المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رسالة أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف



kerbalaa
27-07-2011, 10:59 PM
رسالة أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى عثمان بن حنيف

يصلح أن يكون درساً لكل من يريد تطبيق الإسلام، قال (عليه السلام): (ألا وإن لكل مأموم إماماً يقتدي به ويستضيء بنور علمه ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد، فوالله ما كنزت من دنياكم تبراً، ن ولا ادخرت من غنائمها وفراً، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً، ولا حزت من أرضها شبراً، ولا أخذت منها إلا كقوت أتان دبره، ولهي في عيني أوهى وأهون من عفصة مقرة (أي مرة).

بل كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء فشحّت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم آخرين، ونعم الحكم الله.

وما أصنع بفدك وغير فدك؟ والنفس مظانّها في غد جدث، تنقطع في ظلمته آثارها، وتغيب أخبارها، وحفرة لو زيد في فسحتها وأوسعتها يد حافرها لأضغطها الحجر والمدر وسد فرجها التراب المتراكم.

وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق.

ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفىّ هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القزّ، ولكن: هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى (أي جائعة) وأكباد حرى (أي عطشانة) أو أكون كما قال القائل:

وحسبك داءً أن تبيت ببطنة وحولك أكباد تحن إلى القد

ءأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين (عليه السلام) ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش؟

(فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات، كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها، تكترش من أعلافها، وتلهو عما يراد بها، أو أترك سدى، أو أهمل عابثاً، أو أجر حبل الضلالة، أو أعتسف طريق المتاهة.

وكأني بقائلكم يقول: إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران ومنازلة الشجعان! ألا وإن الشجرة البرية أصلب عوداً، والروائع الخضرة أرق جلوداً، والنابتات العزية (الزرع الذي لا يسقيه ماء المطر) أقوى وقوداً وأبطأ خموداً، وأنا من رسول الله كالصنو من الصنو، والذراع من العضد، والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها، ولو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها).

(إليك عني يا دنيا فحبلك على غاربك، قد انسللت من مخالبك، وأفلت من حبائلك، واجتنبت الذهاب عن مداحضك، أين القرون الذين غررتهم بمداعبتك؟

أين الأمم الذين فتنتهم بزخارفك؟ ها هم رهائن القبور، ومضامين اللحود، والله لو كنتِ شخصاً مرئياً وقالباً حسياً لأقمت عليكِ حدود الله في عباد غررتهم بالأماني، وألقيتهم في المهاوي، وملوك أسلمتهم إلى التلف، وأوردتهم موارد البلاء، إذ لا ورد ولا صدر هيهات من وطئ دحضك زلق، ومن ركب لججك غرق، ومن ازورّ عن حبائلك وفق، والسالم منك لا يبالي إن ضاق به مناخه، والدنيا عنده كيوم حان انسلاخه، اغربي عني فوالله لا أذل لك فتستذليني، ولا أسلس لك فتقوديني).

(وأيم الله يميناً استثني فيها بمشيئة الله ـ لأروضنّ نفسي رياضة تهش معه إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوماً، وتقنع بالملح مأدوماً، ولأدعنّ مقلتي كعين ماء نضب معينها، مستفرغة دموعها. أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك، وتشبع الربيضة من عشبها فتربض، ويأكل علي من زاده فيهجع؟ قرت إذاً عينه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة والسائمة المرعية‍! طوبى لنفس أدت إلى ربها فرضها، وعركت بجنبها بؤسها، وهجرت في الليل غمضها، حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها، وتوسدت كفها، في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم، وهمهمت بذكر ربهم شفاههم، وتقشعت بطول استغفارهم جنوبهم، أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون)

ولما كان هذا الكتاب موجهاً إلى عثمان بن حنيف واليه على البصرة حيث حضر مأدبة قوم عائلهم مجفو وغنيهم مدعو، ختم الإمام (عليه السلام) الكتاب بقوله: (فاتق الله يا بن حنيف، ولتكفك أقراصك، ليكن من النار خلاصك)

وفي كلمة أخرى للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) مذكورة في نهج البلاغة أنه (عليه السلام) قال: (إن الله تعالى فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس، كيلا يتبيغ بالفقير فقره) (والتبيغ هو التهيج أي لا يهيج به الألم).
نهج البلاغة - (ج 3 / ص 55)

العجرشي
28-07-2011, 01:23 AM
انها لجواهر وتحف رائعة من شذرات الامام علي عليه السلام حينما يصف
بذرة من بذرات الحياة فترى الارشادات قد اختلجت بين اتونها وكذلك المواعظ
والعبر لها وقفة دقيقة فيها ...

جعلكم الله تعالى من المناصرين للامام قولا وفعلا ... تواصل رائع