المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القرآن وأَسماؤه



سامر الزيادي
29-09-2009, 12:28 PM
القرآن الكريم هو الكلام المعجز المنزل وحياً على النبي (ص) المكتوب في المصاحف المنقول عنه بالتواتر المتعبد بتلاوته. وقد اختار اللّه تعالى لهذا الكلام المعجز الذي اوحاه الى نبيه أسماء مخالفة لما سمى العرب به كلامهم جملة وتفصيلاً.

فسماه الكتاب قال تعالى (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين).

وسماه القرآن (وما كان هذا القرآن أن يُفترى من دون اللّه ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين). والاهتمام بوضع أسماء محددة ومصطلحات جديدة للقرآن الكريم، يتمشى مع خط عريض سار عليه الاسلام، وهو تحديد طريقة جديدة للتعبير عما جاء به من مفاهيم وأشياء.

وتفضيل ايجاد مصطلحات تتفق مع روحه العامة على استعمال الكلمات الشائعة في الأعراف الجاهلية وذلك لسببين :

أحدهما : أن الكلمات الشائعة في الاعراف الجاهلية من الصعب أن تؤدي المعنى الاسلامي بأمانة، لانها كانت وليدة التفكير الجاهلي وحاجاته،


فلا تصلح للتعبير عما جاء به الاسلام، من مفاهيم وأشياء لا تمت الى ذلك التفكير بصلة.

والآخر : أن تكوين مصطلحات واسماء محددة يتميز بها الاسلام، ويساعد على ايجاد طابع خاص به، وعلامات فارقة بين الثقافة الاسلامية وغيرها من الثقافات.

وفي تسمية الكلام الالهي ب(الكتاب) اشارة الى الترابط بين مضامينه ووحدتها في الهدف والاتجاه، بالنحو الذي يجعل منها كتاباً واحداً.

ومن ناحية أخرى يشير هذا الاسم الى جمع الكلام الكريم في السطور، لان الكتابة جمع للحروف ورسم للالفاظ.

وأما تسميته ب(القرآن) فهي تشير الى حفظه في الصدور نتيجة لكثرة قراءته، وترداده على الالسن. لان القرآن مصدر القراءة، وفي القراءة استكثار واستظهار للنص.

فالكلام الالهي الكريم له ميزة الكتابة والحفظ معاً، ولم يكتف في صيانته وضمانه بالكتابة فقط، ولا الحفظ والقراءة فقط لهذا كان كتاباً وقرآناً.

ومن أسماء القرآن أيضاً (الفرقان) قال تعالى : (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً). ومادة هذا اللفظ تفيد معنى التفرقة، فكأن التسمية تشير الى أن القرآن هو الذي يفرق بين الحق والباطل، باعتباره المقياس الالهي للحقيقة في كل ما يتعرض له من موضوعات.

ومن أسمائه أيضاً (الذكر). (وهذا ذكر مبارك انزلناه)، ومعناه الشرف، ومنه قوله تعالى : (بعد انزلنا اليكم كتاباً فيه ذكركم).

وهناك الفاظ عديدة اطلقت على القرآن الكريم على سبيل الوصف لا التسمية كالمجيد، والعزيز، والعلي، في قوله تعالى (بل هو قرآن مجيد)، (وانه لكتاب عزيز)، (وانه في اُم الكتاب لدينا لعلي حكيم).



علوم القرآن

وعلوم القرآن هي : جميع المعلومات، والبحوث التي تتعلق بالقرآن الكريم، وتختلف هذه

العلوم في الناحية التي تتناولها من الكتاب الكريم.

فالقرآن له اعتبارات متعددة. وهو بكل واحدة من تلك الاعتبارات موضوع لبحث خاص.

وأهم تلك الاعتبارات، القرآن بوصفه كلاماً دالاً على معنى، والقرآن بهذا الوصف، موضوع لعلم التفسير.

فعلم التفسير يشتمل على دراسة القرآن باعتباره كلاماً ذا معنى، فيشرح معانيه، ويفصل القول في مدلولاته، ومقاصده.

ولاجل ذلك كان علم التفسير من أهم علوم القرآن وأساسها جميعاً.

وقد يعتبر القرآن بوصفه مصدراً من مصادر التشريع، وبهذا الاعتبار يكون موضوعاً لعلم آيات الاحكام. وهو علم يختص بآيات الاحكام من القرآن، ويدرس نوع الاحكام التي يمكن استخراجها بعد المقارنة لجميع الادلة الشرعية الاخرى من سنة، واجماع، وعقل.

وقد يؤخذ القرآن بوصفه دليلاً لنبوة النبي محمد (ص) فيكون موضوعاً لعلم اعجاز القرآن. وهو علم يشرح : أن الكتاب الكريم وحي الهي ويستدل على ذلك بالصفات والخصائص التي تميزه عن الكلام البشري.

وقد يؤخذ القرآن باعتباره نصاً عربياً جارياً وفق اللغة العربية فيكون موضوعاً لعلم اعراب القرآن، وعلم البلاغة القرآنية. وهما علمان يشرحان مجيء النص القرآني وفق قواعد اللغة العربية في النحو والبلاغة.

وقد يؤخذ القرآن بوصفه مرتبطاً بوقائع معينة في عهد النبي (ص) فيكون موضوعاً لعلم أسباب النزول.



وقد يؤخذ القرآن باعتبار لفظه المكتوب، فيكون موضوعاً لعلم رسم القرآن، وهو علم يبحث في رسم القرآن، وطريقة كتابته.

وقد يعتبر بما هو كلام مقروء، فيكون موضوعاً لعلم القراءة، وهو علم يبحث في ضبط حروف الكلمات القرآنية وحركاتها، وطريقة قراءتها الى غير ذلك من البحوث التي تتعلق بالقرآن. فانها جميعاً تلتقي وتشترك في اتخاذها القرآن موضوعاً لدراستها، وتختلف في الناحية الملحوظة فيها من القرآن الكريم.

الحث على التدبر في القرآن

وقد ورد الحث الشديد في الكتاب العزيز، والسنة الصحيحة على تدارس القرآن والتدبر في معانيه، والتفكر في مقاصده وأهدافه. قال تعالى :

(أَفلا يتدبَّرُون القُرآن أم على قُلوبٍ أقفالها). وفي هذه الآية الكريمة توبيخ عظيم على عدم اعطاء القرآن حقه من العناية والتدبر.

وفي الحديث عن ابن عباس عن النبي (ص) انه قال : (اعربوا القرآن والتمسوا غرائبه) وعن ابي عبد الرحمن السلمي قال : حدثنا من كان يقرئنا من الصحابة أنهم كانوا يأخذون من رسول اللّه (ص) عشر آيات فلا يأخذون العشر الاخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل.

وعن عثمان وابن مسعود واُبيّ : أن رسول اللّه (ص) كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها الى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل، فيعلمهم القرآن والعمل جميعاً. وعن علي بن ابي طالب (ع) انه ذكر جابر بن عبد اللّه ووصفه بالعلم، فقال له رجل : جعلت فداك، تصف جابراً بالعلم وأنت أنت. فقال : انه كان يعرف تفسير قوله تعالى (ان الذي فرض عليك القرآن لرادُّك الى معاد).

والاحاديث في فضل التدبر في القرآن، ودفع المسلمين نحو ذلك



كثيرة، وقد ذكر شيخنا المجلسي في البحار (الجزء التاسع) منه، طائفة كبيرة من هذه الاحاديث.

ومن الطبيعي أن يتخذ الاسلام هذا الموقف، ويدفع المسلمين بكل ما يملك من وسائل الترغيب الى دراسة القرآن والتدبر فيه. لان القرآن هو الدليل الخالد على النبوة، والدستور الثابت من السماء للأُمّة الاسلامية في مختلف شؤون حياتها، وكتاب الهداية البشرية الذي أخرج العالم من الظلمات الى النور، وأنشأ أمّةً، وأعطاها العقيدة، وامدها بالقوة، وأنشأها على مكارم الاخلاق، وبنى لها أعظم حضارة عرفها الانسان الى يومنا هذا.

تاريخ علوم القرآن

كان الناس على عهد النبي (ص) يسمعون الى القرآن، ويفهمونه بذوقهم العربي الخالص، ويرجعون الى الرسول (ص) في توضيح ما يشكل عليهم فهمه، أو ما يحتاجون فيه الى شيء من التفصيل والتوسع.

فكانت علوم القرآن تؤخذ وتروى عادة بالتلقين والمشافهة، حتى مضت سنون على وفاة النبي (ص)، وتوسعت الفتوحات الاسلامية، وبدرت بوادر تدعو الى الخوف على علوم القرآن، والشعور بعدم كفاية التلقي عن طريق التلقين والمشافهة، نظراً الى بعد العهد بالنبي نسبياً واختلاط العرب بشعوب أخرى، لها لغاتها وطريقتها في التكلم والتفكير، فبدأت لاجل ذلك حركة، في صفوف المسلمين الواعين لضبط علوم القرآن ووضع الضمانات اللازمة لوقايته وصيانته من التحريف.

وقد سبق الامام علي (ع) غيره في الإحساس بضرورة اتخاذ هذه الضمانات، فانصرف عقيب وفاة النبي (ص) مباشرة الى جمع القرآن.

ففي الفهرست لابن النديم، أن علياً (ع) حين رأى من الناس عند وفاة النبي ما رأى أقسم أنه لا يضع عن عاتقه رداءه حتى يجمع القرآن، فجلس في بيته ثلاثة أيام، حتى جمع القرآن. وسيأتي البحث عن ذلك في



البحث عن جمع القرآن. وما نقصده الآن من ذلك، أن الخوف على سلامة القرآن والتفكير في وضع الضمانات اللازمة، بدأ في ذهن الواعين من المسلمين، عقيب وفاة النبي (ص)، وأدى الى القيام بمختلف النشاطات. وكان من نتيجة ذلك (علوم القرآن)، وما استلزمته من بحوث وأعمال.

وهكذا كانت بدايات علوم القرآن، وأسسها الاولى على يد الصحابة والطليعة من المسلمين في الصدر الاول الذين أدركوا النتائج المترتبة للبعد الزمني عن عهد النبي (ص) والاختلاط مع مختلف الشعوب.

فأساس علم إعراب القرآن وضع تحت اشراف الامام علي (ع)، اذ أمر أبا الاسود الدؤلي وتلميذه يحيى بن يعمر العدواني رائدي هذا العلم والواضعين لاساسه، فان أبا الاسود هو : أول من وضع نقط المصحف، وتروى قصة في هذا الموضوع، تشير الى شدة غيرته على لغة القرآن، فقد سمع قارئاً يقرأ قوله تعالى (ان اللّه بريء من المشركين ورسوله) فقرأها بجر اللام من كلمة (رسوله) فأفزع هذا اللحن أبا الاسود الدؤلي وقال : عز وجه اللّه أن يبرأ من رسوله، فعزم على وضع علامات معينة تصون الناس في قراءتهم من الخطأ، وانتهى به اجتهاده الى أن جعل علامة الفتحة نقطة فوق الحرف، وجعل علامة الكسرة نقطة أسفله، وجعل علامة الضمة نقطة بين أجزاء الحرف، وجعل علامة السكون نقطتين

سامر الزيادي
29-09-2009, 12:33 PM
ثبوت النّص القرآني


من البحوث القرآنية الهامة هذا البحث الذي نحن بصدده. لان نتيجة هذا البحث سوف تؤكد لنا سلامة المضمون في النص القرآني وسلامة الأسس والمفاهيم والأحكام المذكورة فيه.

والنقطة موضوعة البحث هي مدى مطابقة هذا النص القرآني مع الوحي الذي نزل على الرسول الاعظم (ص) ومدى سلامة الطريقة التي وصلنا بها هذا النص، الامر الذي يجعله في منجاة عن التحريف والتشويه.

وحين نريد ان نرجع الى تاريخ هذا البحث نجده من البحوث القرآنية التي تناولها الباحثون منذ العصور الاولى للبحث القرآني خصوصاً اذا نظرنا اليه من خلال النصوص والاحاديث التي تناولته. ولكن الآراء العلمية تكاد ان تتفق على نتيجة واحدة وهي قطعية التطابق بين النص القرآني المتداول والوحي الذي نزل على الرسول الاعظم (ص).

ومع كل هذا نجد ان خلافاً نسب الى علماء الامامية وغيرهم في هذا الموضوع حيث قيل عنهم انهم يقولون بتحريف القرآن الكريم.

كما ان شبهة التحريف اصبحت فيما بعد مجال الاستغلال المتنوع للطعن في القرآن الكريم من قبل مختلف التيارات الكافرة التي واجهها



المسلمون في عصورهم القديمة والحديثة، وكانت آخرها محاولات التبشير التي قادها المستشرقون وغيرهم للتشكيك في سلامة النص القرآني.

وعلى اساس كل من الخلافين نجد البحث حول هذه النقطة يواجه مسؤوليتين :

الاولى - مسؤولية مناقشة هذه الشبهة وتحقيق فسادها وبطلانها على اساس الفرضية الاسلامية ومستلزماتها التي تعترف بالنصوص الدينية، القرآنية او الصادرة من النبي واهل بيته الكرام.

الثانية : مسؤولية مناقشة هذه الشبهة على اساس البحث الموضوعي وما تفرضه طبيعة الاشياء من نتائج دون الالتزام بالنصوص الدينية ومستلزمات الايمان ببعضها.

والمواجهة الاولى قد تبدو انها اسهل منالاً ولكنها لا تحقق الغرض تجاه الفرد المسلم الذي يؤمن بالاسلام ونصوصه الدينية ورجاله الطيبين.. الامر الذي يفرض علينا ان نعطي المواجهة الثانية حقها من الاهمية لانها تحقق الغرض بشكل شامل وتقطع الطريق على الشبهة عند كل واحد من الناس حتى لو كان غير مؤمن بشيء من الفرضية الاسلامية.

ونكتفي هنا ان نشير - بصدد المواجهة الاولى - الى ان الرأي السائد لدى علماء الامامية هو التزام بسلامة القرآن الكريم من التحريف كما أن السيد الخوئي قد تحدث بشكل تفصيلي وجيد عن الشبهة(1). حين تناولها في الاطار الاسلامي وانتهى الى الحق الذي لا شبهة فيه وهو

_____________________
(1) راجع بهذا الصدد السيد الخوئي : البيان في تفسير القرآن : 138 - 139.



سلامة النص القرآني من التحريف(2).

لذا فسوف نخص بالبحث المواجهة الثانية وندرس الشبهة على اساس موضوعي وبمقتضى ما تفرضه طبيعة الاشياء من نتائج.

جمع القرآن في زمن النبي

نقصد بطبيعة الاشياء مجموع الظروف والخصائص الموضوعية والذاتية التي عاشها النبي والمسلمون والقرآن او اختصوا بها مما يجعلنا نقتنع بضرورة قيام النبي (ص) بجمع القرآن في عهده. وهذه الظروف والخصائص هي ما يلي : -

أ - يعتبر القرآن الكريم الدستور الاساسي للامة الاسلامية وهو يشكل الزاوية الرئيسية التي يقوم عليها كيان الامة العقيدي والتشريعي والثقافي الى جانب المناهج الاسلامية الاخرى عن المجتمع والاخلاق. كما انه يعتبر أتقن المصادر التاريخية لديها وأروع النصوص الادبية. ولم يكن المسلمون في صدر حياتهم الاجتماعية يملكون شيئاً من القدرات الفكرية والثقافية في مختلف الميادين التي يخوضها الفكر الانساني، فالقرآن بالنسبة لهم كامة حديثه يمثل المحتوى الروحي والفكري والاجتماعي لهم.

فمثلاً لم تكن الامة الاسلامية حينذاك تملك من الثقافة العقيدية ما تبني عليها ايمانها الراسخ بوحدانية الله سبحانه وانحراف اصحاب الديانات الأخرى في نظرتهم الى المبدأ والمعاد... غير الادلة والبراهين القرآنية. والكلام ذاته يمكن ان يقال بالنسبة الى المجالات الاخرى فكرية كانت ام روحية ام ثقافية.

_____________________
(2) المصدر السابق : 144 - 156.



كل هذا يعطينا صورة بارزة عن الاهمية الذاتية التي يتمتع بها القرآن الكريم بالنسبة الى حياة المسلمين ويحدد النظرة التي يحملها المسلمون كأمة تتمتع بقيادة النبي (ص) الحكيمة - الى القرآن الكريم.

ب - لقد عكف المسلمون منذ البدء على حفظ القرآن واستظهاره انطلاقاً من نظرتهم الى القرآن الكريم وشعوراً بالاهمية التي يحتلها في حياتهم الاجتماعية ومركزه من الدور الذي ينتظرهم في الحياة الانسانية.

وقد تكونت نتيجة هذا الاقبال المتزايد منهم على حفظه واستظهاره جماعة كبيرة عرفت بحفظها القرآن الكريم واستظهارها لنصه بشكل مضبوط.

ولكن السؤال عن كفاية هذه الوسيلة في جعل القرآن بمأمن عن التحريف والتزوير نتيجة للخطأ والاشتباه. او تعرضهم لظروف وعوامل اخرى تمنعهم عن القيام بدورهم في حفظ النص القرآني من هذه الاخطار ؟؟.

ان الصحابة الذين عرفوا بحفظ القرآن.. مهما بلغوا من الورع والتقوى والامانة والاخلاص فهم لا يخرجون عن كونهم اشخاصاً عاديين يعتورهم الخطأ والنسيان. كما ان ظرفهم التاريخي وطبيعة المسؤولية الملقاة على عاتقهم كانت تعرضهم للاستشهاد فالقتل والانتشار في الاقطار الاسلامية بغية الدعوة لله سبحانه. وكل هذه الامور التي كانت متوقعة تصبح خطراً على النص القرآني اذا ترك مرتبطاً في حفظه بهذه الوسيلة ومرتهناً بهذا الاسلوب.

ويكفينا في تحقيق الخطر على النص القرآني ان يقع بعض الصحابة



البعيدين عن المدينة المنورة في اشتباه معين في النص القرآني ليقع الاختلاف بعد ذلك حينما يفقد المسلمون المرجع الاصيل لضبط النص.

ونحن هنا لا نريد ان نقول ان هذا الشيء قد تحقق فعلاً وان المسلمين قد وقعوا في هذا الاختلاف والخطأ ولكن نريد ان نؤكد ان هذا الامر كان خطراً ماثلاً يمكن ان يقع فيه المسلمون في بعض الظروف.

ج - وقد كان الرسول (ص) يعيش مع الأمة في آمالها وآلامها مدركاً لحاجاتها وواعياً للمسؤولية العظيمة التي تفرضها طبيعة الظروف المحيطة بتكوينها والاخطار التي تتهددها. وهذا الادراك والوعي نتيجة الدور العظيم الذي قام به منذ البعثة حتى وفاته عليه الصلاة والسلام. فقد عاش حياة الاضطهاد والضغط اللذين كانا وليدي قيامه بالدعوة الى الله سبحانه وعمله على تغيير الامة وقلب واقعها الفكري والاجتماعي. ومثل هذا الدور يحتاج الى مهارة عظيمة وادراك دقيق لواقع المجتمع وتقدير للآثار والنتائج مع فهم للنفس البشرية وما تنطوي عليه من خير وشر.

ثم عاش حياة القيادة وسياسة الامة وادارة شؤونها في أصعب الظروف التاريخية حيث انشاء الدولة وتوطيد التشريع والنظام في مجتمع كان لا يعرف الا لوناً باهتاً عن كل ما يمت الى المجتمعات البشرية المنظمة، ويؤمن بمفاهيم وافكار بعيدة عن المفاهيم والافكار الجديدة فمارس الحرب والجهاد وبلى المكر والخداع والنفاق والارتداد الى غير ذلك من الاساليب والظروف المختلفة في أبعادها وآثارها.

وكان على معرفة بتاريخ الرسالات الالهية ونهايتها على يد المزورين والمحرفين وتجار الدين.

فالانسان الذي يكون قد خبر الحياة الانسانية بهذا الشكل وحمل



اعباء الرسالة والدعوة وقاد الانسان في مجاهل الظلام حتى اورده مناهل النور والحق... لا يمكن ان نشك في ادراكه لمدى ما يمكن ان يتعرض له النص القرآني من خطر حينما يربط مصيره بالحفظ والاستظهار في صدور الرجال.

د - وامكانات التدوين والتسجيل كانت متوفرة لدى الرسول (ص) حيث لا تعني هذه الامكانات حينئذ الا وجود اشخاص قادرين على الكتابة يتوفر فيهم الاخلاص في العمل الى جانب توفر أدوات الكتابة. وليس هناك من يشك تاريخياً في تمكن المسلمين من كل ذلك.

ه - والاخلاص للقرآن الكريم وأهدافه لا يمكن ان نجد من يشك في توفره لدى النبي (ص) مهما بلغ ذلك الشخص من التطرف في الشك والتفكير. لأن النبي (ص) - حتى على اسوأ التقادير والفروض التي يفرضها الكافرون برسالته والمنكرون لنبوته - لا يمكن إِلا ان يكون مخلصاً للقرآن الكريم لانه يؤمن بأن القرآن معجزته وبرهان دعوته الذي به تحدى المشركين وهو على هذا الايمان بالقرآن لابد وان يحرص على حفاظه ويكون مخلصاً في ذلك أبعد الاخلاص.

و - تحدي القرآن لمن يأتي بمثله يجعل من الضروري جمعه لكي لا تختلط على الناس المحاولات التي أبداها البشر لتقليد القرآن و محاكاته ببعض الكلام وهذه العناصر الخمسة هي التي تكون اليقين بانّ القرآن الكريم قد تم جمعه وتدوينه في زمن الرسول (ص) لان اهمية القرآن الذاتية مع وجود الخطر عليه والشعور بهذا الخطر وتوفر ادوات التدوين والكتابة ثم الاخلاص للقرآن حين تجتمع لا يبقى مجال للشك بتدوين القرآن في عهد رسول اللّه وكتابته في زمانه.

الشبهة حول طبيعة الاشياء :

وليس عندنا في مقابل دلالة طبيعة الاشياء هذه غير الروايات التي جاءت تذكر ان القرآن الكريم قد جمع في عهد أبي بكر حيث جمع القرآن



من العسب والرقاق واللخاف ومن صدور الناس بشرط ان يشهد شاهدان على أنه من القرآن كما جاء ذلك في قصة جمع القرآن المروية عن زيد بن ثابت(3).

والواقع ان النصوص والروايات التي جاءت تتحدث عن قصة الجمع ليست متفقة على صيغة واحدة ولا على مضمون واحد فهي تنسب الجمع الى اشخاص مختلفين كما انها تختلف في زمان الجمع وطريقته والعهد الذي تم فيه(4).

وهي من أجل ذلك كله لا يمكن الاخذ بمضمونها الفعلي وانما يمكن ان تفسر وجودها بأحد تفسيرين :

الاول : ان هذه الروايات جاءت بصدد الحديث عن جمع القرآن بشكل مصحف منتظم الاوراق والصفحات الامر الذي تم في عهد الصحابة، وليست بصدد الحديث عن عملية جمع القرآن بمعنى كتابته عن بعض الاوراق وصدور الرجال كما تشير اليه بعض هذه الاحاديث.

وهذا التفسير هو ما يفرضه منطق الالتزام بصحة المضمون الاجمالي الذي تؤكد عليه الروايات بأكملها.

الثاني : ان ظهور هذه الروايات على أساس انها قصص وضعت في عهود متأخرة عن عهد الصحابة لاشباع رغبة عامة في معرفة كيفية جمع القرآن. ونحن نعرف من دراستنا للتاريخ الاسلامي ان حركة القصة حين بدأت فانما بدأت تعيش الاطار الديني وكان ذلك في اواخر عهد الصحابة وتطورت في عهد التابعين ونمت في عصور متأخرة. واعتمدت بشكل رئيسي على الاسرائيليات وعلى الوضع والخيال الذي يحاول

_____________________
(3) البخاري : باب جمع القرآن 6/98.
(4) السيد الخوئي : البيان في تفسير القرآن : 162 - 164.



ان يحقق أغراضاً اجتماعية معينة.

وهذه الحركة القصصية ليست بدعاً في التاريخ الاسلامي فحسب.. بل هي رغبة عامة عاشت في مختلف العصور التاريخية القديمة منها والحديثة ولازلنا نشاهد القصة التي تعتمد على أحداث ووقائع خيالية وتستمد مقوماتها واتجاهاتها وأغراضها من الواقع الاجتماعي المعاش.

ونحن وان كنا نرغب ان نتجه في تفسير هذه الاحاديث الى الطريقة الاولى ولكن لا نجد مانعاً من طرح هذا التفسير الآخر كأساس للدراسة الموضوعية المفصلة لهذه الاحاديث وغيرها.

وبالاضافة الى ذلك كله نجد نصوصاً أخرى تصرح بأن القرآن الكريم قد تم جمعه في زمن الرسول (ص) بحيث تصلح ان تقف في مواجهة هذه النصوص(5).

اذن فمن الضروري ان نلتزم بأن القرآن الكريم قد تم جمعه وتدوينه زمن الرسول الله (ص) بشكل كامل متقن يمنع من تسرب التشويه والتزوير اليه.

كيف يقع التحريف ؟

ولابد لنا من اجل ايضاح سلامة النص القرآني من التحريف ان نذكر الحالات التي يمكن ان نتصور وقوع التحريف فيها مع مناقشة كل واحدة منها.

1 - ان يقع التحريف في عهد الشيخين بصورة عفوية دون ان يقصدا حذف شيء من القرآن وذلك بسبب الغفلة عن بعض الآيات او عدم وصولها الى أيديهم.

2 - ان يقع التحريف في عهد الشيخين مع فرض الاصرار منهما

_____________________
(5) راجع البيان : 164 - 166.



عليه بشكل مسبق ومدروس.

3 - ان يقع التحريف في فترة عهد الخليفة عثمان.

4 - ان يقع التحريف في غير عهد الخلفاء كما نسب ذلك الى الحجاج بن يوسف الثقفي. وهناك حالة خامسة لا مجال ان نتصور وقوع التحريف فيها وهي ان نفرض وقوعه من قبل بعض أفراد الرعية من الناس لان هؤلاء لا قدرة لهم على مثل هذا العمل مع وجود السلطة الدينية التي تعرف القرآن الكريم وتحميه من التلاعب والتي هي المرجع الرسمي لتعيين آياته وكلماته لدى الناس.

اما الحالة الاولى فيمكن ان تناقش من ناحيتين :

أ - النتيجة السابقة التي توصلنا اليها في دراستنا لتاريخ جمع القرآن حيث ان القرآن الذي تم جمعه في عهد الرسول الاعظم لا يمكن ان يكون إِلا دقيقاً ومتقناً لرعاية الرسول لجمعه ومع وجود هذا القرآن لا مجال لان نتصور وقوع الغفلة او الاشتباه من الشيخين او من غيرهما كما لا يمكن ان نحتمل عدم وصول بعض الآيات اليهم.

ب - ان هناك عوامل عديدة لوجود القرآن الكريم بأكمله لدى جماعة كبيرة من المسلمين وهذا يشكل ضمانة حقيقية لوصول القرآن الكريم بكامله الى الدولة في عهد الشيخين دون نقيصة. وهذه العوامل يمكن ان نلخصها بالاسباب التالية :

1 - ان القرآن الكريم يعتبر من أروع النصوص الادبية وابلغها تعبيراً ومضموناً وقد كان العرب ذوي اهتمام بالغ بهذه لانها تكون ثقافتهم الخاصة سواء في الناحية التعبيرية او في الناحية الفكرية والاجتماعية. ونجد آثار هذا الاهتمام ينعكس على حياتهم الخاصة والعامة فيحفظون الشعر العربي والنصوص الادبية الاخرى ويستظهرونها،



ويعقدون الندوات والاسواق للمباراة والتنافس في هذه المجالات. وقد يصل بهم الاهتمام الى درجة الاحتفاظ ببعض النصوص في أماكن مقدسة تعبيراً عن التقدير والاعجاب بهذا النص كما يذكر ذلك بالنسبة الى المعلقات في الكعبة الشريفة.

وقد دفعت هذه العادة الشائعة بين المسلمين حينذاك كثيراً منهم الى حفظ القرآن الكريم واستظهاره.

3 - ان القرآن الكريم كان يشكل بالنسبة الى المسلمين حجر الزاوية الرئيسية في ثقافتهم وافكارهم وعقيدتهم، وقد تعرفنا على ذلك في النقطة الاولى من طبيعة الاشياء التي سقناها لابراز مدى اهتمام المسلمين بالقرآن.

وكما ان هذا الامر دفع النبي (ص) لتدوين القرآن الكريم لحفظه من الضياع كذلك دفع المسلمين الى استظهار القرآن الكريم وحفظه بدافع الاحتفاظ بأفكاره وثقافته ومفاهيمه والتعرف على التشريعات الاسلامية التي تضمنها.

3 - ان القرآن الكريم على اساس ما يحتويه من ثقافة كان يعطي الجامع له امتيازاً اجتماعياً بين الناس يشبه الامتياز الذي يحصل عليه العلماء من الناس في عصرنا الحاضر.

وتعتبر هذه الميزة الاجتماعية احدى العوامل المهمة لتدارس العلوم وتحصيلها في جميع العصور الانسانية. فمن الطبيعي ان تكون احدى العناصر المؤثرة في استظهار القرآن الكريم وحفظه.

وقد حدثنا التاريخ عن الدور الذي كان يتمتع به القراء في المجتمع الاسلامي بشكل عام وعين القداسة التي كان ينظر اليهم بها المسلمون.

لقد كان النبي (ص) كرائد للامة الاسلامية وموجه لها يحرض



المسلمين ويحثهم على حفظ القرآن واستظهاره.

ونحن نعرف ما كان يتمتع به النبي (ص) من حب عظيم في نفوس كثير من المسلمين وما كان يملكه من قدرة على التأثير في حياتهم وسلوكهم الامر الذي كان يدفع المسلمين الى الاستجابة له في كثير من التوجيهات، دون الالتفات الى مدى لزومها الشرعي.

4 - الثواب الجزيل الذي وضعه الله سبحانه لقراء القرآن وحفظته ورغبة الكثيرين من المسلمين حينذاك من الاستزادة من هذا الثواب خصوصاً انهم كانوا جديدي عهد بالاسلام فهم يحاولون ان ينعكس الاسلام على جميع تصرفاتهم.

وقد كان لبعض هذه العوامل او جميعها تأثير بالغ الاهمية في حياة المسلمين حيث حدثنا التاريخ الاسلامي عن وجود جماعات كثيرة من المسلمين عرفوا بالقراء من ذوي العقيدة الصلدة كان لهم دورهم في الحياة الاجتماعية وميزتهم في ترجيح جانب على آخر عند الخلافات السياسية التي عاشها المسلمون.

5 - وبالاضافة الى ذلك تفرض طبيعة الاشياء ان يكون قد دون القرآن الكريم وكتبه كل مسلم عنده القدرة على التدوين والكتابة لان أي جماعة او أمة تهتم بشيء وترى فيه معبراً عن جانب كبير من جوانب حياتها.. فهي تعمل على حفظه بشتى الوسائل ولا شك ان الكتابة - عند من يتقنها - من أيسر هذه الوسائل وأسهلها.

ولذلك نجد بعض النصوص تشير الى وجود عدد من المصاحف او قطعات مختلفة منه عند كثير من الصحابة.

ولا بد لنا ان ننتهي الى ان القرآن الكريم بسبب هذه العوامل كان موجوداً في متناول الصحابة ولم يكن من المعقول فرض التحريف نتيجة



الغفلة او الاشتباه او عدم وصول بعض الآيات القرآنية.

وأما الحالة الثانية : فهي فرضية غير صادقة اطلاقاً، لان دراسة عهد الشيخين والظروف المحيطة بهما تجعلنا ننتهي الى هذا الحكم وتكذيب هذه الفرضية.

ذلك لأن التحريف المعتمد يمكن ان يكون لاحد السببين التاليين :

أولاً - ان يكون بسبب رغبة شخصية في التحريف.

ثانياً - ان يكون بدافع تحقيق أهداف سياسية. كأن يفرض وجود آيات قرآنية تنص على موضوعات ومفاهيم خاصة تتنافى مع وجودهما السياسي.

اما بالنسبة الى السبب الاول فنلاحظ عدة أمور :

1 - ان قيام الشيخين بذلك يعني في الحقيقة نسف القاعدة التي يقوم عليها الحكم حينذاك حيث انه يقوم على أساس الخلافة لرسول الله والقيمومة على الامة الاسلامية. وليس من المعقول ان يقدما على تحريف القرآن ويعملا على معاداة الاسلام دون تحقيق أي مكسب ديني او دنيوي. وهل يعني ذلك الا فتح الطريق امام المعارضة لتشن هجوماً مركزاً يملك اقوى الاسلحة التي يمكن استخدامها حينذاك.

2 - ان الامة الاسلامية كانت تشكل حينذاك ضمانة اجتماعية عن قيام أحد من الناس مهما كان يملك من قدرة وقوة بمثل هذا العمل المضاد للاسلام دون ان يكون له رد فعل هائل في صفوفها. لان المسلمين كانوا ينظرون الى القرآن الكريم على انه شيء مقدس غاية التقديس وانه كلام الله سبحانه الذي لا يقبل أي تغيير او تبديل. كما انهم ناضلوا وجاهدوا في سبيل مفاهيم القرآن واحكامه وضحوا بأنفسهم من أجل هذا الدين الجديد الذي كان يشكل التصرف في



القرآن - في نظرهم - خروجاً عنه وارتداداً عن الالتزام به.

3 - ان الحكم في عهد الشيخين لم يسلم من وجود المعارضة التي كانت ترتفع أصواتها احياناً من اجل خطأ يقع فيه الخليفة في تطبيق بعض الاحكام.. ومع هذا لا نجد في التاريخ أي اشارة الى الاحتجاج او ما يشبه الاحتجاج مما يشير الى وقوع هذه الفرضية فكيف يمكن ان تسكت المعارضة في كلامها وأقوالها زمن الشيخين او بعدهم عن كل ذلك.

ومن هنا يتضح موقفنا من السبب الثاني : -

أولاً - ان وعي الامة ونظرتها المقدسة للكتاب وصلته بالله بشكل لا يقبل التغيير والتبديل لا يسمح بوقوع مثل هذا العمل مطلقاً.

ثانياً - ان المعارضة لا يمكن ان تترك هذه الفرصة تمر دون ان تستغلها في صراعها مع العهد والخليفة مع اننا لا نجد اشارة الى ذلك في كلامهم.

ثالثاً - ان المناقشة السياسية التي شنتها الزهراء سلام الله عليها ومن بعدها أمير المؤمنين وجماعته المؤمنون بامامته لم تتناول أي نص قرآني غير مدون في القرآن الكريم الموجود بين ايدينا ولو كان مثل هذا النص موجوداً في القرآن لكان من الطبيعي ان يستعملوه اداة لكسب المعركة الى جانبهم واظهار الحق الذي ناضلوا من أجله.

وأما الحالة الثالثة : فهي تبدو اكثر استحالة وبعداً عن الحقيقة التاريخية من سابقتيها وذلك للأسباب التالية : -

أولاً - ان الاسلام - والى جنبه القرآن الكريم - قد اصبح منتشراً بشكل كبير بين الناس وفي آفاق مختلفة. وقد مر على المسلمين زمن كبير يتداولونه او يتدارسونه فلم يكن في ميسور عثمان - لو اراد ان يفعل ذلك - ان ينقص منه شيئاً بل ولم يكن ذلك في ميسور



من هو اعظم شأناً من عثمان.

ثانياً - ان النقص اما ان يكون في آيات لا مساس فيها بخلافة عثمان، وحينئذ فلا يوجد أي داع لعثمان ان يفتح ثغرة كبيرة في كيانه السياسي. وأما ان يكون في آيات تمس خلافة عثمان وامامته السياسية، فقد كان من المفروض أن تؤثر مثل هذه الآيات في خلافة عثمان نفسه فتقطع الطريق عليه في الوصول الى الخلافة.

ثالثاً - ان الخليفة عثمان لو كان قد حرف القرآن الكريم لاتخذ المسلمون ذلك أفضل وسيلة للثورة عليه واقصائه عن الحكم او قتله. ولما كانوا في حاجة للتذرع في سبيل ذلك الى وسائل وحجج أخرى ليست من الوضوح بهذا القدر.

رابعاً - ان الخليفة عثمان لو كان قد ارتكب مثل هذا العمل لكان موقف الامام علي عليه السلام تجاهه واضحاً ولأصر على ارجاع الحق الى نصابه في هذا الشأن. فنحن حين نجد الامام علياً (ع) يأبى الا ان يرجع الاموال التي اعطاها عثمان الى بعض اقربائه وخاصته ويقول بشأن ذلك (والله لوجدته قد تزوج به النساء وملك به الاماء لرددته فان في العدل سعة ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه اضيق)(6).. لابد ان نجزم باستحالة سكوته عن مثل هذا الامر العظيم على فرض وقوعه.

ومن هذه المناقشة التفصيلية للحالات الثلاثة السابقة يتضح موقفنا من الحالة الرابعة. فان الحجاج بن يوسف الثقفي او غيره من الولاة لا يمكن ان نتصور فيهم القدرة على تحريف القرآن الكريم بعد أن عم

_____________________
(6) نهج البلاغة : فيما رده على المسلمين من قطائع عثمان.



شرق الارض وغربها.

كما لا نجد المبرر الذي يدعو الحجاج الى مثل هذا العمل الذي يحصل في طياته الخطر العظيم على مصالحهم ويقضي على آمالهم.

سامر الزيادي
29-09-2009, 12:37 PM
جمع القرآن وتاريخه


جمع القرآن على عهد النبي (ص)

جمع القرآن له معنيان احدهما حفظه على سبيل الاستيعاب ومنها قولنا جمّاع القرآن أي حفاظه والمعنى الآخر لجمعه كتابته وتسجيله.

فاما جمع القرآن بمعنى حفظه واستظهاره في لوح القلب فقد اوتيه رسول اللّه قبل الجمع فكان (ص) سيد الحفاظ وأول الجمّاع كما كان يرغب المسلمين باستمرار في حفظ القرآن وتدارسه واستظهاره ويدفع كل مهاجر جديد الى أحد الحفاظ من الصحابة ليعلمه القرآن ويستعمل مختلف اساليب التشجيع لتعميم حفظ القرآن واشاعة تلاوته حتى اصبح مسجد الرسول نادياً عامراً بتلاوة القرآن يضج بأصوات القراء فأمرهم النبي ان يخفضوا اصواتهم لئلا يتغالطوا وشاعت قراءة القرآن في كل مكان في المجتمع الاسلامي وافتتن المسلمون بتلاوته وشغفوا بقراءته والاستماع اليه وكان همهم الذي ملك عليهم قلوبهم حتى روي عن رسول الله (ص) انه قال (اني لاعرف اصوات رفقة الأشعريين بالليل حين يدخلون واعرف منازلهم من اصواتهم بالليل وان كنت لم أرَ منازلهم حين نزلوا بالنهار) وكان تدارس القرآن واستظهاره رائجاً بين الرجال والنساء.

اما جمعه بمعنى كتابته وتسجيله فقد عرفنا في بحث ثبوت النص القرآني ان القرآن الكريم قد تم جمعه زمن الرسول الاعظم (ص) ولكن الرأي السائد في ابحاث علوم القرآن ان جمعه قد تم في عهد الشيخين وقد عرفنا أيضاً سلامة النص القرآني

_____________________
(1) اعتمدنا بصورة رئيسية في هذا البحث على ما كتبه آية اللّه السيد الخوئي في البيان ص 172/181.



من دون فرق بين الفرضية الاولى والثانية واشرنا الى بعض الشبهات التي اُثيرت حول الجمع بناء على الفرضية الثانية وناقشناها.

وهناك بعض الشبهات الاخرى تثار حول فرضية الجمع في عهد الشيخين أيضاً نذكر منهما الشبهتين التاليتين. ولعل من الجدير بالذكر ان هاتين الشبهتين قد اثيرتا في الابحاث الاسلامية فضلاً عن ابحاث المستشرقين ومقلديهم من الباحثين.

الشبهة الاولى :

ان بعض النصوص التاريخية المروية عن أهل البيت (ع) وغيرهم تذكر وجود مصحف خاص لعلي بن أبي طالب (ع) يختلف عن المصحف الموجود المتداول بين المسلمين في الوقت الحاضر. ويشتمل هذا المصحف على زيادات وموضوعات ليست موجودة في المصحف المعروف.

وتتحدث هذه النصوص عن مجيء علي بن أبي طالب (ع) بهذا المصحف الى الخليفة الاول ابى بكر بقصد أن يأخذ المصحف المذكور مكانه من التنفيذ بين المسلمين. ولكن ابا بكر لم يقبل بذلك ورفض هذا المصحف.

ولما كان علي بن أبي طالب أفضل الصحابة علماً وديناً والتزاماً بالاسلام وحفاظاً عليه.. فمن الواضح حينئذ ان يكون المصحف الموجود فعلاً قد دخل عليه التحريف والنقصان نتيجة للطريقة الخاطئة التي اتبعت في جمعه والتي عرفنا بعض تفاصيلها.

ومن اجل ايضاح هذه الشبهة يورد انصارها بعض هذه النصوص التاريخية وهي :

1 - النص الذي جاء في احتجاج علي على جماعة من المهاجرين والانصار : فقال له علي (ع) يا طلحة ان كل آية انزلها اللّه جل وعلا



على محمد عندي باملاء رسول اللّه وخط يدي. وتأويل كل آية انزلها اللّه على محمد وكل حرام وحلال أو حد أو حكم أو شيء تحتاج اليه الامة الى يوم القيامة مكتوب باملاء رسول اللّه (ص) وخط يدي حتى ارش الخدش(2).

2 - النص الذي يتحدث عن احتجاج علي (ع) على الزنديق والذي جاء فيه : انه اتى بالكتاب على الملأ مشتملاً على التأويل والتنزيل والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ لم يسقط منه حرف الف ولا لام فلم يقبلوا منه(3).

3 - النص الذي رواه محمد بن يعقوب الكليني في الكافي عن ابي جعفر الباقر (ع) انه قال: ما يستطيع احد ان يدعي ان عنده جميع القرآن كله ظاهره وباطنه غير الاوصياء(4).

4 - النص الذي رواه محمد بن يعقوب الكليني أيضاً في الكافي عن الباقر (ع) ما ادعى احد من الناس انه جمع القرآن كله كما انزل الا كذاب وما جمعه وحفظه كما نزله اللّه تعالى الا علي بن أبي طالب (ع) والائمة من بعده (ع).

وتناقش هذه الشبهة : انه قد لا نشك في وجود مصحف لعلي (ع) يختلف مع المصحف الموجود فعلاً من حيث الترتيب بل قد يختلف عنه أيضاً لوجود اضافات أخرى فيه.

ولكن الشك في حقيقة هذه الزيادة. اذ لا دليل على انها زيادات قرآنية وانما تفسير هذه الزيادات على انها تأويلات للنص القرآني بمعنى

_____________________
(2) احتجاج الطبرسي : 1/223.
(3) تفسير الصافي المقدمة السادسة ص 11.
(4) أصول الكافي 1/228.



ما يؤول اليه الشيء أو انها تنزيلات من الوحي الالهي نزلت على صدر رسول اللّه (ص) في تفسير وشرح القرآن وعلمها اخاه علي بن أبي طالب.

وليست كلمتا التأويل والتنزيل تعنيان في ذلك الوقت ما يراد منهما في اصطلاح علماء القرآن، حيث يقصد من التأويل حمل اللفظ على غير ظاهره والتنزيل خصوص النص القرآني وانما يراد منهما المعنى اللغوي الذي هو في الكلمة الاولى ما يؤول اليه الشيء ومصداقه الخارجي. وفي الثانية ما انزله اللّه وحياً على نبيه سواء كان قرآناً أو شيئاً آخر.

وعلى أساس هذا التفسير العام للموقف تتضح كثير من الجوانب الاخرى حيث يمكن ان تحمل الروايات التي اشارت لها الشبهة على معنى ينسجم مع هذا الموقف أيضاً كما فعل العلامة الطباطبائي ذلك في بعض هذه الروايات(5).

وبالاضافة الى ذلك نجد بعض هذه الروايات ضعيفة السند لا يصح الاحتجاج أو الاعتماد عليها في قبال ثبوت النص القرآني.

الشبهة الثانية :

ان مجموعة كبيرة من الروايات الواردة من طريق أهل البيت (ع) دلت على وقوع التحريف في القرآن الكريم الامر الذي يجعلنا نعتقد ان ذلك كان نتيجة للطريقة التي تم بها جمع القرآن الكريم أو لاسباب طارئة أخرى أدت الى هذا التحريف.

وتناقش هذه الشبهة : بان الموقف تجاه هذه الروايات المتعددة يتخذ اسلوبين رئيسيين :

الاول : مناقشة اسانيد وطرق هذه الروايات فان الكثير منها قد تم

_____________________
(5) ن. م 1/228.



أخذه من كتاب أحمد بن محمد الباري الذي تم الاتفاق بين علماء الرجال على فساد مذهبه وانحرافه(6) وكتاب علي بن أحمد الكوفي الذي رماه علماء الرجال بالكذب(7).

وبعض هذه الروايات وان كان صحيح السند الا انه لا يشكل قيمة كبيرة وان كان مجموع هذه الروايات قد يوجب حصول الاطمئنان - كما يقول السيد الخوئي - بصدور بعضها عن الامام (ع).

الثاني : مناقشة دلالتها على وقوع التحريف في القرآن بمعنى وقوع الزيادة أو النقيصة فيه.

ومن أجل ان يتضح الاسلوب الثاني من المناقشة يجدر بنا ان نقسم هذه النصوص الى أقسام أربعة تبعاً لاختلافها في المضمون وما تطرحه من دعاوى واحكام.

القسم الاول :

النصوص التي جاء التصريح فيها بوقوع التحريف في القرآن الكريم عن طريق استعمال كلمة التحريف فيها ووصف القرآن بها. ومن هذه النصوص الروايات التالية :

1 - عن ابي ذر قال : لما نزلت هذه الآية (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) قال رسول اللّه (ص) : ترد امتي على يوم القيامة على خمس رايات... ثم ذكر ان رسول اللّه (ص) يسأل الرايات عما فعلوا بالثقلين فتقول الراية الاولى : اما الاكبر فحرفناه ونبذناه وراء ظهورنا. واما الاصغر فعاديناه وابغضناه وظلمناه. وتقول الراية الثانية اما الاكبر فحرفناه ومزقناه وخالفناه واما الاصغر فعاديناه وقاتلناه..

_____________________
(6) جامع الرواة 1/67.
(7) ن. م 1/553.



2 - عن جابر الجعفي عن ابي جعفر (ع) قال : دعا رسول اللّه (ص) بمنى فقال : ايها الناس اني تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب اللّه وعترتي والكعبة والبيت الحرام ثم قال أبو جعفر (ع) اما كتاب اللّه فحرفوا، واما الكعبة فهدموا واما العترة فقتلوا، وكل ودائع اللّه قد نبذوا ومنها قد تبرؤا.

3 - عن علي بن سويد قال كتبت الى ابي الحسن موسى (ع) وهو في الحبس كتاباً... الى ان ذكر جوابه (ع) بتمامه وفيه قوله (ع) : اؤتمنوا على كتاب اللّه فحرفوه وبدلوه.

4 - عن عبد الاعلى قال : قال أبو عبد اللّه (ع) : أصحاب العربية يحرفون كلام اللّه عز وجل عن مواضعه.

ولا دلالة في هذه الروايات جميعها على وقوع التحريف في القرآن بمعنى الزيادة والنقيصة وانما تدل على وقوع التحريف فيه بمعنى حمل بعض الفاظه على غير معانيها المقصودة للّه سبحانه.

ونحن في الوقت الذي لا نشك بوقوع مثل هذا التحريف في القرآن الكريم نظراً لاختلاف التفاسير وتباينها.. لا نرى فيه ما يضر عظمة القرآن ويفيد في تأييد هذه الشبهة.

وقد يدل بعضها على تحريف بعض الكلمات القرآنية بمعنى قراءتها بشكل يختلف عن القراءة التي انزلت على صدر رسول اللّه. وهذا ينسجم مع الرأي الذي ينكر تواتر القراءات السبعة ويرى انها نتيجة لاختلاف الرواية أو الاجتهاد.

القسم الثاني :

الروايات التي تدل على ان القرآن الكريم قد صرح بذكر بعض أسماء أئمة أهل البيت (ع) أو تحدث عن خلافتهم بشكل واضح ومنها



النصوص التالية :

1 - عن محمد بن الفضيل عن الحسن (ع) قال : ولاية علي بن أبي طالب مكتوبة في جميع صحف الانبياء ولن يبعث رسولاً الا بنبوة محمد وولاية وصيه صلى اللّه عليهما وآلهما.

2 - رواية العياشي عن الصادق (ع) لو قرأ القرآن كما انزل لألفينا مسلمين.

3 - رواية الكافي والعياشي عن الاصبغ بن نباتة قال : قال أمير المؤمنين (ع) القرآن نزل على أربعة أرباع : ربع فينا وربع في عدونا، وربع سنن وامثال، وربع فرائض واحكام ولنا كرائم القرآن.

والموقف اتجاه هذا القسم من النصوص يتخذ أشكالاً ثلاثة :

الاول : اننا قد ذكرنا سابقاً ان بعض التنزيل ليس من القرآن الكريم وانما هو مما اوحى إلى النبي (ص) ولعل هذا هو المقصود من هذه الروايات حيث جاء ذكرهم في التنزيل تفسيراً لبعض الآيات القرآنية لا جزءاً من القرآن الكريم نفسه.

الثاني : اننا نكون مضطرين لرفض هذه الروايات ان لم نوفق لتفسيرها بطريقة تنسجم مع القول بصيانة القرآن الكريم من التحريف للسببين التاليين :

أ - مخالفة هذه الروايات للكتاب الكريم. وقد وردت نصوص عديدة من طريق أهل البيت تدل على ضرورة عرض أخبار أهل البيت على القرآن الكريم قبل الاخذ بمضمونها.

ب - مخالفة هذه الروايات للأدلة المتعددة التي تحدثنا عنها في بحث ثبوت النص القرآني.

الثالث : ان هناك نصوص وقرائن تاريخية تدل على عدم ورود أسماء



الائمة في القرآن الكريم بشكل صريح.

ومن هذه القرائن حديث الغدير حيث نعرف منه ان الظروف التي أحاطت بقضية الغدير تنفي ان يكون هناك تصريح من القرآن باسم علي (ع) والا فلماذا يحتاج النبي الى التأكيد على بيعة علي، وحشد هذا الجمع الكبير من المسلمين من أجل ذلك بل لماذا يخشى الرسول الناس في اظهار هذه البيعة بعد ان صرح القرآن بتسميته ومدحه الامر الذي أدى الى ان يؤكد القرآن الكريم عصمة اللّه له من الناس ؟.

ومن هذه القرائن أيضاً : ان التاريخ لم يحدثنا ان علياً أو احداً من أصحابه احتج لامامته بذكر القرآن لاسمه.. مع انهم احتجوا على ذلك بأدلة مختلفة. ولا يمكن ان نتصور اهمال هذا الدليل لو كان موجوداً.

(عن ابي بصير قال سألت أبا عبد اللّه (ع) عن قول اللّه عز وجل (اطيعوا اللّه واطيعوا الرسول واولي الأمر منكم) فقال : نزلت في علي بن ابي طالب والحسن والحسين (ع) فقلت له : ان الناس يقولون : فما له لم يسم علياً واهل بيته (ع) في كتاب اللّه عز وجل ؟ قال : فقال : قولوا لهم : ان رسول اللّه (ص) نزلت عليه الصلاة ولم يسم اللّه لهم ثلاثاً واربعاً حتى كان رسول اللّه (ص) هو الذي فسر ذلك لهم، ونزلت عليه الزكاة ولم يسم لهم من كل أربعين درهماً درهم.. الحديث)(8).

وهذا الحديث يكون موضحاً للمعنى المراد من الاحاديث التي ساقتها الشبهة لانه يقف منها موقف المفسر وينظر الى موضوعها ويوضح عدم ذكر القرآن لاسماء الائمة صريحاً.

القسم الثالث :

الروايات التي تدل على وقوع الزيادة والنقصان معاً في القرآن الكريم

_____________________
(8) الكافي : 1/286 - 287.



وان طريقة جمع القرآن أدت الى وضع بعض الكلمات الغريبة من القرآن مكان بعض الكلمات القرآنية الاخرى بالنصين التاليين :

1 - عن حريز عن ابي عبد اللّه (ع) (صراط من انعمت عليهم غير المغضوب عليهم وغير الضالين).

2 - عن هشام بن سالم قال سألت أبا عبد اللّه (ع) عن قوله تعالى : (ان اللّه اصطفى آدم ونوحاً وآل ابراهيم وآل عمران). قال : هو آل ابراهيم وآل محمد على العالمين فوضعوا اسماً مكان اسم.

ويناقش هذا القسم من الروايات بالمناقشتين التاليتين :

الاول : ان الامة الاسلامية بمذاهبها المختلفة اجمعت على عدم وقوع التحريف في القرآن الكريم بالزيادة. بالاضافة الى وجود النصوص الكثيرة الدالة على عدم وجود مثل هذا التحريف.

الثانية : ان هذا القسم يتنافى مع الكتاب نفسه. وقد أمر الأئمة من أهل البيت (ع) بلزوم عرض أحاديثهم على الكتاب الكريم وان ما خالف الكتاب فيضرب عرض الجدار.

القسم الرابع :

الروايات التي دلت على ان القرآن الكريم قد تعرض للنقصان فقط. مثل ما رواه الكليني في الكافي عن أحمد بن محمد ابي نصر : (قال دفع الى ابي الحسن (ع) مصحفاً وقال لا تنظر فيه ففتحته وقرأت فيه لم يكن الذين كفروا...) فوجدت فيها اسم سبعين رجلاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم. قال فبعث الي : ابعث الي بالمصحف)(9).

ويناقش هذا القسم بان الزيادة الموجودة في مصحف ابي الحسن(ع)

_____________________
(9) المصدر السابق : 2/631.

أو غيره تحمل على ما سبقت الاشارة اليه من انها في مقام تفسير بعض الآيات. وفي المورد الذي لا يمكن ان يتم فيه مثل هذا الحمل والتفسير لا بد من طرح الرواية تمسكاً بالكتاب الكريم الذي أمرنا أهل البيت بعرض أحاديثهم عليه قبل الاخذ بمضمونها.