المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النظرة القرآنية للمعرفة عن طريق الحس والمشاهدة



احمد الخياط
04-02-2012, 10:45 PM
من الواضح أن الانسان لا يسعى وراء الكمال مالم يشعر بالنقص، ولا يسعى وراء الدواء مالم يحس بالألم، ولهذا يقال: إن الاحساس بالألم احدى نِعَم الله العظيمة، وان أسوء الأمراض هي تلك التي لا تتزامن مع الألم لانه لا يطّلع عليه إلاّ بعد أن انقض عليه المرض وأهلكه.

إن الالتفات الى ظئالة العلم البشري يخلق عند الانسان ردّ فعل ايجابيّ يدفعه نحو التحقيق والتفحص أكثر فأكثر، وقد يكون هذاالأمر هو أحد أهداف القرآن الكريم عند تأكيده على نقصان العلم البشري.

هذا الاحساس بالنقص والألم ,يدفع بالانسان الى معرفة سبل الكمال و تجربة الدواء للوصول الى تمام الكمال والعافيه.

لنقف متأملين في الآيات المباركة التالية:

1 ـ قوله تعالى (اَفَلَمْ يَنْظُرُوا اِلى السَماءِ فَوقَهُم كَيْفَ بَنينَاها وَزَيَّنّاها وَمَا لَها مِنْ فُرُوج).

2 ـ قوله تعالى (اَوَ لَمْ يَنْظُروا في مَلَكُوتِ السَّمواتِ وَالاَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيء).

3 ـ قوله تعالى (اَفَلا يَنْظُرونَ اِلى الاِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ *وَاِلى السماءِ كَيْفَ رُفِعتْ * وَاِلى الاَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ).

4 ـ قوله تعالى(فَانْظُر اِلى آثارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْييِ الاَرْضَ بَعْدَ مُوتِها).

5 ـ قوله تعالى (فَلْيَنْظُرِ الاْنسانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ ماء دافق).


6 ـ قوله تعالى(فَلْيَنْظُرِ الاْنسانُ اِلى طَعامِهِ * اَنّا صَبَبْنَا الماء صبّا * ثُمّ شَقَقنا الارضَ شَقاً * فَاَنْبتنا فيها حبّاً * وَعِنَباً وَقضباً).

7 ـ قوله تعالى (اَوَ لَمْ يَروا اِلى الاَرْضِ كَمْ اَنْبتنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوج كِريم).

8 ـ قوله تعالى(اَوَ لَمْ يَرَوا اَنّا نَسُوقُ الماء اِلى الاَرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تأكُلُ منه اَنعامُهُم وَاَنْفُسُهمْ اَفلايُبْصِرُونَ).

9 ـ قوله تعالى(سَنُرِيهم آياتِنا في الآفاقِ وَفي اِنْفُسِهِم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُم اَنَّهُ الحقُّ).

10. قوله تعالى(اَوَ لَمْ يَرَوا اِلى الطَيرِ فَوْقَهُم صافات وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ اِلاّ الرحمنُ اِنَّه بِكل شيء بَصيرٌ).

11 ـ قوله تعالى(وَفي الاَرْضِ آياتٌ للمُوقِنينَ * وَفي اَنْفُسكُمْ اَفَلا تُبْصِرُونَ).

12 ـ قوله تعالى(وَالله اَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ اُمَّهاتِكُمْ لاتَعْلَمُؤنَ شيئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَمْعَ وَالاَبصارَ والافتدة لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ).

إنَّ الآيات الواردة في هذا المجال كثيرة جداً، وما ذكر هنا نماذج واضحة في مجالات مختلفة.

في الآية الشريفة الاولى يدعو الله الانسان الى الالتفات الى السموات والارض وجمالهما وكيفية بنيانهما والنظام الذي يحكم بهما وإحكامهما واتقانهما وخلوهما من العيب.

وفي الآية الشريفة الثانية يدعو الله الناس الى مشاهدة نظام السموات والأرض والكائنات، وذلك لإيقاظ القلوب للسير في طريق التوحيد ومعرفة الخالق.

والآية المباركة الثالثة تلقي نظرة من السماء إلى الارض حيث تلفت نظر الانسان الى شيئين: أحدهما خلق الإبل مع كل عجائبه(بالخصوص لأناس يعيشون في محل نزول القرآن).

والآخر تسطيح الأرض بحيث تصلح الحياة عليها، ويعتبر القرآن المشاهدة في جميع هذه المراحل منبعاً مهماً للمعرفة.

وفي الآية الشريفة الرابعة والتي يخاطب الله فيها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يلفت نظره الى مسألة نزول الغيث وإحياء الأرض بعد موتها ويقول له: «فانظر الى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها».

وفي الآية المباركة الخامسة يشير الله الى مبدأ خلق الانسان وأنه يجب ان ينظر من أي شيء خُلِقَ؟ قد خلق من ذلك الماء الدافق،ويذكر المشاهدة هنا هو كوسيلة للمعرفة كذلك.

وفي الآية المباركة السادسة يأمر الله الانسان بأن ينظر الى طعامه كيف نبت ونضج بواسطة نزول المطر وشق الأرض وخروج النبتة ونضوج الحبوب والفواكه والخضروات، فاذا نظرنا إليها يمكن ان نستنبط كتاباً بحيث إذا دققت في كل ورقة منه لوجدتها كتاباً وسفراً يحكي لك عن معرفة الله.

والآيات الست السابقة تدعو الى «النظر»بينما الآيات الخمس التي بعدها تدعو الى «الرؤية» بالرغم من أن كلا منهما يستعملان بمعنى واحد، إلاّ أنه كما يستفاد من قواميس اللغة المعروفة , يطلق «النظر» على حركة العين والتطفل والدقة في مشاهدة شيء، بينما تطلق «الرؤية» على نفس المشاهدة،بالطبع ان كلا المفردتين تستعملان بمعنى المشاهدة الحسية تارة وبمعنى المشاهدة الذهنية والفكرية تارة اخرى، إلاّ أنه ينبغي الالتفات الى أن المعنى الاولي لهما هو المشاهدة الحسية.

وعلى أي حال، فان الآية الشريفه السابعة تدعو المشركين لمشاهدة مختلف النباتات التي تنبت أزواجاً أزواجاً في أرجاءالمعمورة.

والآية الكريمه الثامنة تدعو المشركين كذلك الى رؤية مياه البحار وحركتها في اطار الغيوم وهطولها منها على الأرض اليابسة وخروج الزرع الذي يستفيدون منه هم وأنعامهم.

وقد أشارت الآية المباركة التاسعة الى جميع آيات «الآفاق» و«الأنفس»، أي في هذا العالم العظيم وفي العالم الصغير وهو وجود الانسان، وقالت: نحن نريكم آيات الآفاق والأنفس كي يتبين لكم الحق ويتضح.

والآية الشريفه العاشرة دعت الى مشاهدة الطيور وكيفية طيرانها في السماء، فتارة صافّات اجنحتها وتارة اخرى قابضات اجنحتها، وهذا الأمر هو الذي يجعلها تطير في السماء خلافاً لجاذبية الأرض، كما أن طيرانها بسرعة تارة بصف الاجنحة واخرى بقبضها، وكأن هناك قدرة غامضة تدفعها الى الأمام، ولكل من الطيور شكلها الخاص بها والوسائل الضرورية لحياتها.

والآية الكريمه الحادية عشرة لفتت الأنظار الى مسألة خلق الأرض ومن ثم خلق الانسان الذي يعتبر عالَماً عظيماً ومليئاً بالضجيج رغم صغر حجمه، وتوبخ الذين لا يبصرون رغم انهم قادرون عليه بخطاب «أفلا يبصرون».

(ينبغي الالتفات الى أن «البصيرة» جاءت من مادة «بصر» الذي يعني «العين» أن «بصر العين»، ورغم استعمالها بمعنى «النظر»و«الرؤية» إلاّ انها تختلف عنهما بالتأكيد على عضو البصر وقوته, لكنها كالمفردتين السابقتين قد تستعمل بمعنى المشاهدة الباطنية والفكريه).
وأخيراً، فان الآية الكريمه الثانية عشرة تؤكد على أن الأعضاء الثلاثة أي الأذن والعين والقلب ,وسائل أساسية للمعرفة وهذا دليل واضح على اعتبار المشاهدة والحس وسائل اساسية للمعرفة.
إن الآيات السابقة والتي غالباً ما تحدثت عن قضية التوحيد ومعرفة الله، أمرت الناس بسلوك طريق المعرفة والتوحيد وأن يفتحوا أعينهم جيداً، ويروا اسم «الله» على جبين كل موجود في هذا العالم، ويشاهدوا الأنظمة الدقيقة التي تتحكم بالعالم، ومن ثم يصلوا - بواسطة برهان النظم - لمعرفة الله عز وجل ومعرفة صفاته وتوحيده وتدبيره وقدرته وعلمه اللامتناهي.

وبالنظر الى أن أهم مسألة في الإسلام هي مسألة التوحيد ومعرفة الله، وأن أهم دليل في القرآن عليها هو برهان النظم، وأهم منبع لبرهان النظم هو الطبيعة والمخلوقات فمن هنا تتضح أهمية الحس والمشاهدة والتجربة من وجهة نظر القرآن الكريم.

وقد استعان القرآن كثيراً بـ «المشاهدة الحسية» ليس في مسألة التوحيد فحسب بل في مسألة المعاد وهي من أهم المسائل في الاسلام أيضاً، وقد صوّر لنا لقطات من المعاد بالاستعانة بنفس الطبيعة المشهودة لنا، كما جاء ذلك في سورة (ق) حيث يقول تعالى: (وَنَزّلْنا مِنَ السَّمَآءِ ماءاً مُبارَكاً فانبتنا به جَنّات وَحَبَّ الحَصِيدِ * ... وَاَحيينا به بَلْدَةً مّيتاً كَذَلكَ الخُرُوج): اي في يوم القيامة.

كما وانه للكشف عن عاقبة أهل الظلم والجور,دعا الله الناس لمشاهدة ما خلَّف هؤلاء من آثار ومشاهدة مدنهم الخربة.

هذا كله تأكيد من القرآن على ضرورة الاستعانة بـ «الحس والمشاهدة» كمصدر للمعرفة