المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دور القرآن في التنمية الثقافية



عطر الولايه
13-01-2012, 10:19 AM
قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً} (1).تعيش الثقافة الإسلامية اليوم قصّة الاغتراب عن أصالتها وتراثها الأصيل, ويسيطر عليها الهَوَس باتباع الوافد الخارجي، واللّهث وراء الآخر، الذي أضحى الأنموذج والمثل الأعلى في الممارسة والوعي وفي اللاشعور أيضاً.ويظهر ذلك الاغتراب والاندثار الحضاري من خلال التنكّر للذات وللموروث، حتى أصبح الماضي الحضاري يشكّل قلقاً وركاماً وعبئاً أمام التقدّم والتطوّر والرقي الحضاري, وتبعاً لذلك أضحى الانطلاق نحو التقدّم، هو القطيعة الفكرية والثقافية والحضارية المطلقة مع الخيال والواقع وحذف الماضي حتى من الذهن, فأضحى يظهر ذلك الاغتراب في كل مظاهر الحياة, في الملبس والمظهر واللّغة والعادات والسلوك.إنّه الموت الذي تعيشه الأمّة بسبب بعدها عن مصدر الحياة والتجدّد والانطلاق {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}(2).وليس المقصود هنا الاستجابة الفردية أو المجتمعية فحسب؛ بل المعنى أكبر وأعمق من هذا, فإنّ المفهوم من هذه الآية المباركة هي الاستجابة الحضارية، التي تعني الموافقة في الفكر والممارسة.وتنطلق الآية الكريمة في آفاقها الواسعة ـ بعد أن حدّدت مصدر الحياة والفاعلية والتجدّد للأمّة ـ لتوضّح عواقب الإدبار والقطيعة مع القرآن وتعاليم الوحي، وأعظم تلك العواقب أن تحصل الازدواجية في أعماق النفوس والاضطراب النفسي والشلل في الإرادة عند الإنسان, فتكون الإرادة والأمنية شيئاً والفكر والتوجّه شيء آخر، وهو عبارة عن الانفصام والتصدّع في البنية الإرادية والروحية, المنتج لموت العقول والنفوس والإرادات, وهذا هو الموت بحقيقته.فالمسلمون اليوم يحملون المبدأ الإلهي، الذي أريد له أن يكون النور في ظلام الحياة البشرية بمختلف أشكالها وألوانها, فيحملون القرآن الكريم، والوحي الإلهي، والكتاب الرباني، الذي فيه كلّ ما يحتاجه الإنسان في حياته المادّية والروحية, لكن الأُمّة لم تعرف من هذا الكتاب العظيم إلا رسمه وشكله ومظهره, ولهذا كانت أُمّة تحمل كنوز العلم والمعرفة والتقدّم ولكنها لم تنتفع منها شيئاً، وأنّ عدم انتفاع الأمّة من هذه الكنوز المعرفية والإلهية، دليل على قطيعتها الثقافية مع القرآن الكريم.ثُمّ إنّ الانتكاسة والتقهقر الذي يعيشه المسلمون في ركب الحياة المعاصرة والتبعية المطلقة للغرب، النتيجة الطبيعية للابتعاد عن الهوية الحقيقية والواقعية للأُمّة.وهذا هو القرآن يقدّم كل المقوّمات التي تصنع الحياة السعيدة الطيّبة التي تطبع حياة الإنسان بالعزّة والكرامة.معالم الثقافة الإنسانية في القرآنإنّ القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يؤسّس لثقافة إنسانية حقّة ذات قيم ومثل عليا، ومن القرآن يمكن للبشرية أن تأخذ خلاصها وسعادتها. وتتمثّل هذه المعالم الإلهية في تحديد الهوية البشرية الجامعة في ثلاث بنيات أساسية:أولاً:البنية العقدية وهي الإيمان بالله تعالى وتوحيده ونفي كلّ الشركاء والأنداد الوهمية الماثلة في وعي الإنسان وسلوكه.ثانياً: البنية الإنسانية.ونعني بها ما يحقّقه القرآن الكريم من الثقافة في الجانب الإنساني في جميع أبعاده المرتبطة بالقيم والمثل والمبادئ العليا التي فطر الله الناس عليها، والتي على أساسها تختفي جميع الفوارق الطبقية العنصرية والمذهبية والقومية ونحوها من أشكال التمييز المختلفة وبجميع مستوياتها، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}(3).فهذه الثقافة التي يؤسّس لها القرآن الكريم هي ثقافة الإنسان الذي لا يشرّفه لون أو عرق أو بقعة ترابية؛ بل تشرّفه إنسانيته التي وهبها الله له، وهذا ما عجزت عن تحقيقه الحضارة المعاصرة بما أُتيح لها من إمكانيات ووسائل العلم الحديث، بل نجدها قد أشاعت ثقافة العنصرية والتعصّب.ثالثاً: البنية المعنوية والروحيةتعجّ الثقافة المعاصرة اليوم باللّون المادي الصارخ، الذي أمات كلّ القيم والمعايير التي تحفظ قيم الإنسان وكرامته, وأصبحت البهارج المادية والشهوات الزائلة والتنكر للمعنويات والروحيةـ التي فطر عليها الإنسان - هي الأدبيات الأولى في ثقافة الإنسان المعاصرة, حتى غابت عن أفكار الإنسان وسلوكياته، وهكذا مُسخ الإنسان وجُرّد من ثوبه الحقيقي، بفعل التزريق الوهمي للثقافة العصرية. وفي وسط هذا التيه والتخبط الأعمى ـ اللذين يعيشهما الإنسان المعاصر ـ نجد أنّ الوحي الإلهي يدعو لتكوين ثقافة يعيشها الإنسان على ضوء الحياة الأبدية الدائمة؛ لأنّه دعوة للإيمان بالغيب الإلهي، الذي يفتح له آفاق التكامل في حياته، قال تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ} (4).ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــ (1) الإسراء: 9.(2) الأنفال: 24.(3) الحجرات: 13. (4) البقرة: 2ـ 5.
الشيخ عبد الجليل المكراني