المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النموذج من تفسير القرآن بالقرآن



عمارالطائي
25-06-2011, 08:52 PM
قال الله تعالى: "اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء"1.
تكرر مضمون هذه الآية الكريمة في أربعة مواضع من القرآن، وبحسب هذا المضمون جميع المخلوقات الموجودة في الكون هي من خلق الله تعالى وصنعه.
ويجب أن لاتغرب عنا هذه النكتة أن في مئات من الآيات صدق موضوع العلية والمعلولية، ونسب فيها فعل كل فاعل اليه، واعتبر الأفعال الاختيارية من أفعال الانسان نفسه وخصت الآثار بالمؤثرات كالاحراق بالنار والنبات إلى الأرض والمطر إلى السماء وغيرها.
والنتيجة أن صانع كل شيء وفاعله ينسب فعله وصنعه اليه الا أن مفيض الوجود والموجد الحقيقي للفعل هو الله تعالى ليس غيره.
ومن هنا نعرف التعميم الذي نجده في قوله تعالى "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ"2، فلو انضمت هذه الآية السابقة لرأينا الجمال والخلقة قرينين، فكلما وجد في عالم المخلوقات من خلق كان موصوفا بالجمال.
ويجب أيضا أن لا تغرب عنا هذه النكتة أن الآيات القرآنية تعترف بالخير مقابل الشر والنفع مقابل الضرر والحسن مقابل السيء والجمال مقابل القبح، وتعتبر كثيرا من الأفعال والأقوال والأفكار حسنة أو سيئة، ولكن هذه المساوىء والقبائح والشرور تبدو واضحة اذا ما قيست بمايقابلها، فوجودها نسبي وليس بنفسي.


مثلا الحية والعقرب مؤذيان، لكن بالنسبة إلى الانسان والحيوانات التي تتألم من سمهما لا بالنسبة إلى الحجر والتراب. والشيء المر والرائحة الكريهة منفوران، لكن بالنسبة الى ذائقة الانسان وشامته لابالنسبة إلى كل الحيوانات وبعض الأعمال والأقوال تبدو شاذة، لكن بالنسبة إلى البيئة التي يعيش فيها الانسان لا بالنسبة إلى كل البيئات.
نعم لو لم نلاحظ النسبة والقياس وننظر إلى الأشياء بنظرة مطلقة نراها في منتهى الجمال ونرى الوجود أخاذا يلفت النظر ولايمكن وصف حسنه وجماله، لأن الوصف نفسه من الخلق الجميل الذي يحتاج بدوره إلى وصف.
والآية المذكورة أعلاه تريد صرف الأنظار عن وجوه الجمال والقبح النسبية والقياسية والاعتبارية لتوجهها إلى الجمال المطلق وتجهيز الأفهام لادراك الكلي والعموم الذي هو الأهم.
اذا ما أدركنا النقاط المشروحة في مئات من الآيات القرآنية التي تصف عالم الوجود بكل جزء جزء منه وبمجموعة مجموعة منه وبمختلف أنظمته الكلية والجزئية لنرى أنه أحسن دليل على التوحيد وأعظم مرشد إلى معرفة الله تعالى وكمال قدرته.
لو تأملنا في الآيتين المذكورتين سابقا وامعنا النظر فيما سبق من الكلام، نعلم أن هذا الجمال المحير الذي ملأ عالم الوجود كله انما هو لمعة من الجمال الالهي ندركه نحن بواسطة الآيات السماوية والارضية، وكل جزء من العالم كوة ننظر منها إلى القدرة اللامتناهية لنعرف أن ليس لهذه الأجزاء شيء من القدرة الا ما أفيض عليها.
ولهذا نرى في آيات قرآنية كثيرة نسبة أنواع الجمال والكمال إلى الله تعالى، فتقول: "هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ"3.
و"أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً"4.
و"فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا"5.
و"هُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ"6.
و"هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ"7.
و"اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى"8.
فبمقتضى هذه الآيات كل جمال وكمال نراه في عالم الوجود هو في الحقيقة من الله تعالى وليس لغيره الا المجاز والعارية.
وتأكيدا لما مضى ذكره يوضح القرآن الكريم بأسلوب آخر أن الجمال والكمال المودع في مخلوقات العالم انما هو محدود متناهي، وهو عند الله تعالى غير محدود وليس له نهاية، قال عز من قائل "إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ"9.
وقال: "وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ"10.
عندما يتقبل الانسان هذه الحقيقة القرآنية يرى نفسه أمام الجمال والكمال اللامتناهي يحيط به من كل جانب وليس فيه خلا أصلا، ينسى كل جمال وكمال في العالم، وحتى نفسه التي هي من تلك الآيات ينساها وينجذب إلى خالق الجمال والكمال قال تعالى: "وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ"11.
عند هذا يسلم العبد اراداته واستقلاله إلى الله تعالى كما هو من شؤون الحب والعبودية الخالصة، فينضوي تحت لواء الحق ويدخل في ولايته، كما يقول عز وجل "وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ"12. "اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ"13.
فيجد حينئذ روحا أخرى ويحيا حياة جديدة ويشرق في قلبه نور الحقيقة، فتتفتح له طرق السعادة ليشق مسيرته الكريمة بين المجتمع، قال تعالى: "أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ?14 وقال ?أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ"15.
وفي آية اخرى يزمع تعالى إلى كيفية حصول هذا النور فيقول "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ" بِه?16.
وقد فسر الايمان بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم في آية أخرى بالتسليم له واتباعه، فقال "قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ"17.
ووضح الاتباع في آية أخرى، فقال "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ"18.
وأوضح من هذا نجد معنى الاتباع في آية أخرى أيضا حيث يقول: "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ"1.
فبمقتضى هذه الآية الكريمة البرنامج الكامل الاسلامي هو المتطلبات التي يحتاج اليها من يعيش في الكون، ونعني بها القوانين والشرائع التي تدل عليها الفطرة الانسانية، الحياة غير المعقدة التي يحياها الانسان المستقيم، كما يقول تعالى في موضع آخر "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا"20.
القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يساوي بين الحياة الانسانية السعيدة والحياة الفطرية النزيهة وهو بعكس جميع الكتب والمناهج الأخرى يجمع بين البرامج الدينية والبرامج الحياتية، فله رأيه الخاص في الفرد والمجتمع وله كلمته في كل الشؤون، ودستوره ينظر إلى الحقائق الثابتة "معرفة الله تعالى النظرة الشاملة إلى الكون" بأعمق النظرات.
ان القرآن يصف أولياء الله تعالى وعباده المخلصين بكثير من النعوت والخواص الصورية والمعنوية التي يحتلون بها نتيجة لايمانهم الخالص ويقينهم الثابت، ويؤسفنا أن هذا الفصل القصير لا يسع لسردها بصورة مفصلة.
*القران في الاسلام الطبطبائي، دار الزهراء عليها السلام للطباعة والنشر والتوزيع، ط3، ص68-74
--------------------------------------------------------------------------------
الهوامش:
1- الزمر:62.
2- السجدة:7.
3- غافر:65.
4- البقرة:165.
5- يونس:65.
6- الروم:54.
7- الاسراء:1.
8- الأعراف:180.
9- القمر:49.
10- الحجر:21.
11- البقرة:165.
12- آل عمران:68.
13- البقرة:257.
14- الأنعام:122.
15- المجادلة:22.
16- الحديد:28.
17- آل عمران:31.
18- الأعراف:157.
19- الروم:30.
20- الشمس:7-10.

المفيد
29-06-2011, 10:03 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
ولله الحمد والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


انّ من يتدبّر في أيات القرآن يجد ضالته، ولو بالمعنى الظاهر، لأنّ القرآن جاء أساساً لكل الناس، وإلا لما طُلب منّا قراءته والتفكر فيه، ولكن تبقى البطون لا يعلمها إلاّ الراسخون في العلم، ونحن غير مكلفين بها سوى أن نسأل العالِمين بها..
وهؤلاء الراسخون لم يتركونا على عمانا، بل وضعوا الأسس الصحيحة لذلك وأمدّونا بالروايات المفهمة لها، بحيث لو سرنا عليها لوصلنا الى المطلوب..
ولو تُرك الأمر لهؤلاء من بعد النبي صلّى الله عليه وآله لأصبح الاسلام متسيّداً على العالم أجمع، ولكن هيهات لمن يريد المناصب والجاه أن يدع ذلك..
اذن فمسألة الآيات القرآنية يمكن أن تفسّرها آيات أخرى فيما إذا خفي معناها، لأنّ كلام الله سبحانه وتعالى يجب أن يصل الى الناس..
وعدم فهم القرآن هو بسبب الحواجب التي صنعناها، فهذه تكون حاجزاً للعلم والمعرفة، فالماء المسكوب (على تقدير صفائه) في الاناء تكون نظافته تبعاً لنظافة الاناء، فالبشر غير المعصومين يتدرجون بهذه النسبة، أما المعصومون عليهم السلام فصفاؤهم متطابق مع صفاء القرآن (فهم عدل القرآن)، لذا فهم الوحيدون الذين يفهمونه على حقيقته، وهذا سبب تمسكنا بهم والأخذ من علومهم..


الأخ القدير عمّار الطائي..
حفظك الله من كل سوء وأسكنك فسيح جناته...

العجرشي
29-06-2011, 10:12 AM
احسنتم أخي الفاضل عمار الطائي على الابداع النير

عمارالطائي
29-06-2011, 10:45 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
ولله الحمد والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


انّ من يتدبّر في أيات القرآن يجد ضالته، ولو بالمعنى الظاهر، لأنّ القرآن جاء أساساً لكل الناس، وإلا لما طُلب منّا قراءته والتفكر فيه، ولكن تبقى البطون لا يعلمها إلاّ الراسخون في العلم، ونحن غير مكلفين بها سوى أن نسأل العالِمين بها..
وهؤلاء الراسخون لم يتركونا على عمانا، بل وضعوا الأسس الصحيحة لذلك وأمدّونا بالروايات المفهمة لها، بحيث لو سرنا عليها لوصلنا الى المطلوب..
ولو تُرك الأمر لهؤلاء من بعد النبي صلّى الله عليه وآله لأصبح الاسلام متسيّداً على العالم أجمع، ولكن هيهات لمن يريد المناصب والجاه أن يدع ذلك..
اذن فمسألة الآيات القرآنية يمكن أن تفسّرها آيات أخرى فيما إذا خفي معناها، لأنّ كلام الله سبحانه وتعالى يجب أن يصل الى الناس..
وعدم فهم القرآن هو بسبب الحواجب التي صنعناها، فهذه تكون حاجزاً للعلم والمعرفة، فالماء المسكوب (على تقدير صفائه) في الاناء تكون نظافته تبعاً لنظافة الاناء، فالبشر غير المعصومين يتدرجون بهذه النسبة، أما المعصومون عليهم السلام فصفاؤهم متطابق مع صفاء القرآن (فهم عدل القرآن)، لذا فهم الوحيدون الذين يفهمونه على حقيقته، وهذا سبب تمسكنا بهم والأخذ من علومهم..


الأخ القدير عمّار الطائي..
حفظك الله من كل سوء وأسكنك فسيح جناته...

الاخ العزيز
والمشرف القدير
المفيد
اكيد ان من يفسر القران ومن هم القران الناطق هم اهل بيت النبوة ومعدن الرسالة
اشكر اضافتكم القيمة

عمارالطائي
29-06-2011, 10:46 PM
احسنتم أخي الفاضل عمار الطائي على الابداع النير


الاخ الفاضل
العجرشي
احسن الله اليكم ووفقكم

آمال يوسف
30-06-2011, 04:37 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
وصل اللهم على محمد وآل محمد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ربي يجزاك خير الجزاء أخي العزيزعلى الطرح المبارك
الله يوفقكم ويقضي جميع حوائجكم وينور قلوبكم بنور آيات القرآن العظيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين

عمارالطائي
30-06-2011, 03:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
وصل اللهم على محمد وآل محمد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ربي يجزاك خير الجزاء أخي العزيزعلى الطرح المبارك
الله يوفقكم ويقضي جميع حوائجكم وينور قلوبكم بنور آيات القرآن العظيم
اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين

الاخت القديرة
امال يوسف
جعلكم الله من التالين لكتابه في الليل والنهار