المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بين شيخ وهابي ومستبصر



حسن الحبالي
18-05-2012, 08:44 PM
بين شيخ وهابي ومستبصر



إنّ ما كان يواجهني مع النصارى عندما كنت أحاورهم حول الإسلام من منع رهبانهم لهم من القراءة ودراسة الأُمور بتعقّل وحكمة، صار يوجّه لي من علماء أهل السنّة الذين جعلوا الصحابة عدول ولا يجوز التعرّض لهم، وإنّ الكتب فيها الغث والسمين، ولا يصح أن يقرأها كلّ من هبّ ودب، ولا يجب أن نناقش مثل هذه الأُمور.
وعندما رفضت أن أحجز عقلي حكموا عليّ بالضلالة، كما صرّح أحد المشايخ الذين كنت أحضر دروسهم وحتى إنّه رفض مناقشتي في هذه الأُمور.
وشيخ آخر نصح الناس بالابتعاد عنِّي، وذلك عندما نقل له أحد من كان يحضر عندي من تلاميذه بأنّي أعطيهم بعض الكتب لكي يقرأوها مثل كتاب (ثم اهتديت) للدكتور محمّد التيجاني، وكتاب (المراجعات)، وكتب كلّ الذين كتب الله لهم الهداية إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام).
فما كان من هذا الشيخ إلاّ أن قال في خطبة يوم الجمعة وعلى المنبر: إنّ أحد الزنادقة يوزّع كتباً فيها سبّ وشتم للصحابة، فننصحالإخوة عدم قراءة هذه الكتب، وعوضاً عنها أنصحهم بقراءة كتاب العواصم من القواصم!
هذا كلّ ما عنده و عند أمثاله، فأيّ إنسان يخالفه في الرأي سيصبح زنديقاً يسبّ الصحابة ولا يصحّ أن يكلّمه أحد!
وعندها آثرت أن أقرأ كتاب العواصم من القواصم لأرى ما فيه، ففوجئت عندما وجدت فيه من سبّ وشتم للصحابة وانتقاص لهم، وفي نهاية الكتاب وجدت فتوى بقتل الشيعة وكلّ من يخالف مذهب العامة.
لذلك قرّرت أن أذهب إلى هذا الشيخ وذلك في يوم الجمعة، وقد أخذت معي كتاب العواصم من القواصم، بعد أن همشّته ووضعت علامات على المواضيع التي ينتقص فيها مؤلّف الكتاب من الصحابة، وأخذت معي أيضاً كتاب التشيّع للسيد عبد الله الغريفي (حفظه الله).
وفي يوم الجمعة دخلت إلى مسجد الزهراء (عليها السلام) في منطقة المزة واستمعت إلى الخطبة، ثمّ صلّيت معهم صلاة الجمعة، وبعد الانتهاء التفت الشيخ إلى الحضور، وبدأ يجيب عن أسئلتهم، فلمّا شارف الشيخ على الانتهاء وعندما هم بالوقوف، قمت له سائلاً وقلت له: إذا سمحت يا شيخ عندي بعض الأسئلة.
وهنا بادرني بالسؤال عندما رأى كتاب العواصم من القواصم
بيدي قائلاً: هل اشتريت الكتاب؟
فقلت له: نعم، حسب ما طلبت أنت من الإخوة، فطلب منّي أن أعطيه الكتاب ليتأمّله، وبالفعل أخذه من يدي، وبدأ يتصفحه ويبدي سروره عند كلّ صفحة، وعندما قال لي ما سؤالك؟
فقلت له: إن كان يوجد هنا مكتبة أو مكتب لندخل له حتى يتسنّى لنا الحديث بهدوء.
فقال: لا، أسأل هنا أمام الإخوة.
فقلت له: يا سماحة الشيخ، ألم يأمرنا الله بالاعتصام بحبل الله جميعاً، وأمرنا رسول الله الكريم (صلى الله عليه وآله) بعدم تكفير بعضنا البعض، وقال: من كفّر مسلماً فقد كفر، فكيف تأمر الناس بقراءة كتاب يفتي بقتل نصف المسلمين ممّن يشهدون الشهادتين ويقيمون الصلاة ويصومون شهر رمضان؟!
وهذا الكتاب أيضاً يسبّ الصحابة ويقول: إنّ بعض هؤلاء مثل عمّار بن ياسر وأبي ذر الغفاري وكنانة بن بشر التُجيبي، وعبد الرحمن بن عديس البلوي قد لعب فيهم ابن اليهوديّة (عبد الله ابن سبأ) فكادوا لدولة الإسلام وأججوا الفتنة التي أدّت إلى مقتل عثمان بن عفان.
فقاطعني هنا الشيخ وقال: تفضل لنتكلّم في الداخل.
فقلت له: أنت قلت: أسأل هنا أمام الإخوة.
وكان المصلّون قد تجمّعوا حولنا، فقادني إلى غرفة بجانب المصلّى وقد دخل معنا جمع غفير من المصلين، فالتفت إلىّ قائلاً: أنا لم أقرأ الكتاب! ولعلّ ما فيه مدسوس.
فقلت له: هذا هو الكتاب، وفتحت له الصفحة التي فيها الفتوى بقتل الشيعة، وقال كاتب الكتاب في الصفحة (259):
"وأكثر الملحدة على التعلّق بأهل البيت، وتقدّمة علي على جميع الخلق، حتى إنّ الرافضة انقسمت إلى عشرين فرقة أعظمهم بأساً من يقول: إنّ علياً هو الله، والغرابيّة يقولون: إنّه رسول الله، لكن جبريل عدل بالرسالة عنه إلى محمّد حميّة منه معه!! في كفر بارد لا تسخنه إلاّ حرارة السيف، أمّا دفء المناظرة فلا يؤثّر فيه".
وأريته في صفحة أُخرى كيف حاول المؤلّف تنزيه من غضب عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمر بقتله حتى ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة وطعن بغيره، فقد قال الكاتب:
"وأمّا الوليد بن عقبة فقد روى بعض المفسّرين أنّ اللّه سمّاه فاسقاً في قوله: {اِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإ}.. وقيل في علي والوليد في قصّة أُخرى"، وقال محقّق الكتاب: "كنت فيما مضى أعجب كيف تكون هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة، ويسمّيه اللّه فاسقاً، ثمّ يبقى له في نفس خليفتي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أبي بكر وعمر المكانة التي سجّلها التاريخ.
وكأنّه يوحي بأنّ هذه الآية نزلت في (علي) معاذ الله.
وهنا التفت إلي الشيخ قائلاً: أنا لم أقرأ الكتاب.
فقلت له: إذن كيف تأمر الناس بقراءة الكتاب وأنت لا تعرف ما فيه؟! وكيف نصحت الناس بعدم قراءة كتب الشيعة وكتب أُخرى تزعم أنّها تسبّ الصحابة وأنت لم تقرأها أيضاً؟!
وعلى كلٍّ أقول لك قول الإمام علي (عليه السلام)؟
فقاطعني قائلاً: ماذا تعمل أنت؟
قلت له: ليس هذا محل الموضوع.
على كلّ، يقول الإمام علي (عليه السلام): "الناس أعداء ما جهلوا"، وأنت تجهل كل شيء عن الشيعة، إلاّ ما يقوله الواشون المغرضون والمشنّعون، وقد أتيتك بكتاب يشرح منشأهم وأُصول المذهب عندهم، وأتمنى منك أن تقرأ بعين المنصف، وسوف آتي إليك في الأسبوع المقبل لأعرف رأيك، وهذا رقم هاتفي واسمي وعنواني، فبان عليه الاستغراب عند سماع اسمي، فعرفت ما يدور في ذهنه، فقلت له: إنّي كنت حنفي المذهب، والآن أتبع مذهب أهل البيت (عليهم السلام).
فأعطيته كتاب (التشيع) للسيد عبد الله الغريفي ـ حفظه الله ـ وطلبت منه أن يتصل بي إن أشكل عليه أمر ما، وودعته على أمل اللقاء به بعد أسبوع.
وعندما أتى الموعد ذهبت إلى المسجد ولم يكن قد اتصل بي خلال هذا الأسبوع، وعندما قابلته بعد الصلاة اعتذر وقال: إنّه لم يقرأ الكتاب لأنّه مشغول، وعنده دورة لتحفيظ القرآن الكريم، وواعدته في الأسبوع الذي يليه، ولكنّه للأسف خرج من المسجد عندما رآني وأنا أصلي، ولم يلتفت إليّ.
فعرفت أنّه لم ولن يقرأ الكتاب، فلم أعد له ولم يتصل بي، ولكنّي عرفت رأيه من نظرة بعض الأصدقاء لي ونفورهم منِّي، وكانوا يقولون لي: لماذا تركت مذهبك واعتقادك السابق، وكنت دائماً أشرح لهم وأعرَّفهم الحقّ وقد اهتدى البعض، واستنكف آخرون; لأنّهم كانوا يأخذون بكلام مشايخهم وإن كان بلا دليل، ويرفضون كلامي وإن أتيت عليه بألف دليل من الكتاب والسنّة. وقد نسوا قول الله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ...}.
ومن المعلوم أنّ النصارى لا يعبدون أحبارهم ولا رهبانهم، بل يطيعونهم فيما يقولون ويصدّقونهم ويسلّموا لهم دون دليل ودون تعقّل أو تفهّم، لذلك وصفهم الله بأنّهم يعبدونهم من دون الله.
فهل يريد منّا هؤلاء أن نكون مثلهم، وقد أمرنا الله أن نحكّم عقلنا من بعد الكتاب وسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟
قال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوب أَقْفالُها...}.
ولهذا حرّرت عقلي، ومضيت في سبيل الله لا أخشى لومة لائم، وبذلك نزعت التعصّب الأعمى وما أورثه لي أسلافي، فانكشف لي ما حاولوا تغطيته والتعتيم عليه عبر العصور.
وما أحوجنا الآن إلى دراسة هذا التاريخ الذي اختفى من ورائه النزاع السياسي والصراع الطائفي، دراسة واقعية على ضوء التحقيق العلمي المجرّد عن التعصّب والتحيز ليظهر الحقّ، والحقّ أحقّ أن يتّبع.
والحمد لله على ما هدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.









10942