المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التحقيق في الامامة وشؤونها ( الفصل الثالث )



سامر الزيادي
19-08-2009, 09:59 PM
هَويّةِ الإمام والإمامة في أحاديث


جاءَ في هويّة الإمام والإمامة، ومكانتها السامية في القرآن المجيد، وفي السُنّة النبوية الغراء، وأحاديث أهل بيت العصمة الشيء الكثير، ولكنا اخترنا – بعد التوكل على الله عَزّ وجَلّ – ثلاثة أحاديث شريفة، وجامعة، تبين للأمة عظمة هذا المقام، ومَن الذي يصلح له، ومَن لا يصلح، وإليك تلك الأحاديث بنصوصها:

الحديث الأول:

روى الكليني في (أصول الكافي)، والصدوق في (عيون أخبار الرضا) بسنديهما عن عبد العزيز بن مسلم قال:- كنا في أيام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) بمرو، فاجتمعنا في مسجد جامعها، في يوم الجمعة في بدء مقدمنا، فأدار الناس أمر الإمامة وكثرة اختلاف الناس فيها، فدخلت على سيدي ومولاي الرضا(عليه السلام) فأعلمته ما خاض الناس فيه ، فتبسم(عليه السلام) ثم قال:-

إكمال الدين بالإمامة

يا عبد العزيز جهل القوم وخُدعوا عن أديانهم، ان الله تبارك وتعالى لم يقبض نبيّه(صلى الله عليه و آله) حتى أكمل له الدين، وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كلّ شيء بيّن فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج إليه الناس كملاً – أي تاماً كاملاً – فقال عَزّ وجَلّ:]مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ[ [الأنعام/39]، وانزل في حجّة الوداع وهي آخر عمره(صلى الله عليه و آله):]الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِْسْلاَمَ دِينًا[ [المائدة/4](1).

وأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمضِ(صلى الله عليه و آله) حتّى بيّن لاُمّته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم، وتركهم على قصد سبيل الحق، وأقام لهم علياً(عليه السلام) علماً وإماماً، وما ترك شيئاً تحتاج إليه الأمة إلاّ بيّنه، فمن زعم أن الله لم يكمل دينه فقد ردّ كتاب الله عَزّ وجَلّ، ومَن ردّ كتاب الله تعالى فهو كافر.

محل الإمامة من الأمة

هل يعرفون قدْر الإمامة، ومحلها من الأمة فيجوّزون فيها اختيارهم، ان الإمامة أجل قدراً وأعظم شأناً وأعلى مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً مِن أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم أو يقيموا إماماً باختيارهم.

ان الإمامة خصَّ الله بها إبراهيم(عليه السلام) بعد النبوة، والخِلّة مرتبة ثالثة وفضيلة شَرّفَهُ بها وأشاد بها ذكره، فقال عَزّ وجَلّ:]إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا[ فقال الخليل(عليه السلام) سروراً بها:]وَمِنْ ذُرِّيَّتِي[ قال الله عَزّ وجَلّ: ]لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[ [البقرة/125].

فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصفوة، ثم أكرمه الله عَزّ وجَلّ بأن جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة، فقال عَزّ وجَلّ:]وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ(72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ[ [الأنبياء/73-74].

فلم تزل في ذريّته يرثها بعض عن بعض قرناً فقرناً حتى ورثها النبي(صلى الله عليه و آله) فقال الله عَزّ وجَلّ:]إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ[ [آل عمران/69]، فكانت له خاصة فقلّدها علياً بأمر الله عَزّ وجَلّ على رسم ما فرضها الله، فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله عَزّ وجَلّ:]وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِْيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ[ [الروم/57].

فهي في ولد علي خاصة إلى يوم القيامة إذ لا نبيّ بعد محمّد(صلى الله عليه و آله) فمن أين يختار هؤلاء الجهال؟

ان الإمامة هي منزلة الأنبياء وارث الأوصياء، إنّ الإمامة خلافة الله عَزّ وجَلّ، وخلافة الرسول ومقام أمير المؤمنين وميراث الحسن والحسين?.

إنّ الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعزّ المؤمنين.

إنّ الإمامة أسُّ الإسلام النامي – أي أصله – وفرعه السامي.

الإمام الدال على الهدى والمنجي من الردى

بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وتوفير الفيئ والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف، الإمام يُحل حلال الله ويحرّم حرام الله ويقيم حدود الله ويَذبّ عن دين الله ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، والحجة البالغة، الإمام كالشمس الطالعة للعالم وهي بالأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار، الإمام البدر المنير والسراج الزاهر والنور الساطع والنجم الهادي في غياهب الدجى والبيد القفار ولجج البحار، الإمام الماء العذب على الظماء والدال على الهدى والمنجي من الردى، والإمام النار على اليفاع – اليفاع ما أرتفع من الأرض – الحار لمن اصطلى به والدليل في المهالك، ومَن فارقه فهالك، الإمام السحاب الماطر والغيث الهاطل، والشمس المضيئة والسماء الظليلة، والأرض البسيطة، والعين الغزيرة والغدير والروضة، الإمام الرفيق والولد الرقيق والأخ الشفيق، ومَفزع العباد في الداهية، الإمام أمين الله في أرضه وحجّته على عبادهِ وخليفته في بلاده، الداعي إلى الله والذاب عن حَرم الله، الإمام المطهر من الذنوب المبرّأ من العيوب، مخصوص بالعلم موسوم بالحلم نظام الدين وعز المسلمين وغيظ المنافقين وبوار الكافرين، الإمام واحد دهره لا يدانيه أحد ولا يعادله عالم ولا يوجد له بدل ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له ولا اكتساب بل اختصاص من المُفَضّل الوهاب "أي أنّ الله يخصّهم بالعلم والفضل، وسنذكر ذلك ان شاء الله بالدليل القطعي".

فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام ويمكنه اختياره؟ هيهات هيهات ضلّت العقول وتاهت الحلوم حارت الألباب وَخَسِئت العيون وتصاغرت العظماء وتحيّرت الحكماء وتقاصرت الحلماء وحصرت الخطباء وجهلت الألباب وكلّت الشعراء وعجزت الأدباء وعييت(2) البلغاء عن وصف شأنٍ من شأنه أو فضيلةٍ من فضائله فاقرّت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف بكلّه أو ينعت بكنهه، أو يفهم شيء من أمره، أو يوجد مَنْ يقام مقامه، ويغني غناه، لا، كيف وأنّى وهو بحيث النجم من أيدي المتناولين ووصف الواصفين.

أقول: ويؤيد قول الإمام الرضا(عليه السلام) من معرفة الإمام قد ضلّت عنها العقول وتاهت الحلوم، وأنه لا يوصف بكلّه ولا ينعت بكنهه…الخ، ويؤيده ما ورد عن جده رسول الله الصادق بقوله لعلي أمير المؤمنين: يا علي ما عرف الله إلاّ أنا وأنت، وما عرفني إلاّ الله وأنت، وما عرفك يا علي إلاّ الله وأنّا(3).

وأحسن مَن قال:

ليس يدري بكنه ذاتك ما هو*** يا بن عمّ النبي إلاّ الله

ثم قال الإمام الرضا(عليه السلام) في حديثه: فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول عن هذا؟ وأين يوجد مثل هذا؟ أ ظنّوا أن يوجد ذلك في غير آل الرسول(صلى الله عليه و آله)؟ كَذّبتهم والله أنفسهم ومنّتهم الباطل، فارتقوا مرتقىً صعباً دحضاً(4)، تزّل عنه الى الحضيض أقدامهم، راموا إقامة الإمام بعقول بائرة ناقصة، وآراء مُضِلّة، فلم يزدادوا منه إلاّ بعداً:]قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ[ [التوبة/3]، لقد راموا صعباً وقالوا فكاً، و]ضَلُّوا ضَلاَلاً بَعِيدًا[ [النساء/168]، ووقعوا في الحيرة، إذ تركوا الإمام عن بصيرة]وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ[ [العنكبوت/29](5).

ورَغِبوا عن اختيار الله واختيار رسوله إلى اختيارهم، والقرآن يناديهم]وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ[ [القصص/69].

وقال عَزّ وجَلّ:]وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا[ [الأحزاب/37].

وقال عَزّ وجَلّ:]مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا يَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ * سَلْهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ(40) أم لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ[ [القلم/37-42].

وقال عَزّ وجَلّ:]أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[ [محمّد/25]، أمْ]طُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ[ [التوبة/87]، أمْ]قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لاَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ[ [الأنفال/22-24]، و]قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا[ [البقرة/94]، بل هو]فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ[ [الحديد/22].

فكيف لهم باختيار الإمام؟ والإمام عالم لا يجهل، وراعٍ لا ينكل، معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعلم والعبادة، مخصوص بدعوة نسل المطهرة البتول، لا مغمزّ فيه في نسب، ولا يدانيه ذو حَسَبْ، فالنسب من قريش، "وفي نصٍ": فالبيت من قريشٍ والذروة من هاشم والعترة من آل الرسول(صلى الله عليه و آله) والرضا من الله عَزّ وجَلّ، شرف الأشراف والفرع من عبد مناف، نامي الحلم، مُضْطلَعْ بالإمامة – أي قويٌ فيها – عالم بالسياسة، مفروض الطاعة، قائم بأمر الله عَزّ وجَلّ، ناصح لعباد الله، حافظ لدين الله.

سامر الزيادي
19-08-2009, 10:05 PM
مَنبع علوم الأنبياء والأئمة

أنّ الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم يوفّقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم، فيكون علمهم فوق كلّ علم أهل زمانهم – فأنظر – في قوله تعالى:]أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ[ [يونس/36].

وقوله عَزّ وجَلّ:]وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَ أُوْلُوا الأْلْبَابِ[ [البقرة/270]، وقوله عَزّ وجَلّ في طالوت:]إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[ [البقرة/248](6).

وقال عَزّ وجَلّ لنبيّه(صلى الله عليه و آله):]وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا[ [النساء/114].

وقال عَزّ وجَلّ في الأئمة من أهل بيت نبيّه وعترته وذّريته:]أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا[ [النساء/55-56].

وإنَّ العبد إذا اختاره الله عَزّ وجَلّ لامُور عباده شرح الله صدره وأودع قلبه ينابيع الحكمة وألهمه العلم إلهاماً فلمْ يعي "أي يعجز" بعده بجواب، ولا يحيد فيه عن الصواب وهو معصوم مؤيد موفق مسدد، قد أمِنَ الخطايا والزلل والعثار، يخصه الله بذلك ليكون حجته على خلقه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

أقول: أشار بكلامه هذا إلى قول الله عَزّ وجَلّ]إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ[ [آل عمران/74-75].

فهل يقدرون على مثل هذا؟ فيختاروه أو يكون مختارهُم بهذهِ الصفة فيقدموه؟ تعدّوَا(7) وبيتِ الله الحرام، ونبذوا كتاب الله وراءَ ظهورهم كأنَّهم لا يعلمون.

أقول: أشار(عليه السلام) بقوله: ونبذوا كتاب الله وراءَ ظهورهم إلى قول الله عَزّ وجَلّ :]وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ[ [آل عمران/188].

وفي كتاب الهدى والشفاء، فنبذوه وأتّبعوا أهواءَهم، فذمّهم الله ومقتهم وأتْعَسَهم، أي أهلكهم، فقال عَزّ وجَلّ:]وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ[ [القصص/51]، وقال عَزّ وجَلّ :]فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ[ [محمّد/9]، وقال عَزّ وجَلّ:]كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ[(8).

الحديث الثاني:

إيضاح دين الله بأئمة الهدى من أهل البيت?

روى الكليني في (أصول الكافي) بسندهِ عن إسحاق بن غالب عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) أنه قال في خطبةٍ له يذكر فيها حال الأئمة? وصفاتهم قال: ان الله عَزّ وجَلّ أوضحَ بأئمة الهدى من أهل بيت نبيّنا عن دينه، وأبلَج بهم عن سبيل منهاجه، وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه، فَمن عَرفَ مِن أمة محمّد(صلى الله عليه و آله) واجب حق إمامه وَجدَ طَعمْ حلاوة إيمانه، وَعَلِم فضل طَلاوة إسلامه، "أي حسنه وبهجته"، لأن الله تبارك وتعالى نصب الإمام عَلَماً لخلقهِ، وجعله حجةً على أهل موادّه وعالَمِه" أهل موادّه، أي أهل زياداته وعطاياه المتصلة المتواترة غير المنقطعة مطيعين كانوا أو عاصين من العالَمِين يكون الإمام حُجّةً عليهم"وألْبسَه الله تاج الوقار، وغشّاه من نور الجبار، يمدّ بسبب إلى السماء لا ينقطع عنه مَوادّه، ولا يُنال ما عند الله إلاّ بجهة أسبابه، ولا يقبل الله أعمال العباد إلاّ بمعرفته، فهو عالم بما يرد عليه من متلبسات الدجى، ومعمّيات السنن، ومشبّهات الفتن، فلم يزل الله تبارك وتعالى يختار لخلقه من ولد الحسين(عليه السلام) من عقب كلّ إمام، يصطفيهم لذلك، ويجتبيهم ويرضى بهم لخلقه ويرتضيهم، كلّ ما مضى منهم – واحد – نصب لخلقهِ مِن عقبه إماماً بيّناً، وهادياً نيراً، وإماماً قيّماً، وحجةً عالماً، أئمةٌ من الله، يهدون بالحق وبه يعدلون، حجج الله ودعاته ورعاته على خلقه، يدين بهديهم العباد، وتستهل بنورهم البلاد، وينمو ببركتهم التلاد، "التلاد القديم وهو نقيض الطارف" جعلهم الله حياة للأنام، ومصابيح للظلام ومفاتيح للكلام، ودَعائم للإسلام، جرت بذلك فيهم مقادير الله على محتومها، فالإمام هو المنتخب المرتضى الهادي المنتجى، والقائم المرتجى، إصطفاه الله بذلك وأصْطَنعه على عينه في الذر حين ذرأه في البرية.

خلق الله روح الإمام قبل الخلق

بَرَأه "أي خلقه" ظلاً قبل خلق - أيّ – نسمة عن يمين عرشه محبوّاً بالحكمة في علم الغيب عنده، اختاره بعلمه، وانتجبه لطهره، بقية من آدم(عليه السلام) وخِيرَةٌ من نوح(عليه السلام) ومصطفى من آل إبراهيم، وسلالة من إسماعيل، وصفوة من عترة محمد(صلى الله عليه و آله) لم يزل مَرعِيّاً بعين الله يحفظه ويكلؤه بستره مطروداً عنه حبائل إبليس وجنوده، مدفوعاً عنه وقوب الغواسق "أي يدفع عنه حوادث الظلام في الليالي"ونفوذ كل غاسق، مصروفاً عنه قوارف السؤ، مبرءاً من العاهات محجوباً من الآفات معصوماً من الزلات، مصوناً عن الفواحش كلّها، معروفاً بالحلم والبر في يفاعه، "أي في أوائل سنه قبل احتلامه" منسوباً إلى العفاف والعلم والفضل عند انتهائه، مسنداً إليه أمر والده، صامتاً عن المنطق في حياته، فإذا انقضت مدة والده إلى أن انتهت به مقادير الله إلى مشيئَته، وجاءَت الإرادة من الله فيه إلى حجتّه، وبلغ مدّة والده صلى الله عليه وسلم فمضى وصار أمر الله إليه من بعده، وقلّده دينه، وجعله الحجة على عباده فقيّمه في بلاده، وأيدّه بروحه، وآتاه علمه، وأنبأه فصل بيانه "أي أعُطِيَ فصل الخطاب الذي يفصل بين الحق والباطل" واستودعه سرّه، وأنتدبه لعظيم أمره، وأنبأه فضل بيان عِلْمِهِ، ونصبه عَلماً لخلقهِ، وجعله حجةً على أهل عالَمه، وضياءً لأهل دينه، والقيّم على عباده، رضي الله به إماماً لهم، استودعه سرّه، وأستحفظهُ عِلمه، واستحباه واسترعاه لدينه، وانتدبه لعظيم أمره، وأحيى به مناهج سبيله وفرائضه وحدوده، فقام بالعدل عند تحيّر أهل الجهل، وتحيير أهل الجدل، بالنور الساطع، والشفاء النافع، بالحق الأبلج، والبيان اللائح من كل مخرج، على طريق المنهج الذي مضى عليه الصادقون من آبائه(عليه السلام)، فليس يجهل حقَّ هذا العالِم إلاّ شقي، ولا يجحده إلاّ غوي، ولا يصدّ عنه إلا جريء على الله جَلّ وعلا(9).

الحديث الثالث:

مميزّات الأئمة? وأوصافهم السامية

روى فرات بن إبراهيم في تفسيره بسنده عن زياد بن المنذر قال:-

سمعت أبا جعفر محمّد بن علي الباقر(عليه السلام) وهو يقول:

الأئمة شجرة أصلها رسول الله(صلى الله عليه و آله)

نحن شجرة أصلها رسول الله(صلى الله عليه و آله) ، وفرعها علي بن أبي طالب(عليه السلام)، وأغصانها فاطمة بنت النبي(صلى الله عليه و آله) ، وثمرها الحسن والحسين عليهما السلام والتحية والإكرام(10).

وإنّا شجرة النبوة، وبيت الرحمة، ومفتاح الحكمة، ومعدن العلم، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة وموضع سرّ الله ووديعته، والأمانة التي عُرِضَتْ على السموات والأرض والجبال(11)، وحرم الله الأكبر، وبيت الله العتيق، وذّمته، وعندنا علم المنايا والبلايا والقضايا والوصايا وفصل الخطاب، ومولد الإسلام، وانتساب العرب.

إن الأئمة كانوا نوراً مشرقاً حول عرش ربّهم، فأمرهم أن يسبّحوا، فسبّح أهل السموات لتسبيحهم(12).

وإنهم لهم الصافّون، وإنهم لهم المسبحوّن، فَمن أوفى بذمتّهم فقد أوفى بذمة الله، ومَن عرف حقّهم فقد عرف حق الله، هؤلاء عترة رسول الله(صلى الله عليه و آله) ومنْ جحد حقهم فقد جحد حق الله، هم ولاة أمر الله وخزنة وحي الله، وورثة كتاب الله، وهم المصطفون بأمر الله، والأمناء على وحي الله هؤلاء أهل بيت النبوة، ومُفاض الرسالة، والمستأنسون بخفق أجنحة الملائكة، مَن كان يغذوهم جبرئيل بأمر الملك الجليل بخبر التنزيل، وبرهان الدليل، هؤلاء أهل بيتٍ أكرمهم الله بشرفه وشرفهم بكرامته وأعزّهم بالهدى وثبتّهم بالوحي(13).

وجعلهم أئمة وهداة، ونوراً في الظلم للنجاة، واختصهم لدينه، وفضّلهم بعلمه، وآتاهم ما لَم يؤتِ أحداً من العالمين، وجعلهم عماداً لدينه ومستودعاً لمكنون سِرّه، وأمناء على وحيه، وشهداء على بريته، واختارهم واجتباهم، وخصّهم واصطفاهم، وفضّلهم وارتضاهم، وانتجبهم وجعلهم نوراً للبلاد، وعماداً للعباد، وحجته العظمى، وأهل النجاة والزلفى، وهم الخِيرة الكرام، هم القضاة الحكّام، هم النجوم الأعلام، وهم الصِراط المستقيم، هم السبيل الأقوم، الراغب عنهم مارق، والمقصّر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحق هم نور الله في قلوب المؤمنين، والبحار السائغة للشاربين، أمْنٌ لِمَنْ التجأ إليهم، وأمانٌ لمن تمسك بهم، إلى الله يدعون، وله يُسلّمون، وبأمره يعملون، وببيانه يحكمون، فيهم بعث الله رسوله، وعليهم هبطت ملائكته، وبينهم نزلت سكينته، وإليهم بُعِثَ الروح الأمين، مَنّاً مِن الله عليهم فضلّهم به، وخصّهم بذلك، وآتاهم تقواهم، وبالحكمة قوّاهم، هم فروع طيّبة، وأصول مباركة، خزّان العلم، وورثة الحلم، وأُولوا التقى والنُّهى، والنور والضياء، وورثة الأنبياء، وبقية الأوصياء.

منهم الطيب ذكره اسمه محمّد المصطفى والمرتضى، ورسوله الأمّي، ومنهم الملك الأزهر، والأسد الباسل، حمزة بن عبد المطلب، ومنهم المُستسقى به يوم الرّمادة(14)، العبّاس بن عبد المطلب عمّ رسول الله(صلى الله عليه و آله) وصنوا أبيه، وجعفر ذو الجناحين والقبلتين والهجرتين والبيعتين، من الشجرة المباركة صحيح الأديم وضّاح البرهان، ومنهم حبيبُ محمّدٍ(صلى الله عليه و آله) وأخوه، والمبلغ عنه من بعده، البرهان والتأويل، ومحكم التفسير، أمير المؤمنين، ووصي رسول ربّ العالمين، علي بن أبي طالب عليه من الله الصلوات الزكية والبركات السنية، هؤلاء الذين افترض الله مودّتهم وولايتهم على كلّ مسلمٍ ومسلمة، فقال في محكم كتابه لنبيه(صلى الله عليه و آله): ]قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ[ [الشورى/24]، قال أبو جعفر محمد بن علي(عليه السلام) اقتراف الحسنة حبّنا أهل البيت(15).

سامر الزيادي
19-08-2009, 10:08 PM
الهوامش


1- راجع (الغدير) ج1 ص230-ص238 في نزول الآية في الولاية.

2- عييت – هكذا وردت في النصوص ولعل الصحيح (عيت).

3- حديث مشهور، والمراد من معرفة النبي(صلى الله عليه و آله) وعلي بالله إنما هي أعلى معرفة ممكنة للمخلوقين،وإنهما عرفاه بحقيقة ذاته وكَنهه فإن هذا مستحيل وغير حاصل لأي مخلوق مطلقاً، ومن هنا جاءَ عن النبي(صلى الله عليه و آله) قوله في بعض مناجاته: سبحانك ما عرفناك حق معرفتك، وقوله(صلى الله عليه و آله): سبحان من لا يعلم كيف هو إلاّ هو، ولقد أجاد ابن أبي الحديد حيث يقول:

والله لا موسى ولا عيسى المسيح ولا محمد *** علموا ولا جبريل وهو الى محل القدس يصعد

كلا ولا النفس البسيطة لا ولا العقل المجرد*** من كنه ذاتك غير انك أوحدي الذات سرمد

وجدوا إضافات وسلباً والحقيقة ليس توجد*** من انت يا رسطو ومن افلاط قبلك يا ملبد

ومن ابن سينا حين قرر ما يناه له وشـــيّد*** ما انتم إلا الفراش رأى السراج وقد توقد

فـــــــــدنا فـــــــــاحــــــــــرق نـــــفــــــسـه*** ولــــــــتو اهــــــــــتــــدى رشــــــــداً لا بعد


4- الدحض: الزلق.

5- قول الله تعالى: "وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ" وقول الإمام في حديثه: تركوا الإمام عن بصيرة، هذان النصان من القرآن والحديث يدلان – بوضوح – على أن تاركي إمامة الأئمة من آل محمّد(عليهم السلام) ما كانوا جاهلين بها، بل كانوا عارفين مستبصرين بأنها لهم دون غيرهم، بل قد عرفوا أيضاً عظيم مقامهم واستحقاقهم لها، وتيقنوا ذلك، ومع ذلك عدلوا عنهم إلى غيرهم ظلماً واستكباراً وتعالياً كما قال تعالى "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ" [النمل/15]، ولذلك – كما لا يخفى – أسباب كثيرة ومجملها أن الأئمة من آل محمّد(عليهم السلام) على الحق ومع الحق، وطبيعة الغالب من الناس والكثير منهم الكره للحق كما قال تعالى: "أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ" [المؤمنون/70-72]، وقال تعالى: "لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ" [الزخرف/79].

6- لنا في كتابنا "الشفاء الروحي والجسمي في القرآن من 253-ص265، تعاليق حول الآية وقصتها تحت العناوين التالية: "قصة طالوت مع بني إسرائيل وآياتها"، "موارد الاستشفاء والعبرة بالقصة"،

1- الهدف من القصص القرآنية الهداية إلى الحق.

2- اختيار حجج الله بيد الله عَزّ وجَلّ.

3- جعل الله آية ومعجزة لمن يختاره من حججه.

4- طبيعة الناس المخالفة لله ولحججه إلاّ مَن عصم.

5- نصْر الله إنما يكون بصبر الثابتين على دينه وإن قلّوا.

7- قول الإمام: تعدوا وبيت الله الحرام، هذا قَسَمَ منه~ ببيتِ الله وهو يدلّ بكل صراحة على جواز القسم بغير الله عَزّ وجَلّ ولا مانع منه، وقد ورد القَسم بغير الله في القرآن وفي الأحاديث بكثرة.

8- راجع الحديث في (عيون أخبار الرضا) للصدوق ج1 ص216-ص222، و(الشافي في شرح أصول الكافي) المجلد الثالث ص101-109، و(الاحتجاج) للطبرسي ج2 ص226، و(معاني الأخبار) للصدوق باب معنى الإمام المبين ص96.

9- راجع (الشافي في شرح أصول الكافي) المجلد الثالث ص109.

10- أشار الإمام~ بقوله: "نحن شجرة أصلها رسول الله (صلى الله عليه و آله) …الخ، إلى حديث الشجرة المعروف الشهير الذي روته كتب الصحاح والسنن والمسانيد والتفسير والحديث والتاريخ من طرق كثيرة، ونصوص عديدة، عن جملة من القرابة والصحابة عن الصادق الأمين(صلى الله عليه و آله) ، ذكرنا بعض نصوصه وطرقه ومصادره في كتابنا (الحقائق الكونية) ج2 ص41-ص44، وراجع إذا شئت كتاب (تعليقات إحقاق الحق) للسيد شهاب الدين النجفي ج5 ص255-269، وج9 من ص149-159، وكتاب (محمد وعلي وبنوه الأوصياء) للشيخ نجم الدين العسكري ج1 من ص303-ص314.

11- الأمانة المعروضة على السموات ومعناها:

قول الإمام والأمانة التي عُرضت على السموات والأرض والجبال، أي نحن وإمامتنا الأمانة التي عُرضِت على السموات، وقد أشار بذلك إلى قول الله عَزّ وجَلّ "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا" [الأحزاب/73]. والأمانة معناها شيءٌ يُودَع عند الغير ليحتفظ به ثم يردّه إلى مَن أودعَه عنده، أو ليقضي به مأربه ثم يرجعه إليه، فهناك أناس يؤدّون الأمانة، أي يرجعونها إلى أهلها كما هي، وهناك أناس يخونونها.

هذا معنى الأمانة لغةً، وقد يُطلق لفظ "الأمانة" على الدين الذي شرّعه الله عَزّ وجَلّ لعباده وبعث به رسله وأنبياءَه، وعلى هذا يكون الدين أمانة الله عند عباده، ولكنّ العباد منهم مَن يحافظ على دينه ويؤدّيه كما شرّعه الله عَزّ وجَلّ ومنهم مَن يخونه بأنواع الخيانات، إمّا أنْ يأخذ منه ما تهواه نفسه، وما ينفعه في دنياه فقط، وإلى أمثال هؤلاء يشير القرآن المجيد بقوله تعالى "أ َفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" [البقرة/86]، وإمّا أن يخون دينه بارتكاب أنواع المعاصي والسيئات، وأنواع الظلم والجرائم وترك الواجبات والفرائض بلا ندم ولا توبة وإلى أمثال هؤلاء يشير قوله تعالى "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" [الأنفال/28]. ومعلوم أن هذه الخيانات – بكلّ أنواعها – تعود أخيراً بالضرر على الخائنين أنفسهم، فهم يخونون أنفسهم قبل أن يخونوا الله ورسوله، وإلى ذلك يشير القرآن المجيد بقوله تعالى: "وَلاَ تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَـهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا" [النساء/ 108]، وقـال تعالى: "عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ" [البقرة/188]، وإلى مجموعة هذه الخيانات يشير قوله تعالى مخاطباً نبيّه(صلى الله عليه و آله): "وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" [الأنفال/72]، نعم أمكن الله منهم فأخزاهم واذلهم في الدنيا، واستحقوا العذاب الأليم في الآخرة، فالذين يؤدّون أمانة الدين ويقيمونه كما هو هم الأعزاء في الدارين، والذين يخونون دينهم ولا يؤدّوه كما هو هم الأدلاء في الدارين، وفي طليعة مَن حمّلهم الله دينه، وأدّوْهُ كما هو من غير تبديل ولا تغيير – في هذهِ الأمة – هم نبيّنا وأهل بيته الأئمة الأطهار(عليهم السلام).

فهم إذن الأمانة التي عُرضِت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها واشقفن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا.

فالأمانة تطلق على الدين، وتطلق أيضاً الأمانة – بالخصوص – على الولاية الإلهية التّي جعلها الله تعالى – في تشريعاته الحكيمة – بعد ولايته جلَ وعَلا في هذهِ الأمة لنبيّه محمّد(صلى الله عليه و آله) وبعده لعلي أمير المؤمنين والأئمة الطاهرين من أهل بيته.

فهم إذن الأمانة، أي هم أهل الولاية والإمامة العامة بعد النبي(صلى الله عليه و آله) قال تعالى "إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ" [المائدة/55].

وقد أجمع المفسرون أن هذهِ الآية الكريمة نزلت في علي أمير المؤمنين حينما تصدّق بخاتمه في الصلاة وهو راكع، نزلت فيه، وهي جارية في أبنائه المعصومين من بعدهِ ولكنّ هذهِ الولاية حملها بعض الناس ظلماً وجهلاً وإليهم تشير الآية المبحوث عنها "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا".

أمّا سائر الناس فمنهم مَن تَبِعَ أهل ولاية الله الحقة من رسل وأنبياء وأئمة، ومنهم مَن تبع الإنسان الظلوم الجهول، وحساب الجميع والقضاء فيما بينهم بيد الله يوم القيامة يجازي كلاً بما يستحق من الجزاء، قال تعالى "إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" [يونس/94]، ولزيادة الإيضاح، والتأكد راجع إذا شئت (البحار) ج23 ص273-283 باب: أنَّ الأمانة في القرآن الإمامة، وراجع تفسير الآية، والتي بعدها في آخر سورة الأحزاب: في كتاب (الميزان) في تفسير القرآن ج 16 ص370-376.

12- راجع الفصل السابع من كتابنا (قبس من القرآن) وعنوانه "الرسول الأعظم والنور الذي انزل معه" لتعلم حقيقة نورهم وتسبيحهم حول العرش وأدلّته من ص307، وإلى آخر الكتاب ص346.

13- إن قيل: هل هم أنبياء حتّى يوحى إليهم، الجواب: الوحي كلام خفي، ويكون من الله للأنبياء ولغير الأنبياء بواسطة الملائكة أو بغير واسطة، والدليل على ذلك قوله تعالى: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ" [القصص/8]، أمّا كلام الملائكة لهم فسيأتيك دليله إن شاء الله تعالى، وذكرناه في كتابنا (الحقائق الكونية) ج1 ص83-ص86 تحت عناوين عديدة، فراجع إذا شئت.

14- رمدت الغنم، هلكت من بَردٍ أو صقيع، والصقيع الجليد الذي يسقط من السماء في الليل كأنه ثلج "القاموس".

15- راجع (تفسير فرات بن إبراهيم) ص147-148، ونقله عنه المجلسـي في (البحار) ج23 ص224-ص246.