المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المعاد



لواء صاحب الزمان
03-08-2009, 04:48 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة وأزكى التسليم على النبي الأمين وآله المعصومين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين الى قيام يوم الدين..


الروح والجسد:

للمرء في هذه الحياة: روح وجسد، الروح تدرك والجسد يتحرك.

والجسد كثوب للروح، فالروح هي التي تبصر وتسمع، وتذوق وتلمس، وتشم وتفكر.. والجسد كالآلة.

فكما أن النجار لا يقطع الخشب إلا بالآلة، والقاطع هو النجار، وكما أن الحداد لا يصنع الماكنة إلا بالماشة.. والصانع الحداد.. كذلك الروح تفعل، والجسد كالآلة.

وللروح غير هذه الادراكات الخمسة الظاهرة أعمال أخر: كالتفكير والتعقل..

والروح حقيقتها مجهولة، وإن عرفنا آثارها، وقد عجز العلم مع هذا التقدم المدهش عن اكتناهها.

وقد أشار القرآن الحكيم إلى غموض هذا المخلوق، بقوله: (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) الإسراء: 85.

وقد ارتكس بعض الماديين في الجهل الشائن: فزعم أن ليس هناك أمر وراء المادة، والروح إنما هي من آثاره، وأقاموا لذلك شواهد، زاعمين انهم بذلك تحرروا عن توابع الروح، لكن كشف ستار جهلهم استحضار الأرواح، الذي أصبح من العلوم الشائعة، من نصف قرن تقريباً.

وقد حاولوا أول مرة خنق أصوات المكتشفين، بالتهريج و..، لكن خاب أملهم، وخنعوا أخيراً لهذه الحقيقة البارزة، وقد تحشدت الصحف والمختبرات قواها لدعم هذه الحقيقة، حتى أدت الملايين من الناس صدق المدعى.

وما كتاب: (على حافة العالم الأثيري) إلا كقطرة بالنسبة إلى بحر من هذا العلم العجيب.

وعلى أي: فالروح موجودة، وهي تدير هذا البدن، إدارة الحكومة للمملكة.

وهي وسيعة جداً، وليست كضيق البدن في الحركة والسكون، فقد تذهب إلى بلاد بعيدة، وترى أشياءً عجيبة، والبدن ملقى بين يدي المحضِّر.

وليست الرؤيا إلا لمحة من أشعة الروح، وإن لم يكتشف العلم حقيقة الرؤيا ـ أيضاً ـ إلى يومنا هذا.

وليس العامل لإنكار الروح، الذي يزعمه، أو يتزعمه بعض الناس، إلا أحد أمرين:

1: ضيق الفكر، وقلة الثقافة.

2: الخلاص من تبعات القول بوجود الروح.

وكلا الأمرين آفة ومرض، يجب مكافحتها، كما تكافح الجرائم.

فإن قلة الثقافة في عصر العلم، جريمة لا تغتفر.

والتخلص من تبعات حقيقة معلومة لها آثارها الحسنة أو السيئة، ليس تخلصاً في الحقيقة، بل هو زعم سينال الزاعم وبال أمره، وتكون عاقبة أمره خسراً، فهو كمن ينكر إحراق النار ثم يلقي نفسه فيها، أو يزعم أن السم لا يؤثر ـ مرضاً أو هلاكاً ـ فيشربه، فيلزم على كل أحد أن يلزم على يديه لكي لا يلقي بنفسه إلى التهلكة بأهوائه وشهواته.

وربما عذرنا من ينكر الروح، لو كان الأمر مجرد إخبار الصادقين من الأنبياء والصلحاء (عليهم السلام)، وقبلنا عذر المنكر الزاعم: انه لا يعترف إلا بالمحسوس ـ وإن كان لا مجال للإنكارـ .

أما وقد دخل الأمر في نطاق المحسوس، وخضع أمام مدرسة التجريب.. فلاعذر لمنكر.



بين العَالَمَين:

للإنسان سفر طويل ذو مراحل:

يسافر جسمه من الأرض، ثم من النبات، ثم من الحيوان، حتى ينعقد نطفة.

ثم يسافر إلى الرحم، فهو علقة، ثم مضغة، ثم لحم وعظام، ثم خلق سوي.

ثم يسافر إلى الدنيا، فهو وليد، ثم طفل، ثم يافع، ثم شاب، ثم كهل وهرم.

ثم يسافر إلى الأرض ثانية، فيبقى مدة، حتى يصير تراباً.

هذا سفر جسمه.

أما سفر روحه: فقد خلقت الروح قبل الجسد ـ كما تنبؤنا الأحاديث (مثل ما ورد في عالم الذر) ـ .

ثم تتعلق بالجسد ـ وهو الجنين ـ، ثم تصاحبه في دار الدنيا، ثم تفارقه بعد الموت.

ولا تبطل الروح بعد الموت، بل تبقى:

إما منعمة، إن كانت أحسنت في الدنيا.

وإما معذبة، إن كانت أساءت.

وهذا الدور للروح يسمى: (البرزخ).

وقد ظهر علم التحضير من هذا الدور للروح المدهش العجيب، وصدق ما كان يقوله القرآن والأنبياء (عليهم السلام) من ذي قبل:

يقول القرآن العظيم: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون) البقرة: 154.

وقال تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون*فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون*يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأَن الله لا يضيع أجر المؤمنين) آل عمران: 169-171.

وقال رجل للإمام الصادق عليه السلام: (أتتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه، أم هو باق؟ قال عليه السلام: بل هو باق..) (الاحتجاج: ص350، إحتجاج أبي عبد الله الصادق عليه السلام في أنواع شتى من العلوم….)

وقال حبَّة العرني: (خرجت مع أمير المؤمنين عليه السلام إلى الظهر، فوقف بوادي السلام، كأنه مخاطب لأقوام، فقمت بقيامه، حتى عييت، ثم جلست حتى مللت، ثم قمت حتى نالني ما نالني أولاً، ثم جلست حتى مللت، ثم قمت وجمعت ردائي، فقلت: يا أمير المؤمنين! إني قد أشفقت عليك من طول القيام، فراحة ساعة، ثم طرحت الرداء ليجلس عليه.

فقال عليه السلام : يا حبَّة! إن هو إلا محادثة مؤمن، أو مؤانسته.

قال: قلت: يا أمير المؤمنين! وانهم لكذلك؟

قال عليه السلام : نعم، ولو كشف لك لرأيتهم: حلقاً حلقاً، محتبين يتحادثون.

فقلت: أجسام أم أرواح؟

فقال: أرواح) الكافي: ج3 ص 243 ح1، وبحار الأنوار: ج6 ص267 ب8 ح117.

يقول علماء التحضير: إنهم سألوا عن الروح الذي حضَّروه: هل إنكم هناك في سعادة أو بؤس؟ فأجاب: بأنهم مختلفة المراتب.

وسألوا: هل هناك ماء وشجر، وروض وقصر؟ فأجاب: إنها موجودة هناك، وأجمل من الدنيا بدرجات. ولكنها ليست مما ألفه الإنسان في هذه الحياة، بل قسم لم يشاهده الإنسان.

وبعد أن أيَّد العلم التجريبي هذه الحقائق، لا يحق لأحد أن يقول:

1: نحن لا نرى العقاب والثواب، والحور والقصور، والروض والزهور.

2: لم يأتنا أحد يخبرنا عن ذلك العالم، حتى نصدقه.

اذ يجيب علم التحضير على الكلامين:

1: إنا رأينا الثواب والعقاب..

2: أتتنا الأرواح، وأخبرتنا عن ذلك العالم..



النشأة الأخرى:

لم يزل الأنبياء (عليهم السلام) والمفكرون، يبشرون الصالحين وينذرون الطالحين بنشأة آخرى، تتشكل فيها محكمة كبرى، فيجازى المحسن بالإحسان ثواباً، والمسيء بالإساءة عقاباً.

ولم يزل الماديون ينكرون ذلك.

والصراع بين الطائفتين وأتباعهم قائم على قدم وساق، من يوم أن سكن الإنسان الأرض إلى هذا اليوم.

وترجع خلاصة حجج الطائفة الثانية إلى:

1: إنا لم نر ميتاً حيَّ بعد ما صار تراباً.

2: إنا لم نر عالماً آخر.

3: الروح يعدم، فلا يمكن إعادته.

وهذه الحجج تشبه حجج من كان ينكر (أمريكا) قبل كشفها، أو كان ينكر إمكان أن يتكلم أحد في شرق الأرض فيسمعه الناس في غربها.. فهي استبعادات تافهة، لم يقم عليها دليل.

ويمكن الإجابة على هذه الحجج بأنه:

1: رأى كثير من الناس إحياء الموتى: كإبراهيم عليه السلام، وعزير عليه السلام ومناصري عيسى عليه السلام .. وأي فرق بين هذه الإخبارات، وأخبار حوادث التاريخ، التي نصدق بها دون الأولى؟

2و3: رأى كثير من الناس العالم الآخر، وقد أخبرونا بواسطة التحضير، دع عنك الأنبياء والأئمة والصالحين.. (عليهم السلام).

ولنفرض العالَم أمام الله، كمنضدة كيماوي يجمع شتات بعض المعادن ويفرق بين الأجزاء المتباينة، والله أقدر من الكيماوي وأعلم..

وقد نقل الله حجج المنكرين وردّهم في القرآن في عدة آيات:

قال تعالى: (ويقول الانسان أإذا ما متّ لسوف أخرج حياً*أو لا يذكر الإنسان أَنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً)‎ مريم: 66-؟!

ألم يك تراباً، ثم صار نباتاً، ثم حيواناً، ثم نطفة، ثم إنساناً؟!

إن من يقدر على الإبتداء، يقدر على الإعادة.. قال سبحانه: (أفعيينا بالخلق الأول) ق: 15 كلا،‍‍ لا يعي الخالق العظيم.

وقال تعالى: (وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج*ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير*وأَن الساعة آتية لا ريب فيها وأَن الله يبعث من في القبور) الحج: 5-7.

إن الحبة ميتة، والتراب ميت، فمن يحييها في ظلمة التراب الكدر حتى تنبت من كل زوج بهيج؟‍

أليس هو الله؟

إذن: فما الفرق بين إحياء ميت الإنسان، وميت الحبة؟‍

قال عزوجل: (ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون)‍ الواقعة: 62.

يروى أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وهو يزعم أنه يفحمه، فأخذ عظماً وفته أمامه صلى الله عليه وآله وقال: من يحيي هذا؟

فأجابه القرآن: (وضرب لنا مثلاً‍ ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم* قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم) يس: 78-79.

وقال تعالى: (أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم) يس: 81.

ثم هل من العدل: أن يفسد بعض البشر في الأرض، ويهلك الحرث والنسل إشارة إلى قوله تعالى: (واذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل) سورة البقرة: 205، ثم يموت في كمال العز، ولا يحاسب على ذلك؟

أو هل من العدل: أن يتحمل المصلح أعباء الإصلاح، ويتجرع المرارات، ثم يقتل مظلوماً، فلا يجزى بما عمل؟

إن الآخرة دار جزاء، قال تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره*ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) الزلزلة:7-8.



النعيم والجحيم:

الإنسان مهما يعمل في هذه الدنيا: من خير أو شر، حسن أو قبيح، فإنه يجازى بها في القيامة، وله عليها حفظة من الملائكة يكتبون كل شيء: من طرفة عين، أو استراق سمع، أو تكلم لسان، أو لمس جسم، أو نية قلب.

قال تعالى: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً*إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً) الاسراء : 13-14.

وحين يأخذ الآخذ كتابه، يقول سبحانه: (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحداً) الكهف: 49.

وقال تعالى:( فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره*ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) الزلزلة: 7-8.

وقال سبحانه: (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون*فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون*وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون) الروم: 14-16.

فهناك: جنة نعيم، وحور مقصورات في الخيام، وولدان مخلدون كأنهم لؤلؤ مكنون، وفاكهة كثيرة، وشراب، ولحم طير مما يشتهون، ورضوان من الله أكبر، وأصدقاء متقابلون على الأرائك، تعرف في وجوههم نضرة النعيم، دعواهم فيها سبحانك اللهم، وتحيتهم فيها سلام، لا يرون فيها برداً ولا حراً، ولا موتاً ولا هرماً، لهم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون، ونزع ما في صدورهم من غل لا يتحاسدون ولا يتباغضون هذه إشارة إلى الآيات القرآنية التي وردت في نعيم الجنة.

وهناك: عذاب جحيم، ونار وسموم، وطعام من غسلين، وشراب من حميم، وأزواج من شياطين مقرنين، يدعون ثبوراً، يلعن بعضهم بعضاً، لباسهم من قطران، ومكانهم ضيق في أخاديد من النيران، وغضب من الله أكبر، لا يجدون نصيراً ولاظهيراً، ولا ملجأً ولا مناصاً، ويأتيهم الموت من كل مكان ولكن لا يموتون، وهم في العذاب خالدون هذه إشارة إلى الآيات الواردة في عذاب الجحيم، لا يموتون فيستريحون، ولا يحيون حياة المنعمين..

ذاك لمن آمن وصدّق، وعمل صالحاً، وقال: إني من المسلمين.

وهذا لمن كذّب وتولى، وأدبر يفسد في الأرض، وكان من الفاسقين.

إنا قد نتعب أنفسنا، ونروض أجسامنا، فنواصل الدرس في الابتدائية ثم المتوسطة ثم الثانوية، ثم المعهد والكلية.. كي نحصل على شهادة تؤمن بعض الراحة لمستقبل عمرنا، الذي هو على أكثر الفروض خمسون سنة، مع ما في العمر من كدر وآلام ومتاعب ومصاعب..

والتاجر، يتعب ويكدح، ويسهر وينصب، لجمع دراهم معدودة لتـأمين مستقبل حياته، كي يكون في راحة عن الفقر..

ثم على تقدير التحصيل تنتابه الهموم، ويصيبه ما يصيب سائر أفراد الإنسان من المرض، والهرم، والغم، والهم..

فلماذا لا نعمل أعمالاً خفيفة ـ في عمرنا القصير ـ لراحة طويلة، لا تعرف لها غاية، ولا يشوبها كدر؟

ولنفرض: إن ما قاله الأنبياء (عليهم السلام)، وما دعا إليها كتب السماء، وأذعن لها كبار أهل الأرض، ودل عليها شواهد تجريبية ـ كعلم التحضير ـ كلها غير معلومة لدينا، لكن هل لا يكفي احتمال ذلك؟

إن من يدفع مبلغاً في سحبة (يانصيب) لمعرفة الحكم الشرعي لـ (اليانصيب) راجع (الفقه: المسائل المتجددة) إنما يدفعه رجاء أن يحصل على أضعافه ـ وإن لم يكن متيقناً ـ .

فما يمنعنا أن ندفع هذا الثمن من أعمارنا، لعلنا نحصل ما بشر به وحي السماء؟

ثم ما يضرنا لو لم يكن المجموع مطابقاً للواقع ـ فرضاً ـ ؟

إن الخيّر والشرّير يموتان.. فلماذا لا نعمل لمستقبل أفضل؟

وينسب إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام:

قال المنجم والطبيب كلاهما لم يحشر الأموات، قلت: إليكما

إن صح قولكما فلست بخاسر إن صح قولي فالخسار عليكمــا