إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

تكاليف العباد في عصر الغيبة

تقليص
X
  •  
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • تكاليف العباد في عصر الغيبة

    بسم الله الرحمن الرحيم
    اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وسهل مخرجهم
    وصل اللهم على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها عدد ماأحاط به علمك
    وعجل فرج يوسفها الغائب ونجمها الثاقب واجعلنا من خلص شيعته ومنتظريه وأحبابه يا الله
    السلام على بقية الله في البلاد وحجته على سائر العباد ورحمة الله وبركاته
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    تكاليف العباد في عصر الغيبة

    1 ـ انتظار الفَرَج
    انتظار المؤمن للفَرَج أمرٌ حثّت عليه الشريعة الغرّاء، ورغَّبت فيه، ووَعَدَت فاعليه حُسنَ الثواب، وقد تعرّضنا فيما سلف ـ وباختصار ـ إلى دَور انتظار الفَرَج في تقوية ثبات الفرد المُسلم أمام النوائب وحوادث الزمان، ودوره في لَفْت نظر المسلم إلى ضرورة إعداده نفسَه وتهيئتها وتزكيتها والارتفاع بها إلى المستوى الذي يؤهّلها للانخراط في أصحاب الإمام المهديّ المنتظر عليه السّلام، الذين وصفتهم الروايات الواردة بأنّ عقولهم وأفهامهم قد بَلَغَت من اليقين حدّاً صارت الغَيبة معه بمنزلة المُشاهدة، وأنّهم صاروا في زمنهم بمنزلة المجاهدين بين يدَي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بالسيف (1).
    ثواب انتظار الفَرَج
    روي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، قال: أفضل أعمال أمّتي انتظار الفَرَج من الله عزّوجلّ (2).
    وروي عن الإمام أبي الحسن الرضا عليه السّلام قال: ما أحسنَ الصبر وانتظار الفَرَج! أما سمعتَ قولَه عزّوجلّ وارتَقِبوا إنّي مَعكُمَ رقيب (3)، فانتَظِروا إنّي معكم من المنتظِرين (4) ؟ فعلَيكم بالصبر، فإنّه إنّما يجيء الفَرَج على اليأس، وقد كان مَن قبلكم أصبَرَ منكم (5).
    وروى الشيخ الصدوق عن أبي عبدالله الصادق عليه السّلام، عن آبائه عليهم السّلام، قال: المنتظِر لأمرنا كالمتشحِّط بدمه في سَبيل الله (6). وروى عن الإمام الصادق عليه السّلام، قال: طُوبى لشيعةِ قائمنا المنتظِرين لظهوره في غيبته، والمُطيعين له في ظهوره، أولئك أولياءُ الله الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون (7).
    منزلة المنتظِرين لظهور الإمام المهدي عليه السّلام
    روى الشيخ الصدوق عن أبي خالد الكابُلي، قال: دخلتُ على سيّدي عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السّلام فقلتُ له: أخبِرني بالذين فَرَض اللهُ عزّوجلّ طاعتهم ومودّتهم وأوجب على عِباده الاقتداءَ بهم بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ( وساق الحديث إلى أن قال: ) يا أبا خالد، إنّ أهلَ زمان غَيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضلُ من أهل كلِّ زمان؛ لأنّ الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغَيبةُ عندهم بمنزلة المُشاهَدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدَي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بالسيف، أولئك المخلصون حقّاً، وشيعتُنا صِدقاً، والدُّعاة إلى دِين الله عزّوجلّ سرّاً وجهراً (8).
    وروي عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال يوماً ـ وعنده بعض أصحابه ـ:
    اللهمّ لَقِّني إخواني! فقال له واحد: أمَا نحن إخوانك يا رسولَ الله ؟!
    فقال: لا، إنّكم أصحابي، وإخواني قومٌ في آخر الزمان آمَنوا بي ولم يَرَوني... لقد عَرَّفَنيهم اللهُ بأسمائهم وأسماء آبائهم مِن قبل أن يُخرِجهم من أصلاب آبائهم وأرحام أمّهاتِهم، لأحَدُهم أشدّ بُقيةً على دِينه من خَرْط القَتاد (9) في الليلة الظلماء، أو كالقابض على جمر الغَضا، أُولئك مصابيحُ الدُّجى، يُنجيهم اللهُ من كلّ فِتنة غَبراء مُظلمة (10).
    وروي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: سيأتي قومٌ من بعدكم، الرَّجُل منهم له أجر خمسينَ منكم. قالوا: يا رسول الله، نحن كنّا معك ببدرٍ وحُنَين وأُحُد ونَزَل فينا القرآن! فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنّكم لو تحملون لِما حَمَلوا لم تصبروا صبرَهم (11).
    وجوب انتظار الفَرَج
    أكد أئمّة أهل البيت عليهم السّلام على وجوب انتظار الفَرَج، وأكّدوا في أحاديثهم على أنّ الانتظار للفرج من جُملة الأعمال التي لا يقبل الله عزّوجلّ عملاً إلاّ بها، وأنّه من الدين الذي يُقبل به العمل.
    وقد روي عن الإمام الباقر عليه السّلام أنّه دخل عليه رجل ومعه صحيفة، فقال له أبو جعفر عليه السّلام: هذه صحيفة مُخاصِم سألَ عن الدِّين الذي يُقبل به العمل، فقال: رحمك الله، هذا الذي أريد. فقال أبو جعفر عليه السّلام: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وتُقرّ بما جاء من عند الله، والولاية لنا أهل البيت، والبراءة من عدوّنا، والتسليم لأمرنا، والوَرَع والتواضع، وانتظار قائمنا؛ فإنّ لنا دولةً إذا شاء اللهُ جاء بها (12).
    وروي عن الإمام الصادق عليه السّلام أنّه قال ذات يوم: ألا أُخبركم بما لا يقبل اللهُ عزّوجلّ من العباد عملاً إلاّ به ؟ ( قال الراوي فقلت: بلى.
    فقال: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، والإقرار بما أمر الله، والولاية لنا، والبراءة من أعدائنا... والانتظار للقائم (13).
    اقسام المنتظرين للفَرَج
    • منهم من ينتظر ظهور الإمام المهدي عليه السّلام وتحقّق الفَرَج على يدَيه هادفاً بانتظاره طاعة أمر الله تبارك وتعالى، سواءً بعَثَه على ذلك رجاء الثواب الموعود للمنتظرين أم لا.
    • ومنهم من ينتظر، طاعةً منه لأمر الله عزّوجل والفوز بالثواب الدنيويّ أو الأخرويّ، ويكون قصد الطاعة مستقلاًّ، وقصد الثواب تَبَعاً.
    • ومنهم من ينتظر بقصد الفوز بالمثوبات والمواهب الأخرويّة أو الدنيويّة، لعلمِهم بأنّ ظهور الإمام المهدي عليه السّلام سيَتْبعه ازدياد النعم وسعة الرزق وطول العُمر، فهم إنّما ينتظرون الفوز بهذه المواهب، دون نظر منهم إلى إطاعة أمر الله تعالى.
    • وآخرون منهم ينتظرون دون التفات إلى طاعة الله سبحانه ولا الفوز بالثواب دنيويّاً كان أم أخرويّاً.
    ولا رَيب أنّ الصنفَين الأوّل والثاني يستحقّان الفوز بما ورد في الروايات من المثوبات، وأنّ المؤمن ينبغي له أن يختار القسم الأوّل، بل يختار أعلى أنواع القسم الأوّل، فيهدف بانتظاره للفرج إطاعة أمر الله تعالى، سواءً فاز بالثواب الموعود أم لم يَفُز، مُقتدياً بذلك بنهج إمامه أمير المؤمنين عليه السّلام في عبادته لربّه، في قوله:
    « إنّ قوماً عبَدَوا اللهَ رغبةً فتلِكَ عبادةُ التجّار، وإنّ قوماً عبدوا اللهَ رهبةً فتِلك عبادة العبيد، وإنّ قوماً عبدوا الله شُكراً فتلك عبادةُ الأحرار » (14).
    المنتظِر بقصد القُربة لا يستعجل الظهور
    وإذا كان الفرد المؤمن منتظراً للفَرَج بقصد القُربة إلى الله تعالى، لم يضرّه تَقَدَّم هذا الأمر أو تأخَرّ، وقد وردت روايات كثيرة عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام تؤكّد هذا المعنى، منها ما روي عن الإمام الصادق عليه السّلام، قال: هَلَكتِ المَحاضير. قال (الراوي): قلتُ: وما المحاضير ؟
    قال: المستعجلون؛ ونجا المُقرّبون، وثَبَت الحصن على أوتادها ـ الحديث (15).
    وروي عن الإمام الباقر عليه السّلام أنّه قال: اسكُنوا ما سكنت السماوات والأرض، فإنّ أمركم ليس به خَفاء، ألا إنّها آية من الله عزّوجلّ ليست من الناس، ألا إنّها أضوَأُ من الشمس لا تخفى على بَرّ ولا على فاجر، أتعرفون الصُّبح ؟ فإنّها كالصبح ليس به خَفاء (16).
    وروي عن عبدالرحمن بن كثير، قال: كنتُ عند أبي عبدالله ( الصادق ) عليه السّلام يوماً وعنده مهزم الأسديّ، فقال: جَعَلني اللهُ فِداكَ، متى هذا الأمر، فقد طال ؟ فقال: كذب المتمنّون، وهَلَك المستعجلون، ونجا المُسلِّمون، وإلينا يصيرون (17).
    وإذا كان المؤمن المنتظِر لظهور إمامه بمنزلة المجاهد بين يَدَي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (18)، وإذا كان المؤمن الذي يموت على هذا الأمر منتظراً للفَرَج كمن هو في الفسطاط الذي للقائم المنتظَر عليه السّلام (19)، فما الذي يدفع به إلى استعجال أمر الله ؟!
    روي النعماني عن أبي عبدالله الصادق عليه السّلام في قول الله عزّوجلّ: أتى أمرُ اللهِ فلا تَستَعجِلوه (20)، قال: هو أمرنا، أَمَرَ اللهُ عزّوجلّ أنْ لا نستعجل به حتّى يؤيّده [ الله ] بثلاثة [ أجناد ]: الملائكة، والمؤمنين، والرُّعب؛ وخروجُه عليه السّلام كخروج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وذلك قوله تعالى: كما أخرجَك ربُّكَ مِن بيتِكَ بالحقّ (21).

    2 ـ تحصيل معرفة صفات الإمام وآدابه وخصائصه وعلامات ظهوره الحتميّة
    وقد روى الصدوق عن الإمام الكاظم عليه السّلام، قال: مَن شكّ في أربعة فقد كفر بجميع ما أَنزل اللهُ تبارك وتعالى.. أحدها معرفة الإمام في كلّ زمانٍ وأوان بشخصه ونَعْتِه (22).
    ويؤيّده ما روى الصدوق أيضاً في ( كمال الدين )، بإسناده عن أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام أنّه قال في خطبة له على منبر الكوفة:
    « اللهمّ إنّه لابُدّ لأرضِكَ من حُجّة لك على خلقِك، يَهديهم إلى دِينك، ويُعلّمهم عِلمك، لئلاّ تبطل حجّتُك، ولا يضلُّ أتباع أوليائك بعد إذ هَدَيتَهم به ـ الخطبة (23).
    وروى الصدوق عن الإمام الصادق جعفر بن محمّد عليهما السّلام، قال: الإمام عَلَمٌ فيما بيَن الله عزّوجلّ وبين خلقِه، فمن عرفه كان مؤمناً، ومن أنكره كان كافراً (24).
    ولا تحصل المعرفة إلاّ بأمرَين:
    أ. معرفة شخص الإمام باسمه ونَسَبه
    ب. معرفة صفاته وخصائصه عليه السّلام.
    أ ـ أمّا معرفة شخص الإمام باسمه ونسبه، فقد روى النعماني عن ابن أبي يعفور، قال: قلتُ لأبي عبدالله ( الصادق ) عليه السّلام: رجلٌ يتولاّكم، ويبرأ من عدوّكم، ويُحِلّ حلالَكم، ويُحرِّم حرامَكم، ويزعم أنّ الأمر فيكم لم يخرج منكم إلى غيركم، إلاّ أنّه يقول: إنّهم قد اختلفوا فيما بينهم، وهم الأئمّة القادة، وإذا اجتمعوا على رجلٍ فقالوا «هذا»، قلنا « هذا ».
    فقال عليه السّلام: إنْ ماتَ على هذا، فقد ماتَ ميتةً جاهليّة.
    قال مؤلّف « مكيال المكارم »: فانظُر كيف أوجَبَ عليه السّلام معرفةَ شخص الإمام باسمِه ونَسَبه، ولم يكتفِ بما دون ذلك (25).
    ب ـ وأما معرفة صفات الإمام وخصائصه، فإنّ المؤمن إذا عرف خصائص إمامه، لم يُصْغِ إلى كلّ ناعق، وميّز بين الصادق والكاذب. يُشير إلى ذلك ما رواه النعماني عن الإمام الباقر عليه السّلام، قال:
    « اسكُنوا ما سَكنتِ السماواتُ والأرض، فإنّ أمركم ليس به خَفاء.. » (26)، وما روي عن الإمام الصادق عليه السّلام، قال:
    « إنّ أفضل الفرائض وأوجبَها على الإنسان: معرفة الربّ والإقرار له بالعُبوديّة... (ثمّ يذكر معرفة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، حتّى يصل إلى قوله وبعده معرفة الإمام الذي تأتمّ بنعته وصِفته واسمه في حال العُسر واليسير ـ الحديث (27).
    وروى النعماني عن الحارث بن المغيرة النصيري، قال: قلتُ لأبي عبدالله ( الصادق ) عليه السّلام: بأيّ شيءٍ يُعرف الإمام ؟ قال: بالسكينة والوَقار. قلت: وبأيّ شيء ؟ قال: ومعرفة الحلال والحرام، وبحاجة الناس إليه، ولا يحتاج إلى أحد، ويكون عنده سلاح رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.
    قلتُ: أيكون إلاّ وصيّاً ابن وصيّ ؟
    قال: لا يكون إلاّ وصيّاً ابن وصيّ (28).

    3 ـ محبّته عليه السّلام
    روى الشيخ الصدوق في مجالسه عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:
    أحِبّوا الله لِما يَغْذوكم به من نِعمه، وأحبّوني لحُبّ الله عزّوجلّ، وأحبّوا أهلَ بيتي لحُبيّ (29).
    وروى النعماني عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، قال: إنّ الله أوحى إليّ ليلةَ أُسري بي... ( وساق حديث الإسراء، حتّى ذكر أنّ الله تعالى أرى نبيّه أشباح الأئمّة عليهم السّلام، وقال: ) قال: هؤلاء الأئمّة، وهذا القائم، يُحلّ حَلالي ويحرّم حرامي، وينتقم من أعدائي. يا محمّد! أحبَّه؛ فإنّي أُحبُّه وأُحبّ مَن يُحبّه (30).
    وفي هذا الحديث دلالة على أنّ في حبّ المهدي عليه السّلام خصوصيّة اقتضت الأمر به من قِبل الله عزّوجلّ، مع أنّ حبّ جميع الأئمّة عليهم السّلام من الفرائض الواجبة.

    4 ـ تحبيبه عليه السّلام إلى الناس
    روى الكليني في ( روضة الكافي ) عن الإمام الصادق عليه السّلام، قال: رَحِم اللهُ عبداً حَبَّبنا إلى الناس ولم يُبَغِّضنا إليهم. أمَا واللهِ لو يَروونَ مَحاسنَ كلامنا لكانوا به أعزّ، وما استطاع أحد أن يتعلّق عليهم بشيء، ولكنّ أحدهم يسمع الكلمة فيحطّ إليها عَشراً (31).
    وروى الكليني في ( الكافي ) عن أبي عبدالله الصادق عليه السّلام، قال: رَحم اللهُ عبداً اجترّ مودّةَ الناس إلينا، فحدَّثَهم بما يعرفون، وترَكَ ما يُنكرون (32).

    5 ـ الحزن لفِراقه
    روى الشيخ الصدوق عن الإمام الرضا عليه السّلام، قال: كم من حَرّى مؤمنة، وكم من مؤمن متأسّف حيران حزين عند فقدان ( الماء العَين ) ـ الخبر (33).
    وروى الشيخ الكُليني في الكافي عن الإمام الصادق عليه السّلام، قال:
    نَفَسُ المهموم لنا المغتمّ لظُلمنا تسبيح، وهمُّه لأمرنا عِبادة، وكتمانه لسرِّنا جهاد في سبيل الله (34).

    6 ـ الحضور في المجالس التي تُذكر فيها فضائله
    روى الشيخ الصدوق عن الإمام الرضا عليه السّلام، قال: مَن جلس مجلساً يُحيا فيه أمرنا، لم يَمُتْ قلبُه يوم تموت القلوب (35).
    وروي عن الإمام الباقر عليه السّلام، قال:
    اجتمِعوا وتذاكروا تَحفّ بكم الملائكة، رَحِم اللهُ من أحيا أمرنا (36).
    وروى الكليني عن الإمام الصادق عليه السّلام، قال: ما اجتمع في مجلس قومٌ فلم يذكروا الله عزّوجلّ ولم يذكرونا، إلاّ كان ذلك المجلس حسرةً عليهم يوم القيامة (37).

    7 ـ إقامة المجالس التي يُذكر فيها الإمام المهدي عليه السّلام
    روي عن الإمام الصادق عليه السّلام أنّه قال: تَزاوَروا؛ فإنّ في زيارتكم إحياءً لقلوبكم وذِكراً لأحاديثنا، وأحاديثُنا تَعطِف بعضَكم على بعض (38).

    8 ـ إنشاء الشِّعر وإنشاده في فضله عليه السّلام ومناقبه
    روي عن الإمام الصادق عليه السّلام، قال: مَن قال فينا بيتَ شِعر، بنى اللهُ له بيتاً في الجنّة (39).
    وعنه صلّى الله عليه وآله وسلّم: ما قال فينا قائلٌ بيت شعر حتّى يُؤيَّد بروح القدس (40).

    9 ـ البكاء والإبكاء والتباكي على فراقه عليه السّلام
    روي عن الرضا عليه السّلام، قال: مَن تذكّر مصابنا فبكى وأبكى لما ارتُكب منّا، كان معنا في درجتنا يوم القيامة (41).
    وروى الشيخ الطوسي عن الإمام الحسين عليه السّلام، قال: ما من عبدٍ قَطَرت عيناه فينا قطرةً أو دَمِعتْ عيناه فينا دمعةً إلاّ بوّأه اللهُ تعالى بها في الجنّة حقباً (42).
    وروى الطوسي عن المفضّل، قال: سمعتُ أبا عبدالله ( الصادق ) عليه السّلام يقول: إيّاكم والتنويه، أما واللهِ ليغيبنّ إمامكم سنين من دهرِكم، وليخملنّ حتّى يُقال « ماتَ أو قُتِل بأيّ وادٍ سَلَك »! ولَتدمعنّ عليه عيون المؤمنين، ولتُكفأنّ كما تُكفأ السفن في البحر، فلا ينجو إلاّ مَن أخذ اللهُ ميثاقَه وكتب في قلبه الإيمان وأيدّه بروح منه ـ الخبر (43).
    قال مؤلّف مكيال المكارم بعد أن نقل الخبر:
    انظُر كيف جعل عليه السّلام البكاء عليه علامةَ الإيمان؛ فإنّ البكاء عليه دليل المعرفة والمحبّة الثابتة في الجَنان.
    وروى الصدوق في كمال الدين عن سَدِير الصَّيرفي، قال:
    دخلتُ أنا والمفضّل بن عمر وأبو بصير وأبان بن تغلب على مولانا أبي عبدالله الصادق عليه السّلام، فرأيناه جالساً على التراب وعليه مِسحٌ خَيبريّ مطوّق بلا جَيب، مُقصّر الكُميّن، وهو يبكي بكاء الواله الثَّكلى ذات الكبِد الحرّى، قد نال الحزنُ من وجنَتيه، وشاعه التغيّر في عارضَيه، وأبلى الدموع مَحجِريَه، وهو يقول: سيّدي، غَيبتُكَ نَفتْ رقادي، وضَيّقَتْ عليَّ مِهادي، وابتزّت منّي راحةَ فؤادي. سيّدي، غيبتُك أوصلت مصابي بفجائع الأبد، وفقد الواحد بعد الواحد يفني الجمعَ والعدد، فما أُحسّ بدمعةٍ ترقى في عَيني، وأنين يَفتُر من صدري عن دوارج الرزايا وسوالف البلايا، إلاّ مثّل لعيني عن غوابر أعظمها وأفضعها، وبواقي أشدّها وأنكرها، ونوائب مخلوطة بغضبك، ونوازل معجونة بسخطك.
    قال سدير: فاستطارت عقولُنا وَلَهاً، وتصدّعت قلوبُنا جزعاً من ذلك الخطب الهائل، والحادث الغائل، وظننّا أنّه سَمَت لمكروهة قارعة، أو حلّتْ به من الدهر بائقة، فقلنا: لا أبكى الله ـ يا ابن خير الورى ـ عينَيك، من أيّة حادثة تستنزف دمعتك وتستمطر عَبرتك ؟ وأيّة حالة حَتمت عليك هذا المأتم ؟
    قال: فزَفرَ الصادق عليه السّلام زفرةً انتفخ منها جوفه، واشتدّ منها خوفه، قال: وَيلَكم، نظرتُ في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم، وهو الكتاب المشتمل على عِلم المنايا والبلايا والرزايا، وعِلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، الذي خصّ اللهُ به محمّداً والأئمّة من بعده، وتأمّلتُ منه مولد قائمنا وغيبتَه وإبطاءه، وطول عمره، وبلوى المؤمنين في ذلك الزمان، وتَولُّد الشكوك في قلوبهم مِن طول غيبته، وارتداد أكثرهم عن دينهم، وخلعهم رِبقة الإسلام من أعناقهم، التي قال الله تقدّس ذِكره وكلّ إنسانٍ ألزَمْناهُ طائرَهُ في عُنُقِه (44) ـ يعني الولاية ـ فأخَذَتْني الرِّفّة، واستولتْ عليّ الأحزان ـ الحديث بطوله (45).

    10 ـ المداومة على الدعاء
    روى الكليني والطوسي عن زرارة، قال: سمعتُ أبا عبدالله ( الصادق ) عليه السّلام يقول: إنّ للغلام (46) غَيبة قبل أن يقوم. قال ( زرارة )، قلتُ: ولِم ؟
    قال: يخاف ( إلى أن بلغ قوله: ) قال ( زرارة ): قلتُ: جُعِلتُ فِداك، إن أدركتُ ذلك الزمان، أيّ شيءٍ أعمل ؟
    قال عليه السّلام: يا زرارة، إذا أدركتَ هذا الزمان، فادْعُ بهذا الدعاء:
    « اللهُمَّ عَرِّفْني نَفْسَك، فإنّكَ إنْ لم تُعرَّفني نفسَك لم أعرِفْ نبيَّك. اللهمّ عَرِّفني رسولَكَ، فإنّك إن لم تعرّفني رسولَك لم أعرِفْ حُجّتَك، اللهمّ عرِّفني حجَتّك. فإنّك إن لم تعرّفني حجّتك ضَلَلْتُ عن دِيني ـ الحديث (47).

    11 ـ التمسّك بالدين الصحيح والقول الثابت
    روى الصدوق في ( كمال الدين ) عن عبدالعظيم بن عبدالله الحَسَني، قال: دخلتُ على سيّدي عليّ بن محمد ( الهادي ) عليه السّلام، فلمّا بَصُر بي قال لي: مرحباً بك يا أبا القاسم، أنت وليُّنا حقّاً.
    قال: فقلتُ له: يا ابن رسول الله، إنّي أريد أن أعرض عليكَ دِيني، فإنّ كان مَرْضيّاً ثَبَتُّ عليه حتّى ألقى الله عزّوجلّ.
    فقال: هاتِ يا أبا القاسم.
    فقلتُ: إنّي أقول: إنّ الله تبارَك وتعالى واحد، ليس كمِثلِه شيء، خارجٌ عن الحدَّين: حدّ الإبطال وحدّ التشبيه، وإنّه ليس بجسمٍ ولا صورة، ولا عَرَض ولا جَوهر، بل هو مُجسِّم الأجسام ومُصوِّر الصور، وخالِق الأعراض والجواهر، وربُّ كلّ شيءٍ ومالكه وجاعله ومُحدِثه. وإنّ محمّداً صلّى الله عليه وآله عبده ورسوله خاتم النبيّين، فلا نبيَّ بعده إلى يوم القيامة، وإنّ شريعته خاتمة الشرائع، فلا شريعةَ بعدَها إلى يوم القيامة.
    وأقول: إنّ الإمام والخليفة ووليّ الأمر بعده: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ عليُّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ جعفر بن محمّد، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ عليّ بن موسى، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ أنتَ يا مولاي.
    فقال عليه السّلام: ومِن بعدي الحسن ابني، فكَيف للناس بالخَلَف من بعدِه ؟
    قال: فقلت: وكيف ذاك يا مولاي ؟
    قال: لأنّه لا يُرى شخصُه، ولا يَحِلّ ذِكرُه باسمه، حتّى يخرج فيملأ الأرض قِسطاً وعدلاً كما مُلئت جَوراً وظلماً.
    قال: فقلت: أقررتُ، وأقول: إنّ وليَّهم وليّ الله، وعدوّهم عدوّ الله، وطاعتهم طاعة الله، ومعصيتهم معصية الله. وأقول: إنّ المعراج حقّ، والمُساءلة في القبر حقّ، وإنّ الجنّة حقّ، والنار حقّ، والصراط حقّ، والميزان حقّ، وإنّ الساعة لآتية لا رَيبَ فيها، وإنّ الله يبعث مَن في القُبور، وأقول: إنّ الفرائض الواجبة بعد الولاية: الصلاة والزكاة والصوم والحجّ والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر.
    فقال عليّ بن محمّد عليه السّلام: يا أبا القاسم، هذا ـ واللهِ ـ دِينُ الله الذي ارتضاهُ لِعباده، فاثبُتْ عليه، ثبَّتَك اللهُ بالقَول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة (48).
    التعديل الأخير تم بواسطة عطر الولايه; الساعة 11-07-2011, 01:47 AM.

  • #2

    12 ـ التصدّق عنه عليه السّلام
    من علامات موّدة المؤمن لإمامه عليه السّلام أن يتصدّق عنه نيابةً، وقد ورد عن الأئمّة المعصومين عليهم السّلام مدحُ التصدّق عن سائر المؤمنين، والإمام المهدي عليه السّلام أفضلهم بلا شكّ، فيكون التصدّق عنه أفضل وأولى.
    روي عن علي بن أبي حمزة، قال: قلتُ لأبي إبراهيم؛ الكاظم عليه السّلام: أحجُّ وأُصلّي وأتصدّق عن الأحياء والأموات مِن قرابتي وأصحابي ؟ قال: نعم، تَصدَّقْ عنه وصَلِّ عنه، ولك أجرٌ آخر بصِلتك إيّاه (49).
    وروى الكليني في الكافي عن الإمام الصادق عليه السّلام، قال: ما يمنعُ الرجلَ منكم أن يَبرَّ والدَيهِ حَيّين ومَيّتَين، يصلّي عنهما، ويتصدّق عنهما، ويحجّ عنهما، ويصوم عنهما، فيكون الذي صنع لهما، وله مِثلُ ذلك، فيزيده اللهُ ببِرّه وصِلَته خيراً كثيراً (50) ؟!

    13 ـ الحجّ نيابةً عن الإمام عليه السّلام
    ورد استحباب الحجّ نيابةً عن المؤمنين مُطلقاً؛ والحجّ عن الإمام عليه السّلام أفضل بلا شكّ، سواءً حجّ المرءُ نيابةً عن إمامه عليه السّلام، أو بَعَث مَن يحجّ نيابةً عنه.
    روى الكليني عن ابن مُسكان، عن الإمام الصادق عليه السّلام، قال: قلت له عليه السّلام: الرجل يحجّ عن آخر، ما له من الأجر والثواب ؟ قال عليه السّلام: للذي يحجّ عن رجل أجرُ وثوابُ عشرِ حِجَج (51).
    وروى الصدوق في الفقيه عن الإمام الصادق عليه السّلام، أنّه سئل عن الرجل يحجّ عن آخر، أله من الأجر والثواب شيء ؟ فقال عليه السّلام: للذي يحجّ عن الرجل أجر وثواب عشر حِجج، ويُغفر له ولأبيه ولأمّه ولابنه ولابنته ولأخيه ولأخته ولعمّه ولعمّته ولخاله ولخالته، إنّ الله تعالى واسعٌ كريم (52).
    والنيابةُ عن مولانا صاحب العصر والزمان أعظم قدراً وأفضل أجراً، لأنّه عليه السّلام أعظم أهل الإيمان قدراً وأفضلهم شأناً وأجراً.
    وروى الشيخ الطوسي في التهذيب أنّ الإمام الرضا عليه السّلام بعث عدّة نفر إلى مكّة وأمرهم أن يحجّوا عنه (53).

    14 ـ الطواف نيابةً عنه عليه السّلام
    يستحبّ للمؤمن أن يطوف بيتَ الله الحرام نيابةً عن إمامه عليه السّلام، أو أن يبعث مَن يطوف نيابةً عنه عليه السّلام. ويدلّ على هذا الاستحباب ما ورد من استحباب بعث النائب ليحجّ نيابةً عنه صلوات الله عليه.
    وقد روى الكليني في الكافي في استحباب الطواف عن الإمام الحيّ خصوصاً، باسناده عن موسى بن قاسم، قال: قلتُ لأبي جعفر الثاني ( أي الإمام الجواد عليه السّلام ): قد أردتُ أن أطوف عنك وعن أبيك، فقيل لي: إنّ الأوصياء لا يُطاف عنهم. فقال عليه السّلام لي: بل طُفْ ما أمكنك، فإنّ ذلك جايز.
    ثمّ قلتُ له بعد ذلك بثلاث سنين: إنّي كنتُ استأذنتُك في الطواف عنك وعن أبيك، فأذِنتَ لي في ذلك، فطُفتُ عنكما ما شاء الله ثمّ وقع في قلبي شيء فعملتُ به.
    قال: وما هو ؟ قلتُ: طُفتُ يوماً عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ فقال عليه السّلام ثلاث مرّات: صلّى الله على رسول الله ـ ثمّ اليوم الثاني عن أمير المؤمنين عليه السّلام، ثمّ طُفتُ اليومَ الثالث عن الحسن، والرابع عن الحسين، والخامس عن عليّ بن الحسين، والسادس عن أبي جعفر محمّد بن عليّ، واليوم السابع عن جعفر بن محمّد، واليوم الثامن عن أبيك موسى، واليوم التاسع عن أبيك عليّ، واليوم العاشر عنك يا سيّدي، وهؤلاء الذين أدينُ اللهَ بولايتهم. فقال: إذاً ـ واللهِ ـ تَدينُ اللهَ بالدِّينِ الذي لا يَقبَلُ من العِباد غيرَه. قلتُ: وربّما طُفتُ عن أمّك فاطمة وربّما لم أطُف. فقال: استكثِرْ من هذا، فإنّه أفضلُ ما أنت عامِلُه إن شاء الله (54).

    15 ـ زيارة مشاهد النبيّ والأئمّة المعصومين عليهم السّلام نيابةً عنه عليه السّلام
    من المألوف بين خواصّ شيعة أهل البيت عليهم السّلام: النيابة في زيارة المشاهد المقدّسة. وممّا لا شكّ فيه أنّ من سرور صاحب العصر عليه السّلام أن يزور المؤمن مشاهدَ آبائه الكرام عليهم السّلام نيابةً عنه، وقد روى المجلسيّ في باب المزار من كتابه؛ بحار الأنوار أنّ الإمام الهادي عليه السّلام أنفذ زائراً عنه إلى مشهد أبي عبدالله الحسين عليه السّلام وقال: إنّ لله مَواطِنَ يُحبّ أن يُدعى فيها فيُجيب، وإنّ حائر الحسين عليه السّلام من تلك المَواطن (55).
    وروى المحدّث الحرّ العاملي في الوسائل عن داود الصَّرمي، عن أبي الحسن العسكري عليه السّلام، قال: قلت له: إنّي زُرتُ أباك وجعلتُ ذلك لك، فقال عليه السّلا: لك بذلك من الله ثوابٌ وأجر عظيم، ومِنّا المَحمَدة (56).

    16 ـ السعي في خدمته عليه السّلام
    للمؤمن أن يتأسّى بذلك بملائكة الله المأمورين بخدمة الأئمّة، وحسبك شاهداً على هذا قول الإمام الصادق عليه السّلام في حديثه الذي تقدّم ذِكره: « ولو أدركتُه لخَدَمتُه أيّامَ حياتي » (57).
    قال مؤلف مِكْيال المَكارِم بعد نقله كلام الإمام الصادق عليه السّلام: فظَهَر من هذا الكلام أنّ السعي في خدمة القائم عليه السّلام أفضل الطاعات وأشرف القُربات؛ لترجيحه واختياره خدمتَه على سائر أصناف الطاعة وأقسام العبادة (58).
    والخدمة أخصّ من النُّصرة، لأنّها تعني مباشرةَ الخادم لما يفعله، ولأنّها تشتمل على التواضع للمخدوم، بخلاف النصرة التي قد تحصل بغير المباشرة، والتي قد لا تشتمل على التواضع للمخدوم.

    17 ـ الاهتمام في نُصرته عليه السّلام
    المراد بنصرته هو الإقدام والمساعدة في كلّ أمر يعلم المؤمن أنّه محبوب من قِبل إمامه عليه السّلام؛ فالنصرة في زمن ظهوره تحصل على نحوٍ معيّن، وفي زمن غيبته على نحوٍ آخر، فقد تكون بالتقيّة، وقد تكون بالدعوة إليه، وقد تكون بالجهاد بين يديه، وقد تكون بالدعاء في تعجيل فَرَجه وظهوره، وقد تكون بذِكر فضائله، وقد تكون بنصرة أحبّائه وأوليائه.
    قال تعالى: ولَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُه إنّ اللهَ لَقَويٌّ عزيز (59). ولمّا كان لكل امرئٍ ما نوى، فإنّ العزم القلبيّ على نُصرته في زمن ظهوره يستوجب للمؤمن ثواب الجهاد بين يدَي صاحب العصر عليه السّلام، وقد روى الكُليني عن الإمام الصادق عليه السّلام، قال:
    إنّ العبد المؤمن الفقير لَيقول: يا ربِّ ارزُقْني حتّى أفعلَ كذا وكذا من البِرّ ووجوه الخير، فإذا عَلِمَ اللهُ عزّوجلّ ذلك منه بصِدق نِيّة، كتب اللهُ له من الأجر مِثلَ ما يكتب له لو عمله، إنّ الله واسعٌ كريم (60).

    18 ـ تجديد البيعة له
    المُبايعة: المعاقدة والمعاهدة، كأنّ كلاًّ منهما باعَ ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصةَ نفسه ودخيلة أمره.
    وقد أمر النبيّ صلّ الله عليه وآله وسلّم يوم غدير خمّ جميعَ الأمّة بمبايعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام، وروى علماء المسلمين عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: مَن مات ولا بيعة عليه مات مِيتةً جاهليّة (61)، وأنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: مَن مات بغير إمام، مات ميتةً جاهليّة (62). ولمّا كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد نصّ على الأئمّة عليهم السّلام بأسمائهم، وبيّن لأمّته أنّ أوّلهم عليّ بن أبي طالب عليه السّلام وآخرهم المهديّ: محمّد بن الحسن العسكريّ عليه السّلام.. فإن المؤمن يكون مُلزَماً بمبايعة إمامه عليه السّلام، لئلاّ يكون من مصاديق الحديث الشريف « مَن مات ولم يَعرِف إمامَ زمانه... ».
    وقد روي استحباب تجديد البيعة لصاحب العصر عليه السّلام كلّ يوم، وذكروا أنّه يستحبّ قراءة دعاء العهد بعد صلاة الفجر كلّ يوم.
    ويستحبّ تجديد العهد والبيعة له عليه السّلام في كلّ جمعة (63).

    19 ـ صِلته عليه السّلام بالمال
    ذلك بأن يجعل المؤمن بعض ماله هديةً لإمام زمانه عليه السّلام، وأن يداوم على هذا العمل في كلّ سنة، يستوي في ذلك الغنيّ والفقير، قال تعالى: لا يُكلِّفُ اللهُ نفساً إلاّ وُسعَها (64).
    وروي عن الإمام الصادق عليه السّلام أنّه قال: مَن زعم أنّ الإمام يحتاج إلى ما في أيدي الناس فهو كافر، إنّما الناس يحتاجون أن يقبل منهم الإمامُ، قال الله عزّوجلّ: خُذ مِن أموالِهم صَدَقةً تُطهِّرُّهُم وتُزكيّهم بها (65).
    وروى الكُليني عن ابن بكير، قال: سمعتُ أبا عبدالله؛ الصادق عليه السّلام يقول: إنّي لآخذُ من أحدكم الدرهم وإنّي لَمِن أكثر أهل المدينة مالاً، ما أُريد بذلك إلاّ أن تَطَهَّروا (66).
    وروي عن الإمام الصادق عليه السّلام، قال: لا تَدَعوا صِلة آل محمّد صلوات الله عليهم أجمعين من أموالكم؛ مَن كان غنيّاً فعلى قَدْر غِناه، ومَن كان فقيراً فعلى قَدر فقره. ومن أراد أن يقضي اللهُ أهمّ الحوائج إليه، فلْيَصِلْ آلَ محمّد صلوات الله عليهم أجمعين وشيعتَهم بأحوَج ما يكون إليه من ماله (67).
    وتحصل صِلة صاحب العصر عليه السّلام في زمن الغَيبة بصرف المال في المصارف التي يُعلم رضاه بها وحبّه لها، وبقصد صِلته، مثل طبع الكتب المتعلّقة به، وإقامة مجالس ذِكره، والدعوة إليه، وصِلة شيعته ومحبّيه، خصوصاً الذريّة العلويّة، والعلماء الناشرين لمعارف أهل البيت عليهم السّلام ورواة أحاديث الأئمّة الطاهرين، ونحو ذلك (68).
    روى الشيخ الصدوق في الفقيه عن الإمام الصادق عليه السّلام، قال: مَن لم يَقدِر على صلتنا، فليصِلْ صالحي موالينا، يُكتب له ثواب صلتنا. ومن لم يقدر على زيارتنا، فليزُرْ صالحي موالينا، يُكتب له ثواب زيارتنا (69).

    20 ـ إدخال السرور عليه عليه السّلام
    إنّ إدخال السرور على أهل الإيمان يوجب سرور مولانا صاحب العصر عليه السّلام، وإدخال السرور قد يكون بالإعانة بالمال، أو بقضاء حوائجهم وتنفيس كُربتهم، وقد يكون بالدعاء لهم، وقد يكون باحترامهم وتبجيلهم، وقد يكون بغير ذلك ممّا لا يخفى.
    روى الكليني عن الإمام الصادق عليه السّلام، قال: لا يرى أحدُكم إذا أدخل على مؤمنٍ سروراً أنّه عليه أدخله فقط، بل ـ واللهِ ـ علينا، بل ـ واللهِ ـ على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (70).
    وروى عن أبي حمزة الثُّمالي، قال: سمعتُ أبا جعفر الباقر عليه السّلام يقول: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: مَن سَرّ مؤمناً فقد سَرّني، ومَن سرّني فقد سرّ الله (71).
    وروى عن هشام بن الحكم، عن أبي عبدالله الصادق عليه السّلام، قال: مِن أحبِّ الأعمال إلى الله عزّوجلّ إدخالُ السرور على المؤمن: إشباع جوعته، أو تنفيس كُربته، أو قضاء دَينه (72).

    21 ـ الصلاة عليه عليه السّلام
    صلاة المؤمن على إمامه عليه السّلام هي طلب الرحمة وعلوّ الدرجة له من الله عزّوجلّ، فإذا صلّينا على إمام عصرنا عليه السّلام بقولنا « اللهمّ صلِّ على مولانا وسيِّدِنا صاحبِ الزمان » كان ذلك طلبَ الرحمة له عليه السّلام في جميع ما يتعلّق به في الدارَين. ويندرج في ذلك طلب حِفظه وحفظ أنصاره وأوليائه من جميع ما يسوءه، وطلب كشف كلّ همّ وغمّ عن قلبه وقلوب أوليائه، وتعجيل فَرَجه وظهوره. وقد ورد في الدعاء المروي عنه عليه السّلام بتوسّط الشيخ الأجلّ أبي عمرو العَمْري نائبه الخاصّ عبارة « ولا تُنسِنا ذِكرَه وانتظارَه، والإيمانَ به، وقُوّةَ اليقينِ في ظُهوره، والدعاءَ له، والصلاةَ عليه » (73).
    وروى السيّدُ ابنُ طاووس في كتابه؛ جمال الأسبوع دعاءً فيه ذكر الصلاة على الإمام المهدي عليه السّلام بالخصوص (74)، كما روى غيره صلاةً على كلّ واحد من الأئمّة عليهم السّلام، وفيها الصلاة على الإمام المهديّ المنتظَر الحجّة بن الحسن عليه السّلام: « اللهمّ صلِّ على وليِّك وابن أوليائك الذين فرضتَ طاعتَهم، وأوجبتَ حقوقَهم، وأذهبتَ عنهم الرجسَ وطهّرتَهم تطهيراً. اللهمّ انصُرْهُ وانتصِرْ به لدينك، وانْصُر به أولياءَك وأولياءه وشيعتَه وأنصارَه، واجعَلْنا منهم. اللهمّ أعِذْهُ من شرِّ كلّ باغٍ وطاغٍ، ومن شَرّ جميعِ خلقِك، واحفَظْه مِن بينِ يدَيهِ ومِن خلفِه، وعن يَمينه وعن شمالِه، واحرُسْهُ وامنَعْهُ أن يُوصَلَ إليه بسوء، واحفَظْ فيه رسولَك والَ رسولِك، وأظِهرْ به العدل، وأيِّده بالنصر، وانصُر ناصِريه، واخذُل خاذليه، واقصِمْ به جبابرةَ الكُفْر، واقتُلْ به الكفّارَ والمنافقينَ وجميعَ المُلحدين حيث كانوا من مَشارقِ الأرض ومغاربها، وبَرِّها وبحرها، وسهلِها وجِبَلها، وامْلأْ به الأرضَ عدلاً، وأظهِرْ به دِينَ نبيِّك عليه وآله السّلام، واجعَلني اللهمّ مِن أنصاره وأعوانهِ وأتباعهِ وشيعتهِ، وأرِني في آلِ محمّد عليهم السّلام ما يأمُلون، وفي عدوِّهم ما يحذَرون، إلهَ الحقِّ ربَّ العالمين، آمين (75).

    22 ـ أن يصلّي المؤمن صلاته فيُهدي ثوابها إليه عليه السّلام
    روى السيّد ابن طاووس عن أحمد بن عبدالله البَجَلي، عن الأئمّة الطاهرين عليهم السّلام، قال: مَن جَعَل ثواب صلاته لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأمير المؤمنين والأوصياء من بعده صلوات الله عليهم أجمعين، أضعَف اللهُ له ثوابَ صلاته أضعافاً مضاعفة ـ الحديث (76).
    وورد أن يصلّي المؤمن صلاة مخصوصة بعنوان الهديّة إليه عليه السّلام. ولا حدّ ولا وقت ولا عدد لهذه الصلاة، وإنّ المؤمن لَيُهدي إلى محبوبه بقدر محبّته واستطاعته، ويخدمه على حسب طاقته. وقد ورد أنّ المؤمن إذا أمكنه أن يزيد على نوافله شيئاً ـ ولو ركعتَين في كلّ يوم ـ ويهديها إلى واحد منهم عليهم السّلام، يفتتح الصلاة في الركعة الأولى مثل صلاة الفريضة بسبع تكبيرات ـ أو ثلاث مرّات أو مرّة ـ ويقول بعد تسبيح الركوع والسجود ثلاث مرّات « صلّى الله على محمّد وآل محمّد الطيّبين الطاهرين » في كلّ ركعة، فإذا تشهدّ وسلّم، قال « اللهمّ أنتَ السّلام ومنكَ السّلام، ياذا الجَلال والإكرام، صلِّ على محمّدٍ وآل محمدٍ الطيّبينَ الطاهرينَ الأخيار، وأبلِغْهُم منّي أفضلَ التحيّةِ والسّلام. اللهمّ إنّ هذه الركعات هديّةٌ منّي إلى عبدِك وابن عبدِك، ووليِّك وابن وليِّك، سِبطِ نبيّك في أرضِك، وحُجّتِك على خلقِك. اللهمّ فتقبّلها منّي، وأبلِغْه إيّاها عنّي، وأثِبْني عليها أفضلَ أملي ورجائي فيك وفي نبيّك عليه السّلام، ووصيّ نبيّك، وفاطمةَ الزهراء ابنةِ نبيّك، والحسن والحسين سبطَي نبيّك، وأوليائك من وُلد الحسين عليه السّلام. يا وليَّ المؤمنين، يا وليَّ المؤمنين، يا وليَّ المؤمنين » (77).
    قال السيّد ابن طاووس: لعلّك لا تنشط لهذه الهدايا، إمّا لأنّك تقول « إنّ الهُداة مُستغنُون عنها »، أو لعلّك تستكثرها لتكرارها في كلّ يوم، فيميل طبعُك إلى التفرّغ منها. واعلَمْ أنّ القوم صلوات الله عليه مُستغنون عن هديّتك، ولكنْ أنت غير مُستغنٍ عن الهديّة إليهم وقرب مثوبتك لديهم، كما أنّ الله جلّ جلاله مُستغنٍ عن هذه الأحوال، فلْيكُن في نيّتك وسَريرتك عند ابتدائه أنّ المِنّةَ للهِ جلّ جلالُه ولهم صلوات الله عليهم (78).

    تعليق


    • #3
      36 ـ الاحتراز عن الاشتهار
      روى الشيخ الصدوق في كمال الدين عن الإمام الباقر عليه السّلام، قال: يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامُهم، فيا طُوبى للثابتين على أمرنا في ذلك الزمان...
      قال جابر الجعفي: يا ابنَ رسول الله، فما أفضلُ ما يستعمله المؤمن في ذلك الزمان ؟ قال: حِفظ اللسان، ولُزوم البَيت (131).
      وروي عن أمير المؤمنين عليه السّلام في بعض خُطبه في نهج البلاغة تحدّث فيها عن آخر الزمان فقال: « وذلك زمانٌ لا ينجو فيه إلاّ كلُّ مؤمنٍ نُوَمة، إنْ شَهِد لم يُعرَف، وإن غابَ لم يُفتقَد، أولئك مصابيح الهُدى وأعلام السرى.. » (132).
      وقد ذكرنا سابقاً سمات أصحاب الإمام الحجّة عليه السّلام، في حديث عن الإمام الصادق عليه السّلام قال: أولئك الخفيضُ عَيشُهم، المُنتقِلةُ دارُهم، الذين إن شَهِدوا لم يُعرَفوا، وإن غابُوا لم يُفتقَدوا، وإن مَرِضوا لم يُعادُوا، وإن خَطَبوا لم يُزَوَّجوا، وإن ماتوا لم يُشهَدوا (133).
      وروى النعماني عن أبي المُرهَف، قال: قال أبو عبدالله الصادق عليه السّلام: هَلَكت المحَاضير. قال: قلتُ: وما المحاضير ؟
      قال: المُستعجلون؛ ونجا المقرّبون، وثبت الحصن على أوتادها. كونوا أحلاسَ بُيوتِكم، فإنّ الغَبرةَ على مَن أثارها، وإنّهم لا يُريدونكم بجائحة إلاّ أتاهم اللهُ بشاغلٍ، إلاّ مَن تَعرَّض لهم (134).

      37 ـ المداومة على ذِكره عليه السّلام، والعمل بآدابه
      روى الكليني عن أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام أنّه قال على منبر الكوفة: « اللهمّ إنّه لابُدّ لك من حُجج في أرضِك، حجّةً على خلقك، يَهدونهم إلى دِينك، ويُعلِّمونهم عِلمك، كي لا يتفرّقَ أتباع أوليائك: ظاهر غير مُطاع، أو مُكتتم مترقّب، إن غابَ عن الناس شخصُهم في حال هُدنتهم، فلم يَغِبْ عنهم قديمُ مبثوث عِلمهم، وآدابُهم في قلوب المؤمنين مُثبتة، فهم بها عامِلون » (135).
      وأنّه عليه السّلام قال في هذه الخطبة في موضع آخر: «... اللهمّ فإنّي لأَعلمُ أنّ العِلم لا يأزر كلُّه ولا ينقطع مَوادُّه، وإنّك لا تُخلي أرضَك مِن حُجّةٍ لك على خلقِك، ظاهرٍ ليس بالمُطاع، أو خائفٍ مغمور، كي لا تبطل حجّتُك، ولا يضلّ أولياؤك بعد إذ هديتَهم.. » (136).
      وإذا كان الحجّة عليه السّلام قد غاب عن الناس شخصُه في عصر الغَيبة، فلم يَغِب عنهم مبثوثُ عِلمه وعِلم آبائه الطاهرين، وعلى المؤمنين المداومة على ذِكر إمامهم عليه السّلام والعمل بآدابه المثبتة في قلوبهم.

      38 ـ الاجتماع على نُصرته عليه السّلام
      قال تعالى: واعتصِموا بحبلِ الله جميعاً ولا تفرّقوا (137)، وروي عن الإمام الباقر عليه السّلام، قال: آلُ محمّد هُم حبلُ الله الذي أمَرَنا بالاعتصام به، فقال: واعتصِموا بحبلِ اللهِ جميعاً ولا تَفَرَّقوا (138).
      وفي الاجتماع تأثير لا يكون في الانفراد، على الرغم من أنّ النصرة تكليف كلّ فرد من أفراد المؤمنين، قال أمير المؤمنين عليه السّلام في خُطبة له: « أيّها الناس، لو لم تَتخاذلوا عن نَصر الحقّ، ولم تَهِنوا عن تَوهين الباطل، لم يَطمَع فيكم مَن ليس مثلَكم، ولم يَقْوَ مَن قَوِيَ عليكم، لكنّكم تِهتُم مَتاهَ بني إسرائيل. ولَعَمري لَيُضَعَّفنّ عليكم التِّيه مِن بعدي أضعافاً بما خلّفتمُ الحقَّ وراءَ ظهوركم.. » (139).
      وورد في التوقيع الصادر عن الإمام المهدي عليه السّلام إلى الشيخ المفيد:
      «... ولو أنّ أشياعنا ـ وفَّقَهم اللهُ لطاعته ـ على اجتماعٍ من القُلوبِ في الوفاء بالعهدِ عليهم، لَما تأخَّرَ عنهم اليُمْن بلقائنا، ولَتعجّلتْ لهم السعادةُ بمُشاهدتِنا على حقّ المعرفة وصِدقها منهم بنا... » (140).

      39 ـ أن يُؤثر المؤمن هوى إمامه هواه
      عليه السّلام على
      من وظائف المؤمن في عصر الغيبة، أن يُؤثر هوى إمامه عليه السّلام على هوى نفسه، فيتفكّر ـ إذا ورد عليه أمر ـ هل هو موافق لرضاه عليه السّلام أو مخالف له، ثمّ يُقدِم على ذلك الأمر إن وافق رضا إمامه عليه السّلام، ويجتنبه إن خالف رضاه عليه السّلام، فإذا كان المؤمن كذلك، كان محبوباً لإمامه عليه السّلام محموداً على لسانه وعلى ألسنة آبائه الطاهرين عليهم السّلام.
      روى الشيخ الطوسي عن منصور بن برزج، قال: قلت لأبي عبدالله الصادق عليه السّلام: ما أكثرَ ما أسمع منك يا سيّدي ذِكر سلمان الفارسي!
      فقال عليه السّلام: لا تَقُل « سلمان الفارسيّ »، ولكنّ قُل « سلمان المحمّدي »، أتدري ما كثرة ذِكري له ؟ قلتُ: لا. قال عليه السّلام: لثلاث خصال:
      إحداها: إيثاره هوى أمير المؤمنين عليه السّلام على هوى نفسه.
      والثانية: حبّه للفقراء، واختياره إيّاهم على أهل الثروة والعدد.
      والثالثة: حبّ العِلم والعلماء. إن سلمان كان عبداً صالحاً حنيفاً وما كان من المشركين (141).
      ونلاحظ أنّ هذه الصفات الحسنة تُرتّب عليها آثار حسنة، من جملتها محبّة الأئمّة الأطهار عليهم السّلام لصاحبها، ومدحهم له وكثرة ذِكرهم له.

      40 ـ تعظيم مَن ينتسب إليه عليه السّلام بقرابة جسميّة أو روحانيّة
      جرى دَيدَنُ العقلاء على توفير أبناء العظماء وإخوانهم ومن ينتسب إليهم، وعلى أنّهم يَرَون التعظيمَ لهم تعظيماً لهؤلاء العظماء، ويَرَون تَركَ التعظيم والتوقير لهم استخفافاً بشأن هؤلاء.
      ومن وظائف المؤمن: تعظيمُ مَن ينتسب إلى الأئمّة عليهم السّلام بقرابة النسب ـ كالسادة العلويّين ـ ومن ينتسب إليهم بقرابة روحانية كالعُلماء والمؤمنين.
      وقد رُوي عن الإمام الصادق عليه السّلام أنّه قال: مَن أدخل السرور على مؤمنٍ فقد أدخله على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، ومَن أدخله على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقد وصل ذلك إلى الله، وكذلك مَن أدخل عليه كرباً (142).
      وروي عن الإمام الصادق عليه السّلام، قال: مَن لم يَقِدر على صِلتنا فليَصِلْ صالحي مُوالينا ( وفي نسخة: شيعتنا )، يُكتَبْ له ثواب صِلتنا، ومن لم يقدر على زيارتنا فليَزُرْ صالحي موالينا، يُكتب له ثواب زيارتنا (143).

      41 ـ تعظيم مواقفه ومشاهده عليه السّلام
      من الجدير بالمؤمن أن يُعظّم مواقف إمامه الحجّة عليه السّلام ومشاهده، إذ بالإضافة يتميّز المُضاف ويُعرَف قَدْرُه، وإنّ هذه المشاهد التي مَثلَ فيها شخص الحجّة عليه السّلام الكريم، وتشرّفت بالانتساب إليه، لَجديرةٌ بالتعظيم والتكريم والرعاية، وقديماً قال الشاعر:

      أمرُّ على الديارِ ديارِ لَيلى أُقبِّلُ ذا الجدارَ وذا الجدارا وما حُبُّ الديارِ شَغَفْنَ قلبي ولكنْ حُبُّ مَن سَكَنَ الديارا
      ومن المَشاهِد التي تنتسب إلى الإمام الحجّة عليه السّلام: مسجد السَّهلة ( قُرب مسجد الكوفة )، والمسجد الأعظم بالكوفة، والسرداب المبارك بسامرّاء ( وكان جزءاً من بيت الإمام الحسن العسكري عليه السّلام حيث عاش الإمام الحجّة عليه السّلام وترعرع )، ومسجد جَمْكَران ( قرب مدينة قُم ).
      ويجدر بالذِّكر أنّ الشيعة تُعظّم السرداب المبارك بسامرّاء باعتباره جزءاً من البيت الذي عاش فيه الإمام العسكري والإمام المهدي عليهما السّلام، وليس فيهم مَن يقول بأنّ الإمام المهدي عليه السّلام سيظهر هناك، بل يقولون ـ كما سبق أن فصّلنا ـ أنّه سيظهر في مكّة عند الكعبة، وفقاً للروايات المتكاثرة المتناقلة من قِبل علماء المسلمين.
      وقد روى علماء الفريقين عن أنس بن مالك وبريدة أنّ رسول الله صلّى الله قرأ قوله تعالى: في بُيوتٍ أَذِنَ اللهُ أن تُرفَعَ (144) الآية، فقام رجل فقال: أيُّ بيوتٍ هذه يا رسولَ الله ؟ فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: بيوتُ الأنبياء. فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله، هذا البيت منها ؟ وأشار إلى بيتِ عليّ وفاطمة. قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: نعم، مِن أفاضِلِها (145).
      كيفيّة تعظيم مواقفه ومشاهده عليه السّلام
      أمّا كيفيّة تعظيم مواقف الإمام المهديّ عليه السّلام ومشاهده، بل جميع مشاهد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمّة الأطهار عليهم السّلام، فالضابط في ذلك هو أنّ ما يَصدُق عليه عنوانُ تعظيم تلك المشاهد وتجليلها وتكريم صاحبها هو الراجح والمحبوب شرعاً، ومن ذلك:
      • الصلاة والذِّكر والدعاء عندها: ويدلّ عليه أنّ الله تبارك وتعالى أذِن لهذه البيوت أن تُرفع ويُذكَر فيها اسمه حسب نصّ الآية الكريمة، كما تدلّ عليه الأخبار العديدة.
      • تزيينها وتقبيلها وعمارتها والدخول فيها بسَكينة ووَقار، حافياً متطهّراً متطيّباً، والاحتراز عن تنجيسها أو دخولها جُنُباُ، وأن لا يشتغل فيها بأمور الدنيا، وأن يجتنب فيها المحرّمات والمكروهات، ويجتنب المزاح والضحك والعبث والجدال والمِراء ورَفْعَ الصوت، ونحو ذلك ممّا ينافي التعظيم والتوقير.
      • الاستئذان عند الدخول: فهي من أفاضل بيوت الأنبياء، وقد أمر الله سبحانه عباده بالاستئذان عند دخول بيت النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال عزّ من قائل: يا أيّها الذينَ آمنوا لا تَدخُلوا بُيوتَ النبيِّ إلاّ أن يُؤذَنَ لكم (146).
      • إيقاد المصابيح الكثيرة فيها: حيث روي أنّ الإمام الباقر عليه السّلام لمّا قُبض أمر الإمامُ أبو عبدالله الصادق عليه السّلام بالسِّراج في البيت الذي كان يسكنه حتّى قُبض أبو عبدالله عليه السّلام، ثمّ أمر أبو الحسن الكاظم عليه السّلام بمِثل ذلك في بيت أبي عبدالله عليه السّلام حتّى خرج إلى العراق (147).
      • تعظيم ليلة ولادته عليه السّلام: وهي ليلة النصف من شهر شعبان، وقد ورد في فضلها عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمّة الأطهار عليهم السّلام أحاديث كثيرة، وروي عن أئمّة الهُدى عليهم السّلام أنّه يُستحبّ أن يُدعى في الليلة التي وُلد فيها الحجّة المنتظر بدعاء خاصّ، أوّله « اللهمَّ بحقِّ ليلتِنا هذه ومولودِها، وحُجّتِكَ وموعودِها التي قَرَنْتَ إلى فضلِها فضلاً، فتمّتْ كلمتُك صِدقاً وعدلاً... » (148).

      42 ـ ترك التوقيت، وتكذيب الموقّتين
      لقد اقتضت حكمة الباري تعالى البالغة إخفاءَ وقتِ ظهور صاحبِ الأمر عن عباده؛ لأنّه ـ كما في حديث الإمام الصادق عليه السّلام الذي رواه المفضّل بن عمر ـ هو الساعةُ التي قال الله عزّوجلّ: يسألونكَ عنَ الساعةِ أيّانَ مُرساها (149)، وقوله تعالى: يسألونكَ عن الساعة أيّان مُرساها قل إنّما عِلمُها عند ربّي... لا تأتيكم إلاّ بَغتةً (150)، وقوله تعالى: وعندَهُ عِلمُ الساعة (151).
      وروى الشيخ النعماني عن محمّد بن مسلم، قال: قال أبو عبدالله الصادق عليه السّلام: يا محمّد، مَن أخبرك عنّا توقيتاً بوقتٍ فلا تَهابَنَّ أن تُكذِّبَه، فإنّا لا نوقِّت لأحدٍ وقتاً (152).
      وروى عن أبي بصير أنّه سأل الإمام الصادق عليه السّلام عن القائم عليه السّلام، فقال عليه السّلام: كذب الوقّاتون، إنّا أهلُ بيتٍ لا نُوقِّت. ثمّ قال: أبى اللهُ إلاّ أن يُخلِف وقتَ الموقِّتين (153).
      وقد اقتضت الحكمة الإلهيّة أن يكون المؤمنون مُنتظِرين لظهور الإمام الحجّة عليه السّلام، وأن يُمحَّصوا بانتظارهم هذا ويُفتنوا حتّى لا يبقى منهم إلاّ القليل، وحسب تعبير الإمام الرضا عليه السّلام: واللهِ لا يكون الذي تَمُدّونَ إليه أعيُنَكُم حتّى تُمحَّصوا وتُميَّزوا، وحتّى لا يبقى منكم إلاّ الأندَر فالأندَر (154).

      43 ـ تكذيب من ادّعى الوكالة والنيابة الخاصّة عنه عليه السّلام في عصر الغيبة الكبرى
      اتّفقت الإماميّة على اختتام النيابة الخاصة وانقطاع الوكالة بوفاة الشيخ الجليل عليّ بن محمّد السَّمَري النائب الرابع والأخير من نوّاب الإمام الحجّة عليه السّلام، وأنّه ليس له عليه السّلام بعد وفاة السَّمَري إلى زمن ظهوره عليه السّلام نائب خاصّ ينوب عنه في شيعته، وأنّ المرجع في عصر الغيبة الكبرى هم العُلماء العاملون الحافظون لحدود الله، وأنّ من ادّعى النيابة الخاصّة فهو كاذب مردود.
      وروى الشيخ الصدوق عن الحسن بن أحمد المكتب أنّ الشيخ عليّ بن محمد السمري أخرج إلى الناس توقيعاً ( أي كتاباً عن الحجّة عليه السّلام ) جاء فيه:
      بسم الله الرحمن الرحيم، يا عليّ بن محمّد السَّمري، أعظَمَ اللهُ أجرَ إخوانك فيك، فإنّك ميّتٌ ما بينَك وبين ستّة أيّام، فاجمَعْ أمرَكَ، ولا تُوصِ إلى أحدٍ يقومُ مَقامَك بعد وفاتِك، فقد وَقَعت الغَيبةُ الثانية، فلا ظهورَ إلاّ بعد إذنِ الله عزّوجلّ، وذلك بعد طُولِ الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جَوراً، وسيأتي من شيعتي مَن يَدّعي المُشاهَدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبلَ خروج السُّفياني والصَّيحة فهو كاذب مُفترٍ، ولا حَول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم (155).

      44 ـ الدعاء للتشرّف بلقاء الحجّة عليه السّلام
      من تكاليف الفرد المؤمن في عصر غيبة إمامه المنتظر عليه السّلام: أن يسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقه لقاءَ إمامه عليه السّلام مقترناً بالعافية والإيمان. وقد روي عن الصادق عليه السّلام في دعاء العهد: « ... اللهمّ أرِني الطَّلعةَ الرشيدة، والغُرَّةَ الحميدة.. » (156).
      وفي الدعاء الذي رواه العَمْري عن صاحب الأمر عليه السّلام:
      « اللهمّ إنّي أسألك أن تُرِيَني وليَّ أمرِك ظاهراً نافِذَ الأمر.. » (157).
      وروى الشيخ الكليني عن الإمام الصادق عليه السّلام، قال: إذا تمنّى أحدُكم القائمَ عليه السّلام فَلْيَتَمَنَّه في عافية ـ الحديث (158). وقد علّل الإمام الصادق عليه السّلام ذلك بأن الله تعالى بعث نبيّه رحمةً فلم يأمره بالانتقام من الكافرين والظالمين إذا لم يبدأوه بقتال، وقال له: فمَهِّلِ الكافرينَ أمهِلْهُم رُوَيداً (159)، وأمر الإمامَ المنتظر عليه السّلام بالانتقام ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون، فقال عزّوجلّ عن زمانه: ولنُذيقنّهم مِن العذابِ الأدنى دونَ العذابِ الأكبر (160).
      ولذلك أمَرَ الأئمّة عليهم السّلام شيعتَهم أن يسألوا اللهَ العافيةَ من محن آخر الزمان والفوز بلقاء إمامهم المنتظر عليه السّلام مُعافَين سالمين، ليكونوا من المتنعّمين بظهوره ولقائه، لا المنحرفين الشاكّين، ولا المُغيّرين المُبدّلين، ولا المغضوب عليهم ولا الضالّين .. الذين ينتقم المهدي عليه السّلام منهم.
      وقد جاء في الخبر الذي رواه الشيخ الكليني في أصول الكافي عن سُدَير الصَّيرفي، قال: سمعتُ أبا عبدالله الصادق عليه السّلام يقول: إنّ في صاحب هذا الأمر شَبَهاً من يوسف عليه السّلام... فما تُنكر هذه الأمّة أن يفعل الله عزّوجلّ بحُجّته كما فَعَل بيوسف: أن يمشي في أسواقهم ويطأ بُسُطَهم، حتّى يأذَنَ الله في ذلك له كما أذِن ليوسف، قالوا أإنّكَ لأنتَ يُوسُفُ قال أنا يوسف (161).
      وورد في فضل قراءة دُعاد العهد الذي رواه المجلسي في البحار عن الإمام الصادق عليه السّلام أنّه قال: مَن قرأ بعد كلّ فريضة هذا الدعاء، فإنّه يرى الإمامَ محمّد بن الحسن عليه وعلى آبائه السّلام في اليقظة أو في المنام (162).

      45 ـ الاقتداء والتأسّي بأخلاقه وأعماله عليه السّلام
      حقيقة الائتمام هي أن يقتدي المؤمن بإمامه عليه السّلام ويتأسى بأخلاقه وأعماله فيما يَقدِر عليه بحَسْب حاله، وبه يحصل كمالُ الإيمان وتمام موالاة الإمام. وقد جاء في كتاب أمير المؤمنين عليه السّلام إلى عثمان بن حُنَيف عامله على البصرة: ألا وإنّ لكلّ مأمومٍ إماماً يقتدي به ويستضيء بنور عِلمه (163).
      وروى الكليني عن الإمام زين العابدين عليه السّلام، قال: لا حَسَب لقرشيّ ولا لعربيّ إلاّ بتواضع، ولا كرم إلاّ بتقوى، ولا عمل إلاّ بالنيّة، ولا عِبادة إلاّ بالتفقُّه، ألا وإنّ أبغض الناس إلى الله مَن يقتدي بسُنّة إمامٍ ولا يقتدي بأعماله (164).
      والمراد من كلامه عليه السّلام أنّ أبغض الناس إلى الله مَن يكون على طريقة الإمام فيُقرّ بإمامته وولايته وهو مع ذلك يُخالفه في الأعمال والأخلاق، لأنّه إذا خالف إمامه في أعماله وأخلاقه كان شَيناً على الإمام وسبباً لطعن الأعداء عليه (165)، ولهذا قالوا عليهم السّلام: كونوا لنا زَيناً، ولا تكونوا علينا شَيناً (166).
      وروى الكليني في الكافي عن الإمام الصادق عليه السّلام، قال: إنّا لا نَعُدّ الرجلَ مؤمناً حتّى يكون لجميع أمرنا مُتّبِعاً ومريداً. إلا ومِن اتّباع أمرنا وإرادته الوَرَع، فتزَيَّنوا به رحمكم اللهُ تعالى، وكيدوا أعداءنا به يُنعِشْكم الله (167).
      وروى عن ابن أبي يعفور، قال: قال أبو عبدالله الصادق عليه السّلام: كونوا دُعاة الناس بغير ألسنتكم، لِيَرَوا منكم الورعَ والاجتهادَ والصلاة والخير، فإنّ ذلك داعية (168).
      وروى الكليني عن الإمام الصادق عليه السّلام قال: مررتُ أنا وأبو جعفر الباقر عليه السّلام على الشيعة وهم ما بين القبر والمنبر، فقلتُ لأبي جعفر عليه السّلام: شيعتُك ومواليك ـ جعلني الله فِداهم. قال: أين هم ؟ فقلت: أراهم ما بين القبر والمنبر، فقال: إذهَبْ بي إليهم. فذهب فسلّم عليهم، ثمّ قال: واللهِ إنّي لأُحبّ رِيحَكُم وأرواحَكُم، فأعينوا مع هذا بوَرَعٍ واجتهاد، إنّه لا يُنال ما عند الله إلاّ بورعٍ واجتهاد ـ الحديث (169).
      ونلاحظ أنّ الإمام الباقر عليه السّلام بعد أن شوّق شيعته ورغّبهم، أمرهم بالاقتداء بإمامهم ثمّ قال عليه السّلام « فأعينوا مع هذا بورع واجتهاد »، لأن في هذا إعانةً لإمامهم من وجهَين وإعانةً لأنفسهم من وجهَين:
      ثمرات الاقتدا بالإمام عليه السّلام
      أمّا كَون اقتدائهم بإمامهم عليه السّلام إعانةً له عليه السّلام
      1 ـ فلأنّ معنى الإعانة مساعدة الغير على أمر يريده، ولا ريب أنّ هدف الإمام هو ترويج دين الله تعالى. فإذا اجتهد المؤمن في طاعة الله عزّوجلّ وتورّع عن المعاصي، فقد ساعد إمامَه في مرامه، فيُعيبنه الإمام عليه السّلام جزاءً له.
      2 ـ والوجه الثاني أنّ اجتهاد المؤمن في الطاعة وورعه عن المعصية يستتبع حثَّ الناس وترغيبَهم في اتّباع طريقته، وعِلمهم بأحقّية إمامه عليه السّلام، فيكون ذلك سبباً في اتّباع الناس للإمام عليه السّلام وإقرارهم به وإعراضهم عن أعدائه.
      وأمّا كوَنه إعانةً لأنفسهم
      1 ـ فلأنّ الاجتهاد في الطاعة والتورّع عن المعصية سبب لبقاء الإيمان وثباته، كما أنّ الاقتحام والإصرار على السيّئات قد يكون مَدعاةً لزوال الإيمان. قال تبارك وتعالى: ثمّ كانَ عاقبةَ الذين أساؤوا السُّوأى أنْ كَذّبوا بآياتِ اللهِ وكانوا بها يَستهزئون (170).
      2 ـ ولأنّ الاجتهاد في الطاعة، والورع عن الآثام، والاقتداء بالإمام يكون سبباً لمجاورته عليه السّلام في دار السلام، فيكون إعانةً من المؤمنين لأنفسهم في الفوز بجوار الإمام في دار السلام، كما أنّ مخالفته في الأعمال توجب الحرمان من هذا الثواب، والبُعد عن جوار الأئمّة الأطياب (171).
      روى الكليني عن الإمام الصادق عليه السّلام، أنّ أباه؛ الباقر عليه السّلام قال:
      يا بُنيّ، إنّك إن خالفتَني في العمل، لم تَنزِلْ معي غداً في المنزل. ثمّ قال عليه السّلام: أبى اللهُ عزّوجلّ أن يتولّى قومٌ قوماً يُخالفونهم في أعمالهم، ينزلون معهم يوم القيامة، كلاّ وربِّ الكعبة (172).

      46 ـ حِفظ اللسان عن غير ذِكر الخالق المنّان
      لمّا كان المؤمن في عصر غَيبة إمامه المنتظر عليه السّلام أكثر تعرّضاً للفتنة والخطر والامتحان، كان اهتمامه بحفظ لسانه آكدَ وأهمّ من سائر الأزمان. وقد روى الشيخ الصدوق عن جابر، عن الإمام الباقر عليه السّلام ، قال: يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامُهم، فيا طوبى للثابتين على أمرنا في ذلك الزمان...
      قال جابر: فقلت: يا ابن رسول الله، ما أفضلُ ما يستعمله المؤمنُ في ذلك الزمان ؟ قال عليه السّلام: حِفظُ اللسان، ولُزومُ البيت (173).
      وروى الشيخ الكليني عن الإمام الكاظم عليه السّلام أنّه قال له رجل: أوصِني، فقال عليه السّلام: احفَظْ لسانَك تعزّ، ولا تُمكِّن الناسَ من قِيادِكَ فتذلَّ رقبتك (174).
      وروى عن الإمام الصادق عليه السّلام في فضل الصمت، قال: لا يزال العبدُ المؤمن يُكتَب مُحسناً ما دام ساكتاً، فإذا تكلّم كُتِب: محسناً أو مسيئاً (175).

      47 ـ البكاء في مصيبة الإمام الحسين الشهيد عليه السّلام
      ولا ريب في أنّ البكاء في مصيبة الإمام الحسين الشهيد عليه السّلام ممّا يحصل به أداء حقّ الإمام، وأداء حقّه عليه السّلام من أعظم ما يُتقرَّب به إليه عليه السّلام.
      روى الشيخ ابن قُولَوَيْه في كامل الزيارات عن الإمام الصادق عليه السّلام في حديث طويل في فضل البكاء على الحسين عليه السّلام، قال عليه السّلام: وما عَينٌ أحبّ إلى الله ولا عَبرة، مِن عَينٍ بَكَتْ ودَمِعَتْ عليه، وما مِن باكٍ يَبكيه إلاّ وقد وَصَلَ فاطمةَ عليها السّلام وأسعَدَها عليه، ووصل رسولَ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأدّى حقَّنا. وما مِن عبدٍ يُحشَر إلاّ وعيناه باكية، إلاّ الباكي على جدّي الحسين، فإنّه يُحشَر وعيناه قريرة، والبشارة تلقاه، والسرور على وجهه ـ الحديث (176).
      وفي قول الإمام الصادق عليه السّلام في الحديث السابق « وأدّى حقّنا » دلالة على أنّ البكاء على الحسين الشهيد عليه السّلام أداء لحقّ صاحب الأمر وسائر الأئمّة عليهم السّلام.

      48 ـ زيارة قبر الإمام الحسين عليه السّلام
      ممّا يتقرّب به المؤمن إلى إمامه صاحب العصر عليه السّلام: زيارة قبر سيّد الشهداء الحسين عليه السّلام؛ لأنّ زيارته عليه السّلام صِلة لصاحب العصر وبِرٌّ به وبسائر الأئمّة عليهم السّلام.
      روى الشيخ ابن قولَوَيْه في كامل الزيارات عن الإمام الصادق عليه السّلام، قال: مَن أتى قبرَ أبي عبدالله فقد وَصَلَ رسولَ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ووَصَلَنا، وحَرُمَتْ غيبتُه، وحَرُمَ لحمُه على النار ـ الحديث (177).
      وروى عن الإمام الصادق عليه السّلام، قال: مِن أحبّ الأعمال إلى الله زيارةُ قبر الحسين عليه السّلام، وأفضل الأعمال عند الله إدخالُ السرور على المؤمن، وأقرب ما يكون العبدُ إلى الله وهو ساجدٌ باكٍ (178).
      وروى الشَّجَري في فضل زيارة الحسين عليه السّلام عن أُمّ سَلَمة، قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: مَن زارني بعد وفاتي فكأنّما صَحِبَني أيّام حياتي، ومن زار قبرَ المظلوم من أهل بيتي فكأنّما زارني ـ الحديث (179).
      وروى الشَّجري أيضاً عن أبي حمزة الثُّمالي، عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام، أنّه تلا هذه الآية: إنّا لَنَنْصُر رُسُلَنا والذينَ آمنَوا في الحياة الدنيا ويومَ يَقومُ الأشهادُ (180) فقال: الحسين بن عليّ منهم، وواللهِ إنّ بكاءكم عليه، وحديثكم بما جرى عليه، وزيارتكم قبرَه نُصرةٌ لكم في الدنيا. فأبشِروا؛ فإنّكم معه في جِوارِ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (181).
      وروى عن سليم بن منصور بن عمّار أنّه سأل ابنَ لهيعة: ما في زيارة قبر الحسين عليه السّلام ؟ فقال ابن لهيعة: واللهِ لو كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حيّاً لَسرّه إذا زرتَ قبرَ ابنه، ومَن سرّ رسولَ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقد اتّخذ عند الله عهداً (182).
      وروى ابن قولَوَيه في حديث صفوان الجمّال، عن الإمام الصادق عليه السّلام، قال: لو يعلم زائر الحسين عليه السّلام ما يدخل على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وما يصل إليه من الفرح، وإلى أمير المؤمنين عليه السّلام، وإلى فاطمة، وإلى الأئمّة عليهم السّلام، والشهداء منّا أهل البيت، وما ينقلب به من دعائهم له، وما له في ذلك من الثواب في العاجل والآجل، والمذخور له عند الله، لأحبَّ أن يكون ما رأى دارَهُ ما بقي ـ الخبر (183).

      49 ـ الاهتمام بأداء حقوق الإخوان
      من وظائف المؤمن التي تقرّبه إلى إمامه عليه السّلام: اهتمامه في أداء حقوق إخوانه المؤمنين، فإنّه نُصرة لإمامه وإدخالٌ للسرور عليه. وقد مرّ سابقاً أنّ الإمام بمنزلة الوالد للمؤمنين، ولا ريب أنّ الإحسان إلى الأولاد تودّد إلى والدهم وإحسان إليه.
      روى الكليني في الكافي عن المفضّل بن عمر، عن الإمام الصادق عليه السّلام، قال: لا يرى أحدُكم إذا أدخَلَ على مؤمنٍ سروراً أنّه عليه أدخله فقط، بل ـ واللهِ ـ علينا، بل ـ واللهِ ـ على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (184).
      وروى ابن قولَوَيه عن الإمام الرضا عليه السّلام، قال: مَن لم يَقدِر على زيارتنا فليزُر صالحي مُوالينا، يُكتَب له ثواب زيارتنا (185).

      50 ـ صلاة الإمام الحجّة عليه السّلام
      ونختم هذا الفصل بذكر صلاة الإمام الحجّة عليه السّلام التي يُستحبّ أن يصلّيها المؤمن في عصر الغَيبة.
      وهي ـ كما ذكرها السيّد ابن طاووس ـ ركعتان، تقرأ في كلّ ركعة إلى « إيّاكَ نَعبُد وإيّاكَ نَستعين »، ثمّ تقول مائة مرّة « إيّاك نعبد وإيّاك نستعين »، ثمّ تتمّ قراءة الفاتحة، وتقرأ بعدها الإخلاص مرّة واحدة، وتدعو عقيبها فتقول: اللهمّ عَظُمَ البلاء، وبَرِح الخفاء، وانكشَفَ الغِطاء، وضاقَت الأرضُ ومَنَعت السماء، وإلَيْكَ ـ يا ربِّ ـ المُشتكى، وعليكَ المُعَوَّلُ في الشدّة والرَّخاء. اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد، الذين أمرتَنا بطاعتهم، وعَجِّل اللهم فَرَجَهم بقائمهم، وأظهِر إعزازَه. يا محمّد يا عليّ، يا عليّ يا محمّد، إكفياني فإنكما كافياي. يا محمّد يا عليّ يا عليّ يا محمّد، انصُراني فإنّكما ناصراي. يا محمّد يا عليّ يا عليّ يا محمّد، احفظاني فإنّكما حافظاي. يا مولاي يا صاحب الزمان، الغَوْث، الغوث، الغوث، أدْرِكني، أدركني، أدركني، الأمان، الأمان، الأمان (186).

      تعليق


      • #4
        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
        اختي الفاضله عطر الولاية.عجزت الكلمات عن وصف هذه الروائع...ساعيد ةراءته آكثر من مره لانه غزير بالمعلومات القيمه..اشكرك جدا جدا.

        تعليق


        • #5
          عن اميرالؤمنين عليه السلام
          فضل انتظار الفرج
          قال (عليه السلام): طوبى لشيعتنا المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا، الثابتين على موالاتنا
          والبراءة من أعدائنا، أولئك منا ونحن منهم، قد رضوا بنا أئمة ورضينا بهم شيعة، فطوبى لهم،
          ثم طوبى لهم، وهم والله معنا في درجتنا يوم القيامة "

          تعليق


          • #6
            اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم ياكريم
            اللهم عجل لوليك الفرج
            اللهم عجل لوليك الفرج
            اللهم عجل لوليك الفرج

            (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره )
            لك كل الشكر على هذا الجهد وفي ميزان حسناتك
            اللهم صلِّ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم
            وثبتنا على ولايتهم وارزقنا زيارتهم في الدنيا
            واحشرنا يارب معهم في الآخرة

            تعليق


            • #7
              بسم الله الرحمن الرحيم
              والصلاة والسلام على اشرف الخلق اجمعين محمد وعلى اله الطيبين الطاهرين
              نزف أسمى آيات التهاني والتبريكات المعطرة بأبهى العطور الزكية
              إلى مقام النبي الأقدس محمد صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الميامين الكرام الطاهرين
              أئمة الهدى ومصابيح الدجى عليهم الصلاة والسلام لاسيما الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه
              ونستقبل التهاني باالمناسبه العظيمه

              تعليق


              • #8
                أشكر الله تعالى لمروركم الكريم وفقكم الله لكل خير ببركة و سداد اهل البيت عليهم السلام

                تعليق

                المحتوى السابق تم حفظه تلقائيا. استعادة أو إلغاء.
                حفظ-تلقائي
                Smile :) Embarrassment :o Big Grin :D Wink ;) Stick Out Tongue :p Mad :mad: Confused :confused: Frown :( Roll Eyes (Sarcastic) :rolleyes: Cool :cool: EEK! :eek:
                x
                يعمل...
                X