المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الجزع على الإمام الحسين عليه السلام



kerbalaa
27-02-2011, 11:41 AM
الشريعة الإسلامية بالصبر على المصائب في نصوصها الشرعية ، القرآنية والروائيّة ، حتّى صار من الواضحات والمسلّمات ، وكان الرسول الكريم (ص) وأهل بيته الطاهرين (ع) قد ضربوا للنّاس أروع الأمثلة في الصبر ،





ونهى الإسلام عن ما خالف الصبر ، وهو حالة الجزع التي تُخرج الإنسان من حدِّ السيطرة على مشاعره وأحاسيس نفسه ، كمواصلة البكاء بلا انقطاع ، أو ضرب الجسد ، أو إيذائه بالإدماء ونحوه ، أو جزّ الشعر أو نتفه ، أو تمزيق الملابس ، أو إقامة المراثي على الفقيد وندبه ونعيه في كُلِّ عام ...

إلى غيرها من مظاهر تنبئ عن عدم الرضا بفقد الفقيد ، وأمّا البكاء المتوازن لفراق الفقيد الناشئ من الرحمة فهو أمر ممدوح ، ولا ريب فيه ، و"من لا يَرحم لا يُرحم"، فضلاً عن البكاء على الإمام الحسين (ع) الذي وردت فيه الروايات الكثيرة ، فيها الصحيح وغيره ، كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) ، قال : "كان علي بن الحسين (ع) يقول : أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي عليهما السلام دمعة حتّى تسيل على خدّه ؛ بوّأه الله بها في الجنَّة غُرفًا يسكنها أحقابًا ، وأيّما مؤمن دمعت عيناه حتّى تسيل على خدّه فينا لأذى مسّنا من عدونا في الدنيا ؛ بوّأه الله بها في الجنّة مبوأ صدق ، وأيّما مؤمن مسّه أذى فينا ، فدمعت عيناه حتّى تسيل على خدّه من مضاضة ما أوذي فينا ؛ صرف الله عن وجهه الأذى ، وآمنه يوم القيامة من سخطه والنّار". [كامل الزيارات ب32 ص98 ح1 رقم285].

وصحيحة الفُضيل بن يسار عن أبي عبد الله (ع) ، قال :"مَن ذُكرنا عنده ففاضت عيناه ولو مثل جناح الذباب ؛ غُفِرَ له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر". [كامل الزيارات ب32 ص101 ح9 رقم293].

إلاَّ أنَّ ذلك الجزع الممنوع في الشريعة له استثناء ، وهو ما كان في أبي عبد الله الحسين (ع) ، والدَّال على هذا الاستثناء هو الروايات الخاصّة ، فالواجب دراستها للوصول إلى النتيجة .

1 ـ معتبرة معاوية بن وهب في الأمالي : الحسن بن محمد الطوسي، عن أبيه، عن المفيد، عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي محمد الأنصاري، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد الله (ع) في حديث قال : "...كلُّ الجزع والبكاء مكروه ، سوى الجزع والبكاء على الحسين (ع) ". [أمالي الطوسي1: 162].

سند الرواية : حسن ؛ بناءً على مدح أبو محمّد الأنصاري ، فهو عبد الله بن إبراهيم الأنصاري ، حيث روى الكليني والصدوق رحمهما الله أنّه كان خيّرًا ، ويؤيّده رواية ابن محبوب عنه .

أمّا المتن : فالمراد من الكراهة المنع بمعنى الحرمة ، بقرينة عموم الروايات الناهية عن الجزع ، وليس المراد منه الكراهة الاصطلاحية عند الفقهاء ، والظاهر من قرينة عطف البكاء على الجزع أنّه عطف تفسير ؛ لأنّه منه ، وليس شيئًا مباينًا له ، فليس في الحديث الشريف إطلاقٌ ليشمل كلّ أشكال الجزع العرفية ، بل هو مخصوص بالبكاء ، لا أقل من الشكّ في الإطلاق .

2 ـ رواية مسمع بن عبد الملك : وعن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن علي بن محمد بن سالم، عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن حماد، عن الأصم، عن مسمع بن عبد الملك قال: قال لي أبو عبد الله (ع) ـ في حديث طويل قال فيه : ـ أما تذكر ما صنع به [ يعني بالحسين (ع) ]؟ قلت : بلى ، قال : أتجزع ؟ قلت : أي والله ، وأستعبر بذلك حتى يرى أهلي أثر ذلك علي، فأمتنع من الطعام حتى يستبين ذلك في وجهي، فقال : رحم الله دمعتك ، أمَا إنَّك من الذين يعدّون من أهل الجزع لنا ، والذين يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، أمَا إنَّك سترى عند موتك حضور آبائي لك، ووصيتهم ملك الموت بك، وما يلقونك به من البشارة أفضل ، ولَملَك الموت أرقُّ عليك، وأشدُّ رحمةً لك من الأم الشفيقة على ولدها ...

(إلى أن قال:) ما بكى أحدٌ رحمةً لنا ولما لقينا إلاَّ رحمه الله قبل أن تخرج الدمعة من عينه، فإذا سال دموعه على خدّه ، فلو أنَّ قطرةً من دموعه سقطت في جهنم لأطفأت حرَّها حتى لا يوجد لها حرٌّ، [وذكر حديثاً طويلاً يتضمن ثواباً جزيلاً، يقول فيه:] وما من عين بكت لنا إلا نَعِمَت بالنظر إلى الكوثر، وسُقيت منه مع مَن أحبَّنا...إلى آخر الرواية. [كامل الزيارات ب32 ص99 ح7 رقم291].

سند الرواية : أمّا علي بن محمد بن سالم فهو مجهول، ولا توثيق له .

وأمّا عبد الله بن حماد البصري فهو مثله في الجهالة، وعدم التوثيق.

وأمّا الأصمّ فهو عبد الله بن عبد الرحمان المسمعي البصري، قال عنه النجاشي رحمه الله : ضعيفٌ غالٍ ليس بشيء ، له كتاب المزار.

وبناءً عليه لا يمكن تصحيح سند الرواية .

وأمّا المتن : فدلالتها واضحة على رجحان البكاء على أبي عبد الله (ع) ، وإن وصل إلى حدِّ الجزع ، و لكن لا طريق لنا لتعميم ذلك إلى ما سوى البكاء من الشعائر.

3 ـ رواية علقمة الحضرمي : محمد بن الحسن، في (المصباح) عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عُقْبة عن أبيه، عن علقمة، عن أبي جعفر [يعني الإمام الباقر] (ع) في حديث زيارة الحسين (ع) يوم عاشوراء من قرب وبعد ـ قال : "ثم ليندب الحسين (ع) ويبكيه، ويأمر مَن في داره ممن لا يتقيه بالبكاء عليه، ويقيم في داره المصيبة باظهار الجزع عليه، وليعزّ بعضهم بعضًا بمصابهم بالحسين (ع) ، وأنا ضامن لهم إذا فعلوا ذلك على الله عزَّ وجلَّ جميع ذلك [يعني ثواب ألفي حجّة، وألفي عمرة، وألفي غزوة]، قلتُ: أنت الضامن لهم ذلك والزعيم؟ قال (ع) : أنا الضامن والزعيم لمن فعل ذلك، قلتُ: وكيف يعزّي بعضُنا بعضًا؟ قال (ع) : تقول "عظم الله أجورنا بمصابنا بالحسين [عليه السلام]، وجعلنا وإياكم من الطالبين بثأره مع وليه والإمام المهدي من آل محمد"، وإن استطعت أن لا تُنشر يومك في حاجة فافعل".[ مصباح المتهجد ص913].

سند الرواية : صالح بن عقبة لا توثيق له .

وأمّا أبوه عُقْبة فهو ابن خالد الأسدي الكوفي، له كتاب، روى الكشّي رحمه الله في مدحه روايتين .

وأمّا عَلْقمة فهو ابن محمد الحضرمي الكوفي، لم يرد في حقّه توثيق .

وبناءً عليه لا يمكن تصحيح سند الرواية .

وأمّا المتن : فهي في الدلالة كما سبق من الروايتين، وتزيد عنهما بالتفرّغ للبكاء يوم عاشوراء ، وهو يوم المصيبة بالحسين (ع) ، لما في ذلك من الاهتمام بقضيّتهم وأمرهم ، وذلك ما يوجب مضاعفة الأجر والثواب.

4 ـ رواية علي بن أبي حمزة البطائني : أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أبي عبد الله الجاموراني، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي عبد الله (ع) قال : سمعته يقول : "إنَّ البكاء والجزع مكروه للعبد في كل ما جزع، ما خلا البكاء على الحسين بن علي عليهما السلام ، فإنَّه فيه مأجور". [كامل الزيارات ب32 ص98 ح2 رقم286].

سند الرواية : الجاموراني هو محمد بن أحمد الرازي ؛ ضعَّفه القميّون ، واستثنوا من كتاب نوادر الحكمة ما رواه ، وفي مذهبه ارتفاع على حدِّ تعبير ابن الغضائري .

وأمّا الحسن فله أكثر من 49 رواية في الكتب الأربعة ، رماه الكشي رحمه الله بالكذب ، وروى عن ابن فضّال فيه قوله :كذّاب ملعون ، لا استحلّ أن أروي عنه حديثًا واحدًا ، وقال عنه ابن الغضائري : واقف بن واقف، ضعيف في نفسه ، وأبوه أوثق منه.

وأمّا أبوه فهو أحد أعمدة الواقفية ، لا يمكن أن يوثَق برواياته إلاَّ ما رواها أمثال المشايخ الثلاثة (ابن أبي عمير وصفوان والبزنطي) وهم الأجلاء كعبد الله ابن المغيرة أو الحسين بن سعيد وغيرهما من نُقَّاد الحديث وأهل الخُبرة فيه ، للاطمئنان بأنّها كانت قبل وقفه وهي ثمانية عشرة سنة ، وليست بعده، حيث هلك بعد وقفه بسنتين ، روى الكشي عن العياشي عن ابن فضّال : علي بن أبي حمزة كذّاب متّهم .

وبناءً عليه لا يمكن تصحيح سند الرواية .

وأمَّا المتن فهي تدلُّ على أجر الجزع على الإمام الحسين (ع)، وليس فيها تعميم لغير حالة البكاء، فالرواية تدلُّ على أجر الباكي، وإن ظهر ببكائه الجزع، كأن يبكي كلَّ عامٍ، أو كلَّ شهر، أو كلَّ جمعة، أو كلَّ يومٍ، بل ولو بكاه كلَّ صباحٍ ومساء، أو فقد وعيه لكثرة بكائه، فإنّه يؤجر بحسب الرواية .

5 ـ مرفوعة محمّد البحراني في الخصال : عن محمد بن الحسن، عن الصفار، عن العباس بن معروف، عن محمد بن سهل البحراني، يرفعه إلى أبي عبد الله (ع) قال: "البكاؤون خمسة : آدم، ويعقوب، ويوسف عليهم السلام، وفاطمة بنت محمّد (ص) ، وعلي بن الحسين (ع) ، فأمّا آدم (ع) فبكى على الجنّة حتى صار في خديه أمثال الأودية، وأمّا يعقوب (ع) فبكى على يوسف (ع) حتى ذهب بصره، وحتى قيل له : "تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضًا أو تكون من الهالكين"، وأمّا يوسف (ع) فبكى على يعقوب (ع) حتى تأذى به أهل السجن، فقالوا: إمّا أن تبكي الليل وتسكت بالنهار، وإمّا أن تبكي النهار وتسكت بالليل، فصالحهم على واحد منهما، وأمّا فاطمة عليها السلام فبكت على رسول الله (ص) حتى تأذّى بها أهل المدينة، فقالوا لها: قد آذيتنا بكثرة بكائك، وكانت تخرج إلى المقابر ـ مقابر الشهداء ـ فتبكي حتى تقضي حاجتها ثم تنصرف، وأمّا علي بن الحسين (ع) فبكى على الحسين (ع) عشرين سنة أو أربعين سنة، ما وضع بين يديه طعام إلاّ بكى، حتى قال له مولى له: جُعلت فداك، إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين، قال: «إنما أشكو بثي وحزني إلى الله، وأعلم من الله مالا تعلمون» إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني لذلك عبرة". [الخصال: ص272].

وفي الأمالي : عن الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن العبّاس بن معروف، مثله. [أمالي الصدوق 121/5].

سند الرواية في الخصال : محمد بن سهل البحراني من المجاهيل، ناهيك عن رفع الرواية، فلا يمكن تصحيح سندها.

وأمّا ما في الأمالي : فالحسين بن أحمد بن إدريس من مشايخ الشيخ الصدوق (ره) ترضّى عليه كثيرًا.

وأمّا أبوه أحمد بن إدريس الأشعري القمّي فهو من الثقاة الفقهاء الأجلّة .

وأمّا أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري القمّي فهو كذلك في الوثاقة والفقاهة والجلالة، بل كان شيخ القميّين من غير مدافع ، أدرك الإمامين أبي جعفر الثاني وأبي الحسن الثالث عليهما السلام ، وعُدَّ من رجالهما.

وأمّا أبو الفضل العبّاس بن معروف القمّي له كتاب الآداب وآخر في النوادر، فهو ثقة أيضًا، أدرك الإمام أبي جعفر الثاني (ع) وروى عنه، فكلّلهم ثقاة .

ولكن مع ذلك لا يمكن تصحيح سند الرواية؛ لأنَّ العبّاس من رجال الإمامين أبي الحسن الثاني وأبي جعفر الثاني عليهما السلام ، ولم يرو عن أبي الحسن الأوّل (ع) ، فهو لم يرو عن أبي عبد الله (ع) جزمًا، وعليه فإمّا أن يكون رواها عن محمد بن سهل البحراني، فهي مرفوعة، أو أنَّه قد أرسلها، والأوّل أظهر، وعلى أيِّ تقدير لا يمكن تصحيحها.

وأمّا المتن : فالاعتماد عليه مشكل، من حيث أنَّ بكاء أولياء الله عليهم السلام كان للرسالة، ولم يكن مجرّد عاطفة محضة، أو لفقد شيءٍ لا يتّصل برسالة السماء، هذا أوّلاً.

ثانيًا: قوله "وأمّا علي بن الحسين (ع) فبكى على الحسين (ع) عشرين سنة أو أربعين سنة"، غريب ؛ لأنَّ الترديد إن كان من الراوي فهو من الإعلال في المتن ، وإن كان من الإمام فهو في غاية الغرابة ؛ لأنَّه من المسلَّم به، والمعروف أنَّ الإمام زين العابدين عاش بعد أبيه عليهما السلام أربعًا وثلاثين عامًا ، ولا محلَّ للعشرين أو الأربعين.

وثالثًا: هي خاصّة بالبكاء دون غيره من الشعائر، فهي في سياق الروايات السابقة.

6ـ محمد بن الحسن في التهذيب بإسناده عن أحمد بن محمد بن داوود القمّي في نوادره، عن محمد بن عيسى، عن أخيه جعفر بن عيسى، عن خالد بن سُدير أخي حنّان بن سُدير قال: "سألت أبا عبد الله (ع) عن رجلٍ شقَّ ثوبه على أبيه أو على أمّه أو على أخيه أو على قريبٍ له؟ فقال (ع) : لا بأس بشقِّ الجيوب، قد شقَّ موسى بن عمران على أخيه هارون، [إلى أن قال]، ولقد شققن الجيوب، ولطمن الخدود الفاطمياتُ على الحسين بن علي عليهما السلام ، وعلى مثله تُلطم الخدود، وتُشقُّ الجيوب".[التهذيب ج8 ص325 ح1207، والوسائل، كتاب الكفارات، ب31 كفارة شقِّ الثوب على الميِّت وخدش المرأة وجهها وجزّ شعرها ونتفه في المصاب، ح1 رقم28894].

سند الرواية : قال الشهيد في المسالك :" في طريق الرواية ضعف؛ فإنَّ خالد بن سُدير غير موثَّق، وقال الصدوق رحمه الله : إنَّ كتابه موضوع، وفي طريقه أيضًا محمد بن عيسى، وهو ضعيف" [مسالك الإفهام ج10 ص27، وانظر فهرست الطوسي ص66 رقم259].

وأمّا أحمد بن محمد بن داوود القمّي فلم يرد في حقّه توثيق .

ومحمّد بن عيسى هو ابن عبيد بن يقطين ثقة جليل، وتضعيف الشهيد رحمه الله له ناظر إلى كلام الشيخ الطوسي في الفهرست :"ضعيف، استثناه أبو جعفر محمّد بن علي بن بابويه من رجال نوادر الحكمة، وقال: لا أروي ما يختصّ برواياته، وقيل : إنّه كان يذهب مذهب الغلاة، له كُتب"، وذكره أيضًا في رجال الرضا والهادي والعسكري عليهم السلام ومن لم يرو عنهم، وقال : "ضعيف". هذا ، والظاهر أنَّ تضعيف الشيخ مبنيٌ على استثناء الصدوق وابن الوليد رحمهما الله إياه من رجال نوادر الحكمة، وأنّهما استثنيا خصوص رواياته عن يونس، ولم يضعّفا ابن عيسى في نفسه .

وأمّا أخوه جعفر فهو ممدوح .

وأمّا خالد بن سدير فهو ابن حكيم بن صهيب الصيرفي ، لم يرد في حقّه توثيق.

وبناءً عليه لا يمكن تصحيح الرواية .

ولضعف سندها لم يعتمد عليها الفقهاء المتأخّرون .

وأمّا المتن : فقد أفاد السيد الكلبايكاني رحمه الله في بحثه بأنَّه :"من المستبعد اختصاص الجواز بمصيبة مولانا الحسين صلوات الله عليه ، فإنَّه إذا كانا [يعني الشقّ واللطم] محرّمين في الإسلام لم يرتكبن ذلك ولو كانا جائزين على الحسين ؛ لاشمئزاز النفوس من ذلك، ولكن هذه الرواية ضعيفة السند غير منجبرة بعمل الأصحاب". [كتاب الطهارة ج1 ص219].

وتعقيبًا على ذلك يمكن القول: بأنَّ الإمام الحسين (ع) قد أوصى أخته العقيلة زينب عليها السلام في كربلاء قائلاً : "يا أختاه، إنِّي أقسمتُ عليكِ فأبرّي قَسَمي، لا تشُقّي عليَّ جيبًا، ولا تخمشي عليَّ وجهًا، ولا تدعي عليَّ بالويل والثبور، إذا أنا هلكتُ".[تاريخ الطبري ج4 ص318 والكامل في التاريخ ج4 ص59 والإرشاد للمفيد ص232].

فمن غرائب الأقوال: ما ادّعاه بعض الفضلاء المعاصرين حفظه الله من "أنّه نهيٌ خاصٌّ بالعقيلة زينب عليها السلام"، حيث لا قرينة على ذلك، ولا دليل على اختصاص بعض المكلّفين من الأمّة ببعض الأحكام غير نبي الإسلام الرسول الأكرم محمّد (ص) في موارد خاصّة خرجت بالدليل القطعي ، وما ادّعاه أيضًا بأنّه :"بعد مصرعه فقط" لا أكاد أصدّق أنّه صدر من مثله ، إذ من الواضح أنّه لو احتمل ذلك فلن يكون قبل مصرعه، فلا معنى لتقييده به ، وما أحسبه صار إلى مثل هذا التخريج إلاَّ من ضيق الخناق واختلال الميزان في التعامل مع روايات الشعائر الحسينيّة بالتمسّك بكلِّ ما روي والتكلّف في تخريجاته، مع أنّنا نعتقد بأنَّ الشعائر الحسينية عبادة ، والعبادة تتوقف على إذن الشارع، وليست من الممارسات العرفية التي تركها الشارع للعرف ليأتي بها كيفما حلَت له وأنس بها، و"قليلٌ من الحقّ يغني عن كثيرٍ من الباطل".

فتحصّل من عرض الروايات : أنّها بالجملة تدعو إلى البكاء على أبي عبد الله الحسين (ع) ، بكاءً متواصلاً، لا انقطاع له ولا انتهاء، وإن وصل إلى حدّ الجزع وخروج الباكي عن الحالة المألوفة، فهو مستثنى من الجزع المحرَّم في الشريعة، ولكن ليس فيها إطلاق لتشمل كلَّ عمل أو ممارسة أخرى غير البكاء، ولعلّه لأنَّ البكاء هو الشعيرة الوحيدة التي يمكن أن نتصوَّر فيها الجزع ، وأمّا ما سائر الشعائر الحسينية المنصوصة وهي : عقد المجالس والرثاء وإطعام الطعام والزيارة ؛ فلا يتحقّق فيها الجزع من أساس، لأنّها على نهج القضية السالبة بانتفاء موضوعها، وما سوى البكاء من لطم الخدّ أو شقّ الجيب أو جزّ الشعر أو نتفه وأشباهها فضلاً عن غيرها ممّا هو داخل في جملة مصاديق الإضرار بالنفس أو التصرّف في الجسد بغير وجه عقلائي فلم يرد بها نصٌّ معتمد .

وعودًا على بدء ، ولنؤكّد على موقع البكاء على الإمام الحسين وأهميّته ، ونحن في خضمّ مسيرات البكاء المليونية في كلِّ عام كالسيل الهادر ومن كلِّ أطياف مجتمعاتنا وإلى انتهاء الدنيا؛ نختم بروايتين رواهما الصدوق رحمه الله عن الإمام الرضا (ع) ، وننقل منهما موضع الحاجة؛ إحداهما: في أماليه، وهي معتبرة إبراهيم بن أبي محمود: "...إنَّ يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذلَّ عزيزنا بأرض كربٍ وبلاء، وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء، فعلى مثل الحسين فليبكِ الباكون، فإنَّ البكاء عليه يحطُّ الذنوب العظام...".[أمالي الصدوق: مجلس رقم 27 ح2].

والأخرى: في أماليه أيضًا والعيون، وهي معتبرة الريان بن شبيب: "يا ابن شبيب، إن كنتَ باكيًا لشيءٍ فابكِ للحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ...

ولقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله ... يا ابن شبيب ، إن بكيتَ على الحسين حتّى تكون دموعك على خدَّيك ؛ غفر الله لك كلَّ ذنبٍ أذنبته ...

يا ابن شبيب ، إن سرَّك أن تكون معنا في الدرجات العلى من الجنان، فاحزن لحزننا، وافرح لفرحنا، وعليك بولايتنا، فلو أنَّ رجلاً تولّى حجرًا لحشره الله معه يوم القيامة".[ أمالي الصدوق: مجلس رقم 27 ح5، وعيون أخبار الرضا عليه السلام ج1 ص299].

اللهمَّ إنَّا نبرأ إليك ممَّن قاتل الحسين وممَّن رضي بقتاله إلى يوم الدِّين

وصلوات الله على الحسين وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنّهار

والحمد لله ربِّ العالمين
منقول عن الشيخ صالح ال شهاب