المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مفهوم التشيع



حسن الحبالي
26-05-2012, 11:51 AM
مفهوم التشيّع


لقد أورد المؤلفون عن الشيعة والتشيّع عدة تعاريف، نحاول استعراض أهمّها:

1 ـ قال أبو الحسن الأشعري: إنّما قيل لهم الشيعة لأنهم شايعوا عليّاً، ويقدّمونه على سائر أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله)(1).

2 ـ أما ابن حزم فيحدّد مفهوم التشيع بقوله: ومن وافق الشيعة في أنّ علياً أفضل الناس بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأحقّهم بالإمامة، وولده

____________

1- مقالات الإسلاميين: 1/65 ط القاهرة 1950 م.




من بعده، فهو شيعيّ وإن خالفهم فيما عدا ذلك ممّا اختلف فيه المسلمون، فإن خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعيّاً(1). 3 ـ وعرّفهم الشهرستاني بقوله: الشيعة هم الذين شايعوا عليّاً(رضي الله عنه)على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصاً ووصيّة، إما جليّاً وإمّا خفيّاً، واعتقدوا أنّ الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقيّة من عنده، وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة، وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضية اُصولية، هي ركن الدين، لا يجوز للرسل(عليهم السلام)إغفاله وإهماله ولا تفويضه الى العامة وإرساله.

وأضاف قائلاً: ويجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت العصمة للأنبياء والأئمة وجوباً عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولّي والتبرّي، قولاً وفعلاً وعقداً، إلاّ في حالة التقية(2).

4 ـ وقال محمد فريد وجدي: الشيعة هم الذين شايعوا عليّاً(عليه السلام)في إمامته، واعتقدوا أنّ الإمامة لا تخرج عن أولاده، قالوا: ليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة، بل هي قضية اُصولية، هي ركن الدين، ولابدّ أن يكون الرسول قد نصّ على ذلك صريحاً،

____________

1- الفصل في الملل والأهواءوالنحل: 2/113 ط. بغداد.

2- الملل والنحل: 131.




والشيعة يقولون بعصمة الأئمة من الكبائر والصغائر، والقول بالتولي والتبرّي قولاً وفعلاً، إلاّ في حال التقية إذا خافوا بطش الظالم(1). 5 ـ ومن المؤلفين الشيعة الذين حدّدوا مفهوم التشيع، النوبختي، الذي يقول: فأول الفرق الشيعة، وهم فرقة علي بن أبي طالب(عليه السلام)المسمّون بشيعة علي(عليه السلام) في زمان النبي(صلى الله عليه وآله) وبعده، معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته، فهم: المقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي، وأبو ذر جندب بن جنادة الغفاري، وعمّار بن ياسر، ومن وافق مودّته مودّة علي(عليه السلام)، وهو أوّل من سمّي باسم التشيع من هذه الاُمة، لأنّ اسم التشيّع قديم، شيعة إبراهيم وموسى وعيسى والأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين(2).

6 ـ أما الشيخ المفيد فيعرّف الشيعة بأنّهم: من شايع عليّاً وقدّمه على أصحاب رسول الله صلوات الله عليه، واعتقد أنّه الإمام بوصية من رسول الله(صلى الله عليه وآله) وبإرادة من الله تعالى أيضاً، كما يرى الإمامية، أو وصفاً كما يرى الجارودية(3).

7 ـ أما الشيخ محمد بن الحسن الطوسي، فيتناول الكلام عن

____________

1- دائرة معارف القرن العشرين: 5/424.

2- فرق الشيعة: 17.

3- هوية التشيّع، الشيخ أحمد الوائلي: 12، عن موسوعة العتبات المقدسة المدخل: 91.



النص والوصية ويربط التشيّع بالاعتقاد بكون عليّ إماماً للمسلمين بوصية من الرسول، وبإرادة من الله، ثمّ يقسم النصّ الى نوعين: الجلي والخفي. أما النصّ الجلي فقد تفرد بنقله الشيعة الإمامية خاصة، وإن كان من أصحاب الحديث من رواه على وجه نقل أخبار الآحاد.. أما النص الخفي فيرى الطوسي أيضاً أنّ جميع الاُمّة تلقته بالقبول وإن اختلفوا في تأويله والمراد منه، ولم يقدم أحد منهم على إنكاره ممن يعتد بقوله.

ويخرج الطوسي السليمانية من الزيدية من فرق الشيعة لأنّهم لا يقولون بالنص، وإنما يقولون إنّ الإمامة شورى، وأنّها تصلح بعقد رجلين من خيار المسلمين، وأنّها تصلح في المفضول. ولما كان قول الصالحية والبترية من الزيدية في الإمامة كقول السليمانية، ينطبق عليهم ـ على رأي الطوسي ـ ما ينطبق على السليمانية(1).

هذه هي أهم الآراء التي استعرضت مفهوم التشيّع من بعض القدامى والمعاصرين من كلا الفريقين ويمكننا أن نستنتج من كلماتهم في تبيين مفهوم التشيع أنّ لهم اصطلاحين، أحدهما: التشيع بالمعنى العام، وثانيهما التشيع بالمعنى الخاص.


____________

1- د. عبدالله فياض: تاريخ الإمامية: 32 ـ 33.


وقد وقع الخلط بين هذين المفهومين عند كلّ من تطرق الى هذا الموضوع، ويمكننا من خلال مراجعتنا لأقوال المؤلفين الذين استعرضنا آراءهم، أن نعرف أنّهم يكادون يعبّرون عن التشيّع بمفهومه الخاص دون التطرق الى مفهومه العام، وهذا ما سنحاول توضيحه مع ذكر التقسيمات التي تتفرع عن كلّ من المفهومين:

أ ـ التشيّع بالمعنى العام


1 ـ من هذا الضرب القول بتفضيل علي بن أبي طالب(عليه السلام)على عثمان بن عفّان فقط، دون الشيخين أبي بكر وعمر.

وهذا النوع من التشيّع كان يضمّ شريحة كبيرة من الصحابة والتابعين وتابعيهم، كما يعترف بذلك شمس الدين الذهبي في ترجمة "أبان بن تغلب" رداً على من اعترض على توثيقه مع تشيّعه، قائلاً: إنّ البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحرّف، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رُدّ حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مفسدة بيّنة، فالشيعي الغالي في زمان السلف وعُرفهم: هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة

ممّن حارب علياً(رضي الله عنه)وتعرّض لسبّهم(1). 2 ـ القائلين بتفضيل علي بن أبي طالب(عليه السلام) على جميع الصحابة، ومن بينهم الشيخان أبو بكر وعمر، ولكن مع الاعتراف بصحة خلافتهما وعدم الاعتراف بوجود نص على خلافة علي(عليه السلام)أو أحد غيره.

ويمثّل المعتزلة البغداديون وبعض البصريين منهم هذا الاتجاه بشكل واضح، وقد فصّل ابن أبي الحديد المعتزلي القول في ذلك في بداية شرحه لكتاب نهج البلاغة، قائلاً:

اتفق شيوخنا كافّة رحمهم الله، المتقدّمون منهم والمتأخّرون، والبصريّون والبغداديّون على أنّ بيعة أبي بكر الصديق بيعة صحيحة شرعية، وأنها لم تكن عن نص، وإنّما كانت بالاختيار الذي ثبت ـ بالإجماع وبغير الإجماع ـ كونه طريقاً الى الإمامة.

واختلفوا في التفضيل، فقال قدماء البصريين كأبي عثمان عمرو بن عُبيد، وأبي إسحاق إبراهيم بن يسار النظام، وأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، وأبي معن ثمامة بن أشرس، وأبي محمد هشام بن عمور الفُوطي، وأبي يعقوب يوسف بن عبدالله الشحّام، وجماعة غيرهم: إنّ أبا بكر أفضل من علي(عليه السلام)، وهؤلاء يجعلون

____________

1- ميزان الاعتدال: 1/6.


ترتيب الأربعة في الفضل كترتيبهم في الخلافة. وقال البغداديون قاطبة ـ قدماؤهم ومتأخروهم ـ كأبي سهل بشر بن المعتمر، وأبي موسى بن صبيح، وأبي عبدالله جعفر بن مبشر، وأبي جعفر الاسكافي، وأبي الحسين الخياط، وأبي القاسم عبدالله بن محمود البلخي وتلامذته: إنّ علياً(عليه السلام) أفضل من أبي بكر.

والى هذا المذهب ذهب من البصريين، أبو علي محمد بن عبدالوهاب الجبّائي أخيراً، وكان من قبل من المتوقفين، كان يميل الى التّفضيل ولا يصرّح به، وإذا صنّف ذهب الى الوقف في مصنفاته. وقال في كثير من تصانيفه: إن صحّ خبر الطائر فعليٌّ أفضل(1).


____________

1- قال ابن كثير في البداية والنهاية: 7/387، وهذا الحديث قد صنّف الناس فيه وله طرق متعددة، ثم أورد الروايات التي جاءت فيه، فعن الترمذي بإسناده عن أنس، قال: كان عند النبي(صلى الله عليه وآله) طير فقال: "اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير"، فجاء علي فأكل معه، ثم يورد ابن كثير روايات متعددة في هذا الشأن بطرق مختلفة، وقال إنها تصل الى بضع وتسعين، وقال: وقد جمع الناس في هذا الحديث مصنفات مفردة منهم أبو بكر بن مردويه والحافظ أبو ظاهر محمد بن أحمد بن حمدان فيما رواه شيخنا أبو عبدالله الذهبي، ورأيت فيه مجلداً في جمع طرقه وألفاظه لأبي جعفر بن جرير الطبري المفسر صاحب التاريخ، ثم وقفت على مجلد كبير في رده وتضعيفه سنداً ومتناً للقاضي أبي بكر الباقلاني المتكلم، وبالجملة ففي القلب من صحة هذا الحديث نظر وإن كثرت طرقه...

لكن ردّ هذا الحديث رغم كثرة طرقه كان بسبب مخالفته لعقيدة الجمهور في التفضيل، لأن الحديث يدل على أفضلية علي(عليه السلام) على جميع الخلق بعد النبي(صلى الله عليه وآله)، وقد أخرج الحديث بألفاظ متعددة عدد كبير من الحفاظ والمحدثين، مثل: الترمذي: ح3721، الطبري: 1/226، 7/96، 10/343، الذهبي في ميزان الاعتدال: 2280، 2633، 7671، 8506، وابن حجر في لسان الميزان: 1/71، 85، والحديث مذكور أيضاً في كنز العمال: 46507، 3964، والمشكاة: 6085، مجمع الزوائد: 9/125، والاتحاف: 7/120، والتذكرة: 9696، وتاريخ دمشق: 5/222، 7/342، تاريخ جرجان: 176 وغيرها.


ثم إن قاضي القضاة (رحمه الله)، ذكر في شرح المقالات لأبي القاسم البلخي، أنّ أبا علي(رحمه الله) ما مات حتى قال بتفضيل علي(عليه السلام)، وقال: إنّه نقل ذلك عنه سماعاً، ولم يوجد في شيء من مصنّفاته. وقال أيضاً: إنّ أبا عليّ (رحمه الله) يوم مات استدنى ابنه أبا هاشم إليه، وكان قد ضعف عن رفع الصوت، فألقى إليه أشياء، ومن جملتها القول بتفضيل علي(عليه السلام).

وممّن ذهب الى تفضيله(عليه السلام) من البصريين: الشيخ أبو عبدالله الحسين بن علي البصري(رضي الله عنه)، كان متحقّقاً بتفضيله ومبالغاً في ذلك، وصنّف فيه كتاباً مفرداً.

وممّن ذهب الى تفضيله(عليه السلام) من البصريين: قاضي القضاة أبو الحسن عبدالجبار بن أحمد(رحمه الله)، ذكر ابن متّويه عنه في كتاب (الكفاية) في علم الكلام أنّه كان من المتوقّفين بين عليّ(عليه السلام)وأبي بكر، واحتجّ لذلك وأطال في الاحتجاج. فهذان المذهبان كما عرفت.


وذهب كثير من الشيوخ رحمهم الله الى التوقف فيهما; وهو قول أبي حذيفة واصل بن عطاء، وأبي الهذيل محمد بن الهذيل العلاّف، من المتقدمين، وهما ـ وإن ذهبا الى التوقف بينه(عليه السلام)وبين أبي بكر وعمر ـ قاطعان على تفضيله على عثمان. ومن الذاهبين الى الوقف: الشيخ أبو هاشم عبدالسلام بن أبي عليّ رحمهما الله، والشيخ أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري (رحمه الله).

وأما نحن فنذهب الى ما يذهب إليه شيوخنا البغداديون من تفضيله(عليه السلام)، وقد ذكرنا في كتبنا الكلامية ما معنى الأفضل، وهل المراد به الأكثر ثواباً، أو الأجمع لمزايا الفضل والخلال الحميدة، وبيّنا أنه (عليه السلام) أفضل على التفسيرين معاً(1).


ب ـ التشيّع بالمعنى الخاص


وهو القول بتفضيل عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) على الاُمة كلّها بعد النبي(صلى الله عليه وآله) مع القول بوجود نصّ صريح من النبيّ(صلى الله عليه وآله) على إمامته، وبأمر من الله سبحانه وتعالى، وأنّ الإمامة من بعده في عقبه.

وهذا هو المفهوم الذي تكوّن منذ عهد الرسالة النبوية

____________

1- شرح نهج البلاغة: 1/7.



الشريفة وحمل أعباءه عدد من الصحابة المقرّبين للنبي(صلى الله عليه وآله)وأوصلوه الى غيرهم وامتدّ خطّه بعد ذلك وتعاظم على مرّ الأيام وكُتب له الخلود الى يومنا هذا والى ما شاء الله، قد تمثّل في الشيعة الإمامية الاثني عشرية