المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة هولاء قادتنا 5/ ابن الجنيد الاسكافي



الصريح
13-02-2013, 04:04 PM
ابن الجنيد الاسكافي

هو الفقيه المعظم، الشيخ الاجل ابو علي محمد بن احمد بن الجنيد الكتاب الاسكافي، من اعلام فقهاء الامامية، واعاظم مجتهديهم.
وهو ثاني القديمين اللذين مضت ترجمة الاول منهما.

توطن ببغداد، و شارك في التكوين الاول للمدرسة البغدادية الكبرى في القرن الرابع الهجري، فكان في الطليعة من الفقهاء الذين اسهموا في صياغة وتأسيس الاطار العلمي للمذهب وحفظ هويته واستقلاله في بيئة تجانست فيها المذاهب وتنوعت فيها المشارب في شتى الاتجاهات الفكرية والكلامية والفقهية والحديثية، فضلا عن الاوضاع السياسية التي سعت الى هضم الكيان الشيعي والانقضاض على ائمته ومن يتصل بهم من العلماء والنواب والسفراء في اخريات العهد العباسي.

هذا، وقد عرف لابن الجنيد مكانته ومشاركته في علوم شتى، وفنون عديدة، فكان الفقيه المحدث، والاصولي المتكلم، وقد جمع الى ذلك اطلاعه في الادب واللغة والفهرسة والكتابة ... فلننطلق مع لمحات فردية ولمعات علمية عن حياة هذا الفقيه ومكونات شخصيته.
كنيته واشهر القابه:

محمد بن احمد بن الجنيد. وكنيته: ابوعلي، وهو المقصود بها على الاطلاق في كتب الفقهاء.
نعم، قد تطلق عندهم في ‏موارد قلة على ولد الشيخ الطوسي ولكن مع الاضافة، فيقال (ابو علي ولد الشيخ). واما القابه التي اشتهر وذاع صيته بها في كتب الفقهاء والرجاليين فهي (ابن الجنيد) و(الكاتب) و(الاسكافي) نسبة الى (اسكاف) ناحية ببغداد صوب النهروانات وينتسب اليها جماعة من العلماء.
ولقب بالكاتب لمهارته كما قيل في حسن الاملاء وفن الانشاء، حيث ان الاصطلاح قد استقر منذ القدم على التعبير عن صاحب هذه الصناعة بهذه اللفظة.
و مما يشير لصحة هذا الاستظهار ويعضده انه كتب كتابا في هذا الفن اسماه (علم النجابة في علم الكتابة). واما تلقبه بـ(ابن الجنيد) فهي نسبة الى جده الاعلى (الجنيد) كما سنوضحه عند الحديث عن اسرته، ولعله اشهر القابه واعرفها.
وقد يشترك معه فيه جماعة سنشير اليهم لاحقا. هذا، وربما يسمى ايضاً بـ(الجنيدي) كما في رسالة الشيخ المفيد المسماة (رسالة الجنيدي الى اهل مصر)، وكذا في مسائله الصاغانية، حيث عبر عنه المفيد والشيخ الحنفي النيسابوري بالجنيدي في عدة مواضع منها. و الذي يبدو انحصار هذه التسمية به في ايام عصره حسب، اذ لم يعهد التعبير عنه بذلك في معاجم الرجال ومصادر الفقه.
تمييز المشتركات:
اشترك مع صاحب الترجمة جماعة من اهل عصره وغيرهم. منهم من اشترك معه اشتراكاً تاماً في الاسم والنسب والنسبة و الطبقة، حتى كاد يذهب الوهم انه هو هو، ومنهم من اشترك معه اشتراكاً جزئياً. اما الاول الاشتراك التام فقد اشترك معه: محمد بن احمد بن الجنيد الاسكافي الجنيدي.
التمييز:
1- ذكروا عن هذا الرجل انه من اصفهان وكنيته ابو عبداللّه، ومترجمنا كنيته ابوعلي وهو بغدادي كما عرفت، وسياتي توكيده عند البحث عن بيئته.
2- يروي عن ابي عبداللّه القاسم بن الفضل الثقفي، ولم نعثر في مشايخ مترجمنا على من كان بهذا الاسم.
3- انه قتل في بلاد الترك سنة (360هـ) عندما بعثه والي خراسان منصور بن نوح اليها. و لم يؤرخ لابي علي سفره اليها وقتله فيها. بل مترجموه بين من اهمل تاريخ وفاته، وبين من ضبطها في سنة (381هـ).
4- ان تلقبه بالجنيد او الجنيدي ليس نسبة لاسرة بني الجنيد المعروفة، وانما نسبة لابيه اوجده ابو عبداللّه الذي كان يتكلم بكلام الجنيد بن محمد البغدادي العارف الشهير، فلقب به وعرف بابي عبداللّه الجنيد. 5- انه من علماء العامة، والمترجم من علماء الامامية. واما الثاني الاشتراك الجزئي فشاركه جماعة نذكر منهم:
1- ابو علي محمد بن همام بن سهيل الكاتب الاسكافي، حيث شاركه في الاسم واللقب والكنية والطبقة. ذكره النجاشي فقال عنه انه شيخ اصحابنا له منزلة عظيمة، ووثقه الشيخ. مات سنة (336هـ).
2- محمد بن محمد بن احمد بن مالك الاسكافي.
3- محمد بن عبدالمؤمن بن احمد الاسكافي.
4- محمد بن احمد بن الجنيد ابو جعفر الدقاق، المتوفى (267 او 266هـ)، ذكره الخطيب البغدادي.
5- ابو علي الاسكافي، ويلقب بالموفق، وكان مقدما عند بهاء الدولة فولاه بغداد، وتوفي في (394هـ).
6- محمد بن جنيد الكوفي، سمع عبداللّه بن عبدالملك بن ابي عبيدة. وهو نفس محمد بن جنيد الحجام على ما قيل.
7- محمد بن الجنيد الصيدناني شيخ بجرجان، روى عن محمد بن سعيد ابن الاصبهاني.
8- محمد بن الجنيد الواسطي، يروي عنه يزيد بن هارون، روى عنه اهل العراق والغرباء.
9- محمد بن جنيد بن سالم بن جنيد، روى عنه الطبري، عن ابيه، عن راشد ابن مزيد: انه شهد الحسين عليه السلام وصحبه من مكة وفي الطريق استاذنه ورجع.
اسرته:
اسرة بنو الجنيد من الاسر العريقة التي تتميز بالشرف والوجاهة في مجتمعها بمدينة (الاسكاف) . وتنحدر هذه الاسرة من الجد الاعلى لها وهو (الجنيد) الذي يرجع عصره الى عهد كسرى.
فهو الذي بنى الشاذروان في ايام كسرى، ولذا فقد كان لبني الجنيد موضع الصدارة والتقدم في مدينتهم، حتى انه قد اقترنت تسميتها وعرفت بهم، فيقال (اسكاف بني الجنيد). و لما ملك المسلمون العراق اقرهم الخليفة الثاني على تقدم المواضع فيها.
قال الحموي فيها: اسكاف: بالكسر ثم السكون... : اسكاف بني الجنيد كانوا رؤساء هذه الناحية، وكان فيهم كرم ونباهة فعرف الموضع بهم، وهو اسكاف العليا من نواحي النهروان بين بغداد وواسط من الجانب الشرقي و هناك اسكاف السفلى بالنهروان ايضا.
خرج منها طائفة كثيرة من اعيان العلماء والكتاب و العمال والمحدثين لم يتميزوا لنا. وهاتان الناحيتان الان خراب بخراب النهروان منذ ايام الملوك السلجوقيين.
وقد نص الفيروزآبادي والسمعاني على انتساب جماعة من العلماء لها، ذكر الثاني طائفة منهم في كتابه، وهم من العامة، ويوجد فيها من الشيعة ايضا كمحمد بن همام المتقدم وغيره.
ولادته:
ولد الفقيه الاسكافي في مدينة اسرته واجداده (الاسكاف) على ما يقتضيه ظاهر النسبة اليها. و لم تمدنا مصادر حياته بشي‏ء عن بدايات نشاته وتحصيله، و هل انه كان فيها ام كان ذلك ببغداد ؟
كما انها امسكت عن تحديد زمان ولادته، الا ان روايته عن حميد بن زياد الدهقان المتوفى (310هـ) تساعد على ان يكون عمره وقتئذ في حدود العشرين عاماً على اقل تقدير، ليناسب تحمله و نقله عن شيخه حميد، فتكون ولادته على ضوء ذلك في حدود سنة (290هـ).
هذا كله على فرض روايته عنه في اخريات سني حميد بن زياد و الا لكانت ولادته قبل ذلك.
هذا، و ثمة روايات ثلاث قد وقع في اسانيدها عبيد بن كثير العامري، عن محمد بن الجنيد، كما في تفسير فرات الكوفي ومناقب الخوارزمي. وقد كانت وفاة العامري سنة (294هـ) مما يفترض في نفسه ان تتحدد ولادة ابن الجنيد في حدود سنة (250 الى 260هـ) ليناسب ذلك رواية ابن كثير عنه.
وهذا يعني انه ممن ادرك الامام العسكري عيله السلام او بدايات الغيبة الصغرى، وهو ما لا يمكن انطباقه على ابن الاسكافي، و ذلك من جهات: الاولى: ان ادراكه للامام العسكري عليه السلام او بداية الغيبة الصغرى وبقاؤه الى آخر سفرائها مما لم ينقل في نص او اثر، ولو كان لاهتم به كافة من ترجم له، لانه يعتبر خصوصية فريدة في حياة القدماء.
الثانية: ان من حدث عن الاسكافي كانوا من طبقة واحدة كالشيخ المفيد وابن عبدون والتلعكبري، ولم يكن في طبقتهم من هو بطبقة عبيد بن كثير المتقدمة.
الثالثة: انه لو كان معاصراً لتلك الفترة، لكان معناه انه قد نيف على المئة و عشر سنين او اكثر لما سياتي من سؤالات سبكتكين العجمي له، وكان قد ولي الحكم سنة (366هـ) .
ولو كان عمره كذلك لذكروه في المعمرين.
الرابعة: انه لو كان ادرك عصر الامام العسكري عليه السلام او النواب الاربعة لكان في مجموع ما روي عنه من الشواهد او الوقائع ما يدل على ذلك، كما هو الشان في نقله عن الشلمغاني وما كان بينه وبين السفير الثالث الحسين بن روح الذي كان قد ادركه.
وعليه فان الذي يقوى في نظرنا هو ان يكون المراد ب (محمد بن الجنيد) في هذه الروايات هو شخص آخر غير ابي علي الاسكافي، خصوصا وان الغالب في من يروي عنه ان يذكر بعض القرائن الدالة على شخصه كذكر كنيته ( ابوعلي) او اسم ابيه (احمد) او لقبه (الاسكافي) في حين ان هذه الروايات كانت مجردة عن كل ذلك. و الذي نحتمله ان يكون المراد فيها هو محمد بن احمد بن الجنيد ابوجعفر الدقاق المعتزلي المتوفى سنة (267 او 266هـ) المتقدم ذكره. و ان كان مضمون احدى روايتي تفسير فرات في فضائل الائمة(عليهم ‏السلام)، مما قد لا يناسب مذهبه. والامر سهل من هذه الناحية لامكان رواية ذلك من امثالهم.
بيئته وعصره:
مضت الاشارة الى انه بغدادي البيئة والنشاة. ولم ينقل في احواله اعراضه وخروجه منها، الا ما نقل من سفره الى نيسابور سنة (340هـ) .
ومما يعزز وجوده ببغداد وتوطنه فيها شهادة تلميذه الشيخ المفيد الذي اكد وجوده فيها وحلوله في جواره وعودته اليها بعد سفره لنيسابور. وبعد هذا التصريح من الشيخ المفيد بحلوله ووجوده في بغداد، فلا نجد محملاً لما ذكره بعض اعاظم اهل الفن من التشكيك في وجوده و سكناه في بغداد من دون استناد لدليل معترضا على ما ذكره العلامة المامقاني الذي صرح بسكناه في بغداد وان لم يستدل لذلك بشي‏ء و مثله ما اوردته بعض مصادر ترجمته من انه من اهل الري. على ان جملة مشايخه والرواة عنه كانوا ببغداد ايضا، كالشيخ المفيد وابن الغضائري وابن عبدون (ابن الحاشر) والعاصمي والشلمغاني وغيرهم.
و قد كانت بغداد آنذاك و هي ثقل العالم الاسلامي وعاصمة الخلافة تشهد احتداماً سياسياً وعلمياً و مذهبياً حاداً انعكست تفاصيله على مجمل الحياة البغدادية بشكل خاص، وعلى العالم الاسلامي بشكل عام، حيث ضعفت الدولة العباسية وتشتت امرها، وتسلط امراء الاقاليم على اقاليمهم، بل لم تسلم بغداد عاصمة الخلافة من نفوذهم وقبضتهم بعد انتقال القدرة (الحقيقية) فيها الى بني بويه اثر قدوم معز الدولة البويهي لبغداد وعزله المستكفي الخليفة العباسي، وتنصيب ابن المقتدر المطيع للّه محله شكلياً.
ولاريب ان تغير اتجاه الولاء في السلطة الى العلويين عن طريق بني بويه حرك الولاءات القديمة لبني العباس من قبل مؤيديهم...
ومما زاد الوضع وخامة وادى الى تفاقم الحال فيه، نشوب الحرب الداخلية بين امراء اطراف الممالك الاسلامية كامراء بني حمدان في الموصل والبريديين وبني بويه.
وقد تاثر البعد المذهبي والعلمي للمجتمع البغدادي بهذه الاوضاع، حيث بدات الخصومات والانقسامات المذهبية تدب فيه، اثر اعلان بني بويه حرية الشعار الحسيني، واحياء ذكرى واقعة كربلاء، بل و مشاركتهم فيها شخصيا، وكذا الاحتفاء بيوم الغدير، مما جر الامر الى وقوع الخصومات وربما الفتن والقلاقل بين شطري البيئة البغدادية، الشيعة والسنة.
ولم تكن الاجواء العلمية بمناى عن تاثيرات الوضع العام، فقد توسعت ‏حلقات الدرس والبحث والمناظرة، ونشطت اندية العلم ودبت فيها الحياة بشكل ملحوظ، كما انه طرحت في الساحة العلمية اشد المسائل حساسية في الفقه والكلام والتفسير والحديث، وقام كل فريق برسم الاطر العلمية لمذهبه وتحصينها من الشبهات.
وكثر التصنيف في تلك الاونة، بل انها كانت بداية التصنيف العلمي المبتني على مراعاة الاصول والقواعد العلمية.
وقد كان لابن الجنيد وهو ابن تلك البيئة المترعرع في اكنافها حظا عظيما في عالم التصنيف و البحث كما انه كان يتمتع فيها بالمكانة والوجاهة كما تصفه عبارة النجاشي لا في اوساط مجتمعه فحسب بل ولدى امراء عصره كمعز الدولة البويهي(المتوفى 356هـ) وزير الخليفة العباسي الطائع، وسبكتكين الغزنوي مؤسس الدولة الغزنوية في (غزنة)، فكانت بينهما وبين ابن الجنيد مراسلات سالاه فيها عن جملة مسائل عرفت بجوابات معز الدولة وجوابات سبكتكين العجمي، ولم تنحصر شهرته ومرجعيته العلمية ببغداد فحسب، بل سرت الى بلاد المشرق ومصر وكانت تصله منها بعض الاموال.
توثيقه وآراء العلماء فيه:
وثقه النجاشي فقال: وجه في اصحابنا، ثقة، جليل القدر. وقال الشيخ الطوسي: كان جيد التصنيف حسنه، الا انه كان يرى القول بالقياس فتركت لذلك كتبه ولم يعول عليها.
واثنى عليه العلامة الحلي بقوله: شيخ الامامية جيد التصنيف حسنه، وجه في اصحابنا، ثقة، جليل القدر، صنف فاكثر.
وقد سبق العلامة(رحمه ‏اللّه) في ذلك شيخه المحقق(رحمه اللّه) فانه اكثر النقل عن ابن الجنيد ، وعده في مقدمات(المعتبر) ممن اختار النقل عنهم من الافاضل المعروفين بفقه الاخبار و صحة الاختيار وجودة الاعتبار من اصحاب كتب الفتاوى.
ووصفه ابن النديم: من اكابر الشيعة الامامية. ووصفه الزركلي: فاضل امامي.
وذكره كحالة: شيعي، امامي، فقيه، اصولي، مشارك في علوم.
ووصفه اسماعيل باشا البغدادي:انه من اكابر الامامية. واطراه ابن ادريس الحلي فقال: وهذا الرجل جليل القدر كبير المنزلة صنف فاكثر. ونعته ايضاً عند بحثه في مسائل الربا من السرائر فقال: من اجلة اصحابنا المتقدمين ورؤساء مشايخنا المصنفين. ثم قال: وابو علي بن الجنيد من كبار فقهاء اصحابنا ذكر المسالة وحققها واوضحها في كتابه: (الاحمدي في الفقه المحمدي).
وعده الشهيد الاول في الذكرى من اعاظم العلماء واعتبر مراسيله لوثاقته.
ووصفه الشهيد الثاني في المسالك بانه: عزيز المثل في المتقدمين بالتحقيق والتدقيق، يعرف ذلك من اطلع على كلامه.
وقال السيد بحر العلوم في شانه: من اعيان الطائفة واعاظم الفرقة و افاضل قدماء الامامية واكثرهم علماً وفقهاً وادباً وتصنيفاً، واحسنهم تحريرا وادقهم نظرا.
متكلم فقيه محدث اديب واسع العلم صنف في الفقه والكلام والاصول والادب والكتابة وغيرها... وهذا الشيخ على جلالته في الطائفة والرياسة وعظم محله قد حكي عنه القول بالقياس.
وعده العلامة الكاظمي في الثقات فقال عنه: ابن الجنيد الثقة شيخ الامامية وكبيرهم. وقال عنه السيد حسن الصدر: شيخنا الاقدم وفقيهنا الاعظم.
ووصفه القمي بانه: من اكابر علماء الشيعة الامامية، جيد التصنيف. وقال المدرس التبريزي: شيخ اجل اقدم ثقة فقيه اصولي اديب متكلم محدث واسع العلم جليل القدر.
وقال المامقاني: لم يتوقف احد في توثيقه الا ولد صاحب المعالم. ومما يدل على منزلته ووثاقته انه من مشايخ الاجازة التي هي في اعلى درجات الجلالة والوثاقة، وممن روى عنه الاجلاء كالمفيد والتلعكبري كما سياتي ذلك.
دعوى الوكالة عن الامام عليه السلام وصلته بالسفراء:
من الامور المسلمة التي لايساورها الشك ولا يعلوها غبار الريب، ان فقيهنا الاسكافي قد عاصر شطراً من الغيبة الصغرى، اذ انه قد روى كما تقدم عن حميد بن زياد المتوفى (310هـ)، وعن ابن ابي العزاقر الشلمغاني المتوفى (332هـ) الذي ادعى السفارة كذبا وزورا، ودافع في امرها السفير الثالث الحسين ابن روح النوبختي(رحمه ‏اللّه).
و على هذا الاساس فانه كان معاصراً للكليني الذي روى كثيراً في الكافي عن حميد بن زياد وابن بابويه القمي المتوفين سنة (329هـ) وابن ابي عقيل، وان كانوا هم اعلى منه طبقة.
ولم ينقل في شي‏ء من المصادر التاريخية والرجالية صلته في تلك الاونة بالامام الحجة عجل اللّه تعالى فرجه الشريف، ولا بنوابه رضوان اللّه عليهم، على الرغم من اتحاده معهم في الموطن ببغداد، ولم يصدر في حقه مدح او ذم. بيد ان قضية نقلها البعض، كان مصدرها كلام ذكره النجاشي حيث نقل عن بعض مشايخه سماعا: انه كان عنده مال للصاحب عليه السلام وسيف ايضا، وانه وصى به الى جاريته. وقد استشعر السيد بحر العلوم من هذا الكلام الوكالة .
ولربما يؤيده ما نقله الشيخ المفيد في المسائل الصاغانية عن شيخ الاحناف بنيسابور عن ابن الجنيد دعواه ذلك. واليك نص عبارته: قال اي الشيخ الحنفي : وقد كان وصل الى نيسابور في سنة اربعين وثلاثمئة رجل من هؤلاء الرافضة يعرف ب (الجنيدي)، يدعي معرفة بفقههم، ويتصنع بالنفاق لهم، فسلموا اليه مالاً كثيراً ليوصله الى امامهم الذي يدعون وجوده الان، ويحيلون في ذلك على السرداب وكان يذكر لهم ان بينه وبينه مكاتبة، وان مستقره بنواحي الحجاز. وهذا الكلام يشترك مع سابقه في امر (المال)، ويفترق عنه في ادعاء الوكالة. كما انه نص صريح في دعوى ايصال المال للصاحب عليه السلام بناء على صحة النقل عنه بعكس الاول فانه ظاهر في ذلك.
وقد حمل نقل النجاشي في كلمات البعض على انه ما كان يرى صرف حقوق الامام عليه السلام وامواله، بل كان يرى فيها الحفظ والايصاء فلذا حفظ واوصى كما هو مذهب بعض القدماء كالشيخ في المسائل الحائرية، وابن البراج، وابن ادريس، وابي الصلاح، والعلامة . او انه احد الاموال التي تجلب له عليه السلام من سائر الحقوق فلا يكون ذلك وكالة ولا مدحاً له.
الا انه قد يعارضه ما ذكره الشيخ المفيد تعليقاً على كلام الحنفي المتقدم من انه كان يصل اليه من ناحية المشرق بعد عوده الى بغداد ما كان يصون به وجهه عن البذلة ومسالة الناس.
ويمكن الجمع بينهما بحمل ما ذكره الشيخ المفيد من وصول الاموال اليه على انه من سائر الاموال غير الاخماس فلا يكون معارضاً لمفاد نقل النجاشي باعتبار عدم كون ما يصرفه من الاموال الواصلة اليه على نقل الشيخ المفيد من الاخماس.
على ان مبنى القدماء على الاحتياط في امر الخمس سيما سهمه الشريف عليه السلام، فكيف يصله المال ويصرفه في اموره الخاصة؟! هذا، ولقد حاولنا استطلاع رايه و فتواه في الخمس حال الغيبة فلم نعثر له على راي فيها، وانما المنقول عنه ناظر الى عصر الحضور، او ان القدر المحرز منه هو ذلك، فقد نقل عنه الفاضلان مناقشته دعوى التحليل المطلق للخمس بلحاظ السهمين معا، او بلحاظ جميع الازمنة بحيث ‏يشمل حتى الزمان الذي لم يصدر منه تحليل من امامه. وعلى ضوء ذلك فان حديث الايصاء بالمال والسيف حينئذ يعد تجسيدا لرايه الفقهي في الايصاء والحفظ.
واما ما نقله الشيخ المفيد عن الحنفي من دعواه الوكالة، فمعارض من وجوه:
الاول: ما ذكره الشيخ المفيد في معرض جوابه لمدعي ذلك حيث قال : «لسنا نثق بك فنصدقك فيما تحكيه، ولا نعلم كيف جرت حال الرجل الذي ذكرت وصوله الى نيسابور، ويغلب في الظن تخرصك فيما ذكرت عنه من قبض مال الامام، ونحن اعرف به منك لحلوله معنا في البلد وفي الجوار، ووقوفنا على كثير من خفي امره، ولم نسمع عنه قط دعوى مكاتبة الامام، ولا العلم بمكانه من البلاد».
الثاني: ما ذكره المفيد ايضا حيث قال: «ولو كان ادعى ذلك الموضع الذي ذكرت لم يخف ذلك، وتظاهرت به الاخبار، لمواصلة شيعة نيسابور وكثير من شيعة بغداد، ومكاتبتهم بما يتعلق بالديانة والاعتقاد، وكان ذلك ينتشر عن هذا الرجل، في الموافقين واهل الخلاف، كما انتشر عن غيره، ممن ادعى هذا المقام، كالعمري وابنه، وابن روح من الثقات(رحمهم ‏اللّه). والحلاج والعزاقري وامثالهم من المبطلين المعروفين بالفسق والخروج عن الايمان‏».
الثالث: ان النواب الخاصين المنصوبين بامر الامام عليه السلام للناس اربعة لا غير، وقد كانوا هم السفراء بين الناس والامام فحسب، ومن المعلوم انتهاء السفارة وختمها في عام (329هـ)، وورود ابن الجنيد لنيسابور كان في (340هـ) كما ذكر الناقل، اي بعد احد عشر عاما من انتهاء الغيبة، فكيف كان يتصل بالامام عيله السلام؟
وما هو الطريق الموصل اليه؟ وكيف يدعي الوكالة والوصول اليه مع ان من الضرورات المعلومة انقطاع من يلتقيه بعد وقوع الغيبة الكبرى وعدم وجود وكيل خاص له فيها؟ الا ان يراد منها الوكالة العامة. ولكن صراحة قرينة الايصال اليه عليه السلام كما في مفروض كلام الناقل، تمنع منه.
الرابع: ان دعوى الوكالة والايصال اليه عليه السلام مباشرة، تعارض نقل النجاشي من ايصاء ابن ‏الجنيد جاريته بمال للصاحب عليه السلام، اذ المال في هذه ‏العبارة سواء فسرناه بالمال الخاص للامام وكان اودعه عند ابن الجنيد، او المال العام اي المجموع من الاموال الشرعية، فان مقتضى الوكالة تسليمه لصاحبه لا جمعه والايصاء به.