المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل كانت ثورة الحسين عليه السلام محققة لاهدافها؟



سيدضرغام ابوزهراء
18-11-2012, 06:36 PM
هل كانت ثورة الحسين عليه السلام محققة لاهدافها؟
)) (http://almaaref.org/mcatdetails.php?bb=39&number=10&cssstyle=1&ccat=431&subcatid=1414&supcat=39)


كتب الحسين عليه السلام إلى من تخلف عنه كتاباً لما نزل كربلاء قال فيه أما بعد فمن لحق بي منكم استشهد ومن لم يلحق لم يبلغ الفتح والسلام.

فأي فتح هذا الذي يقصده الحسين عليه السلام مع علمنا بانه قتل هو وأصحابه وأهل بيته وسبيت حريمه وحمل رأسه إلى ابن زياد ويزيد؟
الجواب:كان للحسين عليه السلام من وراء ثورته المقدسة هدفان: هدف قريب مباشر وهدف بعيد وغير مباشر.

أما الهدف القريب المباشر فهو استرجاع حقه الشرعي والطبيعي في الخلافة والحكم لأجل اصلاح المجتمع واعادة نظام الإسلام إلى الحياة الاجتماعية واحياء سنة جده الرسول صلى الله عليه واله واماتة البدع وتصحيح الأخطاء والانحرافات التي تراكمت على المسلمين منذ وفاة محمد صلى الله عليه واله من جراء السياسات المختلفة التي مارسها الحكام من ذلك اليوم إلى يوم الحسين عليه السلام. مما أدى إلى أن لا يبقى من الإسلام بأيدي المسلمين إلا اسمه ولا من القرآن الكريم إلا رسمه. وأما الهدف البعيد غير المباشر فهو وضع النقاط على الحروف.

ووضع الحدود والعلامات الواضحة بين الإسلام الحقيقي والإسلام المزيف. ولفت الأنظار إلى فشل السياسة السابقة التي أدت إلى الوضع الفاسد القائم وإلى خطأ المفاهيم التي سار عليها المسلمون بعد وفاة الرسول صلى الله عليه واله.

والخلاصة: كان هدفه الأول احياء الإسلام فكرياً وعملياً. وهدفه الثاني احيائه فكرياً على الأقل. وهو وإن فاته تحقيق الهدف الأول بسبب غدر أهل الكوفة، ولم يتسن له أن يقيم حكومة إسلامية صحيحة ويطبق النظام الإسلامي الصحيح بين المسلمين.

ولكن حقق هدفه الثاني بلا شك ونزه دين الله وشريعة الإسلام وسنة خاتم الأنبياء عن الشوائب المهينة والمظاهر المشوهة والمفاهيم المغلوطة التي ألحقت به وتراكمت عليه وأظهر وجه الإسلام الجميل ومنظره الجذاب وصورته السماوية الغراء من بين ركام البدع والاجتهادات الضالة والاستحسانات الفاسدة.

وكمثل على ذلك نقول أن مما شاع وذاع بين الخبراء والباحثين هو أن من أهم النتائج والآثار لمأساة الحسين عليه السلام وحادثة كربلاء انتشار التشيع وظهور مذهب أهل البيت عليه السلام أكثر فأكثر وتزايد عدد الشيعة في العالم الإسلامي رغم أن انبثاق التشيع كان مقارناً مع انبثاق فجر الإسلام ومنذ أوائل البعثة المحمدية غير أنه كان محدوداً ومحصوراً في نطاق أعيان الصحابة واعلام المهاجرين والأنصار بالاضافة إلى بني هاشم. أما بعد ثورة الحسين عليه السلام فإنه أي التشيع أصبح منتشراً في كافة الأقطار وبين عامة الطبقات...

والسؤال الآن هو كيف كان ذلك ولماذا؟
الجواب: أقول لأن الرأي العام وكل انسان حر عاقل ذو وعي وضمير لما سمع بأنباء تلك المجزرة الرهيبة التي أبيد فيها آل رسول الله صلى الله عليه واله وبما تلاها من الجرائم والموبقات وأبشع المنكرات التي تأباها حتى الوحوش...

أقول لما اطلع عليها صار يفكر في نفسه ويتساءل: من أين جاءت هذه العصابة المجرمة الأموية إلى السلطة وكيف توصل هؤلاء الطغاة المتمردون على أبسط القوانين الانسانية والإسلام إلى الأمرة والحكم فسودوا وجه التاريخ الإسلامي والعربي وملأوا الدنيا بالظلم والفساد. من الذي مكن لهم ومهد الطريق أمامهم إلى الخلافة الإسلامية؟

فيأتيه الجواب طبعاً وبكل بساطة. أنه بسبب الغلطة الكبرى والخطأ الذي ارتكبه بعض الصحابة بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه واله بانكارهم الحق الشرعي والطبيعي في الخلافة لعلي بن أبي طالب عليه السلام بعد الرسول ورفضهم النصوص القرآنية والوصايا النبوية في خلافة علي وولايته العامة على الأمة بعد النبي صلى الله عليه واله وادعوا أن الله لم يعين لرسوله خليفة قط والرسول لم يختر لنفسه نائباً ووصياً. وأن أمر القيادة والإمامة بعد الرسول موكول إلى اهواء الناس وآرائهم. فأدى ذلك بطبيعة الحال إلى أن يتقمص الخلافة ويتسلم زمام السلطة والقيادة العامة بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه واله أشخاص جديدو عهد بالإسلام وأهدافه بعيدون عن تفهم جوهره ولبابه. بعد لم يعرفوا الإسلام بروحه وحقيقته وواقعه الذي هو تربية روحية وتهذيب خلقي وتكوين انساني أكثر من كونه توسعاً اقليمياً وسلطة زمنية وحركة سياسية.

لذلك صاروا يخبطون خبط عشواء ويتخبطون في أمر الخلافة بغير هدى ولا طريق معين فتارة يعتمدون في اختيار الخليفة مبدأ الانتخابات العام وتارة مبدأ النص والاختيار الفردي وأخرى مبدأ الشورى من قبل أشخاص معدودين وهكذا كلما إعتمدوا مبدأ جاء بنتيجة أسوأ من الأول إلى أن صارت الخلافة الإسلامية لعبة صبيانية ومطمعاً لكل طامع حقير. لقد هزلت حتى بدا من هزالها كلاها وحتى استامها كل مفلس فيا ترى هل يجوز على الله سبحانه وتعالى وهو علام الغيوب القادر الحكيم هل يجوز له أن يرضى لعباده هذا الخبط والضلال فلا يختار لهم قائداً مخلصاً وإماماً عالماً وخليفة كفؤاً بعد نبيه محمد صلى الله عليه واله الذي لا نبي بعده؟

كلا وحاشا وسبحانه وتعالى عما يزعم الجاهلون ويقوله الظالمون. قل لي بربك أيها المنصف إلى أي شيء أوكلهم الله بعد رسوله في أمر التنظيم والتوجيه. أإلى القرآن الكريم فقط؟ وفيه الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والمجمل والمفصل والتفسير والتأويل. مع العلم بأنه سبحانه أمرهم فيه أن يرجعوا لمعرفة آياته وتأويلها إلى الراسخين في العلم. أي علم القرآن. وأمرهم بأن يسألوا أهل الذكر عما يجهلون منه فمن هم هؤلاء الراسخون في العلم ومن هم أهل الذكر. أفلا يجب عليه تعالى أن يعرف العباد بهم؟ وإلا فما وجه الحكم في الأمر بشيء مجهول. ثم بأي حجة يحتج الله سبحانه على عباده إذا ضلوا بعد النبي صلى الله عليه واله ولم يهتدوا إلى أهل الذكر وإلى العلماء الراسخين؟ وهذا القرآن كما تراه يحتمل سبعين وجهاً في التفسير والتأويل على حد الحديث الشريف الذي مؤداه أن للقرآن سبعين بطناًَ فمن فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار... هذا من جهة.

ومن الجهة الأخرى يقول المثل المأثور: حدث العاقل بما لا يليق فإن صدق فلا عقل له. فهل يليق أيها العاقل المنصف بمقام رسول الله صلى الله عليه واله وهو الفرد الأكمل في النوع الانساني عقلاً وحكمة أن يموت ويترك رسالته دون تعيين نائب عنه في رعايتها ونشرها وصيانتها والدفاع عنها؟ يموت تاركاً الأمة التي تعب على إنشائها طيلة ثلاث وعشرين سنة دون تعيين راعٍ يرعاها وبلا أن ينصب خليفة عنه لقيادتها وهي بعد في بداية الطريق ودور الطفولة ومرحلة الخطر. محاطة بالأعداء والموتورين والطامعين من الخارج ومهددة بالمنافقين والانتهازيين والمؤلفة قلوبهم من الداخل؟ يموت بدون وصية وبدون تعيين وصي وبدون أن يختار نائباً وخليفة عنه في أمته فيخالف بذلك كافة الاعراف العقلائية وأبسط النواميس العقلية وقانون الأنبياء والمرسلين؟ قل لهؤلاء الذين يزعمون أن محمداً صلى الله عليه واله مات ولم يعين لنفسه خليفة ووصياً...

قل لهم هل فعل ذلك نبي أو رسول قبل محمد؟ أي نبي من آدم فمن بعده مات قبل أن يعين ويختار وينصب خليفة ووصياً؟ فكيف يشذ محمد صلى الله عليه واله عن سيرة الأنبياء ويخالف مسلك المرسلين مع كونه آخرهم وخاتمهم؟
هاك كتب التاريخ وسير الأنبياء فراجعها لتعرف أنه ما من نبي من آدم عليه السلام إلى عيسى فارق الحياة وخرج من هذه الدنيا إلا بعد أن اختار لنفسه وصياً وعين نائباً وعرفه لأمته وسلمه كتبه ومواريث العلم والنبوة. سواء كان ذلك الوصي والخليفة نبياً أيضاً كأكثر أوصياء الأنبياء أو لم يكن نبياًَ بل كان إماماً وخليفة فقط يقوم بمهام النبي ويرعى شؤون أمته ورسالته.
واليك أسماء البارزين من أولئك الأنبياء وأسماء خلفائهم الذين قاموا بعدهم بوصية خاصة ونص وتعيين:
1ـ آدم عليه السلام: أبو البشر وأول الأنبياء. خلف ولده الثالث شيت عليه السلام وصياً وخليفة من بعده وسلم اليه الصحف التي أنزلها الله عليه والكلمات التي تلقاها من ربه فتاب عليه بعد أن كان قد أوصى إلى ولده هابيل واختاره خليفة عنه فحسده أخوه الأكبر قابيل وقتله حسب ما هو معروف ومشروح في الكتاب العزيز.

2 ـ نو ح عليه السلام شيخ المرسلين. خلف ولده الصالح سام، واختاره خليفة على أمته من بعده وسلم اليه الصحف والكتب المنزلة عليه بعد أن هلك ابنه الأكبر الكافر (كنعان) مع المشركين والكفرة في الطوفان على ما ذكر من قصته في القرآن.

3ـ ابراهيم الخليل عليه السلام خلف ابنه الأكبر اسماعيل عليه السلام خليفة على أمته من بعده وأوصاه أن يخلف أخاه الأصغر اسحاق عليه السلام من بعده وأوصى اسحاق أن يخلف ابنه الأكبر يعقوب.

4 ـ موسى بن عمران كليم الله عليه السلام عين أولاً أخاه ووزيره في الرسالة هارون بن عمران ليخلفه في أمته ولكن وافاه الأجل المحتوم قبل موسى عليه السلام فأوصى موسى إلى يوشع بن نون عليه السلام وخلفه إماماً على أمته وسلمه التوراة والمواريث ولما مات موسى وقام يوشع بن نون مقامه حسدته زوجة موسى وهي صفيراء بنت شعيب فأثارت ضده الفتنة وحاربته ولكن الله سبحانه نصره عليها وقصته مذكورة في كتب سيرة الأنبياء.

5 ـ داود عليه السلام اختار ولده سليمان في حياته وأوصى اليه وسلمه الزبور ومواريث النبوة فقام من بعده بأمر الرسالة.

6 ـ عيسى بن مريم عليه السلام روح الله وآيته أوصى إلى شمعون الصفا وهو من خلص الحواريين فقام شمعون الصفا من بعد أن رفع عيسى عليه السلام قام مقامه خليفة في أمته ووصياً على رسالته.

7 ـ زكريا عليه السلام أوصى في حياته إلى ولده يحيى عليه السلام وعينه خليفة عنه بعده... وهكذا.

فكيف يجوز في عرف الشرع ومنطق العقل وسيرة العقلاء أن يشذ محمد صلى الله عليه واله عن سيرة سلفه الصالح ويخالف الأنبياء جميعاً فيموت ويترك أمته سدى حبلهم على غاربهم تتلاعب بهم الأهواء وهو أفضل الأنبياء عقلاً وحكمة ومعرفة ورسالته خاتمة الرسائل والشرايع جاءت لتدوم إلى الأبد وليهتدي بها البشرية جميعاً فهل هذا معقول؟ والشيء الاخر هو: ان السيرة الفطرية في سلوك كل بشر عادي أنه إذا كان مسئولا عن شيء أو يحرص على سلامة شيء من مال أو متاع أو عائلة ثم عرضت له حاجة تدعوه أن يغيب عن تلك المسئولية فإنه بحكم فطرته الارتكازية يفكر بمن يقوم مقامه مدة غيابه للحفاظ على ذلك الشيء واداء تلك المسئولية مدة غيابه.

فمثلاً رجل رب عائلة يريد السفر لعدة ايام أو أشهر فإنه بفطرته البشرية العادية يوصي إلى رجل رشيد من أقاربه أو جيرانه أو أصدقائه يوصيه بأن يرعى شؤون عائلته ويتفقد أمورهم مدة غيابه.

ومثل آخر: رجل صاحب مكتب أو متجر أو شيء من هذا القبيل يريد مغادرته لحاجة في الخارج خلال مدة العمل فإنه يكلف شخصاً أو ينصب شخصاً للقيام مقامه أو لرعاية المكتب على الأقل ريثما يذهب ويعود ولا يمكن أن يترك المكتب مهملاً مفتوحاً بدون رعاية من أحد.

وأخيراً فلنتصور رجلاً راعي معز أو غنم أو بقر يريد أن يترك القطيع في الصحراء ويعود إلى البلد لحاجة عارضة فهل يتركه بدون أن ينصب مكانه رجلاً لحراسة القطيع وحمايته مدة غيابه وإذا فعل وترك القطيع سدى وذهب عنه أفلا يلومه العقلاء على ذلك ويعتبرونه مقصراً في واجبه متهاوناً بمسئوليته.

وهنا نتساءل: هل كانت الأمة والرسالة أقل شأناً وقيمة عند محمد صلى الله عليه واله من الدكان أو المكتب عند صاحبه ومن قطيع الغنم عند الراعي؟

أم أن محمد صلى الله عليه واله أقل حكمة وأضعف تفكيراً وشعوراً بالمسئولية من صاحب المتجر والدكان ومن راعي الغنم والبقر ومن الرجل العادي رب العائلة؟ نعوذ بالله من هذه الافتراءات ونبرأ إلى الله من هذه المزاعم والأقوال...
والأمر الرابع: أقول هل رأيت أو سمعت في العالم ملكاً بدون وليّ عهد معين في حياته أو رئيس جمهورية أو أمير دولي بلا نائب مخصوص مختار قبل وفاته؟

فهل كان محمد صلى الله عليه واله أقل ادراكاًَ للأصول الادارية والسياسية والزعامة من كل الملوك والرؤساء. أم ماذا؟ أم أن الملوك والرؤساء أكثر اشفاقاً على سلامة الشعوب والنظام من سيد المرسلين خاتم الأنبياء على أمته ورسالته؟

أيقبل عقلك ويرضى وجدانك أن الخليفة الأول أبا بكر يهتم بأمر المسلمين فلا يفارق الحياة حتى ينص على عمر بن الخطاب بالخلافة من بعده ويكتب له العهد بذلك. والخليفة الثاني عمر يهتم بأمر القيادة الاسلامية وزعامة الأمة فلا يموت حتى يرشح ستة أشخاص من كبار الصحابة لمنصب الخلافة ويضع نظام الشورى ويؤكد على أن لا تمضي ثلاثة أيام بعد موته حتى يكون أحد هؤلاء السته قد تعين للخلافة وتسلم زمام أمور الأمة. ولكن محمد صلى الله عليه واله يموت بلا وصية وبدون وصي وخليفة؟ أفيجوز أن يكون كل من أبي بكر وعمر بن الخطاب أشد حرصاً على مصلحة الإسلام والمسلمين من صاحب الرسالة ومؤسس الأمة محمد صلى الله عليه واله؟

ان مبدأ الاعتراف بالأمر الواقع الذي يسير عليه أكثر المسلمين بزعم أن خلافة الثلاثة بعد النبي صلى الله عليه واله وقيامهم مقام الرسول صلى الله عليه واله أمر قد وقع وصار فيجب الاعتراف بصحته والإذعان لشرعيته... أقول ان هذا ليس مبدءاًً شرعياً ولا يقره العقل والعقلاء. إذ ليس كل ما وقع في العالم وحدث في التاريخ هو حق وصواب وعدل وصلاح وليس كل مايحدث ويقع يجوز الاعتراف بصحته والالتزام بشرعيته.. ما أكثر الحوادث الباطلة والوقائع الفاسدة والقضايا التي تحققت في هذه الحياة ولكن على أساس الظلم والعدوان.

فهذه مثلاً دولة إسرائيل القائمة في قلب العالم العربي الإسلامي وقد اعترف بها أكثر دول العالم وتؤيدها أكبر الحكومات مادياً ومعنوياً. فهل يجوز للعقل والشرع وعرف العقلاء الاعتراف بها وبشرعيتها لمجرد ذلك؟ الجواب طبعاً كلا. لأنها وقعت على الغدر والخيانة والغصب كما أن المبدأ القائم على الفكرة القائلة بأن الصحابة كلهم عدول أخيار صلحاء لا يجوز الطعن فيهم ولا يحق لنا التنديد بهم. هذا المبدأ هو الآخر غير صحيح لا يقوم على أساس من المنطق والدليل إذ لا شك أنهم كانوا بشراً مثلنا غير معصومين من الخطأ والعصيان ومخالفة أوامر الرسول صلى الله عليه واله إلا من عصمه الله منهم بقوة الايمان والتقوى ومتانة العقيدة واستكمال التربية الاسلامية. وقد وقعت بينهم اختلافات شديدة أدت إلى أن يشتم بعضهم بعضاً ويقاتل بعضهم البعض وسفكت بينهم الدماء، فهل كانوا جميعاً على حق في تلك المنازعات؟ وهل كانوا كلهم عدولاً في خلال تلك الحروب والمعارك؟ وهل القاتل والمقتول منهم في الجنة؟

إن مجرد الصحبة للرسول صلى الله عليه واله ليست علة تامة لحصول الايمان والعصمة الحافظة. كيف لا وقد صرح القرآن الكريم بوجود عدد كبير من المنافقين بين صفوف الصحابة الذين كانوا مع الرسول صلى الله عليه واله في المدينة وقد دبر بعضهم عدة مؤامرات لاغتيال النبي صلى الله عليه واله فنجا منها بمعجزة. وكان فيهم أي في أولئك المنافقين عدد قد أتقنوا فن النفاق إلى حد خفي نفاقهم حتى على النبي صلى الله عليه واله فما كشفوا إلا بعد وفاته صلى الله عليه واله وقد ذكرهم تعالى لرسوله على نحو الاجمال فقال: "من أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم".

ثم كيف يستبعد منهم مخالفة أوامر الرسول صلى الله عليه واله في وصيه وخليفته علي بن أبي طالب بعد وفاته وقد خالفوا أوامره مراراً في حياته وهم معه وجهاً لوجه خذ مثلاً لذلك ما أجمع عليه المسلمون جميعاً وهي قضية طلب النبي صلى الله عليه واله الدواة والكتف في حال مرضه الذي توفي فيه ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً فعصوا أمره ولم يلبّوا طلبه وقالوا أنه يهجر. فغضب الرسول عليهم وقال قوموا عني. راجع ذلك في الصحاح والمسانيد. وفكر فيما شرحناه بعقلك وحكم وجدانك وضميرك لتعرف أن فكرة التشيع والمذهب الشيعي هما عصارة مدلول الكتاب العزيز والسنة الشريفة ونابعان من صميم العقل والضمير الإنساني. ولتعرف إن التشيع قائم على اساس متين من الدليل والمنطق والوجدان وهو عبارة أخرى عن الإسلام التام الكامل الشامل لكل ما جاء به محمد صلى الله عليه واله من عند الله تعالى بدون زيادة ولا نقصان. كيف لا وهو مذهب أهل البيت عليه السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً...

والآن نختم البحث حول هذا الموضوع ونعود إلى الغرض المقصود وهو أن من ثمرات ثورة الحسين عليه السلام ومن نتائج تضحياته الجسام انتباه الرأي العام الإسلامي الى خطأ السياسات الارتجالية التي سار عليها ولاة الأمر منذ وفاة الرسول الأكرم صلى الله عليه واله والتي ادت بالمسلمين إلى النكسات والنكبات وتشتت الكلمة واندلاع الفتن والحروب الداخلية والمفاسد الاجتماعية وانحسار الروح الإسلامية من نفوس المسلمين.

وأدت أخيراً الى هذه الوصمة المخزية ولطخة العار في جبين الانسانية حيث لم يمض على وفاة رسول الإسلام ونبي المسلمين سوى خمسين عاماً فقط وإذا المسلمون أنفسهم ينهالون على أهل بيت نبيهم وأولاد منقذهم وذرية سيدهم محمد صلى الله عليه واله قتلاً وتشريداً وابادة وتقطيع أوصال وحمل الرؤوس على أطراف الرماح من بلد إلى بلد وترك الجثث على وجه الرمال وحمل بنات رسول الله سبايا حواسر على الأقتاب تساق كما تساق سبايا الكفرة والأشرار كل ذلك بسبب أنهم أنكروا الظلم والفساد وعارضوا البدع والاستبداد. فهل ارتكبت أمة في العالم قبل هذه الأمة عاراً مثل هذا العار وجريمة ابشع وأخزى من هذه الجريمة؟

قال السيد الرضى في قصيدة له: جزورا جزر الأضاحي نسله ثـم ساقوا آله سوق الأمـا
لو بسبطي قيصـر أو هرقل فعلـوا فعل يزيد مـا عدى
ليس هـذا لرسـول الله يـا أمـة الطغيان والبغـي جزا

كل ذلك من جراء الإعراض عن الإمامة الشرعية والخلافة الالهية بعد رسول الله صلى الله عليه واله. تماماً كما تنبأت به وحذرتهم عنه سيدة النساء فاطمة بنت محمد صلى الله عليه واله في الخطبة التي ألقتها على نساء المهاجرين والأنصار بعد اغتصاب الخلافة من الإمام علي عليه السلام حيث قالت عليها السلام: "ويحهم أنا زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة والدلالة ومهبط الروح الأمين والطبين بامور الدنيا والدين ألا ذلك هو الخسران المبين وما الذي نقموه من أبي الحسن نقموا منه والله نكير سيفه وقلة مبالاته بحتفه وشدة وطأته ونكال وقعته وتنمره في ذات الله وتالله لو مالوا عن المحجة اللائحة وزالوا عن قبول الحجة الواضحة لردهم اليها ولحملهم عليها ولسار بهم سيراً سجحاً لا يكلم خشاشه ولا يكل سائره ولا يمل راكبه ولأوردهم منهلاً نميراً صافياً تطفح ضفتاه ولا يترنق جانباه ولأصدرهم بطانا ولنصح لهم سراً واعلانا ولم يكن يتحلى من الغنى بنائل ولا من الدنيا بطائل غير ري الناهل وشبعة الكافل ولبان لهم الزاهـد مـن الراغـب والصـادق مـن الكـاذب: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ".

ٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍويحهم ﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون﴾.
أما لعمري لقد لقحت فنظرة ريثما تنتج ثم احتلبوا ملء القعب دماً عبيطاً فهنالك يخسر المبطلون ويعرف التالون غب ما أسس الأولون ثم طيبوا عن دنياكم نفساً واطمئنوا للفتنة جأشا وابشروا بسيف صارم وسطوة معتد غاشم وبهرج شامل واستبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيداً وجمعكم حصيداً فيا حسرة لكم وأنى بكم وقد عميت عليكم إن ألزمكموها وأنتم لها كارهون.

ونعود فنقول إن ثورة الحسين عليه السلام كانت ناجحة وفاتحة ورابحة. ولكن نجاحاً معنوياً وفتحاً فكرياً على الصعيد العالمي وربحاً عاطفياً ووجدانياً عمّ النوع الانساني بكل شعوبه وطوائفه وقومياته. وأما النصر العسكري والنجاح المسلح فليسا دائماً دليلاً على النجاح الحقيقي على حد الكلمة المأثورة: جولة الباطل ساعة وجولة الحق إلى قيام الساعة ﴿الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِي


ع (http://almaaref.org/mcatdetails.php?bb=39&number=10&cssstyle=1&ccat=431&subcatid=1414&supcat=39)