المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دلالة حديث الطير على إمامة أمير المؤمنين ( عليه السلام )



خادم آل البيت (ع)السلام
31-07-2012, 01:03 PM
إن حديث الطير يدل على إمامة أمير المؤمنين بالقطع واليقين ، وذلك ، لأن القضية التي تتعلق بحديث الطير ، هذه القضية قد أسفرت عن كون علي ( عليه السلام ) أحب الناس إلى الله وإلى الرسول ، فكأن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد
انتهز فرصة إهداء طير إليه ليأكله ، انتهز هذه الفرصة للإعلان عن مقام أمير المؤمنين وعن شأنه عند الله والرسول ، هذا الشأن الذي سنرى أن عائشة تمنت أن يكون لأبيها ، وحفصة تمنت لأن يكون لأبيها ، وأنس بن مالك - صاحب القصة - حال
دون أن تكون هذه المرتبة وأن يكون هذا الشأن والمقام لأمير المؤمنين ، زاعما أنه أراد أن يكون لأحد من الأنصار ، وربما سعد ابن عبادة بالخصوص ، بل سنقرأ في بعض ألفاظ هذا الحديث أن الشيخين ، وفي سند أن عثمان أيضا ، جاؤوا إلى الباب ولم يتشرفوا




- ص 20 -


بالدخول على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في تلك اللحظة التي كان يدعو الله أن يأتي إليه بأحب الخلق إلى الله وإلى الرسول .

فلنذكر - إذن - طائفة من ألفاظ القصة ، لنقف على واقع الأمر أولا ، ولنطلع على تصرفات القوم في نقل هذا الحديث ، وكيفية تصرفهم في الحديث ، إما اختصارا له وإما نقلا له بنحو يقلل من أهمية القضية فيما يتعلق بأمير المؤمنين ( ع ) .

يقول الترمذي في صحيحه ( 1 ) عن أنس بن مالك : كان عند النبي ( صلى الله عليه وسلم ) طير فقال : اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير ، فجاء علي فأكل معه . هذا لفظ الحديث بهذا المقدار في صحيح الترمذي ، فلا يذكر فيه دور أنس في القضية هذه كما سنقرأ ، ولا يذكر مجئ غير علي ورجوعه من باب رسول الله .

وجاء في كتاب مناقب علي لأحمد بن حنبل ( 2 ) ما نصه : عن سفينة خادم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) الذي هو أحد رواة هذا الحديث يقول : أهدت امرأة من الأنصار إلى رسول الله طيرين بين رغيفين ، فقدمت





* هامش *
( 1 ) صحيح الترمذي 5 / 595 باب مناقب علي بن أبي طالب .
( 2 ) فضائل الإمام علي ( عليه السلام ) لابن حنبل : 42 رقم 68 ، تحقيق السيد عبد العزيز الطباطبائي . ( * )







- ص 21 -


إليه الطيرين ، فقال ( صلى الله عليه وسلم ) : اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلى رسولك ، ورفع صوته ، فقال رسول الله : من هذا ؟ فقال : علي .
لاحظوا نص الحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل ، وقارنوا بينه وبين رواية الآخرين . ولكم أن تقولوا : لعل الآخرين تصرفوا في لفظ الحديث بإسقاط كلمة ورفع صوته فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلى رسولك
ورفع صوته ، إن معنى رفع صوته أنه عندما كان يدعو كان يدعو بصوت عال ، لنفرض أن هذا معنى الحديث إلى هنا اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلى رسولك ورفع صوته لكن الحقيقة إن لفظ أحمد محرف ، لأنا سنقرأ في بعض الألفاظ : إن عليا
عندما جاء في المرة الأولى فأرجعه أنس ولم يأذن له بالدخول ، وفي المرة الثانية كذلك ، في المرة الثالثة لما جاء علي رفع صوته فقال رسول الله : من هذا ؟ فمن هنا يظهر معنى ورفع صوته ويتبين التحريف ، وإلا فأي علاقة بين قوله : اللهم ائتني
بأحب الخلق إليك وإلى رسولك ورفع صوته ، وقوله : فقال رسول الله من هذا ؟ فقال : علي ، أي : قال سفينة : الذي خلف الباب هو علي ، قال : افتح له ، ففتحت ، فأكل مع رسول الله من الطيرين حتى فنيا .




- ص 22 -


فالتصرف في لفظ الحديث عند أحمد أيضا واضح تماما ، والتلاعب في هذا اللفظ باد بكل وضوح .

أما الهيثمي صاحب مجمع الزوائد ، فيروي هذا الحديث باللفظ التالي ( 1 ) : عن أنس بن مالك قال : كنت أخدم رسول الله
( صلى الله عليه وسلم ) ، فقدم فرخا مشويا أو فقدم فرخا مشويا [ يقتضي أن يكون : فقدم فرخ مشوي ، أو فقدم رسول الله
فرخا مشويا ] فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : اللهم ائتني بأحب الخلق إليك وإلي يأكل معي من هذا الفرخ فجاء علي ودق الباب ، فقال أنس : من هذا ؟ قال : علي ، فقلت - أي أنس - يقول : النبي على حاجة ، وفي بعض الألفاظ : النبي
مشغول ، أي لا مجال للدخول عليه ، والحال أن النبي كان ما زال يدعو : اللهم ائتني بأحب الخلق إليك ، قال : النبي على حاجة ، فانصرف علي . عاد رسول الله مرة أخرى يقول : اللهم ائتني بأحب الخلق إليك وإلي يأكل معي من هذا الفرخ ،
فجاء علي فدق الباب دقا شديدا ، فسمع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فقال : يا أنس من هذا ؟ قال : علي ، قال : أدخله ، فدخل فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : لقد سألت الله ثلاثا أن




* هامش *
( 1 ) مجمع الزوائد 9 / 125 - دار الكتب العربي - بيروت - 1402 ه‍ . ( * )







- ص 23 -


يأتيني بأحب الخلق إليه وإلي يأكل معي هذا الفرخ ، فقال علي : وأنا يا رسول الله ، لقد جئت ثلاثا كل ذلك يردني أنس ، فقال رسول الله : يا أنس ، ما حملك على ما صنعت ؟ قال : أحببت أن تدرك الدعوة رجلا من قومي ، فقال رسول الله : لا يلام الرجل على حب قومه .

في هذا الحديث جاء علي مرتين فرده أنس قائلا : رسول الله على حاجة ، في المرة الثالثة دق علي الباب دقا شديدا . وفي بعض الألفاظ : رفع صوته فسمع رسول الله صوت علي وقال لأنس : إفتح الباب ليدخل علي ، ثم اعترض عليه رسول الله ، أي على أنس ، واعتذر أنس كما في الخبر : أحببت أن تدرك الدعوة رجلا من قومي .

لكن الحديث في مسند أبي يعلى كما يلي : حدثنا قطن بن نسير ، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي ، حدثنا عبد الله بن مثنى ، حدثنا عبد الله بن أنس عن أنس قال : أهدي لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) حجل مشوي ، فقال رسول الله ( صلى الله
عليه وسلم ) : اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطعام ، فقالت عائشة : اللهم اجعله أبي ، وقالت حفصة : اللهم اجعله أبي ، قال أنس : فقلت أنا : اللهم اجعله سعد بن عبادة ، قال أنس : سمعت حركة الباب ، فإذا علي ، فسلم ، فقلت : إن




- ص 24 -


رسول الله على حاجة ، فانصرف ، ثم سمعت حركة الباب فسلم علي ، فسمع رسول الله صوته ، أي رفع علي صوته
[ أريد أن أؤكد أن لفظ أحمد محرف ] فسمع رسول الله صوته فقال : أنظر من هذا ؟ فخرجت ، فإذا علي ، فجئت إلى
رسول الله فأخبرته ، فقال : ائذن له ، فأذنت له ، فدخل ، فقال رسول الله : اللهم وإلي اللهم وإلي . هذا لفظ أبي يعلى . ولاحظوا الفوارق بين هذا اللفظ ولفظ الهيثمي ، ثم لفظ الترمذي ، ولفظ أحمد بن حنبل .


أما في الخصائص للنسائي ( 1 ) [ الذي نص الحافظ الذهبي على أن كتاب الخصائص داخل في السنن ، راجعوا سير أعلام النبلاء ( 2 ) وكذا راجعوا مقدمة تهذيب التهذيب لابن حجر العسقلاني ] فيروي النسائي هذا الحديث بسند صحيح ، مضافا
إلى أن كتابه داخل في السنن الكبرى للنسائي الذي يقولون بأن له شرطا في هذا الكتاب أشد من شرط الشيخين : عن أنس بن مالك : إن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) كان عنده طائر ، فقال : اللهم





* هامش *
( 1 ) الخصائص للنسائي : 29 رقم 10 - مكتبة المعلا - الكويت - 1406 ه‍
( 2 ) سير أعلام النبلاء 14 / 133 - مؤسسة الرسالة - بيروت - 1404 ه‍ . ( * )







- ص 25 -


ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر ، فجاء أبو بكر فرده ، ثم جاء عمر فرده ، ثم جاء علي فأذن له .
وفي مسند أبي يعلى بنفس السند ، ترون مجئ الشيخين ومجئ عثمان أيضا ، قال : اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير ، فجاء أبو بكر فرده ، ثم جاء عمر فرده ، ثم جاء عثمان فرده ، ثم جاء علي فأذن له ( 1 ) .
لاحظوا الفوارق بين الألفاظ ، وقد تعمدت التدرج في النقل حتى تلتفتوا إلى أنهم إذا أرادوا أن ينقلوا القضية الواحدة وهي ليست في صالحهم ، كيف يتلاعبون باللفظ ، وكيف ينقصون من القصة ، وكيف يسقطون تلك النقاط الحساسة التي يحتاج
إليها الباحث الحر المنصف في تحقيقه عن سنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وفي فحصه عن القول الحق من بين الأقوال .

أقول : سند النسائي كما أكدت سند صحيح ، وهو نفس السند في مسند أبي يعلى ، لكن بعضهم يحاول أن يناقش في سند هذا الحديث الأخير الذي نقلته عن النسائي وأبي يعلى ، يحاول أن يناقش في هذا السند ، ونحن نرحب بالمناقشة ، وأي مانع لو كانت




* هامش *
( 1 ) مسند أبي يعلى 7 / 105 رقم 4052 - دار المأمون للتراث - دمشق - 1406 ه‍ . ( * )







- ص 26 -


المناقشة مناقشة علمية ، على كل منصف أن يسلم ، وأي مانع لو كانت المناقشة واردة ، وحينئذ لرفعنا اليد عن هذا الحديث وتمسكنا بغيره من الألفاظ ، أو تمسكنا بغير هذا الحديث من الأحاديث ، وأي مانع ؟ لكن كيف لو كانت المناقشة ظاهرة
البطلان ، واضحة التعصب ! ! يحاول بعضهم أن يناقش في وثاقة أحد رجال هذا السند ، وهو السدي ، والسدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن ، ربما يناقش فيه بعض ، لكنه من رجال مسلم ، من رجال الترمذي ، من رجال النسائي ، من رجال أبي داود ، ومن رجال ابن ماجة .

ويقول أحمد بترجمته : ثقة . ويقول غيره من كبار الرجاليين : ثقة . حتى أن ابن عدي المتشدد في الرجال يقول : هو مستقيم الحديث صدوق ، بل إنه من مشايخ شعبة .

وقد ذكرنا أن شعبة أمير المؤمنين عندهم ، وهو لا يروي إلا عن ثقة هكذا يقولون ، يقولون شعبة بن الحجاج لا يروي إلا عن ثقة ، وممن يعترف بهذا المعنى أو يدعي هذا المعنى هو ابن تيمية ،




- ص 27 -


وينقل السبكي كلامه في كتابه شفاء الأسقام ( 1 ) .
فإذا كان الرجل من رجال خمسة من الصحاح الستة ، ويوثقه أحمد ، ويوثقه العجلي ، ويوثقه ابن عدي ، ويوثقه الآخرون من كبار الرجاليين ( 2 ) ، فأي مناقشة تبقى في السدي ليطعن الطاعن عن هذا الطريق في هذا الحديث الذي هو في نفس
الوقت الذي يدل على فضيلة لأمير المؤمنين ، يدل على ما يقابل الفضيلة لمن يقابل أمير المؤمنين ؟ وهناك قرائن داخل الحديث وقرائن في خارج الحديث لا نحتاج إلى ذكرها كلها ، بل نكتفي بالإشارة إلى بعض القرائن الداخلية وبعض القرائن الخارجية فقط .

في بعض ألفاظ هذا الحديث يقول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وأوجههم عندك ، وهذه الإضافة موجودة في بعض الألفاظ .
وفي بعض الألفاظ : اللهم أدخل علي أحب خلقك إلي من الأولين والآخرين .
وربما يدل هذا الحديث بهذا اللفظ على أفضلية أمير المؤمنين





* هامش *
( 1 ) شفاء الأسقام في زيارة خير الأنام : 10 . ( 2 ) تهذيب التهذيب 1 / 313 . ( * )







- ص 28 -


من الأولين والآخرين ، أما الآخرون فالأمر فيهم سهل . أما الأولون فإنه يشمل الأنبياء أيضا ، يشمل حتى أولي العزم منهم ، ويكون هذا الحديث بهذا اللفظ من أدلتنا على أفضلية أمير المؤمنين من جميع الأنبياء إلا النبي والرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

وفي بعض ألفاظ الحديث يقول أنس : فإذا علي - أي فتحت الباب فإذا علي - فلما رأيته حسدته . وفي بعض ألفاظ الحديث : فلما نظر إليه رسول الله ( ص ) قام قائما فضمه إليه وقال : يا رب وإلي يا رب وإلي ، ما أبطأ بك يا علي ؟ .

وفي لفظ آخر بعد تلك العبارات : ما أبطأ بك يا علي ؟ قال : يا رسول الله قد جئت ثلاثا كل ذلك يردني أنس ، قال أنس : فرأيت الغضب في وجه رسول الله ، وقال : يا أنس ما حملك على رده ؟ قلت : يا رسول الله سمعتك تدعو ، فأحببت أن تكون الدعوة في الأنصار .

وكأن بهذا العذر زال غضب رسول الله ! ! ذلك الغضب الشديد الذي رآه أنس في وجهه ، زال بمجرد اعتذاره بهذا العذر ، حتى أنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لما اعتذر هذا العذر قال : لست بأول رجل أحب قومه ! ! وإني أعتقد أن هذا الكلام من رسول الله مفتعل عليه في



- ص 29 -


حديث الطير : لا يلام الرجل على حب قومه أو لست بأول رجل أحب قومه ، أعتقد أن هذه إضافة من المحدثين .
لكن لو سألتم بأي دليل تعتقد ؟ ليس عندي الآن دليل ، وإنما أقول : كيف غضب رسول الله ذلك الغضب ثم زال غضبه بمجرد اعتذار أنس بهذا العذر الواهي ؟ بل يعتذر له رسول الله مرة أخرى ، ويبدي له عذرا ! ! ألم يكن يعلم رسول الله بهذا : لا
يلام الرجل على حب قومه ؟ فلماذا غضب عليه إذن ؟ بل قاله له رسول الله وكأنه يلاطفه بعد ذاك الغضب الشديد ، كما في هذا الحديث : لست بأول رجل أحب قومه ، أبى الله يا أنس إلا أن يكون ابن أبي طالب . وهذه قرائن داخلية في الألفاظ ،
ولو أردت أن أعيد عليكم الألفاظ بكاملها من أولها إلى آخرها لطال بنا المجلس ، لكن تلك المقاطع التي نحتاج إليها - كقرائن داخلية تؤيد ما نريد أن نستدل به من هذا الحديث - هذه القرائن انتخبتها واستخرجتها بهذا الشكل .
مضافا : إلى أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) احتج بحديث الطير في يوم الشورى . ولماذا احتج ؟ وعلى من احتج ؟ احتج على كبار الصحابة الذين انتخبهم عمر ، لأن يستشيروا




- ص 30 -


فيما بينهم ، فيتعين الخليفة في ذلك المجلس ، هؤلاء أعلام القوم وأهل الحل والعقد . إذن ، احتج علي على هؤلاء ، ومن المحتج ؟ علي أمير المؤمنين ، وهل يحتج علي بما ليس له أصل ؟ وهل يحتج علي بما هو ضعيف سندا أو كذب
أو موضوع ؟ فالمحتج علي ، والمحتج عليه أولئك الأصحاب المنتخبون من قبل عمر لأن يعين من بينهم خليفة عمر ، واحتج علي في ذلك المجلس بحديث الطير .

وأيضا : سعد بن أبي وقاص الذي أمره معاوية بن أبي سفيان بسب علي ، فأبى سعد من أن يسب ، وسأله معاوية عن السبب ، فاعتذر بأنه سمع من رسول الله خلالا أو خصالا لعلي ، وما دام يذكر تلك الخصال فلن يسب عليا ، هذا الحديث الذي قرأناه من قبل ، وفيه تحريفات كثيرة كما ذكرت لكم في ذلك المجلس .

في بعض ألفاظ هذا الحديث : إن سعدا اعتذر من أن يسب عليا بخصال ، فذكر الخصال ومنها حديث الطير ، الخصال التي اعتذر بها سعد في هذه الرواية هي : حديث الراية ، وحديث الطير ، وحديث الغدير ، وهذه الرواية موجودة في حلية الأولياء لأبي نعيم ، ومن




- ص 31 -


شاء فليراجع ( 1 ) . هذا ، والشواهد والقرائن الخارجية الدالة على أن عليا أحب الخلق إلى الله وإلى الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) دون غيره ، تلك القرائن كثيرة لا تحصى ، والله يشهد على ما أقول ، وأنتم أيضا تعلمون ، فلا نطيل
المجلس بذكر تلك الشواهد . بل في الأحاديث التي بحثنا عنها ، والآيات التي درسناها فيما سبق ، والتي سنذكرها فيما سيأتي ، كفاية لأن تكون شواهد لهذا الحديث .

وما معنى الأحبية إلى الله وإلى الرسول ؟ وأي علاقة بين الأحبية وبين الإمامة والولاية ؟ أي ارتباط بين الأمرين ؟ أتتصورون أن تكون الأحبية إلى الله وإلى الرسول ، أن يكون الشئ أحب الأشياء إلى الله والرسول ، أو يكون شخص
الأحب إلى الله وإلى الرسول ، أن تكون الأحبية اعتباطية ليس لها معيار ، ليس لها ملاك ، ليس لها ضابط ، أيمكن هذا ؟ أتتصورون هذا ؟ أتحتملون هذا ؟ وأنتم بأنفسكم ، كل واحد منكم إذا أحب شيئا ، وجعله أحب الأشياء إلى نفسه ، أو أحب شخصا واتخذه أحب





* هامش *
( 1 ) حلية الأولياء 4 / 356 . ( * )







- ص 32 -


الناس إلى نفسه ، يسأل لماذا ؟ ولا بد وأن يكون له ضابط ، قطعا يكون له سبب ، فالأحبية ليست أمرا اعتباطيا ، الإنسان لا يحب كل صوت ، لا يحب كل صورة ، لا يحب كل شئ ، لا بد وأن يكون هناك ضوابط للحب فكيف الأحبية ؟ أن يكون
شئ أحب الأشياء إلى الإنسان من كل الأشياء في العالم ، أن يكون شخص أحب الأشخاص إلى الإنسان من كل أفراد الإنسان وبني آدم ، ويكون هذا بلا حساب وبلا سبب من الأسباب ؟ أيمكن هذا ويعقل ؟

نحن لكوننا أفرادا من البشر وذي عقول ، ونحاول أن تكون أعمالنا وتروكنا عن حكمة ، عن سبب ، عن علة ، لا نذر شيئا ولا نختار شيئا إلا لعلة ، إلا لحساب ، إلا لسبب ، أيعقل أن تقول بأني أحب الكتاب الفلاني وهو أحب إلي من بين جميع كتب العالم ، فإذا سئلت عن السبب لا يكون عندك سبب ، لا يكون عندك جواب معقول .

الله سبحانه وتعالى يجعل فردا من أفراد البشر ، وواحدا من خلائقه أحب الخلائق إلى نفسه ، ورسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يتخذ أحدا ويجعله أحب الخلق إليه ، أترى يكون هذا بلا حساب وهل يعقل ؟
وجميع التصرفات التي صدرت من المحدثين والمؤلفين في هذا الحديث ، وما سنقرأ أيضا مما يحاولونه أمام الإمامية في




- ص 33 -


استدلالهم بهذا الحديث ، كل تلك القضايا أدلة أخرى وشواهد على أن هذا الحديث يدل على مقام عظيم لأمير المؤمنين ، يدل على شأن كبير ، وإلا لما فعلوا ، ولما تصرفوا ، ولما ضربوا وكسروا المنبر ، ولما أهانوا المحدث الحافظ الشهير الكبير عندهم ، كما سنقرأ .

ثم إن الأحبية إلى الله والرسول لما لا تكون اعتباطا ، ولا بد من سبب ، والمفروض أن تلك الأحبية إلى رسول الله لم تكن لميول نفسانية ولم تكن لأغراض شخصية ، لأن رسول الله أعلى وأجل وأسمى من أن يحب شخصا ويجعله أحب الخلق إليه لمجرد ميل نفساني ، فما هي تلك الضوابط التي أشرنا إليها ؟

نحن لا علم لنا بتلك الضوابط على نحو الدقة ، لا نعلم بها ، الأمر أدق من هذا ، أدق من أن تتوصل إليه عقولنا وأفهامنا ، الأمر أدق من أن نفهم أن النبي أي معيار كان عنده لأن يتخذ أحدا أحب الخلق إليه ، نحن لسنا في ذلك المستوى لأن نعرف
ذلك المعيار ، لأن نعرف ملكات رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، حتى نتمكن من تعيين من هو أحب ، اللهم إلا عن طريق تلك الأحاديث الواردة عنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، عن طريق الأحاديث المتواترة القطعية ، عن طريق الأحاديث المتفق عليها بين الطرفين .




- ص 34 -


فأحبية شخص إلى رسول الله لا يمكن أن تكون لميل نفساني ولشهوة خاصة ، ولغرض شخصي عند رسول الله ، فيجعل
أحدا أحب الخلق إليه ولا يجعل الآخر والآخرين ، بل هناك ضوابط ، وهي التي تقرب إليه أبعد الناس وتبعد عنه أقرب
الناس ، تلك الضوابط لا بد وأن تكون هكذا ، وإلا فليس بنبي مرسل من قبل الله سبحانه وتعالى ، يفعل ويترك وما يفعل
وما يترك إلا عن وحي من الله سبحانه وتعالى ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) ( 1 ) .

فإذا كانت الأحبية بملاك ، بسبب ، وبحساب ، تلك الأحبية تنتهي إلى الأقربية المعنوية ، تنتهي إلى الأفضلية ، تنتهي إلى وجود ما يقتضي أن يكون ذلك الشخص الأحب إلى رسول الله ، أن يكون مقدما على غيره في جميع شؤون الحياة .

وإليكم عبارة الحافظ النووي في شرح صحيح مسلم ، وهذا حافظ كبير من حفاظهم ، وكتابه في شرح صحيح مسلم ومن أشهر كتبهم وأكثرها اعتبارا وشهرة ، يقول في معنى محبة الله تعالى لعبده - والمراد من هذه الكلمة في النصوص الإسلامية كتابا وسنة -




* هامش *
( 1 ) سورة النجم : 3 - 4 . ( * )







- ص 35 -


فيشرح قائلا : محبة الله سبحانه وتعالى لعبده تمكينه من طاعته ، وعصمته ، وتوفيقه ، وتيسير ألطافه وهدايته ، وإفاضة رحمته عليه ، هذه مباديها ، وأما غايتها فكشف الحجب عن قلبه ، حتى يراه [ أي يرى لله تعالى ] ببصيرته فيكون [ هذا
الشخص المحبوب لله سبحانه وتعالى ] كما قال في الحديث الصحيح : فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره ( 1 ) . هذه عبارته ، وما ألطفها من عبارة .
فهل من شك حينئذ في استلزام الأحبية للإمامة ؟ إن من كان محبوبا لله تعالى يكون له هذه المنزلة ، فكيف من كان أحب الخلق إليه ، عبارة النووي كانت في محبة الله لأحد ، أما كون هذا الشخص وحده هو الأحب من كل الخلائق إلى الله سبحانه وتعالى فحدث ولا حرج ، هذا الذي قلت بأن أفهامنا تقصر عن درك مثل هذه القضايا ، إلا أننا نتكلم بقدر ما نفهم .

إذن ، لا شك ولا ريب في استلزام الأحبية للإمامة والخلافة والولاية .




* هامش *
( 1 ) المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج 15 / 151 . ( * )