المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نعم لقد تشيعت ... وهذا هو السبب \ج1



عمارالطائي
24-08-2010, 01:53 AM
الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

نعم لقد تشيعت وهذا هو السبب
الحلقة 1


شيعني التفسير الصحيح للقرآن الكريم
كان ..... متوسطا مجلس رفيقيه، قد أعار عقله وبصره كل ما يجري في تلك الجلسة، تميز على بساطة مظهره، بحضور لم ألاحظه في كثير من الناس، ودلني ذلك على أن لهذا الشخص روحية خاصة، تساعده على سرعة التمييز بين الحقيقة وخلافها.
قدمه الأخ بشير على أنه من سلك التعليم، ومن الصنف النادر في عصر تناقص فيه الخلص والمتقنون.
بدأ.... في سرد سبب تحوله من التسنن، إلى التشيع لأئمة الهدى عليهم السلام فقال:
كنت ممن وصلته دعاية البهتان على الشيعة،وأناخت برحلي تتمرغ بين عقلي ووجداني، لا أجد لدفعها وسيلة، ولا لرد هرجها حيلة، مع أن يقيني بصحتها لم يرق إلى القطع بها واعتمادها آلة للفرقة والعداء، فلبثت يسيرا على تلك الحال، إلى أن وجدت في طريقي من كشف النقاب عن بطلان الدعوى.
كنت في زيارة مسائية لأحد الأقارب، وكانت مسامرتنا كما جرت عادة أهل البلد، أمام شاشة التلفاز، وصادف تلك الليلة، بث برامج المجتمع والإسلام، كان موضوعه الشيعة وعقائدهم، وقد حضره ثلة من دكاترة الجامعة التونسية، وكان للدكتور علي الشابي فيه باع وشأن، فقد كال للتشيع ما أمكنه من اتهامات، في هجوم عنيف لم أرى مثله، حيث لم يترك للشيعة شيء من دين، أو سبب من عقيدة ينسبانهم إلى الإسلام، وتفاجأت بالدكتور هشام جعيط، يرد على الدكتور علي الشابي اتهاماته للشيعة بقوله: كأنك تتحدث عن فرقة اندثرت ولم يعد لها وجود، الشيعة لم يخل منهم عصر من العصور، ومثالهم اليوم في إيران، وتحاملك هذا على الشيعة غير منطقي، أمام ما يمتلكه هؤلاء من تراث إسلامي هام.
تحمست للبرنامج وتابعته باهتمام كبير، رغم محاولة قريبي ثنيي عن متابعته، مقللا من شأن المسألة، فقلت له: ألا ترى أن الموضوع يتعلق بالإسلام، فقال: وهل ترى أن الشيعة مسلمين، وهم يعتقدون بأن لهم قرآن غير قرآننا؟ قلت له: لقد سمعت بهذا لكنني لم أتحقق من صحته، وهو ما جعلني أقف على مسافة بيني وبين هذه الفرقة، لأنه إتهام خطير جدا لو صح يخرجهم عن الإسلام.
كانت هناك مداخلة للدكتور أحميدة النيفر، وكان من بين المدعوين للمشاركة في الحلقة، اعتبر فيها أن الشيعة مسلمين، لا يختلفون في كثير من الأشياء عن بقية الفرق الإسلامية، كنت أعرف الدكتور النيفر، والتقيت به عددا من المرات، واستلطفته واستلطفني، وتولدت بيننا مودة لم تدم طويلا، فتداولتها أيدي الأيام بالنسيان، ولم تبقى منها سوى ذكريات جف بريقها، أبت آثارها الطيبة أن تنمحي من الذاكرة، وتتلاشي من الوجدان، وقع كلام الدكتور ين جعيط والنيفر في عقلي وقوع القبول الذي أتحسسه في هذه المسألة، وتلقاه قلبي بالرضا، وحفز البرنامج بما حواه من تحامل وتهجم غير منطقي من طرف الدكتور علي الشابي على التشيع والشيعة على حد سواء، الرغبة القوية في البحث لتقصي ما قاله عنهما، فعدت تلك الليلة إلى بيتي، محمولا على حمى البحث والتقصي، متحسسا السبيل إلى تحقيق ذلك.
كنت من المولعين باقتناء الكتب الإسلامية التراثية منها والمعاصرة على حد سواء، وانصب اهتمامي في البحث عنها لدى المكتبات، وأخذ مني ذلك الوقت والمال، عن رضا تام بما أفعله.
وذات يوم، وقع بين يدي كتيب صغير للسيد محمد باقر الصدر رضوان الله تعالى عليه، عنوانه مقدمات في التفسير الموضوعي للقرآن، وهو عبارة عن عدد من المحاضرات، التي كان الشهيد السعيد ألقاها على طلبته، طارحا مسألة التجديد في التفسير للخروج من التفسير التجزيئي، إلى مرحلة أكثر تطورا منه، وهي التفسير الموضوعي.
فأعطاني الكتاب دفعة إلى الأمام، في اعتباران الشيعة مسلمين ليس مثلنا فقط، بل ومتقدمون علينا، لأنهم ساعون كما كشفه الكتاب، إلى مزيد من تحقيق المفاهيم القرآنية الصحيحة، وإحلالها في المجتمع والأمة محل الفهم والتطبيق، والابتعاد عن الفهم الأحادي المتجزئ الضيق للقرآن، وإحلال آلية تنسجم تماما مع ما يستبطنه القرآن من معان ومفاهيم لا تنقدح حقائقها إلا بمحاكاتها بعضها البعض .
بدأت أبحث عن الشيعة من حولي، فقد تناهى إلى مسامعي، أن عددا سكان المدينة التي أقطنها، ارتدوا عن مذهبهم المالكي، وقد برر انقلابهم، على أساس أنه كان نتيجة انحرافاتهم الأخلاقية، التي رمي بها بعضهم، وتبين فيما بعد بطلانها من الأساس.
وعثرت على ضالتي، فإذا هو كهل في أواخر كهولته، قد حزم ما بقي من عمره، لينتقل إلى شيخوخة، بدأت تتلقاه بكثافة شيب لحيته وجنبات رأسه، وقد تمكن الصلع من أم رأسه، فتركها صلداء لامعة، إذا انعكس عليها شعاع ضوء، أو داعبتها أشعة الشمس، حذروني منه، وقالوا فيما قالوا بأنني سوف أكون عرضة للتبعات من طرف السلط الأمنية، لكنني صممت على التعرف عليه، مهما كانت النتيجة.
فرح بي الشيخ مبارك... وأدناني من مجلسه، وعبرت له عن رغبتي في التعرف على عقائد الشيعة، فشكر لي موقفي المتعقل، وبارك إصراري على تقصي الحقيقة بنفسي، وفي سرد مبسط حدثني عن أهل البيت عليهم السلام، والمظلومية التي تعرضوا لها على امتداد أربعة عشرة قرنا، فأثر في سرده، وتملكني الحزن لما حصل لسادة الأمة الإسلامية، حتى أن النبي صلى الله عليه وآله روحي له الفداء لم يسلم من الأذى ولحقه نصيب هو الآخر في أواخر أيام حياته، ثم إن الشيخ بدأ بالاستدلال على ركن الإمامة عند الشيعة، فجاء بنصوص متفق على صحتها لدى جميع الفرق الإسلامية، وتحديدا من الكتب الستة التي نعرفها بالصحاح، كحديث الثقلين، وحديث المنزلة، وحديث الغدير، وتيقنت من الحقيقة، خاصة وأن الكتب التي ذكرها الشيخ موجودة عنده، وتحققت من وجود تلك الأحاديث فيها.
قلت للشيخ: لقد رمي التشيع بتهم كثيرة أكبرها وطأة اعتقادهم بتحريف القرآن،بل لقد ذهب من ذهب إلى رميهم بأن لهم قرآنا آخر يتعبدون به، فما وجه الحقيقة من ذلك؟
جللت سحابة كآبة وجه الشيخ، ونظر إلي بعينين يختزنان حزنا عميقا، وقال: لقد بحث أعداء الإسلام الشيعي عن عيب يقذفون به صحة وصدقية واتصال هذا الخط بعصر النبي صلى الله عليه وآله، بواسطة علي عليه السلام، فلم يجدوا غير سبيل القذف بالباطل، وان وجدت روايات لدى الشيعة تقول بأن القرآن، وقعت فيه نقيصة، فإن تلك الروايات تعتبر أقل بكثير من الروايات، التي أخرجها حفاظ ما سميت كتبهم بالصحاح، والتي تقول بوقوع النقيصة في القرآن، ومع ذلك لم يلتفت علماء الشيعة إلى تلك الروايات، ترفعا عنها، وإيمانا منهم بأنها لا تمثل شيئا، من المعتقد السائد عن جمهور المسلمين، في سلامة القرآن من التحريف، لكنني ومن أجل أن ألقم هؤلاء المتقولين على الشيعة حجر بهتانهم، أقول لهم: هؤلاء أبناء الشيعة قد ظهروا للعالم بنمط إعجازي في حفظ القرآن، وشاهدنا على الفضائيات أطفالا في الرابعة والخامسة من العمر، يحفظون القرآن حفظا لم يسبقه إليهم أحد، وهذه من الألطاف الإلهية، التي أراد بها المولى سبحانه وتعالى أن يبرئ المسلمين الشيعة، من تهمة تحريف القرآن بطريقة عملية رائعة.
هذا والمسلمون الشيعة دائبون على تعهد كتاب الله دراسة وتفسيرا وطباعة، وتلك نسخه في مكتبات الجمهورية الإسلامية في إيران المخطوطة القديمة والحديثة على حد سواء، متاحة للجميع، وهؤلاء مفسروا الشيعة رضوان الله تعالى عليهم، قد أخذوا عن أئمة الهدى عليهم السلام تفسيرهم لهذا القرآن قد فاقت المائة تفسير، فماذا بعد الحق إلا الضلال المبين.
كما أن المحرف حقيقة، هو الذي تعمد إسقاط البسملة من القراءة في الصلاة ونحوها، تحت أي مبرر كان، وزاد في سورة الفاتحة آمين، مع أن الإسقاط والزيادة لم تؤيدهما روايات صحيحة.
بإمكان المسلمين الشيعة رفع دعوى تحريف حقيقية ضد المسلمين السنة - باستثناء الشافعية- متمثلة في هذا الإجراء الذي ورثوه من معاوية الطليق، في حذف البسملة من القراءة في الصلاة، ولقد كادت أن تحدث فتنة بهذا الخصوص في بغداد، في القرن الخامس تقريبا، حيث سعى الحنابلة إلى منع قراءة البسملة في الصلاة، فأخرج لهم أحد أئمة المساجد مصحفا، وقال لهم: أزيلوها من المصحف حتى لا أتلوها.
طالت الجلسة، فتحرجت ولم يتحرج الشيخ، الذي كان مقبلا علي بكليته، قد ترك همومه وراءه غير عابئ بها، لكنني استسمحته في الإنصراف، على أن أعود إليه لاحقا، وطلبت منه أن يعطيني كتابا يتناول التفسير عند الشيعة، لأقارن بينه وبين تفاسيرنا، فأعارني ثلاثة كتب، الأول الاحتجاج للشيخ الطبرسي، والثاني كتاب قلائد الدرر للمرتضى، والثالث عيون أخبار الرضا للصدوق، وقال لي قبل ذلك اقرا هذه الكتب، فمنها ستكتشف تفسيرا روائيا متميزا عن غيره، بالاقناع والمنطق، وعدم التعارض مع غيرها من المفاهيم الصحيحة، وبعد ذلك سأعطيك في كمل مرة جزءا من تفسير الميزان للعلامة محمد حسين الطباطبائي، والذي يعتبر من أعظم التفاسير عندنا، فودعته وانصرفت من بيته محملا بالكتابين أستحث الخطى إلى بيتي.
وما إن وصلت حتى ابتدرت الكتب، أبحث في فهارسها، ما يمكن أن يميز التشيع عن التسنن، فوجدت فيها ما أثبت لي أن إمامة الأئمة الأطهار من أهل البيت هي إمامة إلهية مسددة من الله تعالى، وأيقنت بأن هؤلاء الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، يمتلكون مخزونا من العلوم الربانية، أحصاها الله تعالى فيهم، ليكونوا مستحفظين عليها قائمين بها، قدوة وهداة للأمة الإسلامية.
نماذج من التفسير عند أئمة الهدى:
تحريم الخمر
كنت اعتقد فيما مضى وبحسب القراءة السنية المخالفة لأهل البيت عليهم السلام وشيعتهم بان الخمر قد وقع تحريمه تدريجيا، فقد أوهمنا هذا الخط بأن الآيات الثلاث التي نزلت تباعا وعلى فترات متباعدة جاءت لتهيئ المسلمين لتقبل التحريم النهائي لها، فقبلنا ذلك وهضمناه، دون الالتفات إلى أن هذا الفهم تبريري للتغطية على هؤلاء الذين بقوا على معاقرة الخمرة إلى السنة العاشرة من الهجرة الشريفة أي بضعة أشهر قبل وفاة النبي صلى الله عليه وآله.
وبعد تبين الحقائق عدت أدراجي أستجلي أثر ما تركته ورائي من دلالات على التلاعب بأحكام الدين ما اجل التستر على أشخاص بعينهم لما لهم من رمزية في تلك الخطوط لو انكشفت أستارهم لانهار بناءهم المذهبي من أساسه.
السؤال:هل الخمر كانت مباحة في أول الإسلام؟
كنت ممن كان يعتقد بأن الخمر لم تحرم دفعة واحدة وإنما وقع تحريمها تدريجا، ولم التفت إلى الطرح الذي تبناه أئمة أهل البيت عليهم السلام في هذه المعضلة، ومررت على ما ألقي إلي مجتمعنا السني مرور الكرام دون التفات إلى دقائق التفاصيل التي قد تفضي بملتمسها إلى الظفر بالحقيقة، في موضوع وقع الالتفاف عليه تخطية وتعمية على من بقي مستصحبا أم المعاصي وهي محرمة تحريما لا لبس فيه.
الرواية التبريرية في تحليل الخمر، والتدرج في تحريمها إلى نزول سورة المائدة تقول:
قد أنزل الله تعالى في الخمر ثلاث آيات : الأولى قوله تعالى : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس. سورة البقرة 219 فكان من المسلمين من شارب ومن تارك، إلى أن شرب رجل فدخل في الصلاة فهجر، فنزل قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون. سورة النساء 43 فشربها من شربها من المسلمين، وتركها من تركها، حتى شربها عمر فأخذ بلحى بعير، وشج به رأس عبد الرحمن بن عوف، ثم قعد ينوح على قتلى بدر، بشعر الأسود بن يعفر يقول:

وكائن بالقليب قليب بدر ***** من الـــفتيان والـعرب الكرام
وكائن بالقليب قليب بدر ***** من الــشيزى الـمكلل بالسنام
أيوعدني ابن كبشة أن سنحيا وكيف حياة أصداء وهام؟
أيعجز أن يريد الموت عني ويــنشرني إذا بليت عظامي
ألا من مبلغ الرحمان عني باني تــارك شهر الــــــصيام
فقل لله يمنعني شرابي وقــــل لله يـــمنعني طــعامي
فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج مغضبا يجر رداءه، فرفع شيئا كان في يده فضربه به، فقال : أعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله ، فأنزل الله تعالى : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون. سورة المائدة آية 91 فقال عمر: إنتهينا انتهينا.الزمخشري في ربيع الأبرار/ و شهاب الدين الأبشيهي في المستطرف ج2 ص 291
الجواب باعتبار أن الدين الإسلامي غير منفك عن بقية الرسالات فإن الخمر لم تحلل في شريعة من الشرائع أبدا لما فيها من الضرر والخطورة الإثم، وفق ما تحتمله من نجاسة.
الدليل القرآني على تحريم الخمر منذ البداية قال تعالى:" قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم."
والإثم هي الخمر في لغة العرب.
قال الشاعر:

شربت الإثـم حتى ضل عقلي ***** كذاك الإثم تذهب بالعقول
عن عائشة قالت: لما نزلت سورة البقرة نزل فيها تحريم الخمر فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. كنز العمال للمتقي الهندي 3 ص 107 ، منتخب الكنز بهامش مسند أحمد 2 ص 428 .
قوله تعالى:" قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها و ما بطن" إلى آخر الآية، قد تقدم البحث المستوفى عن مفردات الآية فيما مر، وأن الفواحش هي المعاصي البالغة قبحا و شناعة، كالزنا و اللواط و نحوهما، و الإثم هو الذنب الذي يستعقب انحطاط الإنسان في حياته، و ذلة و هوانا و سقوطا كشرب الخمر، الذي يستعقب للإنسان تهلكة في جاهه و ماله و عرضه و نفسه، و نحو ذلك، و البغي هو طلب الإنسان ما ليس له بحق، كأنواع الظلم و التعدي على الناس، و الاستيلاء غير المشروع عليهم، و وصفه بغير الحق من قبيل التوصيف باللازم، نظير التقييد الذي في قوله"ما لم ينزل به سلطانا".
و كان إلقاء الخطاب بإباحة الزينة و طيبات الرزق، داعيا لنفس السامع إلى أن يحصل على ما حرمه الله، فألقى الله سبحانه في هذه الآية جماع القول في ذلك، و لا يشذ عما ذكره شيء من المحرمات الدينية، و هي تنقسم بوجه إلى قسمين: ما يرجع إلى الأفعال و هي الثلاثة الأول، و ما يرجع إلى الأقوال و الاعتقادات و هو الأخيران، و القسم الأول منه ما يرجع إلى الناس، و هو البغي بغير الحق، و منه غيره و هو إما ذو قبح و شناعة فالفاحشة، و إما غيره فالإثم، و القسم الثاني إما شرك بالله أو افتراء على الله سبحانه. الميزان في تفسير القرآن/ سورة الأعراف الآية:33
ونقل ابن هشام: أن أعشى بن قيس خرج إلى رسول الله (ص) يريد الإسلام...فلما كان بمكة أو قريبا منها اعترضه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره، فأخبره أنه جاء يريد رسول الله(ص) ليسلم، فقال له : يا أبا بصير انه يحرم الزنا،فقال الأعشى: والله إن ذلك الأمر مالي فيه إرب.فقال له: يا أبا بصير فانه يحرم الخمر.فقال الأعشى: أما هذه فان في النفس منها لعلالات، ولكني منصرف فأتروى منها عامي هذا،ثم آتيه فاسلم، فانصرف فمات عامه ذلك ولم يعد إلى رسول الله (ص). السيرة النبوية ج1 ص386/387
روى الكليني عن الإمام الصادق عليه السلام: قال ما بعث الله نبيا قط إلا وقد علم الله أنه إذا كمل له دينه كان فيه تحريم الخمر، ولم تزل الخمر حراما. الكافي ج6 ص395 باب إن الخمر لم تزل محرمة.
ومثلها اخرج عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام. الكافي ج2ص148
وعلى ذلك عرفت أن المسلمين الشيعة، أجمعوا على تحريم الخمر، منذ فجر البعثة النبوية، لاتصال التشريع الإلهي في تحريم الخمر، منذ آدم عليه السلام، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كل ما في هذه المسألة، أن هنالك أيد ذهبت إلى إعتماد التدريج في تحريم الخمر، أخذا بالمنحى التبريري الذي سلكه خط السلطان في ذلك، خاصة وأن رموزا من الصحابة بقوا على معاقرتهم للخمرة إلى السنة العاشرة من الهجرة النبوية، فلم يحزموا أمرهم فيها، للإدمان الذي حصل لهم من جرائها، منعهم من الإقلاع عنها.
القصر في الصلاة
ذهب هو الآخر مذهب السلطان، ورأى فيه من رأى برأيه المخالف لحكم الله تعالى، وترك أمر القصر من التمام في يد المكلف، بل ذهب منهم من ذهب إلى ترجيح إتمام الصلاة، عملا بسنة الصحابة، وتحديدا عثمان بن عفان، الذي أتم صلاته وهو في سفر، ومضى على ذلك.
قال تعالى:"وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة." سورة النساء الآية 101
روي عن زرارة ومحمد بن مسلم قالا قلنا لأبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام، ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي... فقال:" إن الله عز وجل يقول"إذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة.، فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التام في الحضر.قالا: قلنا إنما قال الله عز وجل:ليس عليكم جناح. ولم يقل إفعلوا، فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام في الحضر؟فقال: أو ليس قد قال عز وجل: "إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما." ألا ترون أن الطواف بهما واجب مفروض، لأن الله عز وجل ذكره في كتابه، وصنعه نبيه صلى الله عليه وآله، وكذلك القصر شيء صنعه صلى الله عليه وآله، وذكره الله عز وجل في كتابه. قالا: قلنا فمن صلى في السفر أربعا يعيد أم لا؟ فقال: إن قرئت عليه آية القصر فصلى أربعا أعاد، وان لم تكن قرئت عليه، ولم يعملها فلا إعادة عليه. قلائد الدرر في بيان آيات الأحكام بالأثر ج1ص233/234
حكم قطع يد السارق
قال تعالى:" والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم."
دأب الوهابيون، والطالبانيون، وشباب المحاكم، والسلفية الإرهابية، ونحوهم على الإصرار على تنفيذ الحدود من الشريعة الإسلامية، على حسب قراءتهم ، ووفق ما أوصلتهم عقولهم، دون الالتفات إلى فهم لحقيقة تلك الحدود، والغاية التي من أجلها شرعت، فنفذت اعتباطا وتعسفا وخطأ، بكل قسوة وبلا أدنى شفقة ولا رحمة، مما أثار علينا حفائظ دعاة حقوق الإنسان، وقلب نظرة الإنسانية على الدين الإسلامي من دين سماحة ورحمة إلى دين كله دماء وقسوة.
ورأيت هنا، أن أنقل ما توصلت إليه من فهم صحيح، عن القصاص في الدين الإسلامي،بحسب الرؤية التي عمل بها أهل البيت عليهم السلام، لتكون نموذجا مقنعا، لمن يريد بحق أن ينقذ نفسه، من هلكة الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
عن أبي جعفر الثاني (محمد بن علي الرضا)عليهما السلام، أنه سأله المعتصم العباسي عن السارق، من أي موضع يجب أن يقطع؟ فقال:إن القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع، فيترك الكف.قال: وما الحجة في ذلك؟ قال: قول رسول الله صلى الله عليه وآله: السجود على سبعة أعضاء، الوجه واليدين والركبتين وإبهاما الرجلين،(أما الأنف وإرغامه فهو سنة النبي صلى الله عليه وآله) فإذا قطعت يده من الكرسوع والمرفق، لم يبق له يد يسجد عليها، وقد قال الله:"إن المساجد لله" يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها" فلا تدعو مع الله أحدا" وما كان لله فلا يقطع. قلائد الدرر في بيان آيات الأحكام بالأثر ج1ص160/161
وقد اشترط في إقامة حد السرقة توفر شروط منها تحرز المسروق بمانع، وبلوغه المقدار وهو ربع دينار ذهبي. وقد سئل الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام: فإن سرق من منزل أبيه؟ فقال: لا قطع، لأن ابن الرجل لا يحجب من الدخول إلى منزل أبيه، هذا خائن، وكذا إذا سرق من منزل أخيه وأخته، إذا كان يدخل عليهما لا يحجبانه عن الدخول. قلائد الدرر ج3ص379
وعن علي عليه السلام قال: لا قطع على السارق، حتى يخرج بالسرقة من البيت، ويكون فيها ما يوجب فيه القطع.
أما من جهة تطبيق الحدود، فإن القطع الأول يكون أصابع اليد اليمنى، وإذا ما سرق ثانية تقطع أصابع رجله اليسرى،(أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف)وفي الثالثة يخلد في السجن، فإن سرق في السجن قتل. قلائد الدرر ج3ص381
معنى اختلاف الأمة رحمة
فيما مضى، كان اعتقادي أن حديث النبي صلى الله عليه وآله:اختلاف أمتي رحمة. يفتح باب الاختلاف بين مختلف أفراد الأمة، وكتب العلماء والمثقفون في هذا المجال ما رأوه من إجازة للاختلاف، وكان من بينهم الشيخ الغنوشي، الذي أصدر كتيبا بعنوان: حق الاختلاف وواجب وحدة الصف. لكن عندما قرأت رأي أئمة أهل البيت في معنى الحديث ازداد تعلقي بهؤلاء الطاهرين.
عن عبد المؤمن الأنصاري،قلت لأبي عبد الله عليه السلام:إن قوما يروون أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: اختلاف أمتي رحمة،فقال:صدقوا.فقلت :إن كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب.قال :ليس حيث تذهب وذهبوا، وإنما أراد قول الله عز وجل:"فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون." فأمرهم أن ينفروا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ويختلفوا إليه فيتعلموا، ثم يرجعوا إلى قومهم فيعلموهم، إنما أراد اختلافهم من البلدان، لا اختلافا في دين الله، إنما الدين واحد. علل الشرائع ج1 ص 38/ الاحتجاج ج2ص92
بين أبي حنيفة وأبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام:
دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد فقال لبي حنيفة: اتق الله ولا تقس الدين برأيك فان أول من قاس إبليس، أمره الله عز وجل بالسجود لآدم فقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين.ثم قال:أتحسن أن تقيس رأسك من بدنك؟ قال:لا قال فأخبرني لأي شيء جعل الله الملوحة في العينين، والمرارة في الأذنين والماء المنتن في المنخرين، والعذوبة في الشفتين، قال :لا أدري،قال جعفر عليه السلام: لأن الله تبارك وتعالى خلق العينين، فجعلهما شحمتين، وجعل الملوحة فيهما، منا منه على ابن آدم، ولولا ذلك لذابتا، وجعل الأذنين مرتين، ولولا ذلك لهجمت الدواب، وأكلت دماغه، وجعل الماء في المنخرين، ليصعد منهما النفس وينزل، ويجد منه الريح الطيبة من الخبيثة، وجعل العذوبة في الشفتين، ليجد ابن آدم لذة مطعمه ومشربه.ثم قال جعفر عليه السلام لأبي حنيفة: أخبرني عن كلمة أولها شرك وآخرها إيمان؟قال: لا أدري. قال: هي كلمة لا إله إلا الله. لو قال : لا إله كان شرك ، ولو قال :إلا الله كان إيمان.ثم قال: ويحك أيهما أعظم قتل النفس أو الزنا؟ قال :قتل النفس.قال: فإن الله عز وجل قد قبل في قتل النفس شاهدين، ولم يقبل في الزنا إلا أربعة، ثم قال عليه السلام: أيهما أعظم الصلاة أم الصوم؟ قال: الصلاة.قال: فما بال الحائض تقضي الصيام، ولا تقضي الصلاة، فكيف يقوم لك قياس؟ فاتق الله ولا تقس. علل الشرائع للصدوق ج1 ص 39/ الاحتجاج للطبرسي ج2ص99/100
الرد على القائلين برؤية المولى عز وجل وتجسيمه
أخرج المرتضى في أماليه في معنى قوله تعالى:"كل شيء هالك إلا وجهه" القصص 78
وقوله تعالى:"إنما نطعمكم لوجه الله..."الانسان9
وقوله تعالى:" ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام." الرحمان27
الوجه عبر به المولى عن نفسه، فمعنى قوله تعالى :"كل شيء هالك إلا وجهه" أي كل شيء هالك إلا هو، وكذلك قوله تعالى :"كل من عليها فان.."لما كان المراد بالوجه نفسه،لم يقل ذي الجلال، كما قال:"تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام" الرحمان78 لما كان اسمه غيره. الأمالي للمرتضى ج1ص592
وسئل الرضا عليه السلام عن قوله تعالى :" وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة." القيامة 22/23
قال يعني مشرقة تنتظر ثواب ربها. الاحتجاج للطبرسي ج2ص165 .
وسئل عن قوله تعالى:" كلا إنهم عن برهم لمحجوبون."المطففين 15
فقال:إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان يحل فيه، فيحجب عن عباده، ولكنه يعني: عن ثواب ربهم محجوبون. الاحتجاج ج2ص 166.
وسئل عن قوله تعالى:" وجاء ربك والملك صفا صفا" الفجر 22
فقال:إن الله لا يوصف بالمجيء والذهاب والانتقال،إنما يعني ذلك: وجاء أمر ربك.
وسئل عن قوله تعالى:" سخر الله منهم"التوبة8 وقوله تعالى:"الله يستهزئ بهم"البقرة 15 وقوله تعالى:"ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين" آل عمران 54 وقوله تعالى:"يخادعون الله وهو خادعهم" النساء 141 فقال: إن الله لا يسخر ولا يستهزئ ولا يمكر ولا يخادع، ولكنه يجازيهم جزاء السخرية، وجزاء الاستهزاء، وجزاء المكر، وجزاء الخديعة، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. الاحتجاج ج2ص 167
وفي معنى قوله تعالى:" نسوا الله فنسيهم"التوبة 68 فقال: إن الله تبارك وتعالى لا يسهو ولا ينسى، وإنما يسهو وينسى المخلوق المحدث، ألا تسمعه عز وجل يقول:" وما كان ربك نسيا" مريم 64 وإنما يجازي من نسيه، ونسي لقاء يومه، بأن ينسيهم أنفسهم، كما قال:"نسوا الله فأنساهم أنفسهم"الحشر19 وقال:"فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا"الاعراف50 أي نتركهم كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا،أي نجازيهم عن ذلك. الاحتجاج ج2ص168
"...تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب" المائدة 116، بمعنى تعلم غيبي وما عندي، ولا أعلم غيبك وما عندك. الأمالي ج1ص326
سأل سائل عن الخبر المروي عن عبد الله بن عمر انه قال: سمعت النبي (ص) يقول:إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمان يصرفها كيف يشاء.
وكان من دعائه صلى الله عليه وآله: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.
والجواب:إن الذي يعول عليه من تكلم في تأويل هذه الأخبار هو أن يقول أن الإصبع في كلام العرب وان كانت الجارحة المخصوصة فهي أيضا الأثر الحسن، يقال لفلان على ماله وإبله إصبع حسنة، أي قيام وأثر حسن.قال الشاعر يصف راعيا حسن القيام على إبله:

ضعيف العصا بادي العروق ترى له *****عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا
وقال الطفيل الغنوي يصف فحلا:

كميت كركن الباب أحيا بناته ***** مقاليتها واستحمشتهن إصبع
والإصبع في كل ما أوردناه المراد بها الأثر الحسن والنعمة فيكون المعنى ما من آدمي إلا وقلبه بين نعمتين لله جليلتين حسنتين. أمالي المرتضى غرر الفوائد ودرر القلائد ج1 ص318/319
الله تعالى لا يرى عند الشيعة
في عقيدتي التي تلقيتها من الموروث والمعهد، كنت أعتقد بأنني سوف أرى الله تعالى إذا كتب لي وكنت من أهل الجنة، فهو تعالى عن ذلك شيء ليس كالأشياء، له وجه، وعينان، ويدان، ورجلان، ينزل في الدنيا إلى السماء الدنيا، وفي الآخرة يأتي متنكرا فيرده المؤمنون على أعقابه، فيعود لهم على هيئته التي يعرفون(لست ادري متى عرف هؤلاء هيئة الله تعالى)، فيقرون به فيضحك منهم،ويأخذهم إلى الجنة(لست أدري إن كان سيدخل معهم أم يبقى خارجها)،ويلتفت إلى النار التي لا تريد أن تمتلئ من العصاة، فيضع فيها رب العزة قدمه، فتسكن عن الطلب.
إلتفت بعد أن عرفت عقيدة المسلمين الشيعة ضلال ما كنت فيه من معتقد فاسد، دسه إلينا اليهود ، الذين كانوا يعتقدون بتجسيم الخالق، فحمدت الله على نعمة العقيدة الصحيحة.
إن الله تعالى لا يرى،لأنه ليس بجسم، والرؤية من خواص الأجسام، والمحيط لا يحاط به، روي أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق في معنى قوله تعالى:" لا تدركه الأبصار" الأنعام 103 قال: إحاطة الوهم، ألا ترى إلى قوله تعالى: قد جاءكم بصائر من ربكم" ليس بمعنى بصر العيون، فمن أبصر فلنفسه"وليس يعني من أبصر نفسه"ومن عمي فعليها" الأنعام 104 ليس يعني عمى العيون، إنما عني إحاطة الوهم، كما يقال: فلان بصير بالشعر، فلان بصير بالفقه، فلان بصير بالدراهم، فلان بصير بالثياب، الله أعظم من أن يرى بالعين.الاحتجاج ج2ص68
وبالجملة فإن روايات رؤية المولى تعالى، التي اعتمدها خط السقيفة كعقيدة، لا شك في حصولها عندهم، هي من الإعتقادات الإسرائيلية المنحرفة، إستطاع دهاة أحبارهم ككعب وأضرابه، أن يدسوها في أحاديث النبي صلى الله عليه وآله، ونجحوا في مغالطة السواد الأعظم من المسلمين، الذين اعتمدوا منهج الصحابة في فهم الدين عقيدة وشريعة، وأداروا ظهورهم في مقابل ذلك، عن الأولى والأحق بالإتباع، وهم أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله.
تنزيه الأنبياء عليهم السلام عند الشيعة:
لم أستسغ في ما مضى صدور المعاصي على الأنبياء، فكنت أتنفر من كل رواية ترد علي بذلك المعنى، وعلى سبيل الذكر لا الحصر، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات، اثنتين منهن في ذات الله عز وجل، قوله:"إني سقيم" وقوله بل فعله كبيرهم هذا." البخاري ج4ص171
وفي وصف مشاهد يوم القيامة عن أبي هريرة أيضا، فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله، وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه، فيقول لهم :إن ربي قد غضب اليوم غضبا، لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، واني كنت كذبت ثلاث كذبات.. نفسي.. نفسي.. نفسي. البخاري ج6 تفسير سورة بني إسرائيل.
سئل الصادق عليه السلام عن قوله عز وجل في قصة إبراهيم عليه السلام:"قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون" قال: ما فعله كبيرهم وما كذب إبراهيم،قال: وكيف ذلك،فقال:إنما قال إبراهيم فاسألوهم إن كانوا ينطقون، فان نطقوا فكبيرهم فعل، وان لم ينطقوا فكبيرهم لم يفعل شيئا، فما نطقوا وما كذب إبراهيم .الاحتجاج ج2ص92
وهذا منطق استدلالي أراد به إبراهيم أن يثبت لقومه بطلان آلهتهم العاجزة عن النطق وعن الفعل من حركة ودفاع، فنجح في احتجاجه وجاء قوله تعالى متضمنا ذلك:"فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون" الأنبياء 64
وسئل عن قوله تعالى:" فنظر نظرة في النجوم* فقال إني سقيم" الصافات 88/89 قال عليه السلام: ما كان إبراهيم سقيما، وما كذب إنما عني أنه سقيم من انحراف قومه عنه.(وهذا شائع حتى في لهجتنا التونسية فعندما يشعر أحدنا بالملل الضيق من شخص يقول له: لقد أمرضتني. )
عن الإمام الرضا عليه السلام في مجلس إثباته لعصمة الأنبياء عند المأمون العباسي قال في شان إبراهيم عليه السلام:فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي" الأنعام 76 ،أن إبراهيم عليه السلام وقع على ثلاثة أصناف(من الناس) صنف يعبد الزهرة، وصنف يعبد القمر، وصنف يعبد الشمس، وذلك حين خرج من السرب(الكهف والبيت تحت الأرض) الذي أخفي فيه"فلما جن عليه الليل" فرأى الزهرة قال"هذا ربي" على الإنكار والاستخبار،"فلما أفل" الكوكب"قال لا أحب الآفلين"لأن الأفول من صفات المحدث، لا من صفات القدم"فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي" على الإنكار والاستخبار"فلما أفل قال لئن لم يهديني ربي لأكونن من القوم الظالمين" يقول لو لم يهديني ربي لكنت من القوم الضالين، فلما أصبح"رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر" من الزهرة والقمر على الإنكار والاستخبار، لا على الإخبار والإقرار"فلما أفلت" قال للأصناف الثلاثة من عبدة الزهرة والقمر والشمس"يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين" وإنما أراد إبراهيم عليه السلام بما قال أن يبين لهم بطلان دينهم ويثبت عندهم أن العبادة لا تحق لما كان بصفة الزهرة والقمر والشمس، وإنما تحق العبادة لخالقها وخالق السماوات والأرض، وكان ما احتج به على قومه مما ألهمه الله تعالى واتاه كما قال عز وجل:" وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه" عيون أخبار الرضا ج2ص175/176
فاخبرني عن قول إبراهيم عليه السلام:"رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي" البقرة260
فقال الرضا عليه السلام: إن الله تبارك وتعالى كان أوحى إلى إبراهيم عليه السلام:إني متخذ من عبادي خليلا إن سألني إحياء الموتى أجبته، فوقع في نفس إبراهيم عليه السلام انه ذلك الخليل، فقال: رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي" على الخلة، قال"فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزء ثم ادعهن يأتينك سعيا وأعلم أن الله عزيز حكيم." فاخذ إبراهيم عليه السلام نسرا وطاووسا وبطا وديكا، فقطعهن وخلطهن، ثم جعل على كل جبل من الجبال التي حوله، وكانت عشرة منهن جزء، وجعل مناقيرهن بين أصابعه، ثم دعاهن بأسمائهن ووضع عنده حبا وماء، فتطايرت تلك الأجزاء بعضها إلى بعض حتى استوت الأبدان، وجاء كل بدن حتى انضم إلى رقبته ورأسه، فخلى إبراهيم عليه السلام عن مناقيرهن فطرن ثم وقعن فشربن من ذلك الماء والتقطن من ذلك الحب، وقلن يا نبي الله أحييتنا أحياك الله، فقال إبراهيم: بل الله يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. عيون أخبار الرضا ج2ص176
الحاجة إلى تفسير القرآن
التفسير لغة:فسر بمعنى أبان وكشف
واصطلاحا:علم يعرف به فهم كتاب الله تعالى، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه.البرهان في علوم القرآن ج1ص33
قال تعالى :"وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم لعلهم يتفكرون." النحل44
وفي الآية الكريمة إشارة إلى أن القرآن يحتاج وراء قراءة النبي صلى الله عليه وآله إلى تبين.
وقد ظهرت الحاجة إلى مبين ومفسر لكتاب الله من:
إن كثيرا من الآيات مرتبطة بأسباب نزولها، وبدون معرفة تلك الأسباب يتعسر الفهم.
إن هناك آيات أحكام مجملة لا بد من بيانها، كأحكام الطهارة، والصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، والخمس، والأنفال، والفيء، والحلال والحرام من بقية الأحكام.
إن هنالك آيات متشابهة لا بد من إرجاعها إلى المحكمات لتفسيرها.
واحتياج عصور ما بعد النبي صلى الله عليه وآله إلى من يبين لهم مقاصد القرآن أكبر، وقد دعانا الله تعالى إلى التمسك بأهل بيت نبيه عليهم السلام بعد أن اصطفاهم وطهرهم تطهيرا، مطلقا عليهم صفات عدة في كتابه مثل قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين."
لما أرشدنا الله تعالى أن نكون مع الصادقين، تبين من الآية أن صفة الصدق المطلق، غير متعلقة بجميع الناس أو أكثرهم، بل هي صفة خاصة بأمة منهم، عليها مدار هداية الناس وإرشادهم، تلك الأمة خضعت لمواصفات عددها الوحي، كما جمع الله تعالى خصال إبراهيم عليه السلام، فجعله أمة قانتا لله بمفرده.
أما فيما تعلق بنهجنا الإسلامي، فإن الأمة الممدوحة بالصدق، على لسان الوحي، هي أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، والذين اصطفاهم الله تعالى ليكونوا حفظة دينه، وحملة تشريعه، والقائمين بالقسط والعدل في عباده، وهم أهل الذكر الذين وجهنا الله تعالى إليهم، لننهل من صفي مواردهم، ونروى من عذب معينهم.
ومثل قوله تعالى:"فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" النحل الاية43
أخرج الحاكم الحسكاني الحنفي في تفسير الآية، نقلا عن أبي جعفر محمد بن علي باقر العلوم عليهم السلام قال: هم الأئمة من عدة رسول الله صلى الله عليه وآله، وتلا:" وأنزلنا عليكم ذكرا رسولا" الطلاق 10 . شواهد التنزيل ج1ص337. فالذكر هو الرسول صلى الله عليه وآله، كما بينته الآية، وأهل الذكر هم الأئمة من أهل بيته الأطهار عليهم السلام.
وتبين من خلال حديث الثقلين الذي لم يجد مسلم ومن تبعه بدا من إخراجه، والذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله: إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله عترتي أهل بيتي. مسلم باب فضائل أهل البيت عليهم السلام.
إن هؤلاء الذين دعانا الله إلى التمسك بهم مع كتاب الله هم حفظة تراث النبي صلى الله عليه وآله وخزنة علوم الدين، والأئمة الهادين بالحق، والحاكمين بالعدل، وجعل التمسك بهم عاصما من الضلال مانعا من الزيغ، فالقرآن كتاب الله الصامت وهم الناطقون به صدقا وعدلا وعملا، لا يفوتهم في ذلك احد، ولا يدعيه مدعي إلا وقد ظهر زور ادعائه.
لم يدم بحثي واستقصائي طويلا، لأن الحجج التي استدل بها علماء الشيعة على أحقية أئمة الهدى عليهم السلام بقيادة الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وآله لا تدع مجالا للشك فيها، خصوصا وهي مدونة في كتب خط السقيفة، لم يجد لها حفاظها سبيل دفع، فاعترفوا بها ضمنيا وأداروا لها ظهورهم تأويلا، فآمنت بها من جهة إخراجهم لها كنصوص صحيحة، واعتقدتها بخلافهم على أنها دلائل على حق علي عليه السلام والأئمة الهداة من ولده في قيادة الأمة الإسلامية بعد مرحلة النبوة، لذلك فإنني أحمد الله على هذه المنة والنعمة التي أنعم بها علي إذ عرفني من الحق ما بقي غيري منصرفا عنه.