المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكاية سجين من حلم الواقع



حروف الحسين
07-09-2011, 02:07 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وال محمد وعجل فرجهم واهلك اعدائهم من الجن والانس من الاولين والاخرين وارزقنا زيارة محمد وال محمد واحشرنا مع محمد وال محمد



حكاية سجين من حلم الواقع
فجر الظلام..
إذا أردت الحياة يوما .. فعليك أن تستجيب لمتطلبات القدر .. اعلم أنك سوف تفصل وتعتقل وتجرح وربما سوف تموت .. فالحرية لها ثمن .. وقدرك هو من سيثمنها ..

خرت العيون وتوسدت الأجفان توائمها واستقرت بي الأحلام إلى حيث التحليق والعودة الى ميدان الشهداء ، أخذتني لذة المنام شيئاً ما، شيئاً ما لم يطل حتى أرقَت سمعي قعقعة أحذية قاسية تقتحم منزلنا . استيقظت افرك جفني بأصابع ما زالت متخدرة بسكرة المنام ، رفعت جسمي من فراشي معطياً عيني أنظار أبناء خالتي وأصدقائي.
شعرت برجلين تتسحبان وتدخلان السرداب، بلى هذا ابن خالتي (احمد) ينفتل من المطبخ خاطبني هامساً إنهم يملأون الشارع بالعشرات ولقد رصدتهم من خلال نافذة الصالة.
سمعت صوت الرفسات المتتالية على الباب وأصوات صرخاتهم المتعالية في الخارج.
قاموا بكسر الباب الحديدي الخارجي ثم اقتحموا المنزل، بدأو بتكسير سيارة ابن خالتي وصديقي ، أدرت وجهي نحو أبناء خالتي وأمي ، والتقت عيناي بعين امي الحائرة ، قرأت في بحر عينيها قلقلاً لا يجففه الا عنفوان الصبر ، عدت الى سرداب المنزل وهيأت نفسي للاستقبال العظيم من قبل رجال الأمن.
جيش بأكمله يقتحم المنزل، أسلحة مستنفرة للهجوم على شاب أعزل! أكل هذه الجنود والأسلحة لالقاء القبض على متهم؟!بلى هم هكذا دائماً لا يثقون في مقدرتهم علينا ... أخيراً استطعت ان اميز اخوتي الثلاثة مقيدين في سرداب المنزل.
إنهالوا علينا ضرباً بأسلحتهم، إنقضت يد أحدهم على يدي تقيدني بسلك من البلاستيك، أحكم إقفاله وشده شداً وثيقاً.. كلما ضيقت دائرة السلك لا يمكنك توسيعها .نهاية الأمر لا يمكنك الفكاك من السلك إلا بقطعه.
حين استوثقوا بوقوعي تحت قبضتهم، هرع خمسة أو أكثر منهم لداخل الغرفة يجرون بعضاً من الروتين البارد في البحث عما يعتبرونه دليل إدانة لأسيرهم. ولكم كنت قلقاً على جدتي وأمي وزوجة أبي وإخوتي الصغار .
سيدخلون الآن الغرفة مخلفين قلوبهم المتحجرة الجامدة في قبضة أسيادهم..سيدخلون بأحذيتهم يدنسون مواضع صلاتنا غير مكترثين لحجم إزعاجهم ودناءة قسوتهم.
أخذوني أنا ومن معي في المنزل .. كلنا جميعاً.. صمدونا جميعاً وباتوا يبحثون ويكسرون في جميع غرف المنزل..كسروا جبس المنزل وبلاط الصالة وخربوا المنزل تخريبا همجيا علهم يبحثون عن سلاحا او ما شاكل ذلك.
كسروا جرس الانذار خشية أنه كاميرا تصور ما يقومون بفعله، حتى أمي وزوجة أبي لم تسلما منهما.. فانقضوا عليهما ضرباً وتهديداً.
أمي وقفت تفتح أبواب السماء بالدعاء عليهم وتمطرهم بسجيل دعواتها، وكأنهم بلا قلوب..لهم آذان لا يسمعون بها سوى أوامر سيدهم المحيطين به.
توجه أحدهم إلى قطعة قماش ملقاة في سرداب المنزل، شدها فوق عيني بلا رأفة، عصب عيني بإحكام ، هكذا يريدون الكل أن يمشي معصوب العينين.. لا يتقن طريقاً ولا يرى ولا يبصر ما سيواجه.
قبض العسكري على يدي واقتادني بينما امي تتبعه بصوتها : أين ستأخذون ولدي؟! أجابها رئيسهم بلغة الواثق: غداً نعيده إليكم.. لم يكن قوله كذباً باعتقاده فهو يمارس العبارة ذاتها في اليوم مائة مرة على الأقل، هو يكذب على مرؤوسه ومرؤوسه يكذب على سيده وهكذا هم في أغلب حالاتهم يقضون ساعاتهم بمعاقرة الكذب على أنفسهم وعلى ضحاياهم... فمن يثق في وعودهم يسقونه سراباً من الأحلام...
قبل خروجي من المنزل وجد أحدهم هاتفي المخبأ اسفل الكرسي ..فقال لهم لقد وجدت هاتف بلاك بيري مخبأً وبدأ يبحث فيه ، ففتح رسالة بها تهديد لأعمال الحكومة ، فسأل لمن الهاتف؟ فأجبته لي أنا .. فأخذ سلاحه وضربني به على رأسي ورفعه مرة ثانية وضربني على خشمي وفمي ، حتى انكسر ضرسي وأصابني صداعاً قويا فسقطت على وجهي وسالت الدماء مني، فجروني زحفاً إلى الجيب وظلوا يضربوني بأحذيتهم على وجهي وبطني ، لم أستطع الدفاع عن نفسي لتقييد يدي المحكم وعدم القدرة للنظر إليهم ..
كنت أنتظر في أي لحظة لكمة منهم ، عيناي المصمدتان لا تبصر في أي لحظة استعد لاستقبال اللكمة ، ويداي المقيدتان من الخلف لا تستطيع الدفاع ..أدخلوني الى الجيب وكان على يميني أحد المرتزقة سعودي اللهجة .. فقام يسألني هل ذهبت الى الدوار؟؟ فأجبته :نعم ذهبت إلى الدوار.
فلكمني على وجهي .. ولا زلت أتسائل في نفسي .. أكانت لكمة رجل أم جمل !!؟؟ فقال لي بكل وقاحة : لماذا ذهبت الى الدوار؟؟للمتعة أم ماذا؟؟ فصمت للحظات أبحث عن جواب تفهمه الحيوانات .. أكثر من نصف مليون محروم ومظلوم من المواطنين ذهبوا للدوار .. من أجل ماذا ؟؟
فلكمني وقال ألم تسمع ما قلته لك؟ فأجبته: ذهبت أطالب بالحرية والمساواة ، ذهبت طالبا للاصلاحات الحقيقية ، ذهبت للمطالبة بالحقوق المشروعة .. ذهبت مطالباً بما يطالب به الجميع من المواطنين .. لم أتمم كلماتي الحرة .. قام بضربي طوال طريقنا إلى القلعة وهو يردد إنكم شيعة تستحقون المبيد والقتل.
أنزلوني من الجيب، وأدخلوني مع ركلات وشتائم الاستقبال الى مكاناً موحشاً.. صحيح انني لم أره ولكن الأجواء تبين مدى وحشيته.. أنزلوني إلى سرداب عميق أسفل الأرض .. نقلوني إلى مستوصف القلعة أولا .. ليعالجوا وجهي الملطخ بالدماء، ويواصلوا وجبتهم الدسمة بكل سكون ووقار.
بعد قرابة الساعة قاموا بأخذي من المستوصف إلى طامورة التعذيب..

التحقيق
قام مجموعة من الوحوش البشرية الجائعة بالهجوم على فريستهم الجديدة في طامورة التعذيب، وبعد قرابة النصف ساعة من الضرب المبرح أمرهم سيدهم المجنس بالتوقف .. وقال بكل سخرية لهم : لا شك أنه محترم ومتعاون وسوف يجيبنا على كل ما نريد .. فسألني بوقاحة : أليس كذلك؟؟ فأجبته جواب ضحية تحولها مجموعة من الذئاب الإنسية : بالتأكيد سوف أكون معك صادق.. ( فأنا ما قتلت وما فعلت شيئاً يعارض قانون الحريات)..
أول سؤال سألني إياه : ما سبب ذهاب والدك إلى لبنان؟؟ فأجبته بأنه ذاهب لعمل شخصي به لا أعلم ما هو .. فسألني مرة ثانية : أين تتواجد الأسلحة في منزلكم ؟؟ فأجبته ليس لنا أسلحه..وجواب عقيم بداخل صدري يقول ( ألا تعلم أيها المجنس معنى كلمة السلمية).. فضربوني ضرباً مبرحاً و سألني مرة ثانيه أين الأسلحة؟ فأجبتهم ليس لنا أسلحه.. فعندما يأسوا و لم يلقوا جوابا .. قام يسألني احدهم كم مرة ذهبت إلى الدوار؟؟ فأجبته كنت دائما متواجدا في الدوار بشكل يومي.. و كنت أنام هناك أيضا .. فقال لي بسخرية أنت محترم واعتقد انك لا تحب الكذب.. ما هي المسيرات التي شاركت فيها؟؟ فأجبته ذهبت إلى جميع الإعتصامات .. فضربوني لأنني أجبتهم بصراحة و كل اطمئنان .. ما هي الشعارات التي رددتها؟؟ فأجبته جميع الشعارات رددتها ..
فجاء المحقق الأردني و سألني .. أقلت بحرين حرة حرة يا مجنس اطلع برة.. أجبته نعم .. فقام بضربي بالهوز على وجهي و على جميع اعضاء جسمي و هو يشتمني .. الم تريدون الحقيقه؟؟ أعلم أنا أنهم لم يأتوا بي و أخواني لسؤالي عن الدوار و المسيرات!! فهناك مسرحية ما، يريدون ان يشاركونا معهم فيها.
فعندما سألني المحقق: ماذا تعرف عن اختطاف شرطي؟؟ هنا بدأ التحقيق الدسم، فهم لا يريدون معرفه عدد المرات التي ذهبت فيها الى الدوار ..إنهم يخططون لمسرحيه دسمة..
إحمر وجهي و ارتعش بدني و بدأت بالدعاء و التسبيح و الرجاء من الله بأن يكون عوني و نصيري.. أجبت المحقق: لا أعرف أي شيئ عن اختطاف شرطي . قال لي سأسألك للمرة الأخيرة .. و إذا أجبتنا و ساعدتنا فسوف نفرج عنك .. فإخوانك و أبناء خالتك أجابونا بكل شيء و اعترفوا .. و هم الأن يستعدون للإفراج.
إن الكذب و الخداع و الاحتيال مثل الصديق لهم .. لا يستطيعون أن يقوموا بأعمالهم دونه .. أجبته و انا متوكلاً على الله سبحانه .. و مسلما أمري له تعالى .. لا اعرف أي شيءعن إختطاف شرطي.. و قلت له بسخرية : أيوجد شرطي مخطوف .. فقام يشتمني ويسبني ثم ضربني ضربا هو و من معه و قال لهم خذوه عني.. أريده بعد ساعة و هم متعلماً للأدب..
سحبوني إلى الباب.. قطعوا السلك البلاستيكي من على يدي.. و قاموا بلف يدي بقطعة من القماش.. بعدها وضعوا الأفكري الحديدي على يدي الملفوفةبقطعة القماش و علقوني على الباب.. كنت أصرخ من آهات القلب.. كنت هائما في ثلاث ظلمات .. ظلمة العين المعصوبة.. وظلمة ألم لم أره من قبل.. فيداي قد فسختا من جسدي..وظلمة شعب نشد الحرية وطالب بحقوقه .. إنه يذبح ويقتل نتيجة لفتح فمه وتطاوله على الأمراء والملوك.. لا أدري أهو حلم أم حقيقة.. أهل قلوبهم كالحجارة أم هي أشد قسوة.. كنت أصرخ صراخاً يخرج من أعماق القلب.. لا أعلم ماذا كنت أقول من شدة التعذيب .. لم يكتفوا فكانوا يضربوني بالهوز و أنا معلقاً.. أفكر في أيِّ ألم ؟ ألم الشعب أم ألم القلب أم ألم الجسد؟؟ كنت أشجع نفسي وأتذكر ما جرى بالطف لأميري أبا عبدالله الحسين .. أتذكر ما فعلوه الأعداء معه ومع آل بيته وأنصاره .. أتذكر الأطفال الظمآنة والنساء المسبية والرجال المذبوحة و أقول .. بأن أهل البيت صبروا و قاوموا الطغاة وأبوا الذلة من أجل دينهم وعزتهم ودولة الإسلام و هاهو نفس المشهديتجدد.. فشيعه أهل البيت كلهم يتعذبون ألماً ضريبةً لولايتهم أمير المؤمنين الإمام علي ابن أبي طالب (ع) من قبل الطغاة.. يجب أن لا ننحني للظالم يوماً.. سوف نردد شعار المظلوم دوماً .. و نقول هيهات منّا الذلة .. هذه الكلمات جعلت القلب يشتعل نار قهر و أنستني ألام التعذيب.. نعم فدعائي و دعاء الأمهات و المظلومين قد جاء لنصرة المظلوم .. رحمة من السماء نزلت عليّ.. فعلاً أدبتني مثل ما قال المحقق.. فكنت أتذكر ما شيدناه من بناء.. أتذكر دماء الشهداء.. الشهيد تلو الشهيد يسقط .. أتذكر مظلومية الشعب.. أتذكر الرجال الأوفياء في ميدان الشهداء.. أتذكر النساء الزينبيات البطلات.. أتذكر الأطفال و الشيوخ الأبرياء.. أتذكر الحرية والحب .
فيسألوني مجدداً .. هل تأدبت .. فيخرج الجواب من غير إحساس.. نعم تأدبت .. تأدبت مثل ما تريدون و الصرخات و الألم يردد بأنني أصبحت الأن رجلاً مؤدباً مثل ما يريدني شعبي الوفي..
قمت أضرب وجهي بحائط الباب و أنا أصرخ في حالة هستيرية وحرجة.. بالكاد تفلت يداي من جسدي ، لم أحتمل الألم .. فأنزلوني بسرعة و أنا مغماً علي .. لم أعي إلا و أنا في المستشفى.
بركان من الألم في القلب يغلي.. و سيلٌ من الدماء تسيل من أنفي, حتى في المستشفى لم أتمكن من فتحعيني.. فيعالجوني و أنا مصمد العينين .. يدي اليمنى لا استطيع فتحها .. حالة يرثى لها .
بعد الانتهاء من المستشفى.. عدت مجدداً إلى التحقيق و كأنه لم يحصل شيء.. فواصل المحقق وجبته و سألني أهل تأدبت؟ فأجبته: لا اعرف أي شيء عن شرطي و عن اختطاف شرطي.. كانوا يحاولون أن يلبسوني قضية اختطاف الشرطي مع أخوتي و لم اعترف بهذا الشيء..
قالوا لي سوف نسمعك صوت أخوك جهاد الآن.. هددوني أن لا أتفوه بكلمة ولا أبين له بأني في الغرفة.
أدخلوا أخي جهاد و سألوه: جهاد ماذا تعرف عن اختطاف شرطي؟ أجابهم بأن أخي حامد و خليل و ذكر أسماء إثنان من أصدقائهما قاما باختطاف شرطي و جاؤوا به إلى سرداب المنزل و ضربوه و كان طاهر يراقب لهم المنزل و بعدها أخذوه إلى الشيخ محمد المقداد.. هذا ما قاله أخي.. ليدخلني في ظلامة جديدة من التحقيق.. قال المحقق للشرطي إذهب و غير ملابس جهاد و اتصلوا إلى أمه لتأتي و تأخذه.. لم يكفوا عن الكذب و الخداع .. فقد لقنوا أخي كلاماً يقوله أمامي و هو لا يعلم بوجودي.. خرج جهاد و واصلوا معي التعذيب بالكهرباء و الضرب بالهوز و الهراوات.. فقدت الأمل بالخروج حياً إلى أمي وأهلي و شعبي.. هيأت نفسي لإستقبال الموت.. ولكن قدرة الله و ومشيئته غيرت الآمال و التوقعات.. رحمته وسعت كل شيء .. بعد يومٍ قاسٍ خرجت من غرفة التعذيب و ظللت واقفاً مصمد العينين لقرابة الأربعة أيام و قد منع عني الأكل ليومين.. هكذا واصلت الثلاثة عشر يوما في التعذيب.. و كل يومٍ هكذا.. لم نعرف النوم ولا الأكل و لا الراحة .. لطيلة الوقوف لم استطع تحريك ركبتاي.. فهما متصلبتان من الوقوف.. عيناي المعصوبتان.. يداي المعلقة على هامش الأمل بالعافية.. أنفي المهروس.. ضرسي المكسور.. و آلام الجسد .. كان جسدي بأكمله متخدراً من الضرب، عشت قرابة الإسبوعين من رحم الحقيقه. فبعد الإسبوعين تم نقلنا إلى سجن الحوض الجاف.. لتستمر الحكايه هناك.

الحوض الجاف
نزلنا من الباص و نحن مصمدين و السلك البلاستيكي لا يزال يجمد الدم في يداي .. أخذونا إلى أحد العنابر (8) التابع لجهاز الأمن الوطني، أدخلوني إلى زنزانة إنفرادية.. فبعد قرابة النصف ساعة جاء الشرطي و أخذني إلى المسبح.. أخيرا لامس الماء جسمي بعد قرابة الأسبوعين.. أمهلني الشرطي دقيقة واحده للسباحة.. و أخيراً فتحت عيناي و هما مليئتان برماد الدموع.. عادت لي الحياة مجدداً.. استرخيت للحظة .. و بينما أنا افرك جفني إلا بصراخ السجان و هو يقول ( أتعتقد انك تسبح في بيتك) فغيرت ملابسي سريعا و خرجت مصمد العينين أيضاً و ذهب بي إلى الزنزانة.. قال لي بعد أن أغلق الزنزانة افتح عينك و عند دخولي البس العصابة.
عشرة أيام بقيت في الانفرادي.. لا شيء يسليني ولا قلم لأكتب به معاناتي.. ولا قرآن أذكر فيه ربي.. حتى السجادةفكنت أصلي على البلاط وأنا في توتر من دخولهم علي في أي لحظة .. فكنت في حيرة و ألم.. أفكر في أمي وأبنائها الأربعة يقبعون في غياهب السجون .. و أفكر تارة في أبي.. عله يتوقف عن عمله الوطني تعاطفا لمشاعرنا .. و لكنه كان بطلاً افتخر به.. رغم وجود أبنائه خلف قضبان السجون.. إلا أنه أبى أن يخمد أنفاسه.. فكان دوماً يردد كلمة الحق.. و يضحي بالغالي و النفيس من أجل شعبه.. فوطنيته و شعبه الوفي جعلاه يتناسى هم أبناءه و يكافح مجدداً لإيصال صوت الشعب المظلوم إلى جميع الشعوب الوفية ليعرفوا ما يعيشه شعبنا من ظلم و قهر.
أخوانيالثلاثة.. أبناء خالتي و أصدقائي.. انقطعت عنهم منذ لحظة اعتقالي.. لم أكن اسمع سوى أصوات صرخاتهم و صياحهم في فترة التحقيق.. هو ما جعلني في حزن عميق ليس له مثيل.
كنت أتسائل في نفسي.. هل انتهى التحقيق؟! فجاء الجواب سريعاً بدخول ثلاثة من المقنعين علي بالأهواز.. و أخذوني إلى غرفة.. و أعيد فتح ملف التحقيق مجدداً.. فكان الضابط من لهجته سعودي.. قام يشتمني و يهددني بالإعتداء على أخي.. و كان يسألني عن أخواتي و أعمارهنّ.. لَم يكفوا عن الخَباثة والخساسة و الحَرب النفسيه.. فهذه تربيتهم..
الإعتقالات العشوائية جعلت من المعتقلين أبطالاً.. يخرجون بألم الإنتقام لحكومة الظلم و الدكتاتور.. فجعلت الجميع لا يخشى القيود والتعذيب.
لم يكتفوا من التحقيق بالضرب بالهوز و الهروات و الصعقات الكهربائية.. و الأكثر ألماً الإهانات و الشتائم المذهبية و التحرش.
قرابة الإسبوعين لم أسترح إلا في أيام الجمعة و السبت..فكانت تكفي الكفوف و الضرب من قبل الضابط و السجانينو الإستفزازات التي لم يكفوا عنها.
كلهم كانوا ملثمين.. لا يثقون بقدراتهم .. رغم ما أعدوه لنا من جيوش.. فهم يخشوننا بسلميتنا الحضارية .. ليتحدوننا في سجونهم.. يواجهوننا بالسلاح و نحن مصمدي العينين ونحن بقبضة أيديهم .. وجوههم سوداء لا تخجل !!
بعد قرابة الشهر إنتهى التحقيق معي .. و لكن لم يتوقفوا من الضرب ويكتفوا بتسليط الرعب في قلوب الضعفاء.. الشتائم و الإهانات أيضاً لاتزال موجودة.. نقلوني من الإنفرادي إلى زنزانة بها شخصين (أ.ع) و (ع.خ) ..
شهرين من الإعتقال و أمي على هاجس الإنتظار,تنتظر خبراً عني.. حيٌ أنا أم ميت.. أين أنا؟؟ بعد شهرين أجريت لي أول مكالمة لوالدتي و هددت أن أقول لأمي " إجلبي لي ملابس في مركز القلعة بوابة رقم 2" فقط!!! هذه المكالمة بينت لأمي أني مازلت حياً.. ولكنها باتت في قلق ليس له مثيل .. لا سلامٌ ولا سؤال عن الأحوال.. بعد الاتصال كنت أفكر في مصير أمي .. ماذا سيجعل منها هذا الاتصال؟!!
كُل ما خرج أبي على شاشة التلفاز ليدلي بموقف الشارع البحريني .. كان السجانون يأتون ويستفزوننيو يحاولون أن يبدلوا من وجهتي تجاه أبي .. يقولون أن أبوك جباناً.. ترككم و ذهب إلى لبنان يلعب و يمرح و أنتم تُسجَنون عنه.. و أنا في قلبي أقول: ( إن كان هذا حقيقة فهنيئاً له).. و لكن المعتقلين الجدد .. كانوا يبشروني بالأخبار عنه.. فهو كان علقماً للحكومة .. ولربما كنا نحن البلسم .
ففي كُللِقاءٍ له على التلفاز.. اعلموا أن أبناءه يصرخون ألماً و بداخلهم ضمير يفرح لقهرهم.
صحيحٌ أننا نصرُخ لِشدة الضرب..و لكن مرتبة الشرف التي جنيناها تجاه وطننا وديننا وعزتنا وشعبنا الوفي الأبي تنسينا الألم .
شهرين من الإعتقال ..أخيرا وصلت الإفادة.. لا أعلم ما دوِّن فيها من مسرحيات.. وقعت ولا أعلم ما بها من تهم لفقت لي.
بعد أسبوع وصلت احضارية للنيابة العسكرية.

النيابة العسكرية
في صباح يوم الثلثاء الموافق 28-5-2011 جاء لي أحد أفراد الشرطة.. و أمرني أن أُغير ملابسي و أن أكون مستعداً.. لا أعلم إلى أين؟ الجميع توقع الإفراج.. و لكني لم أتفائل للحظة أني سوف أخرج من عصبتهم.. فمن يعايش حكومة لا تعرف غير الظلم والإبادة والعنصرية والبحث عن مصالحها سيتوقع تجاههم كل شيء.
صمدوني و قيدوني و أخذوني إلى السيارة.. في الطريق علمت أنني ذاهباً للنيابة العسكرية من خلال حديث الضابط في البرقية ..عند وصولهم قالوا لقد وصلنا إلى السعودية..سوف يحكم عليكم بالقصاص .. مجددا خداع وكذب.. ليست سوى حرب نفسية يريدون بها أن يتسببون في إيذاء مشاعرك ومعنوياتك ..
نزلنا إلى النيابة العسكرية.. حرارة الشمس المسلطة على رأسي.. شهرين لم يلامس جسمي أشعة الشمس.. شدة الأفكري و عيناي المصمدتين.. أصابني دوار و صداع شديد.. خفت أن أخبر العسكري بدوار رأسي و لكن تجنباً للشتائم و الإهانات لم أتفوه بكلمه.
دخلت على وكيل النيابة.. و ظللت واقفا على قدمي طيلة فترة التحقيق ..قرابة الثلاث ساعات .. حتى في التحقيق الذي يدّعونه بالقانوني لم يعرفوا الرحمة و لا الرأفة ..لقد نكرت كُل ما وجه إلي من تهم.. ولكن ضمائرهم الميتة المعتادة على الكذب لم تسمح لهم أن يصدقوا ما قلته لهم .. فأنا لم اختطف شرطي ولا أعلم بأي شيءٍ عن المسرحية التي فبركوها.
لا يخلوا التحقيق عن السؤال عن أبي .. فسؤال الوكيل : ماذا يصرح والدك في قناة العالم و المنار.. ما هي تصريحاته السياسية بشأن أحداث البحرين .. كيف لي أن أعلم و أنا داخل السجن .. لا صحف نراها ولا نعلم عن أخبار الخارج أي شيء .. حتى أخواني و أقاربي في السجن لم أكن أعلم عن أخبارهم أي شيء. فكيف لي أن أعلم عن أخبار أبي ..
إدعائهم بأنه كان يوجد في منزلنا مركز إعلامي تابع لجمعية الوفاق.. و كنت أنا مشرفاً إعلامياً وأراسِل القنوات الفضائية.. وأذيع أخباراً كاذبة وصوراً مُفبركة.. ويسألني الوكيل بكل وقاحة هل هذا صحيح؟فأجبته بالنفي. لا أعلم مالذي حدث فإفادتي مدوّن بها كمٌ من التُهم لم أعترف بها ولا يوجد دليل قاطع على صحة هذه التهم.
مؤسسةٌ تَدّعي القانون و هي لا تمارسه.. تدعي انها تحفظ حقوقك.. و أنا بكل بساطه أوقع على المسرحيات.
أعود إلى السجن و سؤال السجان هو: ما الذي نكرته و إن نكرت شيئاً فالويل لي و إن اعترفت على مسرحياتهم فالويل أعظم بالبقاء.
دخلت إلى الزنزانة و الشباب يتفاجئون بعودتي!! ألم يفرج عنك؟ فالجواب يخرج ليقول: هذا شيء مستحيل! نعم .. منيعيش في سجنون مثل سجوننا.. يفقد الأمل بالإفراج.
يبقى المعتقلين يواسوني ببعض من الاحلام والآمال.. و يشجعونني بقرب الإفراج.. و تعلقت بالأمل فقط لوجود شعب وفي مخلص لن ينسى يوماً شهداءه و أسراه.. هو ما علقني بالأمل مجدداً.
بعد مضي فترة طويلة في السجن.. جاؤوا لنا بضيوف جدد ..النائبين جواد و مطر و الشيخ المحفوظ و المهتدي و بعض من الشخصيات الوطنية الكبيرة.. عندما عرفوا بحالنا لم يصمتوا للحظة.. هددوا بالإضراب عن الطعام من أجل تحسين المعاملة.. لم يُطالبوا إلا بأقل الحقوق.. كانوا يُطالبون بكتاب الله.. و سرير للنوم عليه.. و سجاده نصلي فوقها.. كانوا يُطالبون بالتوقف عن الضرب و الشتم و الإهانات و المعاملة السيئه.. ففترة التحقيق قد ولت.
خوف الضباط من الإضراب عن الطعام اجبرهم على تبديل أوضاع السجن بين ليلة و ضحاها.. فانتقلنا إلى حلم السجين بوجود قرآن نذكر فيه إسم الله .. و نوم بدون قلق و خوف.
إسبوعٌ عشنا فيه أجمل لحظات السجن.. ولَم تتحقق لنا هذه المطالِب منذ انتهائنا فترة التحقيق؟؟ فنحن جميعأ و إن كنا سُجناء لنا حقوق .. صحيحٌ أنهم لم يلبوا جميع الحقوق و لكن بعض هذه الحقوق انستنا البقية.
في تاريخ 30-6-2011 كانت جلستنا الأولى في المحكمة.. فأخذوني مع أخي جهاد و أبن خالتي سيد محمد و أصدقائي قاسم و حسن و عمار في الباص إلى مبنى القيادة العامة لقوة الدفاع- محكمة السلامة الوطنية.. لم ننزل من الباص.. كنا نعلم أن هذه المحاكمات باطلة و ليست سوى تلاعباً في نفسياتنا.. أبقونا في الباص من دون مكيف قرابة الساعة و عادوا بنا إلى السجن.. لم تكن محاكماتهم سوى مسرحية من إنتاجهم البلطجي.
فكل المساجين كان معهم مثل السيناريو.. يوقعون على إحضارية المحكمة و لكن لا يذهبون في الموعد المسجل لهم.. علم الجميع انه تم توقيف المحاكمات قبل حوار الكذب.. و ان صمود الشباب و عزمهم و مطالبتهم الدائمة بالإفراج عن المساجين المظلومين.. و مشيئة الله التي غلبت مشيئه كل طاغوت على وجه الأرض هي من كانت سببا في حريتنا أخيرا.
تفتحت أبواب اليسر من بعد العسر علينا ..وجاءت رسل الخير بأنباء تفرج شيئاً من عسر المحنة... سمحوا للأهالي بأن يجلبوا لنا اللوازم والطعام ..
وتنفتح أبواب أبواب الزنازين لنا للخروج للفنس كل يوم نصف ساعة .. في الفنس ترى الوجوه التي كنت تسمع أصواتها ولا تراها .. ويمكنك ايضاً تبادل الاحاديث المنفردة .. الشرطة موزعين يراقبون.. الأخوة معظمهم يلعبون كرة القدم .. والآخرون يرتاضون ويتمشون مع بعض وبعد نصف الساعة نعود إلى الزنزانة.
وتفتحت أبواب الفرح أيضاً.. بدأت الإفراجات على قدم وساق لا يمر أسبوع إلا ويطلق سراح ثلة من المعتقلين ..
ففي يوم الإثنين الموافق 11-7-2011 جاء أمر الله بالإفراج عني و عن 21 معتقل من عنبرنا.. لا نعلم أنفرح لوداعنا السجون .. أم نحزن على من في المعتقل قابعون .. كأنما حريتنا جددت لهم الأمل.. نراهم جميعاً فرحون لنا.. هم هكذا دائماً.. كلنا أخوةٌ في السجن.. حملنا هموم بعضنا البعض.. صنعنا وحدة مِن أجل الوطن.. لم يعرف فيها يوماً الى أي الاحزاب نميل .. بل كلنا قلب واحد من اجل الوطن..ووطن واحد من أجل الجميع.
وحدةٌمن أجل الحرية و الكرامة.. ثقتهم بنا أننا لن ننساهم هي ما جعلتهم فرحين ومتفائلين.. و نحن على العهد باقون.. لن ننساكم يوماً.
من أجل البحرين.. من أجل الشهداء الأبرار.. من أجل السجناء الأوفياء.. من أجل شعب العزة و الصمود.. سوف أبذل كل ما لدي من أجلهم.. فإسمحوا لي على التقصير و أسأل الله القبول.

طاهر المدهون
5-8-2011

البطاط
07-09-2011, 06:42 PM
بسم الله
ذكرنا بايام البعث والتعذيب
ماجرى مودع عند من لا تضيع ودائعة
واعد للظالمين نارا حامية
وافضل ان لا يذكر الاخوة اسمائهم فكلمة الحق والحقيقة
تؤذي الظالمين

بيرق
07-09-2011, 07:43 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،اللهم انصر شيعة البحرين على من ظلمهم وفك اسرهم وسجنهم وارحم شهداءهم واشف جرحاهم ، بحق الحسين ابا عبد الله عليه السلام وغربته وبحق موسى بن جعفر عليه السلام وسجنه وبحق علي بن موسى عليه السلام وغربته دعوة غريب ل غريب بحق اهل البيت عليهم السلام استجب دعائي ،اخي حروف الحسين قد آلمتنا والله هذه القصه وجددت الأحزان بنفوسنا فما زال الظلم قائما على اتباع اهل البيت عليهم السلام ، ادعوا الله ان يزيدك حسناتك ويجزيك جزاء الخير لصبرك في هذه الظروف . وندعوا الله ان ينصركم انه سميع الدعاء قريب مجيب .وان يشغل ظالميكم بأنفسهم .

سهاد
18-09-2011, 04:07 AM
عجزت الكلمات عن التعبير او التعليق او الرد