المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : § اني جاعل في الارض خليفة §... استخلاف الانسان



عطر الكفيل
08-10-2010, 03:05 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على محمد وآله الطيبين الطاهرين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


قال تعالى في محكم كتابه المجيد :

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) البقرة: 30 .



هذه الآية تتحدث عن قضية استخلاف اللّه سبحانه لآدم على الارض . وهذا الجانب من قصة آدم يكاد ينحصر ذكره والاشارة اليه في القرآن الكريم بهذا المقطع القرآني فقط . ودراسة هذا المقطع وما تضمنه من معلومات ومفاهيم لها جانبان : -

الجانب الاول : تحديد الموقف العام تجاه دراسة هذا المقطع القرآني وتصوير ما يعنيه القرآن الكريم منه .


الجانب الثاني : تحديد الموقف القرآني والاسلامي تجاه بعض المفاهيم التي جاءت في المقطع بالشكل الذي ينسجم مع المسلمات القرآنية والظهور اللفظي لهذا المقطع بالخصوص .


وفيما يتعلق بالجانب الاول نجد الشيخ محمد عبده تبعاً لبعض الدارسين المتقدمين يذكر رأيين مختلفين بحسب الشكل وان كانا يتفقان في النهاية ، حسب ما يقول :


الرأي الاول : هو الذي سار عليه السلف واختاره الشيخ محمد عبده نفسه ايضاً حيث يقول : ( وما ذلك الحوار في الآيات فهو شأن من شؤون اللّه مع ملائكته صوره لنا في هذه الفصول بالقول والمراجعة والسؤال والجواب ونحن لا نعرف حقيقة ذلك القول .

ولكننا نعلم انه ليس كما يكون منا . وان هناك معانٍ قصدت افادتها بهذه العبارات وهي عبارة عن شأن من شؤونه تعالى قبل خلق آدم وانه كان يعد له الكون او شأن مع الملائكة يتعلق بخلق نوع الانسان وشأن آخر في بيان كرامة هذا النوع وفضله) § المنار1/254§.


والرأي الثاني : الرأي الذي سار عليه الخلف من المحققين وعلماء الاسلام الذين بذلوا جهدهم في دراسة القرآن والتعرف على مقاصده حيث يرون ان هذه القصة بمواقفها المختلفة انما جاءت على شكل التمثيل ومحاولة تقريب النشأة الآدمية الانسانية واهميتها وفضيلتها. وان جميع المواقف والمفاهيم التي جاءت فيها يمكن تحديد المعاني والاهداف التي قصدت منها.


فالرأي الأول والثاني وان كانا يلتقيان في حقيقة تنزيه اللّه سبحانه وتعالى وعالم الغيب عن مشابهة المخلوقات المادية المحسوسة في هذه المواقف المختلفة ويكاد يتفقان أيضاً في الاهداف والغايات العامة المقصودة من هذا المقطع القرآني ولكنهما مع ذلك يختلفان في امكانية تحديد بعض المفاهيم التي وردت في المقطع كما سوف يتضح ذلك عند معالجتنا للمقطع القرآني من جانبه الآخر.


وفيما يتعلق بالجانب الثاني نجد السلف انسجامه مع موقفهم في الجانب الاول يقفون من دراسة المقطع موقفاً سلبياً ويكتفون في بعض حالات الانفتاح بذكر الفوائد الدينية التي تترتب على ذكر القرآن لهذا المقطع القرآني المتشابه.
وقد اشار الشيخ محمد عبده الى بعض هذه الفوائد. ونكتفي بذكر فائدتين منها :


الاولى : ان اللّه سبحانه وتعالى في عظمته وجلاله يرضى لعبيده أن يسألوه عن حكمته في صنعه وما يخفى عليهم من اسراره في خلقه.


الثانية : ان اللّه سبحانه لطيف بعباده رحيم بهم يعمل على معالجتهم بوجوه اللطف والرحمة فهو يهدي الملائكة في حيرتهم ويجيبهم على سؤالهم عندما يطلبون الدليل والحجة بعد ان يرشدهم الى واجبهم من الخضوع والتسليم : (اني اعلم ما لا تعلمون وعلّم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة....)
واما الخلف فقد حاولوا ايضاح المفاهيم التي وردت في هذا المقطع القرآني ليتجلى بذلك معنى استخلاف اللّه سبحانه وتعالى لآدم.




~≈~≈~≈~≈~≈~≈~≈~≈~≈~




الخلافة :
الخليفة بحسب اللغة : من خلف من كان قبله وقام مقامه. فلماذا سمي آدم خليفة ؟ توجد هنا عدة آراء:
الاول : ان آدم سمي خليفة لانه خلف مخلوقات اللّه سبحانه في الارض وهذه المخلوقات اما ان تكون ملائكة او يكونوا الجن الذين أفسدوا في الارض وسفكوا فيها الدماء كما روي عن ابن عباس. او يكونوا آدميين آخرين قبل آدم هذا.

الثاني : انه سمي خليفة لانه وابناءه يخلف بعضهم بعضاً فهم مخلوقات تتناسل ويخلف بعضها البعض الآخر. وقد نسب هذا الرأي الى الحسن البصري.
الثالث : انه سمي خليفة لانه يخلف اللّه سبحانه في الارض. وفي تفسير هذه الخلافة لله سبحانه وارتباطها بالمعنى اللغوي تعددت الآراء واختلفت :
أ - انه يخلف الله في الحكم والفصل بين الخلق.
ب - يخلف اللّه سبحانه في عمارة الارض واستثمارها من انبات الزرع واخراج الثمار وشق الانهار وغير ذلك §هذا الرأي وما قبله ذكره الطوسي في التبيان 1/131§.

ج - يخلف الله سبحانه في العلم بالاسماء كما ذهب الى ذلك العلامة الطباطبائي §الميزان : 1/118§.

د - يخلف اللّه سبحانه في الارض بما وهبه الله من قوة غير محدودة سواء في قابليتها او شهواتها او علومها. كما ذهب الى ذلك الشيخ محمد عبده §المنار : 1/260§ .



~≈~≈~≈~≈~≈~≈~≈~≈~≈~



كيف عرف الملائكة ان الخليفة يفسد في الارض؟


لقد ذكر المقطع القرآني ان جواب الملائكة على اخبارهم بجعل آدم خليفة في الارض انهم تساءلوا عن سبب انتقاء هذا الخليفة الذي يفسد في الارض فكيف عرف الملائكة هذه الخصيصة في هذا الخليفة وهنا عدة آراء.
الاول : ان اللّه سبحانه وتعالى اعلمهم بذلك لأن الملائكة لا يمكن ان يقولوا هذا القول رجماً بالغيب وعملاً بالظن§ التبيان : 1/132§.

الثاني : انهم قاسوا ذلك على المخلوقات التي سبقت هذا الخليفة الذي سوف يقوم مقامها كما يشير الى ذلك بعض الروايات والتفاسير§التبيان : 1/133§.
الثالث : ان طبيعة الخلافة تكشف عن ذلك بناء على الرأي الاول من المذهب الثالث في معنى الخلافة. كما ذكر ذلك ابن كثير في تفسيره.
الرابع : ان طبيعة الخليفة نفسه تقتضي ذلك وهنا رأيان :
أ - ان المزاج المادي والروحي لهذا المخلوق الذي يريد ان يجعله الله خليفة والاساس الاجتماعي للعلاقات الارضية التي سوف تحصل بين ابناء هذه المخلوقات هي التي جعلت الملائكة يعرفون ذلك. يقول العلامة الطباطبائي : ( ان الموجود الارضي بما انه مادي مركب من القوى الغضبية والشهوية والدار دار التزاحم محدودة الجهات وافرة المزاحمات مركباتها في معرض الانحلال وانتظاماتها واصطلاحاتها مظنة الفساد ومصب البطلان لا تتم الحياة فيها الا بالحياة النوعية ولا يكمل البقاء فيها الا بالاجتماع والتعاون فلا تخلو من الفساد وسفك الدماء) §الميزان : 1/115. والتفسير الكبير 1/121 والميزان 1/119§.

ب - ان الارادة الانسانية بما اعطيت من اختيار يتحكم في توجيهه العقل بمعلوماته الناقصة هي التي تؤدي بالانسان الى أن يفسد في الارض ويسفك الدماء قال محمد عبدة : (اخبر اللّه الملائكة بأنه جاعل في الارض خليفة نفهم من ذلك ان اللّه يودع في فطرة هذا النوع الذي يجعله خليفة.. ان يكون ذا ارادة مطلقة واختيار في عمله غير محدود وان الترجيح بين ما يتعارض من الاعمال التي تعن له تكون بحسب علمه وان العلم اذا لم يكن محيطاً بوجوه المصالح والمنافع فقد يوجه الارادة الى خلاف المصلحة والحكمة وذلك هو الفساد وهو معين لازم الوقوع لان العلم المحيط لا يكون الا للّه تعالى) §المنار : 1/256§.



~≈~≈~≈~≈~≈~≈~≈~≈~≈~

اشواق الروح
08-10-2010, 07:42 PM
عطر الله أنفاسك أيتها الأخت الغالية عطر الكفيل وجعلك الله دائما ممن يقرأ القرآن الكريم ويتدبر آياته ويعمل بأحكامه : مع الشكر والتقدير

عطر الكفيل
09-10-2010, 10:31 PM
شكرا لك اختي الغالية اشواق الروح على الكلام الجميل والرد اللطيف والدعوة المباركة

انار الله قلبك بالايمان واعمره بالقرآن

عمارالطائي
09-10-2010, 10:53 PM
الاخت المتميزة عطر الكفيل
التفسير الصافي - الفيض الكاشاني – عليه الرحمة - ج 1 ص 107 :
القمي عن الباقر عن آبائه عن أمير المؤمنين ( عليهم السلام ) ، ورواه في العلل أيضا عنه ( عليه السلام ) على اختلاف في ألفاظه قال : إن الله لما أراد أن يخلق خلقا بيده وذلك بعدما مضى عن الجن والنسناس في الأرض سبعة آلاف سنة فرفع سبحانه حجاب السماوات وأمر الملائكة أن انظروا إلى أهل الأرض من الجن والنسناس فلما رأوا ما يعملون فيها من المعاصي وسفك الدماء والفساد في الأرض بغير الحق عظم ذلك عليهم وغضبوا الله تعالى وتأسفوا على الأرض ولم يملكوا غضبهم وقالوا ربنا أنت العزيز القادر العظيم الشأن وهذا خلقك الذليل الحقير المتقلب في نعمتك المتمتع بعافيتك المرتهن في قبضتك وهم يعصونك بمثل هذه الذنوب ويفسدون في الأرض ولا تغضب ولا تنتقم لنفسك وأنت تسمع وترى وقد عظم ذلك علينا وأكبرناه لك ، فقال جل جلاله : إني جاعل في الأرض خليفة تكون حجة لي في أرضي على خلقي . قالت الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها كما أفسد هؤلاء ويسفك الدماء كما فعل هؤلاء ويتحاسدون ويتباغضون فاجعل ذلك الخليفة منا فانا لا نتحاسد ولا نتباغض ولا نسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك .........



اسئل الله ان يوفقكم لكل خير

عطر الكفيل
09-10-2010, 11:13 PM
شكرا لك اخي عمار على الاضافة الرائعة

والرد اللطيف

بارك الله بك

بنت الحسين
09-10-2010, 11:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

بحث رائع
معلومات قيّمة
سلمت يداكِ اختي على الطرح

انار الله قلبكِ بالقران وجعله شفيعكِ يوم الحساب

حياتي للمهدي
09-10-2010, 11:35 PM
احسنت عطورة دائما مواضيعك متميزة

حسن علي
10-10-2010, 01:16 AM
اللهم صل على محمد و ال محمد

اسلوب رائع في شرح مفهوم الايه المباركه
وفقك الله اختنا الكريمه سدد خطاك

بنت الفواطم
10-10-2010, 01:41 AM
حياك الله حبيبتي (عطر الكفيل )
وانار بصرك وبصيرتك بالقرأن العظيم وجعله سلوى لك عن كل حبيب

عطر الكفيل
10-10-2010, 03:19 PM
اشكركم اعزائي على تلك الكلمات العذبة التي خطتها اناملكم المؤمنة

بارك الله فيكم وجعلكم ممن يستمعون للحديث فيتبعون أحسنه

ابن الاهوار
11-10-2010, 02:06 PM
الاخت عطر الكفيل بارك الله فيك على طرحك الرائع الذي بذلت الجهد في سبيل لملمة اراء المفسرين حول هذه الاية التي تعني الخلافة تحياتي لك وجزاك الله خيرا

عطر الكفيل
11-10-2010, 03:32 PM
شكرا لك اخي ابن الاهوار

وللأمانة ليس هذا البحث من تأليفي ومجهودي الشخصي بل نقلته من الكتب ونسقته وطرحته

المفيد
12-10-2010, 03:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

انّ الله سبحانه وتعالى لو لم يعلم بأحقية الانسان في هذه الخلافة لما استخلفه في الأرض ابداً ويدل على ذلك قوله تعالى ((إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ)) عند أعتراض الملائكة على هذه الخلافة..

ولكن الخلافة الحقة المتمثلة بتطبيق كل ماجاء به الله تعالى من أوامر ونواهي، بل الأعراض عن المباحات أيضاً فهم في فلك الله يسبحون.. لا بمن يحسبون على الانسانية والذين تطابقت أعمالهم مع ما تنبأت به الملائكة وصرحت به..

ومن الجدير بالذكر انّه لحد الآن لم تتحقق الخلافة الحقة في الأرض وسيأتي هذا اليوم إن شاء الله تعالى وبيد صاحب العصر والزمان عليه السلام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) حيث قال تعالى ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ))...


الأخت الكريمة عطر الكفيل..
جزاك الله كل خير وجعلك من الذين آمنوا وعملوا الصالحات...

عطر الكفيل
13-10-2010, 03:20 PM
سلمت اخي المفيد على ردك الجميل واضافتك الرائعة

جعلك الله من انصار مولانا خليفة الله في ارضه القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف

ورزقك اتباعه ونصرته