأديان وهذه الفرق يسلبها مبرر بقائها الاستقلالي، ومسوغ إصرارها على عقائدها السالفة.

أما بالنسبة للعامل الأول فنقول: إن النصوص والبشارات السماوية وأحاديث الأنبياء وأوصيائهم (عليهم السلام) بشأن المصلح العالمي تتحدث عن قضية ذات طابع غيبي وهو شخصية مستقبلية وعن دور تأريخي كبير يحقق أعظم إنجاز للبشرية على مدى تأريخها ويحقق في اليوم الموعود أسمى طموحاتها، والإنسان بطبعه ميال لتجسيد القضايا الغيبية في مصاديق ملموسة يحس بها، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فكل قوم يتعصبون لشريعتهم ورموزهم وما ينتمون إليه ويميلون أن يكون صاحب هذا الدور التأريخي منهم.

لذا كان من الطبيعي أن يقع الاختلاف في تحديد هوية المصلح العالمي، لأنّ من الطبيعي أن يسعى أتباع كل دين الى اختيار مصداق للشخصية الغيبية المستقبلية التي تتحدث عنها النصوص والبشارات الثابتة في مراجعهم المعتبرة والمعتمدة عندهم ممن يعرفون ويحبون من زعمائهم، يدفعهم لذلك التعصب الشعوري أو اللاشعوري لشريعتهم ورموزها، والرغبة الطبيعية العارمة في أن يكون لهم افتخار تحقق ذاك الدور التأريخي على يد شخصية تنتمي اليهم أو ينتمون إليها.

الخلط بين البشارات وتأويلها

من هنا أخذت كل طائفة تسعى لتطبيق الصفات التي تذكرها تلك النصوص والبشارات المروية لدى كل منها على الشخصية المحبوبة لديها أو أقرب رموزها الى الصفات المذكورة; فإذا وجدت بعض تلك الصفات صريحةً في عدم انطباقه على الشخصية التي اختارتها عمدت الى معالجة الأمر بالتأويل والتلفيق، أو بتغييبها أو تحريفها لتنطبق على مَن انتخبته سابقاً أو الخلط بين النصوص والبشارات السماوية ـ الواردة بشأن النبي اللاحق أو المنقذ للعالم في برهة معيّنة أو المصحح لإنحراف اُمة معيّنة ـ وبين النصوص والبشارات الخاصة بالحديث عن المصلح العالمي الذي يقيم الدولة العادلة على كل الأرض في آخر الزمان ويحقق أهداف الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) جميعاً.

منهج لحل الاختلاف

وحيث اتضح سبب الاختلاف في تحديد هوية المصلح العالمي; أمكن معرفة سبيل حلّه والتوصل الاستدلالي لمصداقه الحقيقي بصورة علمية سليمة ومقنعة، ويمكن تلخيص مراحله على النحو التالي:

1 ـ تمييز البشارات والنصوص الخاصة بالمصلح العالمي الموعود في آخر الزمان عن غيرها الواردة بشأن نبي أو وصي معين، استناداً الى دلالات نصوص البشارات نفسها ومن مصادرها الأصلية، وكذلك استناداً الى ما تقتضيه المبادئ الأولية المرتبطة بمهام الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) وسيرهم والواقع التأريخي الثابت، وكذلك ما تقتضيه معرفة الثابت من دوره ومهمته الكبرى كمصلح عالمي.

2 ـ تحديد الصفات والخصائص التي تحددها النصوص والبشارات نفسها للمصلح الموعود وبصورة مجتمعة وتوضيح الصورة التي ترسمها له قبل افتراض سابق لمصداق لها، لكي لا تكون الصورة المرسومة له متأثرة بالمصداق المفترض سلفاً.

3 ـ وبعد اكتمال الصورة التجريدية المستفادة، تبدأ عمليّة التعرف على الصفات والخصائص والحقائق التأريخية المذكورة كمصاديق للمصلح العالمي الموعود، ثم عرضها على الصورة التي ترسمها له نصوص البشارات نفسها، والمتحصلة من المرحلتين السابقتين، ليتم بذلك تبيان عدم انسجام صفات المصاديق غير الحقيقية مع تلك الصورة وبالتالي التعرف على المصداق الحقيقي من بينها.

المهدي الإمامي وحل الاختلاف

من المؤكد أن البشارات السماوية الواردة في الكتب المقدسة تهدي الى المهدي المنتظر الذي يقول به مذهب أهل البيت (عليهم السلام) كما سنشير لذلك لاحقاً، وأثبتته دراسات متعددة في نصوص هذه البشارات.(18)

إذن فالتعريف بعقيدة أهل البيت (عليهم السلام) في المهدي المنتظر(عليه السلام) يفتح آفاقاً أوسع للاهتداء للمصداق الحقيقي للمصلح العالمي الذي بشّرت به كل الديانات طبقاً لدلالات نصوص البشارات الواردة في الكتب المقدسة حتى لو كان الايمان الجديد من خلال قناعات أتباع الديانات السابقة.

وكنموذج على تأثير هذا التعريف نشير الى نتيجة تحقيق القاضي جواد الساباطي من أعلام القرن الثاني عشر الهجري، إذ كان في بداية أمره عالماً نصرانياً ثم تعرّف على الاسلام واعتنقه على المذهب السُنّي الذي كان أول ما عرف من الفرق الاسلامية، وألف كتابه المعروف (البراهين الساباطية) في ردِّ النصارى وإثبات نسخ شرائعهم; استناداً الى ما ورد في نصوص كتبهم المقدسة.(19)

رأي القاضي الساباطي

تناول القاضي الساباطي إحدى البشارات الواردة في كتاب أشعيا من العهد القديم من الكتاب المقدس بشأن المصلح العالمي، ثم ناقش تفسير اليهود والنصارى لها ودحض تأويلات اليهود والنصارى لها ليخلص الى قوله: (وهذا نصٌّ صريحٌ في المهدي ـ رضي الله عنه ـ حيث أجمع المسلمون انه (رضي الله عنه) لا يحكم بمجرد السمع والظاهر، ومجرد البيّنة بل لا يلاحظ إلا الباطن، ولم يتفق ذلك لأحد من الأنبياء والأولياء).

ثم يقول بعد تحليل النص: (... وقد اختلف المسلمون في المهدي، فأما أصحابنا من أهل السنة والجماعة قالوا: إنه رجل من أولاد فاطمة (عليها السلام)، اسمه محمد واسم أبيه عبدالله واسم اُمه آمنة.

وقال الإماميون: بل هو محمد بن الحسن العسكري الذي ولد سنة خمس وخمسين ومائتين من جارية للحسن العسكري(عليه السلام) اسمها نرجس في (سُرَّ من رأى) في عصر المعتمد ثم غاب سنة (20) ثم ظهر ثم غاب وهي الغيبة الكبرى ولا يرجع بعدها إلا حين يريد الله تعالى.

ولما كان قولهم أقرب لما يتناوله هذا النص وإن هدفي الدفاع عن أُمة محمد (صلى الله عليه وآله) مع قطع النظر عن التعصب لمذهب; لذلك ذكرت لك أن ما يدعيه الإمامية يتطابق مع هذا النص).(21)

فنلاحظ هنا أن هذا العالم الخبير بالنصرانية يصرح بانطباق البشارة مورد البحث على المهدي المنتظر طبق ما يعتقده مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، على الرغم من عدم انتمائه الى المذهب الشيعي بعد اعتناقه الاسلام، فخالف رأي المذهب الذي ينتمى إليه في هذا المجال ورجَّح رأي مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وصرّح بانطباق بشارة كتاب أشعيا على هذا الرأي.

والذي أوصله الى الاهتداء للمصداق الحقيقي هو التعرف على رأي الإمامية في المهدي المنتظر(عليه السلام)، وبدون التعرف على هذا الرأي لعله لم يكن ليتوصّل الى المصداق الذي تنطبق عليه البشارات المذكورة ولولا ذلك لكان يقتصر إمّا على رد أقوال النصارى بشأن البشارة المذكورة أو اغفالها اصلاً أو تأويل بعض دلالالتها لتنطبق على رأي المذهب الذي كان ينتمي اليه في المهدي الموعود.

والملاحظة نفسها نجدها في دراسات علماء آخرين من أهل الكتاب بشأن هذه البشارات، فقد أصبح من اليسير عليهم معرفة المصداق الذي تتحدث عنه عندما تعرفوا على رأي مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في المهدي المنتظر وخاصة الذين اعتنقوا الاسلام وتهيأت لهم فرصة التعرف على هذا الرأي، وقد أثارهم شدة انطباق ما تذكره البشارات التي عرفوها في كتب دياناتهم السابقة على المهدي المنتظر (عليه السلام) الذي تؤمن به الإمامية; الأمر الذي دفعهم الى دراسة هذه البشارات في كتبهم.

والنموذج الآخر هو: ما فعله العلاّمة محمد صادق فخر الاسلام الذي كان نصرانياً واعتنق الاسلام وانتمى لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) وألّف كتابه الموسوعي (أنيس الأعلام) في رد اليهود والنصارى (22) وتناول فيه دراسة هذه البشارات وانطباقها على الإمام محمّد المهدي بن الحسن العسكري (عليهما السلام). مثل ما فعله العلاّمة محمد رضا رضائي الذي أعرض عن اليهودية ـ وقد كان من علمائها ـ واعتنق الاسلام وألّف كتاب (منقول رضائي) الذي بحث فيه أيضاً موضوع تلك البشارات وأثبت النتيجة نفسها.









الهوامش

(1) راجع مثلاً كتاب آية الله الشيخ محمد أمين زين الدين، مع الدكتور أحمد أمين في حديث المهدي والمهدوية: 13.

(2) ملحقات إحقاق الحق لآية الله المرعشي النجفي، 29: 621 ـ 622.

(3) العقيدة والشريعة في الإسلام: 218 حيث وصفها بأنها من الأساطير ذات الجذور غير الإسلامية لكنه قال أيضاً باتفاق كلمة الأديان عليها، المصدر: 192، والإنكار الحديث للفكرة مصدره المستشرقون وتابعهم بعض المتأثرين بهم من المسلمين أمثال أحمد أمين.

(4) راجع أيضاً الإمامة وقائم القيامة للدكتور مصطفى غالب: 270.

(5) راجع النصوص الخاصة بالمهدي الموعود من كتاب (بشارات عهدين) للشيخ محمد الصادقي.

(6) لمعرفة تفصيلات هذا التمهيد يُراجع كتاب تأريخ الغيبة الكبرى للسيد الشهيد محمد الصدر(رحمه الله)، في حديثه عن التخطيط الإلهي لليوم الموعود قبل الإسلام: 251 وما بعدها.

(7) راجع أيضاً أهل البيت في الكتاب المقدس، احمد الواسطي: 121 ـ 123.

(8) صحيفة العهد اللبنانية العدد: 685، مقال تحت عنوان (حركة شهود يهوه، النشأة، التنظيم، المعتقد).

(9) بشارت عهدين: 261، نقلاً عن كتاب ميزان الحق للقس الالماني فندر: 271.

(10) المهدي الموعود ودفع الشبهات عنه، للسيد عبد الرضا الشهرستاني: 6.

(11) المهدي الموعود ودفع الشبهات عنه، للسيد عبد الرضا الشهرستاني: 7.

(12) برناردشو، للاستاذ عباس محمود العقاد: 124 ـ 125، وعلق الاستاذ العقاد على كلمة برناردشو بالقول: ؤأ (يلوح لنا أن سوبرمان شو ليس بالمستحيل، وأن دعوته لا تخلو من حقيقة (ثابتة)، نقلاً عن كتاب المهدي المنتظر في الفكر الاسلامي: 9، وقد نقلها عن العقاد الشيخ محمد حسن آل ياسين في كتابه المهدي المنتظر بين التصور والتصديق: 81.

(13) راجع توضيح هذه النقطة في البحث القيم الذي كتبه آية الله الامام الشهيد الصدر حول المهدي : 41 ـ 48، ط 3 دار التعارف.

(14) لمزيد من التوضيح راجع تأريخ الغيبة الكبرى: 276 وما بعدها.

(15) بحث حول المهدي: 7 ـ 8.

(16) راجع مثلاً كتاب (دفاع عن الكافي) للسيد العميدي: 1/181، وإحقاق الحق: 13/ 3 ـ 4.

(17) البيان في أخبار صاحب الزمان: 149 ـ 150.

(18) نظير كتاب بشارات عهدين للشيخ محمد الصادقي وترجمته العربية بقلم المؤلف نفسه المطبوع باسم: (البشارات والمقارنات). ومثله بالفارسية: بشارات صحف آسماني به ظهور حضرت مهدي(عليه السلام) لعلي أكبر شعفي اصفهاني، والعربية: المهدي المنتظر والعقل لمحمد جواد مغنية.

(19) كشف الأستار للميرزا حسن النوري: 84، وأولى منه كتاب كبير في ست مجلدات بعنوان: أنيس الأعلام في نصرة الإسلام. لعالم نصراني أرميني كبير اعتنق الإسلام على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وكتب ذلك الكتاب بالفارسية استجابة لاقتراح علماء الإسلام، من أواخر القرن الثاني عشر وأوائل الثالث عشر، سيأتي ذكره آنفاً باسم الشيخ محمد صادق فخر الإسلام، وهذا ما لقّبه به علماء اصفهان يومئذ تقديراً لجهوده في مجلدات كتابه القيّم.

(20) الثابت أن غيبة الإمام المهدي بعد وفاة أبيه ـ (عليهما السلام) ـ استمرت 69 سنة. فلعل الساباطي ترك بياضاً ليتأكد من المدّة ثم نسي ملء الفراغ فانتشر الكتاب كذلك.

(21) المصدر السابق: 85، وذكر أن كتاب البراهين الساباطية قد طبع قبل اكثر من ثلاثين من تأريخ تأليف كتابه كشف الأستار.

(22) بشارات عهدين: 232، وذكر أن العالم المذكور كان من متتبعي علماء النصارى ومحققيهم واعتنق الاسلام بعد دراسة معمقة استغرقت أمداً وأ لّف عدة كتب منها الكتاب المذكور الذي يُوصف بأنه أفضل ما اُ لّف في الرد على اليهود والنصارى.

عن كتاب أعلام الهداية

العجرشي
14-08-2010, 01:38 PM
احسنت اخي الرائع على البحث الموفق ونسأل الباري ان يوفقكم لما يحب ويرضى
نسألكم ادعاء

عمارالطائي
16-08-2010, 09:12 PM
احسنتم وبحث في غاية الاهمية