المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التقوى..



مرج البحرين
27-05-2011, 02:52 PM
التقوى


عن الإمام الصادق عليه السلام: "كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: نبه بالتفكر قلبك، وجافِ عن الليل جنبك، واتّقِ الله ربك"1.


معنى التقوى
التقوى في اللغة من الوقاية. والمقصود منها في الأحاديث "وقاية النفس من عصيان أوامر الله ونواهيه وما يمنع رضاه"، فهي ليست مجرد حفظ النفس عن الأمور التي نعلم أنها معصية، بل هي حفظ النفس حفظاً تاماً عن الوقوع في المحظورات بترك الشبهات.

وقد ورد في الروايات:"من أخذ بالشبهات وقع في المحرمات وهلك من حيث لا يعلم"2، "فمن رتع حول الحِمى أوشك أن يقع فيه"3.

التقوى ومراتب الكمال
إن التقوى ليست هي مقاماً من مقامات الكمال، وإنما هي وسيلة لبلوغ تلك المقامات، ولا يمكن بلوغ أي مقام بدونها.

فالنفس ما دامت ملوثة بالمحرمات، لا تكون داخلة في الإنسانية ولا سالكة في طريقها.

وما دامت تميل إلى الشهوات وتستطيب حلاوتها، لن تصل إلى أول مقامات الكمال الإنساني.

وما دام حب الدنيا والتعلق بها في القلب، فلا يمكن أن يصل إلى مقام المتوسطين والزاهدين.

وما دام حب الذات باقياً في دخيلة نفسه، لن ينال مقام المخلصين والمحبين.

وما دام لم يصل إلى مرحلة "ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله فيه ومعه وقبله وبعده" ولا زالت الكثرة الملكية والملكوتية ظاهرة في قلبه، لن يصل إلى مقام المنجذبين، وهكذا إلى المقامات الأعلى والأشمخ...

فتقوى العامة إذاً تكون من المحرمات، وتقوى الخاصة من المشتهيات، وتقوى الزاهدين من حب الدنيا، وتقوى المخلصين من حب الذات، وتقوى المنجذبين من الالتفات لغير الله...

وهذه المراتب لها تفاصيل لن ينال منها أمثالنا سوى الحيرة والضياع في المصطلحات، والبقاء في حجب المفاهيم. فالمهم بالنسبة لنا التركيز على تقوى العامة.

مرض النفس
إن للنفس الإنسانية صحةً ومرضاً، وعلاجاً ومعالجاً، كما كان للجسد صحته ومرضه، وعلاجه ومعالجه.

إن صحة النفس وسلامتها هي الاعتدال في طريق الإنسانية، ومرضها هو الإعوجاج والإنحراف عن هذه الطريق.

وهذه الأمراض النفسية أشد فتكاً من الأمراض الجسدية آلاف المرات. فإن نهاية ما يمكن أن يصل إليه مرض البدن هو الموت، فإذا مات وفارقت الروح البدن، زالت جميع الأمراض البدنية ولا يبقى أثر للآلام والأسقام.

وأما الأمراض النفسية، فإنه ما إن تفارق الروح البدن حتى تظهر آلامها وأسقامها.

إن هذه الأمراض تحتل روح الإنسان ونفسه في الدنيا، ولكن لا يشعر بها بسبب تعلقه بالدنيا وتوجهه إليها، فإن التعلق بالدنيا هو أشبه بالمخدر الذي يمنع من الشعور بالمرض رغم استفحاله وانتشاره. فعندما يزول ارتباط الروح بدنيا البدن يرجع الشعور ويبدأ الإحساس بالآلام والأسقام.

وهذه الأمراض يمكن أن تكون غير قابلة للشفاء، فتلازم الروح أبداً. وإن كانت قابلة للشفاء، فإن شفاءها سيحتاج لآلاف السنين من العذاب والعناء والإحتراق بالنار، فإن آخر الدواء الكيّ: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾(التوبة:35).

دور التقوى عند العامة
إن الأنبياء هم بمنزلة الأطباء المشفقين الذين جاؤوا بكل لطف ومحبة لمعالجة المرض بأنواع العلاج المناسب لحالتهم.

والأعمال الروحية القلبية والظاهرية البدنية، هي بمثابة الدواء للمرض.

والتقوى في كل مرتبة من مراتبها هي بمثابة الوقاية من الأمور المضرة التي تفاقم الأمراض. ومن دون الحميّة لا يمكن أن ينفع العلاج.

في الأمراض الجسدية قد يستطيع الدواء والطبيعة التغلب على المرض مع عدم الحمية جزئياً، لأن طبيعة الإنسان تحارب الأمراض الجسمية وتحفظ الصحة وتداوي الأمراض.

لكن في الأمراض النفسية الموضوع يختلف، لأن النفس تتوجه إلى الأمراض النفسية وتستقبلها بدل مواجهتها ومحاربتها، فهي تتوجه نحو الفساد والإنتكاس: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾(يوسف:53).

فمن يتهاون في الحمية تصرعه الأمراض، وتجد ثغرات للنفوذ إليه حتى تقضي على صحته قضاءً تاماً.

إن وسيلة الخلاص من العذاب، والطريق الوحيد إلى المقامات والمدارج الإنسانية والصحة، تنحصر في أمرين:

الأول: الإتيان بما يصلح النفس ويجعلها سليمة. وفعل الواجبات يعتبر من أفضل الأمور المصلحة، ومقدم على كل هدف، وله أكبر الأثر. ولهذا أوجبها الله سبحانه وتعالى.

الثاني: الامتناع عن كل ما يضرها ويؤلمها، وضرر المحرمات هو أشد الضرر.

أهل السلوك يعتبرون الأمر الثاني(التقوى من المحرمات) مقدم على الأمر الأول، حيث يظهر من الأخبار الإهتمام الخاص بهذا الأمر والتركيز عليه.

فعليك أن تطلب من القادر ذي الجلال، من الله المتعال جل جلاله، مع التضرع والبكاء والإلتماس كي يوفقك في هذه المرحلة ويعينك في الحصول على خصلة التقوى.

واعلم أن بدايات الأمر صعبة وشاقة، ولكن بعد فترة من الاستمرار والمثابرة تتحول المشقة إلى راحة، والعسر إلى يسر، بل تتبدل إلى لذة روحية. لذة لا ترضى باستبدالها بحميع اللذائذ.

التقوى في المراتب الأعلى
المرتبة الثانية: بعد المواظبة الشديدة والتقوى التامة في المرتبة الأولي يمكن - إن شاء الله تعالى - أن تنتقل من هذا المقام إلى مقام تقوى الخاصة. وهي التقوى التي تتلذذ الروح بها، لذة روحية إذا تذوقتها فلن تقيم وزناً للذات الجسدية الزائلة، بل تنفر منها.

المرتبة الثالثة: وتنظر في باطنك فتجد أن كل لذة من لذات هذا العالم قد أوجدت في النفس أثراً وأبقت في القلوب لطخة سوداء تبعث على شدة الأنس بهذه الدنيا والتعلق بها. وهذه نفسها هي سبب الإخلاد إلى الأرض، وعند سكرات الموت تتبدل إلى صعوبة ومشقة ومعاناة. فإذا أدرك الإنسان هذا الأمر سقطت لذات العالم من عينه كلياً ونفر من الدنيا وما فيها من مباهج وزخارف. وهذا هو التقدم إلى المقام الثالث من التقوى.

المرتبة الرابعة: بعد المرتبة الثالثة يصبح سبيل السلوك إلى الله سهلاً ميسوراً، وطريق الإنسانية نيّراً واسعاً، وتصبح خطوته شيئاً فشيئاً خطوة الحق، ويتهرب من النفس وآثارها، إذ يجد في ذاته عشقاً للحق، فلا يعود يقنع بوعود الجنة والحور العين والقصور، بل يكون مطلوبه ومقصوده أمراً آخر، وينفر من الأنانية وحب الذات. فيتقي حب الذات ويتقي الأنانية. وهذا أول مراتب هبوب نسيم الولاية، فيصبح موضع عناية ألطاف الله تعالى الخاصة.

أما ما يحدث للسالك بعد ذلك فخارج عن قدرة القلم.

الزائر
27-05-2011, 03:36 PM
شكراً لكي على هذا المجهود في ميزان حسناتكِ انشاء الله

عطر الولايه
27-05-2011, 05:07 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد الابرار الاخيار
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حفظكم الله وسددكم وأنار دربكم بنور الإيمان
شكرا لجهودكم وعطاؤكم الوفير

المفيد
28-05-2011, 03:46 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
ولله الحمد والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


الأخت القديرة مرج البحرين..
جعلك الله من المتقين والسائرين على نهج أهل البيت عليهم السلام..
ولمزيد من الفائدة ودعماً للموضوع أضع بين أياديكم الكريمة مشاركة سابقة بهذا المضمون علّها تسهم برفد موضوعكم الكريم..




بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ))
التقوى: من الوقاية وهي حفظ الشئ من الآفات، والتقوى بمعنى حفظ الروح والنفس مما يخشى مضرته، وفي الشرع تطلق على التحفظ من المعاصي، وكمال التقوى ترك بعض المباحات..
انّ هذه الدنيا خلقت ووجدت فيها الكثير من العقبات والابتلاءات ((لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ))، فيجب على المؤمن أن يتخطاها ويتجاوزها ليكون من المتقين الذين خاطبهم الباري عزّ وجل في كتابه الكريم ((إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ))، واعلم أخي المؤمن أختي المؤمنة ان التقوى هي الخطوة الأولى للرقي في سلم الكمالات المنشودة، فلولاها لما وضع المؤمن قدمه على هذا السلّم..
ومن هنا كان لزاماً على المؤمن أن يبدأ بنفسه فيجنبها ماقد يكون سبباً في إنغماسه باللهو واللعب غافلاً عن طاعة الله عزّ وجلّ، فالنفس لو تركت على هواها لركنت الى الشهوات والمعاصي وازدادت انجذاباً لها، فالنفس أمارة بالسوء يدفعها الى تلك المهالك الشيطان الرجيم الذي توعد بالانسان أن يقعد له الصراط المستقيم ((لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ))..
أما إذا كان الانسان متوقياً ومبتعداً عن إرتكاب الذنوب والمعاصي مؤتمراً بما أمره سبحانه وتعالى ومنتهياً عن نواهيه قائماً على طاعته متزوداً بالمستحبات فلا بد أن يصل اليه المدّ الالهي منيراً له الطريق فيجعله سالكاً له ((أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ))، ووفقاً لذلك ترى قلبه يشع بنور الايمان حتى يظهر ذلك جلياً على سيماء وجهه بل على كل تصرفاته وأفعاله..
وهناك عدة سبل تساعد الانسان للاتصاف بالتقوى، منها وأهمها قراءة القرآن الكريم بتدبّر ((ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ))، فيكون القرآن السراج الذي ينير له الدرب ويقشع عنه الظلمة شيئاً فشيئاً حتى تشع شمس المعرفة في قلبه وروحه..
ومن تلك السبل الدعاء والتوسل بالله تعالى، وكذلك يجب أن لا ننسى الأمر والذي يجب مراعاته الاقتداء بالأئمة الهداة عليهم السلام ((وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا))، هذا بالاضافة الى الواجبات المفروضة..
وذلك لانّ قلب المؤمن كالأرض التي تكون بحاجة للرعاية- من سقاية وغيرها- بعد بذرها بالبذور الصالحة، فانّ هذه البذور ستموت بعد فترة إذا لم تجد الرعاية..
فهذه السبل تساعد القلب على الثبات والاستزادة بالنور من خلال المواضبة عليها والالتزام بها حتى تصبح كالواجبات بالنسبة للنفس فتكون خير هداية، فتصعد بالنفس رويداً رويداً مقتربة أكثر فأكثر من ساحة القدس فتزداد- هذه النفس- إشتياقاً فانقياداً الى بارئها حتى تصل الى التسليم التام ((وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى))..
ولا يخفى عليك بأنّ كل ذلك لا يتم إلاّ بتوفيق من الله سبحانه وتعالى، فلولاه لما خطا المؤمن خطوة واحدة، فاطلب التوفيق منه تعالى في كل أمورك ((وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ))، واجعل الأئمة الميامين عليهم السلام وسيلة الى ذلك ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ))...

مرج البحرين
28-05-2011, 07:01 PM
حياكم الله اخوتي

شكرا لمروركم الكريم