المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دور أهل البيت عليهم السلام في تفسير القرآن الكريم



عمارالطائي
21-12-2010, 01:28 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

العترة الطاهرة ورثة الكتاب وحملة علم الرسول (ص): قـال رسـول اللّه (ص): «اني تارك فيكم الثقلين، كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي، وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض..», وقال: «ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا...»(1).
حـديـث مـتـواتر بين الفريقين، قاله (ص) خطابا لجميع أمته عبر العصور... فقد هداهم الى معالم الـحـياة التي ان ساروا على هديها اهتدوا وبلغوا السعادة ..., وان حادوا عنها هووا وجلبوا لانفسهم الشقاء.
«مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا, ومن تخلف عنها غرق وهوى»(2).
ومـعـنى عدم افتراق أحدهما عن الاخر: أن الاهتداء بأحدهما واغفال الاخر, مما لا يمكن لسالك سـبيل الرشاد, فلئن كان موضع الكتاب من الدين موضع عرض أصول التشريع فان البيان والتفصيل من وظيفة العترة الطاهرة (ع) من أهل بيت الرسول (ص).
وكما كان موضع النبي من القرآن الكريم موضع بلاغ وبيان، فكذلك موضع أهل بيته الطاهرين (ع) مـوضع أداء وايفاء, انهم خلفاؤه في أداء رسالة اللّه عز وجل في الارضين،والايفاء ببيان شريعته في الخافقين.
فهم باب علمه ومستودع حكمته والمؤدّون عنه والشهداء على الخلق، ليكون الرسول عليهم شهيدا.
قـال الـصادق (ع) في قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾, «نزلت في أمّة محمد (ص) خـاصة، في كل قرن منهم امام منا شاهد عليهم، ومحمدشاهد علينا..»(3).
قال الامام أمير المؤمنين علي (ع): «ان اللّه طهرنا وجعلنا شهداء على خلقه وحجته على من في أرضه، وجعلنا مع القرآن وجعل القرآن معنا, لانفارقه ولا يفارقنا...»(4).
وقـال الامام الصادق (ع): في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا..﴾,«هم آل محمد (ص)...»(5).
قـال الامام الباقر (ع) لعمرو بن عبيد: «فانما على الناس أن يقرأوا القرآن كما أنزل، فاذااحتاجوا الى تفسيره، فالاهتدأ بنا والينا يا عمرو»(6).
وقـال الامام الكاظم (ع): «نحن الذين اصطفانا اللّه . فقد ورثنا علم هذا القرآن الذي فيه تبيان كل شي ء..»(7).
وقال الامام الصادق (ع): في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾(8)، «كتاب اللّه الذكر, وأهله آل محمد الذين أمر اللّه بسؤالهم، ولم يؤمروا بسؤال الجهال ...,وسمى اللّه القرآن ذكرا», فقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾(9).
والايـة وان كانت نزلت بشأن أهل الكتاب خطابا لمشركي العرب، لكن تأويلها عام شامل(10)، ومن أظهر مصاديقها الائمة من أهل البيت (ع). ومـن ثـم لما سأل عبيدة السلماني وعلقمة بن قيس والاسود بن يزيد النخعي، الامام أمير المؤمنين (ع): من يسألون اذا أشكل عليهم شي ء من القرآن ؟ قال: «سلوا عن ذلك آل محمد...»(11).
قـال الامـام الـصـادق (ع): «انـا أهـل بـيـت لـم يـزل اللّه يـبـعـث منا من يعلم كتابه من أوله الى آخره ...»(12).
وقـال الامـام أبو جعفر الصادق (ع): «ان العلم الذي نزل مع آدم لم يرفع، والعلم يتوارث، وكان علي عالم هذه الأمة .. قال: وانه لم يهلك منا عالم قط إلاّ خلفه من أهله من علم مثل علمه، أو ماشاء اللّه ...»(13).
وفـي ذلـك يـقـول رسـول اللّه (ص): «يحمل هذا الدين في كل قرن عدول، ينفون عنه تأويل المبطلين وتحريف الغالين وانتحال الجاهلين، كما ينفي الكير خبث الحديد»(14).

أهل البيت (ع) في حياة الرسول (ص):
كان علي (ع) مثل النبي (ص) ومثله الظاهر المتمثل فيه شخصيته الكريمة.., والذي قال فيه النبي (ص): «انـك تـسمع ما أسمع وترى ما أرى، الاّ أنك لست بنبى.....»(15). يعني أنه كان يحمل في طيّه ذلك الحس المرهف الذي كان النبي منعما به، سوى أنه ليس بنبي .
وقال رسول اللّه (ص): «ان لعلي علما بكتاب اللّه وسنتي، ليس لاحد من أمتي، يعلم جميع علمي. ان اللّه عـلـمني علما لا يعلمه غيري، وأمرني أن أعلمه عليا, ففعلت...».
قال: «وان اللّه علمه الحكمة وفصل الخطاب ...»(16).
قال علي (ع): «وليس كل أصحاب رسول اللّه (ص) كان يسأله فيفهم، وكان منهم من يسأله ولا يستفهم .., وكنت أدخل عليه كل يوم دخلة، وكل ليلة دخلة، فيخليني فيها أدور معه حيث دار. وقد عـلـم أصـحـاب رسـول اللّه أنـه لم يكن يصنع ذلك بأحد غيري، إذا سألته أجابني، وإذا سكت أو نـفـدت مـسـائلـي ابتدأني، فما نزلت عليه آية من القرآن الا أقرأنيها وأملاها علي، فكتبتها بـخـطي، ودعـا اللّه أن يفهمني اياها ويحفظني، فما نسيت آية من كتاب اللّه منذ حفظتها، وعلمني تأويلها, فحفظته وأملى علي فكتبته . ... ثم وضع يده على صدري ودعا اللّه أن يملا قلبي علما وفهما وفقها وحكما ونورا, وأن يعلمني فلا أجهل، وأن يحفظني فلا أنسى ...»(17). واخـتـلـف جماعة في قراءة آي من القرآن،فجاء بهم ابن مسعود الى النبي (ص), وعلي (ع) عنده، فقرأ كل قراءته... فأسرّ النبي الى علي، فقال علي: «رسول اللّه يأمركم أن يقرأ كل رجل منكم كما علم ...». قال الحاكم: هذا حديث صحيح الاسناد(18).
وكان النبي (ص) يحفظ عليه مانزل من الايات اذا كان غائبا.. قال سليم بن قيس الهلالى ـ وقد عده النجاشى من الطبقة الأولى من زمرة السلف الصالح ـ(19): جلست إلى علي (ع) بالكوفة في المسجد والناس حوله، فقال: «سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن كـتـاب اللّه، فـواللّه مـانـزلـت آيـة مـن كتاب اللّه إلاّ وقد أقرأنيها رسول اللّه (ص) وعلمني تأويلها...».
فـقـال ابـن الكوا ـ وهو عبداللّه بن عمرو اليشكرى، عالم نسابة، ومسائله مع أميرالمؤمنين (ع) معروفة ـ: فما كان ينزل عليه وأنت غائب ؟ قـال: «بـلـى، يـحفظ علي ما غبت عنه، فاذا قدمت عليه قال لي: يا علي أنزل اللّه بعدك كذا وكذا فيقرئنيه، وتأويله كذا وكذا فيعلمنيه ..»(20).
نعم، لم يكن أحد أمس برسول اللّه (ص) من علي (ع) في سبيل اكتساب المعالي، كما لم يأل النبى (ص) جـهـدا في تربية علي وتعليمه وتهذيبه، حتى أصبح مستودع علمه، وينبوع حكمته.. الأمر الـذي كـان مـعـروفـا فـي حـياة النبى (ص) ومشهودا للجميع.. ومن ثم قال (ص): «علي عيبة علمي».
وهذا العلم الذي علمه النبي (ص) قد توارثه أولاده الاطيبون الائمة من أهل بيته (ع).
قـال الامام الصادق (ع): «ان اللّه علم نبيه التنزيل والتأويل، فعلّم رسول اللّه (ص) علياً وعلمنا واللّه..»(21).
وهكذا امتدّ العلم واستمرّ في ذرية رسول اللّه (ص) باقياً لا ينقطع..

شهادات وافادات:
هناك شهادات ضافية من الصحابة، وافادات وافية من التابعين لهم باحسان، تنبؤك عن مدى فضيلة هذا البيت الرفيع، ومكانته السامية في أفق العلم والمعرفة والكمال، بماجعلهم مراجع الأمة في كل أدوار تاريخ الاسلام المجيد.
هـذا الصحابى الجليل عبد اللّه بن مسعود, وهو من أكبر الصحابة قدرا, وأجلهم شأنا, تراه يشهد شـهادته العالية برفعة مقام شاخص هذا البيت الامام أميرالمؤمنين (ع), وأنه تتلمذ عليه فيما تلقاه من العلوم والمعارف، حتى في حياة الصادع بالرسالة الامين (صلوات اللّه عليه وآله) . أخرج أبو جعفر الطوسى في أماليه، باسناده الى ابن مسعود, قال: قرأت على النبي (ص) سـبـعـيـن سـورة مـن الـقـرآن، أخـذتـها من فيه .. وقرأت سائر القرآن على خير هذه الأمة وأقضاهم بعد نبيهم علي بن أبي طالب (ع)(22).
وأخـرج ابن عساكر في ترجمة الامام باسناده الى عبيدة السلماني، قال: سمعت عبداللّه بن مسعود يقول: لو أعلم أحدا أعلم بكتاب اللّه مني تبلغه المطايا.. فقال له رجل: فأين أنت من علي ؟ قال: به بدأت، اني قرأت عليه ...(23).
وأخرج ابن زاذان عنه قال: قرأت على رسول اللّه (ص) تسعين سورة، وختمت القرآن على خير الناس بعده . قيل له: من هو؟ قال: علي بن أبي طالب ...(24).
وهـوالـقـائل: ان الـقـرآن أنـزل عـلى سبعة أحرف، ما منها حرف الا له ظهر وبطن، وان علي بن أبي طالب عنده منه علم الظاهر والباطن...(25).
وأخـرج الحاكم الحسكانى باسناده الى علقمة، عن عبد اللّه قال: كنت عند رسول اللّه (ص) فسئل عـن علي فقال: (قسمت الحكمة عشرة أجزاء, فأعطي علي تسعة أجزاء,وأعطي الناس جزءاً واحداً...(26).
الى غيرها من شهادات راقية بشأن علم هذا البيت وشاخصه الرفيع (ع). وبـعـده مـن ألـمع الصحابة صفحا, وأشرقهم وجها عبداللّه بن عباس، ترجمان القرآن وحبرهذه الامـة، وبـحرها الزاخر بالعلوم والمعارف، يرى أن كل ما أخذه في تفسير القرآن فهو عن الامام علي بن أبي طالب (ع) ليس عن غيره .
وهـوالـقـائل: قـسم علم الناس خمسة أجزأ, فكان لعلي منها أربعة أجزاء, ولسائر الناس جزء, وشاركهم علي في الجزء, فكان أعلم به منهم(27).
وأخـرج الحاكم الحسكاني باسناده الى ابن عباس قال: دعا عبد الرحمان بن عوف نفرا من أصحاب رسـول اللّه (ص) فـحـضـرت الـصلاة، فقدموا علي بن أبي طالب، لانه كان أقرأهم(28).
وأخرج ابن طاووس عن طريق النقاش بالاسناد الى ابن عباس قال: وماعلمي وعلم أصحاب محمد (ص) في علم علي الاّ كقطرة في سبعة أبحر(29).
ولنقتصر على شهادة هذين العلمين، وهما أعلم الصحابة بعد علي (ع), وكفى شهادتهمالجلاء الحق الصراح . وشهادات أخر منهما ومن غيرهما يأتي صفوها عند الكلام عن منزلة الامام لدى الاصحاب .
وأمـا افادات التابعين فهي أكثر وأوسع من أن تستوعب، فلنذكر منها نماذج، فما لا يدرك كله لا يترك جله:
أخرج ابن عساكر باسناده الى مسروق بن الاجدع قال: انتهى العلم الى ثلاثة: عالم بالمدينة، وعالم بالشام، وعالم بالعراق .. فعالم المدينة علي بن أبي طالب، وعالم الكوفة عبد اللّه بن مسعود, وعالم الشام أبو الدرداء . قال: فاذا التقوا, سأل عالم الشام وعالم العراق عالم المدينة، وهو لم يسألهم..(30).
أنـظر الى هذا الوصف الجميل، كيف جعل المرجعية الكبرى في العالم الاسلامي ذلك اليوم،خاصة بزعيم أهل البيت، باب مدينة علم النبي (ص) الامام أميرالمؤمنين (ع) وهوالقائل: جالست أصحاب محمد (ص) فوجدتهم كالاخاذ ـ يعني الغدير من الماء آفالاخاذ يروي الرجل، والاخاذ يروي الرجلين، والاخاذ يروي العشرة، والاخاذ يروي المئة، والاخاذ لونزل به أهل الارض لاصدرهم(31). يعني عليا (ع) الذي ينحدر عنه السيل،ولا يرقى اليه الطير.
وأخـرج أيـضا باسناده الى عبيدة السلماني، قال: صحبت عبداللّه بن مسعود سنة، ثم صحبت عليا, فكان فضل ما بينهما في العلم كفضل المهاجر على الاعرابي(32). وأخرج عن أبي عبدالرحمن السلمي، قال: ما رأيت أحدا أقرأ لكتاب اللّه من علي بن أبي طالب (ع)(33). وهوالذي أقرأ عاصما القراءة التي تلقاها من علي (ع), وأقرأها عاصم حفصا بالذات، وهي التي درج عليها المسلمون ولايزالون . وأخرجها ابن الجذري أيضا عنه، وزاد: وهو من الذين حفظوه أجمع بلاشك عندنا(34).
ويـعـجـبني هنا أن أنقل وصفين جميلين عن دور أئمة أهل البيت (ع) في تفسير القرآن والعلم بتأويله، ذكرهما علمان لامعان من أعلام النقد والتحقيق في عالم الاسلام.
هما: أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (467 ـ 548 هـ), صاحب الملل والنحل، والاخر: ابن حجر, أحمد بن محمد الهيثمي (909 ـ 974), صاحب الصواعق.
قال الشهرستانى: وخـص الـكـتاب بحملة من عترته (ص) الطاهرة ونقلة من أصحابه الزاكية الزاهرة، يتلونه حق تـلاوتـه، ويـدرسـونه حق دراسته، فالقرآن تركته، وهم ورثته، وهم أحد الثقلين، وبهم مجمع الـبـحـريـن، ولهم قاب قوسين، وعندهم علم الكونين.. والعالمون..., وكما كانت الملائكة ـ عليهم السلام ـ معقبات له من بين يديه ومن خلفه تنزيلا, كذلك كانت الائمة الهادية، والعلماء الصادقة معقبات له من بين يديه ومن خلفه تفسيرا وتأويلا. (انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون). فتنزيل الذكر بالملائكة المعقبات، وحفظ الذكر بالعلماء الذين يعرفون تنزيله وتأويله، ومحكمه ومتشابهه، ونـاسخه ومنسوخه، وعامه وخاصه،ومجمله ومفصله، ومطلقه ومقيده، ونصه وظاهره، وظاهره وباطنه، ويحكمون فيه بحكم اللّه، من مفروغه ومستأنفه، وتقديره وتكليفه، وأوامره وزواجره، وواجباته ومحظوراته،وحلاله وحرامه، وحدوده وأحكامه .. بالحق واليقين، لا بالظن والتخمين .. أولئك الذين هداهم اللّه وأولئك هم أولو الالباب.
ولـقد كانت الصحابة متفقين على أن علم القرآن مخصوص بأهل البيت (ع), اذ كانوا يسألون علي بن أبي طالب (ع): هل خصصتم أهل البيت دوننا بشي ء سوى القرآن؟ فكان يقول: «لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، الا بما في قراب سيفي». قال: فـاستثناء القرآن بالتخصيص، دليل على اجماعهم بأن القرآن وعلمه، وتنزيله وتأويله مخصوص بهم... ولقد كان حبر الامة عبد اللّه بن عباس ـ رضي اللّه عنه ـ مصدر تفسير جميع المفسرين،وقد دعا له رسول اللّه (ص) بأن قال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل», تتلمذ لعلي (ع) حتى فقهه في الدين وعلمه التأويل... قـال: ولقد كنت على حداثة سني أسمع تفسير القرآن من مشايخي سماعا مجردا, حتى دفقت فعلقته على استاذي ناصر السنة أبي القاسم سلمان بن ناصر الانصاري ـ رضي اللّه عنهما ـ تلقفا. ثم أطلعتني مطالعات كلمات شريفة عن أهل البيت وأوليائهم ـ رضي اللّه عنهم ـ على أسرار دفينة وأصول متينة في علم القرآن، وناداني من هو في شاطى ء الوادي الايمن في البقعة المباركة من الشجرة الطيبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. فطلبت الصادقين طلب العاشقين، فوجدت عبدا من عباد اللّه الصالحين،كما طلب مـوسى (ع) مع فتاه: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾. فتعلمت منه مناهج الخلق والامر, ومدارج التضاد والترتيب، ووجهي العموم والخصوص، وحكمي المفروغ والمستأنف، فشبعت من هذا المعاء الواحد دون الامعاء التي هي مكل الضلال ومداخل الجهال، وارتـويت من شرب التسليم بكأس كان مزاجه من تسنيم، فاهتديت الى لسان القرآن، نظمه وترتيبه وبلاغته وجزالته وفصاحته وبراعته..(35).
ويقول عند تفسير قوله تعالى: فـالـقـرآن ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ عامة، ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خاصة، وهدى، وذكر للنبي (ص) ولقومه أخص من الاول والثاني ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾.
وقال ابن حجر ـ في مقارنة لطيفة بين الكتاب والعترة والسبب في تسميتهما ثقلين ـ: سمى رسول اللّه (ص) القرآن وعترته ثقلين، لان الثقل كلّ نفيس خطير مصون، وهذان كذلك، إذ كـلّ مـنهما معدن للعلوم اللدنية، والاسرار والحكم العليّة، والاحكام الشرعية .ولذا حث (ص) على الاقتداء والتمسّـك بهم والتعلّم منهم، وقال: «الحمد للّه الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت..». وقيل: سميا ثقلين، لثقل وجوب رعاية حقوقهما. ثـم الذين وقع الحث عليهم منهم انما هم العارفون بكتاب اللّه وسنة رسوله، إذ هم الذين لايفارقون الكتاب الى الحوض . ويؤيده الخبر السابق: «ولا تعلموهم فانهم أعلم منكم». وتميزوا بذلك عن بـقية العلماء, لان اللّه أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا, وشرفهم بالكرامات الباهرة والمزايا الـمتكاثرة.. وقد مر بعضها.. وسيأتي الخبر الذي في قريش: «وتعلموا منهم فانهم أعلم منكم», إذا ثـبـت هـذا لـعموم قريش، فأهل البيت (ع) أولى منهم بذلك، لأنهم امتازوا عنهم بخصوصيات لايشاركهم فيها بقية قريش. وفـي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهّل منهم للتمسّـك به الى يوم القيامة، كما أن الكتاب العزيز كذلك..(36) ولهذا كانوا أمانا لاهل الارض ـ كما يأتي ـ ويشهد لذلك الخبر السابق: «في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ..». ثم أحق من يتمسك به منهم إمامهم وعالمهم علي بن أبي طالب (ع), لما قدمنا من مزيد علمه ودقائق مستنبطاته.. ومن ثم قال أبو بكر: علي عترة رسول اللّه (ص) أي الذي كان قد حثّ على التمسك بهم، فخصّه.. والـمـراد بـالـعيبة والكرش ـ فى الخبر السابق ـ انهما موضع سرّه وأمانته ومعادن نفائس معارفه وحضرته..(37).



jjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjj jjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjj jjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjjj
(1) الفيروزآبادي في الفضائل الخمسة 2: 43 ـ 56.
(2) المصدر نفسه 56 ـ 59.
(3) الكافي 1 / 190, والاية 41, النساء.
(4) بصائر الدرجات 83 / رقم 6.
(5) المصدر نفسه، 46 / رقم 12, والاية 32, فاطر.
(6) تفسير فرات: 258 / رقم 351. وعمرو بن عبيد هذا من زعماء المعتزلة، ومن العلماء الزهاد, وهو كثير التردد على أئمة أهل البيت (ع), وله منهم مواقف مشرفة . قال حفص بن غياث: ما وصف لي أحد الا وجدته دون الصفة الا عمرو بن عبيد, فوجدته فوق ما وصف لي .. قال: وما لقيت أحدا أزهد منه .مات سنة 142 (تهذيب التهذيب، 8: 70).
(7) بصائر الدرجات / 114 / رقم 3, والكافي / 1 / رقم 7.
(8) النحل: 43, والانبياء: 7.
(9) بـصـائر الدرجات رقم 19, والكافي 1: 295 / رقم 3, وشواهد التنزيل للحسكاني /334, والاية: 16, النحل.
(10) لان لـحـن الكلام ارشاد الى حكم العقل بوجوب رجوع الجاهل الى العالم أيا كان، اذا كان انما ينطق عن صدق وعن علم . ومن ثم استند رسول اللّه (ص) الى هذه الاية في قوله: (لا ينبغي للعالم أن يسكت على علمه، ولا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله).(الدر المنثور 4: 119).
(11) المصدر نفسه / 196 / رقم 9.
(12) المصدر نفسه / 196 / رقم 6.
(13) الكافي 1:222 / رقم 2.
(14) اخـتـيـار مـعرفة الرجال: الكشي: 4 / رقم 5, والكير: زق أو جلد غليظ ذو حافات ينفخ به الحداد.
(15) نهج البلاغة 1: 301 (صبحي الصالح), الخطبة القاصعة، رقم 192.
(16) فـي حديث طويل مع ابنته فاطمة الزهراء صلوات اللّه وسلامه عليها... رواه سليم في كتابه: 71.
(17) كتاب سليم: 106.
(18) ابن شهر آشوب في المناقب 2: 42, وتفسير الطبري 1: 10, ومستدرك الحاكم 2:223 ـ 224.
(19) توفي مختفيا عن الحجاج حدود سنة 90.
(20) كتاب سليم برواية أبان بن عياش البصري التابعي: 213 ـ 214.
(21) المولى الفتوني في مرآة الانوار: 15.
(22) أمـالي الطوسي 2: 219. واذ كنا نعرف أن السور المكية لا تعدو ستا وثمانين سورة،يعرف مدى سابقة تعلم ابن مسعود من علي (ع) في وقت مبكر جدا..
(23) تاريخ دمشق ـ ترجمة الامام 3: 25 ـ 26 / رقم 1409.
(24) المصدر نفسه: رقم 1051, وراجع سعد السعود لابن طاووس: 285, والبحار 89:105.
(25) أخرجه ابن عساكر أيضا. المصدر / رقم 1048.
(26) شواهد التنزيل 1: 105 / رقم 146.
(27)تاريخ دمشق ـ ترجمة الامام ـ 3: 45 ـ 46.
(28) شواهد التنزيل 1:23 / رقم 16.
(29) سعد السعود: 285.
(30) تاريخ دمشق ـ ترجمة الامام ـ 3: 51 / رقم 1086.
(31) التفسير والمفسرون للذهبي 1: 36.
(32) تاريخ دمشق ـ ترجمة الامام ـ 3: 49 / رقم 1081.
(33) المصدر نفسه 27 / رقم 1052.
(34) غاية النهاية 1: 546 / رقم 2234.
(35) راجع مقدمته في التفسير الذي عنونه باسم (مفاتيح الاسرار ومصابيح الابرار)مخطوط.
(36) في هذا التعبير وهذا التشبيه دقيقة لا تخفى على أهل الدقة والنظر.
(37) راجع: الصواعق المحرقة، الطبعة الاولى: 90.

دموع حيدرية
21-12-2010, 04:25 PM
شكراً لك اخي عمار

افادني موضوعك بقوة

جعله الله في ميزان حسناتك

تحياتي

حسون العراقي
21-12-2010, 09:00 PM
موضوع مفيد
جزاك الله خير الجزاء
وفقك الله لعمل الخير

عمارالطائي
25-12-2010, 10:56 PM
شكراً لك اخي عمار

افادني موضوعك بقوة

جعله الله في ميزان حسناتك

تحياتي
اشكر اطراءكم الفاضل

عمارالطائي
25-12-2010, 10:57 PM
موضوع مفيد

جزاك الله خير الجزاء

وفقك الله لعمل الخير

اشكركم الشكر الجزيل