المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النظام التعليمي في النظرية القرآنية



احمد الخياط
05-10-2011, 06:04 PM
ان الاسلام يمجد العقل لا باعتباره أداةً لاستيعاب المعلومات وخزنها ثم استرجاعها وتحليلها فحسب ، بل يعتبره أهم أداة لمعرفة الخالق عز وجل ؛ ولولاه لأصبح الانسان حيواناً بهيمياً آخر لا يعي من واقعه الاجتماعي شيئاً ولا يهتم بأمر مثل اهتمامه بغرائزه الحيوانية.
ولكن العقل البشري بدل المعادلة الحيوانية وقلبها لصالح الانسان ، فأصبح هذا الكائن الكريم بحكم عقله مكلفاً بالمسؤوليات الشرعية ومحاسباً عليها . ولعل اشد الآيات القرآنية وقعاً وأوجعها على الجهلاء من الناس ، قوله تعالى : ( ان شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ) . فأصبح العقل الحجة التي يحتج بها الله على المكلف يوم القيامة ( فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ).
ولما كان العقل هو البنية التحتية للتفكير الانساني ، أصبح العلم البناء الفوقي الذي يساهم بشكل فعال في تقوية سلطات العقل وقوته المنطقية والتحليلية . فالحقيقة العلمية اليقينية ، يعتبرها الفقهاء شيئاً قطعياً ، والتنكر لها تنكر للعقل نفسه . وأعظم دليل على ذلك ان أكثر الناس خشية لله سبحانه العلماء العارفون بأسرار الكون والحياة والخلق ؛ لأن الجاهل بأسرار الكون والخلق جاهل بعظمة الخالق . والسر في ذلك ان العلم بطبيعة المخلوقات يستوجب علماً بطبيعة الخالق ، وقد جاء في النص المجيد ما يشير الى ذلك : ( انما يخشى الله من عباده العلماء ) .
ولكي يدرك العقل ويستوعب المعارف والمعلومات التي ينتفع بها ، فلابد للفرد من الاجتهاد في تنمية قوة ادراك ذلك الجهاز العظيم لمفاهيم الخير والشر ، والتمييز بينهما عن طريق علوم الطبيعة والدين والاخلاق وما يتعلق بهما من معارف وغايات . فحينما يحاول العقل انشاء العلوم النافعة للانسان في حياته العملية ، فانه يستخدم طاقته الجبارة لانشاء نظرية معاشية تدله على تعلم العلوم التطبيقية كي تدر عليه شتى أنواع المنافع ، وتيسر له سبل العيش الانساني الكريم ، كعلوم الزراعة والصناعة والطب والهندسة والفضاء . ولاشك ان ترجمة الافكار التي ينشئها العقل ويحاول تطويرها وتنميتها لابد ان تتم عن طريق خاص يشترك في فهمه وممارسته جميع الافراد في النظام الاجتماعي ، الا وهو النطق.
فيتميز تحصيل العقل وترجمة الافكار التي يحملها بالنطق ؛ فالانسان كيان ناطق ، وهذا النطق الذي يمثل رمز التفاهم بين الناس يميز هذا الكائن المفكر عن غيره من العجماوات . وبطبيعة الحال ، فان علوم اللغة وما يتفرع عنها من معارف وحقول ، تمثل قابلية العقل على ترجمة الافكار الخافية الى رموز مسموعة تستفيد منها الانسانية في تعاملها الاجتماعي جيلاً بعد جيل .
ولاشك ان استعداد النفس لتحصيل النظريات والفرضيات ، يساهم في تطوير العلوم التي تخدم مصلحة الانسان . فلو أراد العالم التجريبي وضع نظرية تتناول حركة الالكترونات في الذرة مثلاً ، فما عليه الا ان يفترض افتراضاً نظرياً يتناول فيه حركة تلك الشحنات ، ويفصلها تفصيلاً نظرياً ، ثم يقوم بعد ذلك بتجارب خاصة لإثبات صحة فرضيته ؛ فاذا تم له ذلك بالتجربة والخطأ تطورت فرضيته القائمة على مجرد الظن الى نظرية قائمة على اساس ثبوت الحقائق . وهذا الاستعداد النفسي في انشاء الافتراض وتحصيل النظرية يرفع العلم التجريبي من المستوى النظري الى مستوىً عالٍ من الدقة التجريبية والمهارة والاتقان.
والمحصل استقراءً ,ان الانسان العاقل المدرك يحتاج في حياته العملية الى أربعة اصناف من العلوم حتى يستطيع ان يكون عضواً نافعاً فعالاً في النظام الاجتماعي ؛
الاول : علوم اللغة وما يتعلق بها من معارف ، لانها تعتبر عنصراً اساسياً من عناصر حفظ الاجتماع الانساني وتنميته ؛ فعن طريقها يتم التفاهم والاتصال بين الافراد في النظام الاجتماعي .
الثاني : علوم الدين والاخلاق وما يتعلق بهما من معارف ؛ وهذا الصنف اساسي في استقرار النظام الاجتماعي ونشر العدالة الاجتماعية بين الافراد .
الثالث : العلوم النظرية ، وهي النظريات والفرضيات التي يحتاجها الانسان كقاعدة يبني عليها بناءه العلوي في العلوم التجريبية .
الرابع : العلوم التطبيقية ، وهي ثمرة العلوم الطبيعية التي يعتصر الفرد بواسطتها كل ما يتمكن اعتصاره من خيرات الارض ، وبشكل يمكنه من توفير وتيسير سبل العيش لكل افراد المجتمع الانساني.
وقد أكدت النصوص الشرعية على حاجة الانسان الى تلك العلوم والى ضرورة تعلمها ، من أجل المصلحة الاجتماعية . فعلى مستوى الصنف الاول ، ورد قوله تعالى : ( انا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون ) وفي رواية عن الامام جعفر بن محمد (عليه السلام) انه قال : ( تعلموا العربية فانها كلام الله الذي يكلم به خلقه ) .
وعلى مستوى الصنف الثاني ، ورد في وصية الامام أمير المؤمنين لابنه الحسن ( عليهما السلام ) : ( وان أبدأك بتعليم كتاب الله عز وجل وتأويله ، وشرائع الاسلام وأحكامه ، وحلاله وحرامه لا اجاوز ذلك بك الى غيره ) ، ولعله اشارة الى قوله تعالى : ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفةٌ ليتفقهوا في الدين ).
وعلى مستوى الصنف الثالث ورد قول الامام علي (عليه السلام) ايضاً : ( لا علم كالتفكير ... ) ، الذي هو اشارة واضحة لقوله تعالى : ( الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والارض ) .
وعلى مستوى الصنف الرابع ورد عن الامام جعفر الصادق (عيه السلام) ما يدعو الى التعليم المهني : ( فكل ما يتعلم العباد أو يعلمون غيرهم مثل صنوف الصناعات مثل الكتابة والحساب والتجارة ...فحلال فعله وتعليمه والعمل به ),ولعل في الآية الشريفة : ( ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون ) ، تلميح الى العمل المهني الذي يقره الارتكاز العقلائي .
والمستفاد من هذه النصوص الشرعية المساندة والمؤيدة ، بأن الاصل في العلوم الاجتماعية والتجريبية والدينية هو بناء النظام الاجتماعي وبناء الفرد بشكل يجعله مرتبطاً بالخالق سبحانه اولاً ، وقادراً على تأدية التكاليف الشرعية ثانياً ، وقادراً على اشباع حاجاته الاساسية ثالثاً.
وربما يستفاد من مقتضى نص قوله تعالى في خطاب النبي (صلى الله عليه وآله) : ( وقل ربي زدني علماً ) زيادة على ماقيل بأمر الله النبي (صلى الله عليه وآله) بعدم التعجيل بقراءة القرآن وقت نزول الوحي ، ان الاسلام لم يقيد العلم بعلوم الدين بل أطلق عبارة العلم لتشمل كل العلوم التي تنفع الانسان في حياته العملية والدينية ؛ ومنها علوم الطب والتمريض والهندسة والفيزياء والكيمياء والفلك والتربة والجغرافية والتربية التي تساهم جميعاً في تيسير حياة الانسان لظهور النص القرآني اولاً ، وللنصوص الشرعية الاخرى التي تعضد هذا الرأي ، ثانياً.
نظرية التعليم في القرآن/ وتتلخص هذه النظرية بفكرتين ؛ وهما : ( القراءة ) ، و( التسخير ) . فقد اختصر الاسلام نظريته في التعليم بأول كلمة وحي من الباري عز وجل نزلت على قلب الرسول العظيم محمد (صلى الله عليه وآله) ، وهي كلمة : ( اقرأ ... ) .
ومع ان هذه الجملة في الآية الكريمة تفيد خصوص القراءة للرسول (صلى الله عليه وآله) الا ان مقتضاها أوسع من ذلك. فتوجيه صيغة الامر بالقراءة سيساعد المكلفين حتماً على فهم الاحكام الشرعية وتطبيقها ، ويساعدهم أيضاً على قراءة القرآن والتفكر في آياته العظيمة ، وعلى تنشيط عقولهم لتطوير الحياة الانسانية في مختلف مجالاتها الاقتصادية والاجتماعية .
وفي المشهور : ( اطلبوا العلم من المهد الى اللحد ) ، وقوله (عليه السلام) : ( ايها الناس اعلموا ان كمال الدين طلب العلم والعمل به ، وان طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال ) ، فكمال الدين اذن ـ حسب الرواية ـ والسمو في فهم الاحكام الشرعية وعللها ، لايتم الا عن طريق طلب العلم والاجتهاد في تحصيله . وبذلك ، فان الاسلام وضع العلم على سلم الحاجات البشرية التي ينبغي اشباعها.
فعلم التشريح والعقاقير والكيمياء يطور علم الطب ، ودراسة القياسات ومعرفة علم المساحة وتربة الأرض ومواد البناء تساعد في علم تخطيط المدن ، ودراسة الاشجار واخشابها وطريقة قطعها واسلوب نقلها يساعد الأفراد المهتمين بعملية جمع الحطب واستخدامه في عملية توليد الطاقة .
وفي كل تلك الأمثلة يكون العلم الاختصاصي هو المحور والمدار في تطوير المهنة التي يقوم بها العامل المختص .
وبطبيعة الحال ، فان الاختصاص ليس القطب الوحيد الذي عرضه الاسلام ضمن اهتمامه بالعلوم التطبيقية ، بل طرح فكرة التسخير أيضاً ، باعتبارها منهجاً عملياً للتفاعل الاجتماعي : ( ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ). وهي اشارة الى ان النظام الاجتماعي لا يحيا الا عن طريق تسخير جهود الافراد الشخصية لخدمة بعضهم البعض في شتى المجالات الحياتية الضرورية للبقاء البشري على الأرض ، حيث تقوم العلوم التخصصية في عملية التسخير بدور العامل المساعد في تطوير تلك العملية وتسهيلها خدمة للنظام الاجتماعي العام وافراده . ولم تتوقف فكرة التسخير على الاعمال اليدوية والاعمال القائمة على الجهد الانساني العضلي ، بل تعدت الى الجهد العلمي والفكري الذي يقوم به الانسان . ومن ذلك ، الجهد العلمي الذي يؤدي الى الاجتهاد في علوم الدين ، وبالخصوص الفقه والاصول . وعملية الاجتهاد هذه ، تعتبر جزءاً من نظرية التسخير ، فاجتهاد المجتهد وعلمه ينبغي ان يسخر كلياً لخدمة الامة ، بالتوافق مع حاجتها ، وبالتناسب مع طموحاتها في انشاء نظام اجتماعي سياسي ديني متكامل.
ولكن الحركة الاجتهادية في الفقه والاصول قاست في العصور الاسلامية الاولى انعزالاً سياسياً أدى الى تحديد الهدف الاجتماعي من التعليم . فبدلاً من تعميم مفهوم التعليم وجعله حقاً لكل فرد ، سعت السلطات السياسية الحاكمة الى الحفاظ على مستوى من الجهل والتخلف الفكري السائد بين الافراد آنذاك ، لأن السلطات كانت تشعر ان نشر العلم بين افراد الامة سيؤدي الى هز الكيان السياسي الظالم وتقويض أركانه . وكان من نتائج هذا الانعزال تقلص النظرة الاجتماعية للفقه الاسلامي ، وظهور الاتجاه الفقهي الذي يهتم بشؤون الفرد أكثر من اهتمامه بشؤون الامة . وانصب اهتمام الفقهاء بالحث على تحصيل العلوم الدينية المتمثلة بالفقه والاصول وعلوم الحديث واللغة والمنطق بالقلة المختارة من الافراد ، بينما أهمل تعليم الافراد عموماً ؛ بل ان الامة الاسلامية باتت على قسمين ، القسم الاول والأكبر سماهم الفقهاء بـ ( العوام من الناس ) وهم الذين لا يجيدون القراءة ، والثاني : وهم الطلبة والعلماء . وهذه التسمية في حد ذاتها تعطي انطباعاً ظاهرياً بان العلم في الاسلام انما وجد للخاصة فحسب ، وبقية الناس ينطبق عليهم اصطلاح العوام . وكأن التكليف الشرعي لا يحث المكلف على طلب العلم والتحصيل ! ولانشك ان اللوم في هذا الفكر المتخلف يقع كلياً على السلطات السياسية المنحرفة التي حكمت الامة الاسلامية قروناً عديدة ، فسلبت من أيدي الفقهاء العدول كل أدوات السلطة التنفيذية ، وأرادت للامة الاسلامية ـ بجميع أفرادها ـ التخلف عن ركب العلم والحضارة ، حتى يتم لتلك الفئة المنحرفة السيطرة على مقدرات النظام الاجتماعي بشكل تام . ولا يحمل اصطلاح الفقهاء هذا غير معنى الاختصاص ، فسمي الفقهاء ( علماءً ) لا ختصاصهم بعلمي الفقه والاصول ، وسمي غيرهم ( عواماً ) لجهلهم علمي الفقه والاصول . ويكفينا ، لفهم موقف الاسلام من العلم وضرورة التعلمي الجماعي للمسلمين ، ان نتذكر ما حصل في معركة بدر المظفرة من أمر الرسول (صلى الله عليه وآله) باطلاق سراح أسرى المشركين ، شرط ان يعلم الاسير الواحد منهم عشرة مسلمين القراءة والكتابة.
ولاريب ان التأكيد على التعليم الجماعي كان قد ورد في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) في القرن الاول الهجري . فالامام علي بن الحسين (عليهما السلام) في رسالته الحقوقية يدعو بصراحة الى منح الافراد حق التعليم ، ويعلق هذا الحق بواجبات السلطة السياسية التي من مسؤوليتها بناء النظام الاجتماعي ، ويقول (عليه السلام) : ( واما حق رعيتك بالعلم ، فان تعلم ان الله قد جعلك لهم فيها آتاك من العلم وولاك من خزانة الحكمة ... فان أحسنت في تعليم الناس ولم تخرق بهم ولم تضجر عليهم زادك الله من فضله ).

المفيد
08-10-2011, 11:38 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
ولله الحمد والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لاشك ولا ريب انّ العقل هو الميزان الحقيقي لسمو الانسان إذا ما عمل به وفق ما يريده الله سبحانه وتعالى، أو أن يكون سبباً الى الدرك الأسفل إذا لم يعمل به وخالف أوامر الله ونواهيه..
فالميدان الصحيح للعقل هو ما يريده الله سبحانه وتعالى وما لا يريده، وإلاّ فما فائدة عمل العقل وان وصل الى ذروة العلوم ولا يقرّبه من الباري عزّ وجلّ بل يبتعد عنه ابتعاداً كثيراً حتى قد يصل الى إنكاره، وهذا ما أشار اليه تعالى في كتابه العزيز ((أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا))الفرقان: 44..

نستخلص من ذلك انّ العلم يجب أن يكون مشروطاً بما يقرّب العبد من خالقه، أو لا أقلّ أن لا يؤثر على معتقداته، أما إذا كان العكس فهذا العلم سوف يؤدي بصاحبه الى الهاوية ويكون الجاهل أهون منه..

واذا ما توفرت مثل هكذا عقول علمية مؤمنة فلابد من أن يكون المجتمع يسير بالاتجاه الصحيح، وعلى هذا الأساس تبنى الدولة الاسلامية الحقيقية، وعلى ذلك أيضاً تظهر القواعد الأساسية الممهدة لظهور المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف..


الأخ القدير والسيد الجليل أحمد الخيّاط..
دائماً ما تفاجؤنا بمواضيع في غاية الروعة والأهمية، سائلين المولى العلي القدير أن يرزقكم العلم والعمل به...

عمارالطائي
09-10-2011, 01:39 PM
قال الامام علي( عليه السلام ) (http://www.tebyan.net/index.aspx?pid=43862) في طلب العلم :1 - أيها الناس اعلموا أن كمال الدين طلب العلم و العمل به ، ألا و إن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال ، إن المال مقسوم مضمون لكم قد قسمه عادل بينكم و ضمنه ، و العلم مخزون عند أهله قد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه .2 - إن للعالم ثلاث علامات : العلم ، و الحلم ، و الصمت ، ول لمتكلف ثلاث علامات : ينازع من فوقه بالمعصية ، و يظلم من دونه بالغلبة ، و يظاهر الظلمة .

الاخ الفاضل
احمد الخياط
جعلكم الله من العاملين المتعلمين