المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : افاضات معنوية لليلة القدر



kerbalaa
10-09-2009, 03:48 PM
البعد المعنوي لليل :
الليل ظاهرة كونية نتعاطى معها بمستوى مادي بحت بحسب ما نشاهده أو تثبته الدراسات العلمية الحديثة من تعاقب الليل والنهار وتأثيره على ما حوله من موجودات في إطار محدود، لكن الليل كمصطلح قرآني يحمل بُعداً معنوياً عميقاً، له خصائص تكوينية ـأي جزء من تكوين الليل ـ لها آثار غير محسوسة على الموجودات، ولكون هذا بحث متشعب، يحتاج إلى موضوع مستقل سوف نأخذ بعض الخصائص التكوينية لليل في الجانب العبودي من خلال الرؤية القرآنية، مع التأكيد على أنّ الإسلام في توجيه الإنسان نحو السلوك المعنوي لدرجات الكمال طرح برنامجاً عبادياً في وقت الليل، كالاهتمام بصلاة الليل وليلة القدر وليلة النصف من شعبان وإحياء ليالي خاصة من السنة مثل ليلة العيد أو ليلة عرفة، وهذا يستوقفنا أكثر لاستيعاب هذا البعد الخاص من الليل، بل نجد آيات القرآن تربط بين العبادة المخصوصة وزمان وقوعها في الليل، قال تعالى: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} ، {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} ، فإذن يوجد سِرٌ في ربط هذا النحو من العبادات المؤثرة معنوياً بهذا المقطع الزمني، وهذا السر أبانه القرآن، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا} ، فالآية توضح أن الله خلق الليل بما هو ساتر بالظلمة ليكون سكنى وراحة لبدن الإنسان الذي أتعبه وأضناه العمل والنشاط في النهار، فيستريح الجسد، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا} ، فالليل لكونه ساتراً على الإنسان بالظلمة فهو لباس وسكن لجسده ونفسه، وهذه الخصوصية يثبتها العلم الحديث، إذ أنّ الليل بسكونه وهدوئه يؤثر على الخلايا العصبية ونفس الإنسان، إلا أنّ الدراسات العلمية لا تتعدى هذا التأثير المحدود لليل، بينما القرآن يفتح أفاق أوسع، فيبين أنّ الليل سكن، ليس لكون ستره بالظلمة مختصاً بالتأثير على البدن ونفس الإنسان، بل إنّ سكون أعضاء الإنسان وراحتها من التعب يحفز الجانب المعنوي للإنسان، ويؤثر تدريجياً على الروح فيخلق فيها استعداداً أكثر نحو التوجه المعنوي، قال تعالى: {فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} ، فالسكون في اللغة هو الثبوت بعد التحرك، والآية عبرت عن السكن بالنكرة التي تفيد العموم لكل ما يحقق الاستقرار والراحة والطمأنينة سواء للجسد أو الروح، فالليل سكن لجسد الإنسان مما يضنيه من عمل في النهار، وأيضاً سكن لروح الإنسان التي أراحتها ظلمة الليل فولّدت فيها النشاط الروحي، وهذا التأثير المعنوي لليل أوضحه القرآن، قال تعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطًْأً وَأَقْوَمُ قِيلًا} ، ناشئة في اللغة كما ذكر الراغب من الإنشاء وهو إيجاد الشيء وتربيته، فما يُوجده ويُنشؤوه الإنسان في الليل من أمور معينة تؤثر معنوياً على روح الإنسان وتربيته ورفعته بمستوى قوة العبادة التي يمارسها وضعفها، ويدل على هذا المعنى الروايات التي فسرت ناشئة الليل، ورد عن الإمام الصادق  أنها {القيام في آخر الليل} ، والظاهر من الآية، {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطًْأً وَأَقْوَمُ قِيلًا} الإشارة إلى أنّ قيام الليل له تأثير في ترسيخ قدم الإنسان في الجانب العقدي، {أَشَدُّ وَطًْأً}، وأيضاً تُقوّم أو تقوم بسلوك الإنسان وأقواله، فتؤثر في الجانب السلوكي، {وَأَقْوَمُ قِيلًا}، قال تعالى: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ } .
خصائص ليلة القدر.
إذا توصلنا أنّ الليل له ميزات خاصة به في التأثير المعنوي، فإنّ هذا التأثير يزداد ويتضاعف إذا اجتمعت تلك الخصائص في ليلة واحدة مع ميزات أعظم، ذكرها القرآن لليلة القدر، التي شأنها ومنزلتها في مسماها فقدرُها عظيم وشأنها كبير، وأراد القرآن أن يُعرِّف بخصائص هذه الليلة، فأنزل سورة كاملة، قصيرة في كلماتها بعيدة الغور في عمق معانيها، سوف أقف على شاطئها، إن وفقني الله للتعرف على بعض ميزات هذه الليلة، لتتبين عظمتها من خلال سورة القدر في محاور خمسة:
الأول: ليلة نزول القرآن.
قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} ، جاءت الآية للتعبير عن إنزال القرآن بضمير الغيبة، وهو أعرف المعارف، فالقرآن معروف لا يحتاج أن يذكر باسم ظاهرـ القرآن ـ مع وجود ما هو أعرف منه، فالتعبير بضمير الغيبة يُعبر عن عظمة ما يعود عليه الضمير وهو القرآن، قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، فبدأت الآية بالضمير لكونه أعرف من لفظ الجلالة وأوضح في الدلالة عليه، فالكتاب الإلهي الذي يحمل الهداية للبشرية نزل في ليلة القدر، {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} ، فهداية القرآن تؤثر في الظرف الزماني الذي وقعت فيه، وهو ليلة القدر وشهر رمضان، فالممارسة العبادية في ليلة القدر لها تأثير في هداية الإنسان.
الثاني: عظمة ليلة القدر.
قال تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} ، الله يخاطب الناس كلهم من خلال خطابه للنبي  بأنّ عظمة هذه الليلة لا يدركها إنسان، إما لأنّ قدرها وشأنها أكبر من أن تسعه طاقات البشرية أو أنهم لم يستعدوا روحياً فيتأهلوا لتلقي الإفاضات المعنوية لتلك الليلة.
الثالث: أفضليتها على ألف شهر.
قال تعالى:{لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} ، ميزة هذه الليلة أفضل من عبادة الإنسان لأكثر من ثمانين سنة، فهي تفترض عمر الإنسان في الحياة في هذه الفترة الزمنية على أحسن التقادير باعتبار أنّ الإنسان في عبوديته لله تعالى يمر بمراحل متعددة من الجهد والمشاق الكثيرة حتى يُحقق الوصول إلى الكمال، وقد أبدل الله تعالى هذه المراحل بليلة واحدة، اختصرت تلك المراتب الكمالية التي لا يصلها خلال أكثر من ثمانين سنة من العبادة، وهذا تحفيز لاستثمار تلك الليلة والعمل فيها بما يرضي الله تعالى للوصول إلى مبتغاه وغايته المنشودة، بل إنّ الآية تعتبر ليلة القدر أفضل من عبادة الألف شهر، وليس مساوية لها.
الرابع: نزول الملائكة.
قال تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} ، الملائكة في ليلة القدر في تنزل دائم إلى الأرض ومعها الروح وهو أعظم من الملائكة، سئل الإمام الصادق  عن قوله تعالى:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} ، فقال :{ خلقٌ أعظمُ من جبرائيل وميكائيل كان مع رسول الله  ومع الأئمة وهو من الملكوت} ، ونزول الملائكة والروح إما ليسمعوا ثناء الداعين على الله تعالى وقراءة القرآن وغيرهما من الأذكار أو أنهم ينزلون على إمام الزمان  ويعرضون عليه ما يُقدّر على كل أحد ويسلمون على كل قائم ومصلٍ وذاكر ويصافحونهم أو يكون تنزلهم لكتابة ما يكون من أمر السنة من خير وبركة، وهذا النزول الملائكي بكل ما له شأن وأمر بإذن الله، لكون الربوبية والتدبير للعالم من شؤونه تعالى، {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} .
الخامس: ليلة السلام. قال تعالى: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} ، من ميزات ليلة القدر أنها سلامة من الشرور والبلايا وآفات الشيطان، فالسلامة فيها عامة لكون كلمة سلام نكرة، فتفيد العموم لكل ما فيه سلامة، بل إنّ تقديم الخبر في الآية وهو سلام {سَلَامٌ هِيَ} يفيد حصر ما يحدث فيها بالسلامة لكونه نفعاً وخيراً، وقد تكون كلمة سلام تشير إلى تسليم الملائكة على بعضها أو على المؤمنين أو أنها تأتي إلى النبي  أو المعصوم للسلام عليه، فهذا النحو من السلامة بأي معنى يمتد إلى طلوع الفجر، وهذا أدعى للحث على الاستفادة من كل أوقات هذه الليلة فيما يُقرب إلى الله تعالى من الطاعات والتحذر من الوقوع في المعاصي، لتكون ليلة سلام من كل سوء وشر، كما أنّ ليلة القدر فرصة تجمع المسلمين على السلام والمحبة والإخاء ودعوة لأن تكون ليلة سلام عالمية على كل الأصعدة، لتعيش البشرية في ليلة القدر روح الارتباط الأخوي، الذي صنف الإمام أمير المؤمنين الناس في كلمته الرائعة، {إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق} ، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وجميع المؤمنين لنيل تلك البركات ويجعلنا من أهل ليلة القدر.

منقول ((الشيخ حبيب الحمد))

الهادي
11-09-2009, 11:26 AM
بسمه تعالى
احسنتم اخي الموفق كربلاء افدتم بما اجدتم في هذ الموضوع المميز حقيقتاً وهذه القضايا المعنويه
التي ترفع النفس الانسانيه الى الكمال الذي يريد الله تعالى ان نصل اليه لكن ومع كل الاسف رغم هذه القضايا فالانسان لايراها وان رائها لايهتم بها وان اهتم بها لايعطيها حقها فاسئل الله ان يرزقنا واياكم من كل علم رزق به محمد واله محمد ويجنبنا من كل شر دفعه عن محمد واله الطاهرين .

كربلاء المقدسة
11-09-2009, 11:51 AM
اللهم صل على محمد وال محمد بالغنا واياكم هذه اليالي العظيمه المباركه والتي يفتح بها ابو الرحمه تقبل الله طاعاتكم وصيامكم وعظم الله اجوركم