المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نعم لقد تشيعت ... وهذا هو السبب \ج2



عمارالطائي
24-08-2010, 01:54 AM
الاسم : محمد الرصافي المقداد
الدولة و المدينة : تونس
المساهمة:

نعم لقد تشيعت وهذا هو السبب
الحلقة 2
شيعتني مسألة إيمان آباء النبي صلى الله عليه وآله
انتهت جلسة التعارف، وتجاذب وجهات النظر، وبسط أسباب تشيع الإخوة الحاضرين، وانصرف كل إلى شأنه، على أمل التواصل واللقاء.
وبعد أيام خاطبني الأخ بشير ..... عبر الهاتف، وكان يقطن في مدينة أخرى، وطلب مني أن أحدد له موعدا، ليعرفني بثلاث من الأخوة تشيعوا لأسباب مختلفة، عن التي استمعت إليها سابقا، فعبرت له عن سروري بذلك، والتقينا في اليوم الموالي، وفي المكان المحدد وجدته مع ثلاثة رفقاء، يقاربونه في السن، فقام مسلما وقدم لي الأخوة، فرحبت بهم، وهنأتهم على النعمة التي أنعم الله بها عليهم، بإتباعهم للإسلام المحمدي الأصيل، الذي حافظ عليه أئمة الهدى عليهم السلام، من أهل بيت المصطفى صلى الله عليه وآله، ثم ابتدرت أولهم بالسؤال عن السبب الذي دعاه إلى التشيع للهداة الطاهرين عليهم السلام.
هادي ..... هو أول المتحدثين عن سبب تشيعه، شاب في العقد الثالث من عمره، بهي الطلعة، تظهر عليه علامات الجد والاستقامة، أكمل دراسته الجامعية منذ سنة، لكنه بقي بدون توظيف، شأنه في ذلك شان آلاف من الخريجين، الذين يلوحون بشهاداتهم، كأنهم يودعون مستقبلهم، منذ فك الارتباط بين التخرج الجامعي والتشغيل، قال:
منذ أن بدأت أعي ما يلقى إلي من المفاهيم والاعتقادات، لم أستسغ مسألة كفر أبوي النبي صلى الله عليه وآله، وكنت كلما وقفت على رواية تقول بكفر أبويه، تملكتني قشعريرة فرقا من الرواية، و تساءلت في نفسي: هل يعقل أن تكون هذه الروايات صحيحة؟ هل يليق بمقام النبي صلى الله عليه وآله أن يموت أبواه، وأقرب الناس إليه على الكفر والعياذ بالله، مع ما خصه الله تعالى به؟وكيف نقبل نحن كمسلمين أن يسلم، ويحسن إسلام من حارب الله ورسوله عشرين عاما، وكاد من بعد ذلك للدين وأهله؟ فلا يرى علماءنا باسا في ضمه إلى باقي المسلمين من جهة، ويصر أغلبهم على القول بكفر آباء النبي صلى الله عليه وآله من جهة أخرى .
لم أكن أملك كتاب سيرة ولا تاريخ، وحتى يتسنى لي أن أقف على هذه المسألة، التي أخذت جانبا من وقتي واهتمامي، قررت أن أتردد على المكتبة العامة بالمدينة، حيث يوجد فيها من الموسوعات وأمهات الكتب ما يشفي غليل الباحث.
السيرة الحلبية ، وتاريخ ابن كثير، والإصابة لابن حجر كانت من ضمن الكتب التي تصفحتها، ودققت فيما تعلق بمسألة إيمان قربات النبي صلى الله عليه وآله فيها.
في البداية، كانت مشاعري متوقفة على رفض تلك الروايات، وعدم الاعتقاد بها أو التجاوب مع مضامينها، ثم تحولت بعد ذلك إلى ثورة على جميع الروايات، المتضمنة طعنا على النبي صلى الله عليه وآله، فقد تولدت في مشاعر رد الفعل، عندما تأكدت بأن هناك من يقف وراء تلك الروايات، ويقصد منها تشويه محيط النبي صلى الله عليه وآله، وإيذائه في أسرته التي هي من خير الأسر.
وغيرتي على خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله جاءت فطرية وتلقائية، انسجاما مع الحقيقة الإيمانية التي تعيش في داخلي، والتي يجب على كل مسلم أن تكون مغروسة فيه، نابعة من أعماقه، متحليا بها في حركته الربانية نحو الآخرة، ومن فقد غيرته على مقدساته، فقد خاب وخسر خسرانا مبينا.
الروايات التي أخرجها علماء أهل السنة والجماعة، في شأن الافتراء على النبي صلى الله عليه وآله، واعتبار كفر والديه عليهما السلام، كان مسلم القشيري البادئ في نقلها، حيث أخرج في باب بيان أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تناله شفاعة ولا تنفعه قرابة المقربين، بسنده عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبى؟ قال: في النار. فلما قفا دعاه فقال: إن أبى وأباك في النار. جامع الأحاديث لمسلم/ كتاب الإيمان/ باب من مات على الكفر فهو في النارج1ص132/133
وأخرج رواية أخرى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: إستأذنت ربى أن أستغفر لأمي، فلم يأذن لي، وإستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي. جامع أحاديث مسلم/كتاب الجنائز/ باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل في زيارة قبر أمه (الحلبي في سيرته ج1ص105/108)
كما أن الحلبي أخرج رواية أكثر غرابة، تقول أن جبريل عليه السلام ضرب في صدره (ص) وقال:لا تستغفر لمن مات مشركا. فما رئي باكيا أكثر منه يومئذ.(السيرة الحلبية ج1ص106)
وتساءلت بعد قراءة هذه الرواية – وأنا لا غير معتقد بصحتها- كيف يمكن أن نقبل صدور هذه القسوة من جبرائيل، وهو رسول رب رحمان رحيم، وهو بين يدي من تعنونت شخصيته وبعثته، لتكون رحمة للعالمين، أفيكون من هو مرسل لأجل نشر لواء الرحمة مستثنى منها؟
وعاودتني قصة نزول الروح القدس، على النبي صلى الله عليه وآله في غار حراء، فإذا هي متفقة، على إظهار جبرائيل، مفرطا في التعامل مع النبي صلى الله عليه وآله، في تلك الرواية، غطه حتى كاد يقتله ثلاث مرات، من أجل حمله على القراءة، مع علمه بأنه لا يقرأ، كأنما هو أحد جلاوزة وزارات الداخلية العرب المكلفين بانتزاع اعترافات المعتقلين بأشياء لم تصدر عنهم .
أفرط البيهقي في القول، ترسيخا لمعتقد خط السقيفة، في كفر آباء النبي صلى الله عليه وآله، فقال:وكيف لا يكون أبواه وجده بهذه الصفة في الآخرة، وقد كانوا يعبدون الوثن حتى ماتوا. دلائل النبوةج1ص192/ السنن الكبرى للبيهقي ج7ص190.
ولم يخل موقف ابن كثير من تطرف، تجاه كل ما يتصل بأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، فلم يتوانى عن تدوين ضغائنه، وإحنه كعادته فقال في تاريخه: وإخباره عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار، لا ينافى الحديث الوارد عنه، أن أهل الفترة والأطفال والمجانين، يمتحنون في العرصات يوم القيامة، فيكون منهم من يجيب، ومنهم من لا يجيب، فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب، فلا منافاة ولله الحمد والمنة. البداية والنهاية لابن كثير ج1ص239
والاعتقاد بكفر أبوي وجد وعم النبي صلى الله عليه وآله، أصبح من العناوين المميزة لأهل السنة والجماعة، فأغلب علمائنا لا يتورعون في إرسال ذلك إرسال المسلمات ، ويرونه حجرا من أحجار بنائهم المذهبي، يصعب التخلي عنه بعد هذه القرون الطويلة من الإعتقاد.
وتساءلت في نفسي:ألا يعتبر الإعتقاد بكفر قربات النبي صلى الله عليه وآله أذية له؟ وقد قال الله تعالى:"إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا* والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما عظيما."
لذلك توجب أن ينتبه هؤلاء الطاعنون على النبي صلى الله عليه وآله، بأنهم يواجهون خطأ فادحا ذو وزرين:
الأول أذية الله ونبيه صلى الله عليه وآله، المنزه والمبرأ من كل العيوب والنقائص.
والثاني أذية المؤمنين من قرابته، والذين تشهد سيرتهم العطرة بأنهم مؤمنون وموحدون، زيادة على ما روي عن إيمانهم.
أما روايات كفر أبي طالب، التي أخرجها مسلم في كتابه، وتبعه عليها من جاء بعده، فهي غير متفقة في بنائها اللغوي، ففي حين ذكرت إحداها، أن أبا طالب من أهون الناس عذابا، وألبسته نعلين من نار ، ذكرت الثانية خلافها، فجعلت بدل النعلين ضحضاحا يبلغ كعبيه، وخالفتهما الثالثة بأن جعلت بدلهما جمرتان على رجليه.
وفي رواية أخرى أخرجها الحلبي: كل قبر لا يشهد صاحبه أن لا اله إلا الله، فهو جذوة من النار، وقد وجدت عمي أبا طالب في طمطام من النار، فأخرجه الله لمكانه مني وإحسانه إلي، فجعله في ضحضاح من النار. السيرة الحلبية ج1ص352
وتجدر الإشارة هنا، إلى أن العرب لم تتعود على إطلاق ضحضاح إلا على قليل الماء، وقد جاء في لسان العرب: الضَّحْضَحُ والضَّحْضاحُ: الماء القليل يكون في الغدير وغيره، والضَّحْلُ مثله .لسان العرب لابن منظور/ جذر: ضحح.
وعرفت فيما بعد، أن رواية الضحضاح، رواها أعداء أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، عن رجل واحد، هو المغيرة بن شعبة، صاحب دعاية الطلقاء من بني أمية، وباني حجر زاوية السب واللعن، التي تربت عليها ثلاثة أجيال من الأمة الإسلامية، هذا والسنة النبوية عند هؤلاء غير مدونة، وعداء الرجل لعلي وأهل بيته عليهم السلام غير خاف، وقد عده ابن أبي الحديد المعتزلي من المنحرفين عن علي عليه السلام، وخبر بهذه القيمة يكون المغيرة مصدره حري بمن يمتلك مقدارا من دين أن يرده.
قال ابن الجوزي: ولا يختلف المسلمون أن عبد المطلب مات كافراً، وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ثمان سنين.وأما عبد الله فإنه مات ورسول الله صلى الله عليه وسلم حمل، ولا خلاف أنه مات كافراً، وكذلك آمنة ماتت ولرسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين. الموضوعات ج1 ص283
وقد لفت انتباهي أثناء بحثي، ما أخرجه الحلبي نقلا عن السهيلي، في ذكر الحكمة من اختصاص قدميه(يعني أبو طالب) بالعذاب، وزعم بعض غلاة الرافضة أن أبا طالب أسلم، واستدل على ذلك بأخبار واهية، ردها الحافظ ابن حجر في الإصابة، وقد قال: وقفت على جزء جمعه بعض أهل الرفض، أكثر فيه من الأحاديث الواهية الدالة على إسلام أبي طالب، ولم يثبت من ذلك شيء.
فقلت في نفسي من هؤلاء الذين أطلق عليهم رافضة؟ هل هم مسلمون،أم غير ذلك؟
لم أقبل تقرير هؤلاء الذين خصوا الرافضة، بإيمان قربات النبي صلى الله عليه وآله، لأنني عثرت على روايات تقول بأن أبا طالب مثلا أسلم قبل موته: فقد ذكر الحلبي في سيرته قال:وذكر أنه لما تقارب من أبي طالب الموت، نظر العباس إليه يحرك شفتيه، فأصغى إليه بأذنه فقال: يا ابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرت بقولها. السيرة الحلبية ج1ص350 باب ذكر وفاة عمه أبي طالب/ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج14ص 116 ، والبداية والنهاية ج3ص123، وتاريخ أبي الفداء ج1ص120.
الذي لم أستسغه هنا هو هذا إصرار هذا النهج المذهبي على المضي قدما في تكفير أبوي النبي صلى الله عليه وآله وجده وعمه مع وجود دلائل تثبت لهم الإيمان كرواية الحلبي هذه.
وجاءت وصية أبي طالب قبل موته لتأكد على حقيقة إيمانه فقد أوصى أولاده عند وفاته قائلاً: أُوصيكم بمحمّد خيراً فإنّه الأمين في قريش، وهو الجامع لكلّما أوصيكم به. كونوا له ولاةً، ولحزبه حماةً، واللّه لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد. السيرة الحلبية: 1|35.
وقلت في نفسي: إن هاتين الروايتين، تصلحان لكي تكونا دليلا على بطلان دعوى الاعتقاد بكفر أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وآله، وإثبات إيمانه في المقابل، بما فيهما من إقرار منه بالشهادتين في الرواية الأولى، ووصيته الهامة في الرواية الثانية، والتي تضمنت دعوة صريحة بإتباعه ومؤازرته والسير على دربه، وأي إيمان أوضح من هذا؟
فأمسكت بذلك الخيط، وواصلت بحثي، على أن أغير الوجهة بعد ذلك، إلى هؤلاء الذين لقبوا روافض، باعتبار أنهم المجمعون على ضرورة الاعتقاد بإيمان آباء النبي وعمه أبو طالب.
وعرفت بعد ذلك أن الروافض، لقب أطلق على المسلمين الشيعة، لأسباب سياسية بحتة، تعلقت بالصراع على السلطة، مع طواغيت العصور، في إيحاء خبيث بأن هؤلاء فرقة غير إسلامية.
وبحثت في كتب الفرق فإذا بالشيعة فرق مثل فرق السنة والجماعة، اندثر اغلبها ولم يبق ظاهرا سوى الشيعة الإمامية الاثني عشرية، أما البقية فلم يبق منهم سوى الشكل وغاب المضمون، وإذا بالإمامية الاثني عشرية قد تميزت بعدد من الخصال، التي لم أعثر عليها في غيرها، لعل أهمها التكامل العقائدي والتراثي والوجود العملي والعلمائي المميز، فقررت أن أبحر في ذلك العباب الزاخر، وكان لي ذلك فأبحرت، ولله الحمد والمنة كما أقول أنا، لا كما قال ابن كثير.
ماذا قال المسلمون الشيعة الإمامية الاثني عشرية في شان إيمان قربات النبي صلى الله عليه وآله؟
ذكر اليعقوبي في تاريخه: ورفض عبد المطلب عبادة الأوثان والأصنام، ووحّد اللّه عزّ وجلّ، ووفى بالنذر، وسنّ سنناً نزل القرآن بأكثرها، وجاءت السنّة الشريفة من رسول اللّه بها،وهي الوفاء بالنذر، ومائة من الإبل في الدية، وألا تنكح ذاتُ محرم، ولا تؤَتى البيوت من ظهورها، وقطع يد السارق،والنهي عن قتل الموَءودة، وتحريم الخمر، وتحريم الزنا والحدّ عليه، والقرعة، وألاّ يطوف أحد بالبيت عرياناً،وتكريم الضيف،وألا ينفقوا إذا حجّوا إلاّ من طيب أموالهم،وتعظيم الأشهر الحرم، ونفي ذات الرايات. تاريخ اليعقوبي ج2ص9
استطعت أن أستجلي من هذه الرواية، أن عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وآله كان موحدا لأن ما عددته الرواية من خصال وأعمال، لا تمت إلى الجاهلية بصلة، وهي تعاليم من دين إبراهيم عليه السلام وشيء من ملته، التي توارثها أبناء إسماعيل عليه السلام، إلى أن حضنها زعيم مكة، وربى أبناءه عليها.
وقد أخرج ابن حجر في فتح الباري: وكأنه مما بقي عندهم من أمور الشرع على سنن الاعتكاف... إنما لم ينازعوا النبي(ص) في غار حراء مع مزيد الفضل فيه على غيره، لأن جده عبد المطلب أول من كان يخلو فيه من قريش، وكانوا يعظمونه لجلالته وكبر سنه، فتبعه على ذلك من كان يتأله فكان (ص)يخلو بمكان جده، وسلَّمَ له ذلك أعمامه ، لكرامته عليهم. فتح الباري ج12ص213. وقد قال في ذلك الإمام علي عليه السلام: ...ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله صلى الله عليه وآله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة. نهج البلاغة الخطبة المسماة بالقاصعة
وقد أخرج ابن أبي الحديد المعتزلي: إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم دفنه بنفسه. كما أنّ الإمام الحسين عليه السلام أجاب عندما سئل عن إيمانه قال: واعجباً، إنّ اللّه تعالى نهى رسوله أن يقرّ مسلمة على نكاح كافرٍ، وقد كانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الإسلام لم تزل تحت أبي طالب حتى مات. شرح نهج البلاغةج14 ص 68
كما أخرج عن الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام قال : لو وضع إيمان أبي طالب في كفة ميزان و إيمان هذا الخلق في الكفة الأخرى لرجح إيمانه ثم قال: أ لم تعلموا أن أمير المؤمنين عليا ع كان يأمر أن يحج عن عبد الله و أبيه أبي طالب في حياته ثم أوصى في وصيته بالحج عنهما
وأخرج الشيخ الكليني: قال الإمام الصادق عليه السلام:إنّ مَثَل أبي طالب مَثَل أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك، فآتاهم اللّه أجرهم مرّتين،وكذلك أبو طالب. أُصول الكافي:1|448
أما من الوجهة القرآنية فقد أخرج السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسير الميزان: في تفسر قوله تعالى:" وتقلبك في الساجدين" معناه و تقلبك في الساجدين الموحدين من نبي إلى نبي حتى أخرجك نبيا: عن ابن عباس في رواية عطاء و عكرمة و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله عليه السلام قالا: أصلاب النبيين نبي بعد نبي حتى أخرجه من صلب أبيه عن نكاح غير سفاح من لدن آدم. راجع سورة الشعراء الآية 219 من التفسير المذكور.
المأثورات من أشعار أبي طالب والدالة على إيمانه:
أخرج ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة عددا من القصائد المنسوبة لأبي طالب منها:

رجون منا خطـــــة دون نيلـــهـــا ضراب و طعن بالوشيج المقــــــوم
‏يرجون أن نسخى بقتل مـــحـــمــد و لم تختضب سمر العوالي من الدم
‏كذبتم و بيت الله حتى تفـــلـــقــــوا جماجم تلقى بالحطــــيـم و زمــــزم
‏و تقطع أرحام و تنــــــسى حليلـــة حليلا و يغشى محــــــرم بعد محرم
‏على ما مضى من مقتكم و عقوقكم ‏و غشيانكم في أمركم كـــل مـــأثــم
‏و ظلم نبي جاء يدعـو إلى الهدى ‏وأمر أتى من عند ذي العرش قــــيـم
وذكر أيضا:

أعوذ برب البيت من كل طاعـــن‏ علينا بســــوء أو يلـــــوح بباطـــل
‏و مـــن فاجـــر يغتابــنا بمغيبـــة و من ملحق في الدين ما لم نحاول
‏كذبتم و بيـت الله نبــزى محمـــد و لما نطاعــن دونــــه و نناضــــل‏
و ننصره حــتى نصـــرع دونـــه‏ و نذهـل عـــن أبنائنـــــا و الحلائل‏
و ابيض يستسقى الغمام بوجهـه ‏ثمال اليتــامــى عصمـة للأرامــــل
‏يلوذ بــه الهلاك مـــن آل هاشــم‏ فهم عنـــده في نعمــة و فواضــــل
‏ ‏لعمري لقــد كلفــت وجدا بأحمد و أحببته حــب الحبــيب المواصــل
‏و جدت بنفسي دونـــه فحميتـــه ‏و دافعـــت عنــه بالذرى و الكواهل
فلا زال للدنيا جمـــالا لأهلــهـــا و شينا لمن عـــادى و زين المحافل
أيــده رب العبـــاد بنـصـــــره ‏و أظهــر ديــــنا حقـــه غيـــر بـاطــــل
وأبو طالب عرف بنصرته التامة والكاملة للنبي صلى الله عليه وآله، ولولا مكانته ووجوده في التصدي لمشركي قريش، ومنع أذاهم للنبي صلى الله عليه وآله لما أمكن للدعوة أن تستمر، في تلك الأجواء الخانقة، ولقد آزر أبو طالب النبي صلى الله عليه وآله منذ بداية نبوءته، لما علم بذلك وقال له: أخرج يا بن أخي فإنك الرفيع كعبا، والمنيع حزبا، والأعلى أبا، والله لا يسلقك لسان، إلا سلقته ألسن حداد ، واجتذبه سيوف حداد، والله لنذللن لك العرب ذل البهم لحاضنها .
ثم أنشأ قائلا :

و الله لن يصلوا إليـــك بجمعـهــم حتى أوسد فــي التــراب دفينـــا
فأنفذ لأمرك ما عليـــك مخـــافـــة و أبشر بذاك و قر منــك عيونا
و دعوتني و زعمت أنك ناصحي فلقد صـدقت و كنــــت قدما أمينا
و عرضت دينا قد علمـــت بأنـــه من خيـر أديـــان البـــريــة دينــا
لو لا الملامــة أو حــذاري سبــه لوجدتنــي سمحــا بذاك مبـــــينـا
وقد بقي أبو طالب على موقفه، المساند والداعم والحامي لابن أخيه إلى أن مات، تغمده الله برحمته الواسعة، ولم تتنفس قريش من ضيقها الذي وضعها فيه، وتخرج من قمقمها إلا بعد موته.
لماذا لا يقبلون هذه الرواية حتى كرامة احتراما للنبي صلى الله عليه وآله؟
جاء في السيرة الحلبية، وقد بحثت في جزئها الأول ما أخرج الرجل بخصوص آباء النبي صلى الله وآله فرايته قد خاض مع جملة الخائضين، ودلل على إيمان أم النبي صلى الله عليه وآله برواية أخرجها عن عائشة قالت:حج بنا رسول الله(ص) حجة الوداع فمر على عقبة الحجون وهو باك حزين مغتم، فبكيت لبكائه، ثم طفق يقول يا حميراء استمسكي، فاستندت إلى جنب البعير، فمكث طويلا ثم عاد إلي وهو فرح متبسم فقلت له بابي أنت وأمي يا رسول الله نزلت من عندي وأنت باك حزين مغتم فبكيت لبكائك، ثم إنك عدت إلى وأنت فرح متبسم فمم ذاك؟ قال :ذهبت إلى قبر أمي فسألت ربي أن يحيها لي فأحياها فآمنت وردها الله تعالى. السيرة الحلبية ج1 ص105
ومع رد الجوزجاني وابن الجوزي والذهبي للرواية فإن الحافظ ابن حجر أقرها في لسان الميزان.
هؤلاء المنكرين لإيمان أبوي النبي صلى الله عليه وآله–على خطأ اعتقادهم- رفضوا حتى إمكانية أن يمن الله على نبيه بإحياء أبويه فيؤمنون به، وردوا الرواية المتعلقة بذلك، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على جبلة متعصبة عمياء كلوحة تدعو إلى الاشمئزاز والقرف.
وأقول أخيرا لو أن معشار هذه القرائن اجتمعت في شخص آخر بعيد النسب عن آل النبي صلى الله عليه وآله، لحكموا بإيمانه ولأجزموا عليه، ولكن طالما أن للمسألة صلة بالعامل المذهبي المتوارث، فان الأمر اتخذ شكلا آخر من التعنت والإصرار، على البقاء في مستنقع الإتباع الأعمى.
ونظرت في ما أثر عن علي من خطب ورسائل في نهج البلاغة، فإذا به يخاطب معاوية بقوله: وما أنت والفاضل والمفضول، والسائس والمسوس، وما للطلقاء وأبناء الطلقاء، والتمييز بين المهاجرين الأولين، وترتيب درجاتهم، وتعريف طبقاتهم...لم يمنعنا قديم عزنا ولا عادي طولنا على قومك أن خلطناكم بأنفسنا، فنكحنا وأنكحنا فعل الأكفاء، ولستم هناك، وأنى يكون ذلك ومنا النبي، ومنكم المكذب، ومنا أسد الله، ومنكم أسد الأحلاف،(أبو سفيان لقب بذلك في غزوة الأحلاف، والمسماة بالأحزاب والمعروفة بغزوة الخندق)، ومنا سيدا شباب أهل الجنة، ومنكم صبية النار(أولاد مروان بن الحكم أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وآله)ومنا خير نساء العالمين، ومنكم حمالة الحطب(أم جميل بنت حرب،عمة معاوية ) نهج البلاغة المختار من كتب أمير المؤمنين رقم28 ص488/489 تعليق الدكتور صبحي الصالح
وكثيرا ما تناول أمير المؤمنين أصول معاوية، وكشف معدنه الخبيث، وشهر به على الملأ، فلم يجد ابن الطلقاء ما يدرأ به عن نفسه، ولو كانت مسألة كفر آباء النبي صلى الله عليه وآله وعمه معلومة، أو معروفة عند أهل ذلك العصر، لما تردد ابن هند في الكيل منها إلى علي عليه السلام، ردا للعائبة التي انفرد بها، فدل ذلك على أن التهمة باطلة، لا أصل لها واقعا، وقد انتحلت بعد ذلك العصر انتحالا.
فهل بقي بعد الذي وجدته، واستقيت من أمهات الكتب حجة لمرتاب، في ثبوت إيمان شيخ البطحاء وسيد بني هاشم؟
وعلى ذلك كانت قناعتي وجاء قراري بأن أترك هذه المذاهب التي نصبت أشواك تعصبها،فلم ينج منها حتى النبي صلى الله عليه وآله، وعميت بعد ذلك أعين بصائرها عن تمييز الحق من الباطل، وألتحق بمن هو أجل قدرا ، وأطيب منهلا وأعذب وردا، وأجلى حقيقة، منة من الله تعالى علي أن هداني إلى إتباع أوليائه، أئمة الهدى عليهم السلام وسفينة النجا، والحجج على أهل الدنيا، بالبراهين الساطعة، والدلائل الواضحة، التي لا يردها سوى أعمى البصيرة،
والحمد لله رب العالمين.