المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة هولاء قادتنا 6/ ابوالفضل الجعفي



الصريح
16-02-2013, 02:16 PM
ابوالفضل الجعفي

من الطبيعي ان تبرز في كل علم شخصيات واسماء لامعة تدور عليها رحى ذلك العلم وتسير تياره قرونا عديدة..وفي الفقه اسماء تالقت في سمائه.. اسماء اشتهرت وذاع صيتها فعرفها الخاص والعام، وسطرت المصادر والزبر آراءها بكل تجلة واحترام..اولئك هم ائمة الفقه: الصدوق، وابوه، والطوسي، والمرتضى، والقديمان، وسلار، والتقي، والقاضي. وثمة نخبة اخرى ورعيل متقدم آخر عرف في وقته ومجتمعه بالصدارة والتقدم، بيد انه لم يكن في صف تلك الطبقة من حيث الشهرة وعلو الصيت وذلك اما: لضياع مصنفاتهم او لبعدهم عن مراكز الاشعاع العلمي او للتطور الذي طرا على علم الفقه بحيث اهملت بعض الاراء القديمة. ومن اعلام هؤلاء: الجعفي، والكليني، وابن قولويه، والبصروي، والواسطي، والكراجكي، ومعين الدين المصري، وآخرون غيرهم نجهل الكثير من احوالهم واوضاعهم. ونحن اذ نتابع في اعداد متوالية البحث عن الاعلام المعروفين من فقهائنا الاقدمين رضوان الله عليهم اجمعين نرى من المناسب بل مما يحتمه واجب الوفاء لحق السلف من فقهائنا ان نشرع بتراجم القسم الاخر، مبتدئين بالفقيه ابي الفضل الجعفي .. على امل ان نواصل البحث في الباقين بحسب ترتيبهم الزمني، ومن الله التوفيق.
واما جعفى فهي على وزن فعلى -بالضم والقصر موضع بالكوفة او بالسواد قريبا من الكوفة. وعليه فمن المحتمل ان تكون نسبته الى الكوفة، لانتسابه الى هذا الموضع منها. والصابوني -على ما ذكره البعض نسبة للصابون الذي يغسل به الثياب، نظرا الى صنعه له او بيعه.
واما ما ذكره السروي في ضبط اسمه بانه «ابوالفضل الصابوني المعروف بابن ابي العساف العامري‏» فهو خطا محض، اذ ان ابن ابي العساف يروي عن الجعفي كما نص عليه الشيخ، واسمه ابوالحسن محمد بن محمد الخيزراني المعروف بابن ابي العساف المغافري -بالغين ولعل السبب في هذا الخطا وقوع سقط في نسخة الفهرست التي كانت عند صاحب المعالم.
ولادته:
يظهر من نسبته الى الكوفة انه مولود فيها، خصوصاً وان عبارات البعض صريحة في انه كان يسكن بمصر، مما يدل على قدومه اليها.
طبقته ومذهبه:
لم نعثر على ما يحدد زمن ولادته بشكل دقيق، الا ان المقطوع به ادراكه للغيبة الصغرى وعلمائها كالكليني وعلي بن بابويه، وذلك لرواية جعفر بن محمد بن قولويه (ت = 368هـ) عنه بلا واسطة، والشيخ والنجاشي عنه بواسطتين، وعليه فهو من المئة الثالثة تحقيقاً.
قال السيد بحر العلوم الطباطبائي(قدس ‏سره) محدداً لطبقته: «من كبار الطبقة السابعة ممن ادرك الغيبتين الصغرى الكبرى‏».
واما مذهبه فقد ذكروا انه كان زيدياً ثم رجع الى المذهب الاثني عشري واستقر عليه، وصنف كتبه على طبقه، يث‏يروي في كتابه الفاخر ما صح عن الائمة المعصومين عليهم‏ السلام. واما اسباب انتقاله الى المذهب وزمانه ومكانه فلم ينقل لنا شي‏ء عنه كشان سائر ما يتصل بمراحل حياته، ودوره الاجتماعي والعلمي في مستقره بمصر حتى مماته ومدفنه الذي لا نعرف مكانه وزمانه، وان كان الذي نحدسه قويا كونه بمصر التي بقي فيها ولم يخرج.
آراء العلماء فيه:
× قال الشيخ النجاشي: «محمد بن احمد بن ابراهيم بن سليمان ابوالفضل الجعفي الكوفي المعروف بالصابوني، سكن مصر، كان زيدياً ثم عاد الينا، وكانت له منزلة بمصر».
× وقال الشيخ الطوسي في باب الكنى: «ابوالفضل الصابوني له كتب كثيرة، منها...، واسمه محمد بن احمد بن ابراهيم بن سليمان الجعفي، وكان من اهل مصر، اخبرنا بجميع كتبه ورواياته احمد بن عبدون‏».
× وذكره السروي في معالمه، وعده ابن داود والعلامة الحلي في الثقات المعتمدين.
× واطراه في الرياض قائلا: «... الشيخ الجليل المقدم ابي الفضل محمد ابن احمد بن ابراهيم بن سليمان الجعفي الكوفي.. الامام العالم الذي قد يعرف بصاحب الفاخر ايضاً، وينقل الاصحاب فتاواه واقواله في كتب الفقه‏».
× واثنى عليه السيد بحرالعلوم بقوله: «من قدماء اصحابنا واعلام فقهائنا من اصحاب كتب الفتوى، ومن كبار الطبقة السابعة ممن ادرك الغيبتين الصغرى والكبرى، عالم، فاضل، فقيه، عارف بالسير والاخبار والنجوم‏».
× واطراه المحقق التستري بقوله: «...الشيخ الاجل الاقدم الاكمل ابي الفضل محمد بن احمد... وهو المشهور بين الفقهاء بالجعفي وصاحب الفاخر، اسعده الله بالمفاخر في اليوم الاخر، وهو من افاضل القدماء ممن ادرك الغيبتين‏».
× وذكر العلامة المامقاني في مدحه: «قد سمعت من النجاشي النص على كونه امامياً وكونه ذا منزلة بمصر، يعني بحسب العلم والفضل نظير قولهم وجه وعين، وذلك مدح يقتضي درجه في الحسان‏». وزاد اموراً اخرى لعده في الحسان.
× وبجله الشيخ ابوعلي الحائري فقال: «من علماء الامامية وفضلاء الاثني عشرية ... صاحب تصانيف تدل على فقاهته‏».
× وقال المحدث القمي: «كان من افاضل قدماء اصحابنا الامامية ممن ادرك الغيبتين، له كتب كثيرة في الفقه وغيره‏».
المشتركات:
اشترك مع فقيهنا المعرف جماعة:
1 - محمد بن احمد بن ابراهيم: ذكره الشيخ في اصحاب الهادي عليه السلام، وظاهر عبارة التنقيح وصريح غيره اتحاده مع الجعفي.
ويمكن الملاحظة على هذا الكلام بما يلي:
ا - ان هذه الخصوصية -وهي معاصرته للامام الهادي عليه السلام امر ملفت للنظر، فلو كانت لاقتضى ذلك التنبيه عليها من قبل النجاشي والشيخ. كما ان معظم المتاخرين قد نصوا على ادراكه الغيبتين حسب ولم يزيدوا على ذلك.
ب - معارضة الدعوى المزبورة بصريح كلام ابن داود الدال على عدم رواية الجعفي عنهم عليهم ‏السلام. كما ان من ترجم لهما تحت عنوانين صريح في التعدد ايضاً، فيدخل طرفاً في المعارضة.
ج - ما ذكره المحقق التستري من ان النجاشي والشيخ قد ذكراً الجعفي بالكنية، بل ان الثاني عنونه في الكنى، ومحمد بن احمد بن ابراهيم هذا لم يعلم كونه ذا كنية فضلاً عن اشتهاره بها.
واما ما لاحظ به المحقق التستري على هذه الدعوى -من ان الجعفي كان معاصراً للكليني وقد روى عنه ابن قولويه، فاين هو من اصحاب الهادي عليه السلام؟! فانه يمكن دفعه بامكان ذلك، بان يفرض ادراكه للامام الهادي عليه السلام(ت = 255هـ) وعمره في مرحلة تحمل الرواية يتراوح بين العشرين والخامسة والعشرين، وحينئذ يكون بقاؤه الى مطلع القرن الرابع وادراك ابن قولويه(ت = 368هـ) له ولو في آخر سني حياته امرا ممكناً لا غرابة فيه، وهو امر يساعد عليه الاعتبار اذا ما لاحظنا اخبار ابن قولويه بكثير من كتبه وعلى راسها الفاخر الذي هو اشهر كتبه، مما يعني انه قد فرغ من تصنيف كتبه وحدث بها ابن قولويه.
2 - محمد بن سليمان الكوفي، من اعلام الزيدية في القرن الثالث، وهو صاحب كتاب «مناقب الامام امير المؤمنين‏»، وكنيته ابوجعفر، ويلقب بالصنعاني ايضاً .
3 - محمد بن احمد بن سليمان ابوالفضل: روى عنه ابن قولويه عن موسى بن محمد بن موسى في الباب الثاني من كامل الزيارات - الحديث 17. والظاهر اتحاده مع المترجم، لاتحادهما في الاسم وعدم التمايز بينهما الا في جده ابراهيم، حيث لم يذكره بل ذكر سليمان، والامر سهل من هذه الجهة لتعارفه في الاسانيد.
ويمكن الخدشة في هذا الاستظهار: بان الوارد عن ابن قولويه في ضبط اسمه ومن يروي عنه مخالف لما تقدم، حيث ذكر النجاشي في ترجمة جعفر ابن يحيى بن العلاء: اخبرنا محمد بن محمد بن النعمان قال: حدثنا جعفر بن محمد بن قولويه قال:حدثنا محمد بن احمد بن سليم الصابوني بمصر قال: حدثنا موسى بن الحسين بن موسى قال: حدثنا جعفر بن يحيى بن العلاء. فالمخالفة من جهة تسمية جده بـ«سليم‏» بدل «سليمان‏»، ومن جهة المروي عنه وهو موسى بن الحسين بن موسى بدل موسى بن محمد بن موسى الوارد في كامل الزيارات.
اما الجهة الاولى: فالظاهر عدم امكان توجيهها، لصحة طريق النجاشي اليه الا بان يقال بعدم ثبوت اسم جده عند ابن قولويه نفسه، فعبر عنه في كتابه بـ«سليمان‏» وفي طريقه الى كتاب جعفر بن يحيى بـ«سليم‏». واحتمال التصحيف بعيد، لوجود «سليم‏» في اصح النسخ وفي النسخة القديمة ايضاً.
واما الجهة الثانية: فيمكن الاجابة عنها بامكان روايته عن موسى بن محمد في غير كتاب جعفر بن يحيى الذي حدث فيه عن موسى بن الحسين بن موسى، اذ لا مانع من ذلك كما لا يخفى.
ومما يؤيد هذا ايضاً ما ذكره المحدث النوري والمحقق الطهراني من ان ابن قولويه حدث عن محمد بن احمد الصابوني ابي الفضل الجعفي في كامل الزيارات، ولم نظفر بروايته عنه في غير هذا الموضع وموضع آخر سنشير اليه. هذا مضافاً الى استبعاد ان يتفق اجتماع شيخين بنفس الاوصاف لجعفر ابن قولويه، كما يستبعد ايضاً ان لا يحدث عنه ابن قولويه وهو شيخه ولو في مورد واحد!
هذا، ومع ذلك كله فقد افرد السيد الخوئي(قدس ‏سره) لكل منهما ترجمة خاصة ولم ينبه على اتحادهما مما يظهر منه التعدد. وممن افردهما بالذكر ايضاً صاحب «مستدركات رجال الحديث‏».
وعلى كل حال، فان الذي نستظهره اتحادهما، كما نستظهر ذلك ايضاً في رواية مصباح الانوار التي وقع في اسنادها جعفر بن قولويه عن محمد بن احمد بن سليمان وان لم يذكر كنيته، الا انه هو نفس الوارد في كامل الزيارات الذي تقدم الكلام عنه.
وقد وقع محمد بن احمد بن سليمان ايضاً في بعض اسانيد «كفاية الاثر» من دون نص على كنيته، وصورة السند كما يلي:
«علي بن الحسن، عن محمد بن الحسين، عن علي بن اسحاق اجازة ارسلها الي مع محمد بن احمد بن سليمان في سنة ثلاثة عشر وثلاثمئة، عن عبدالله بن عمر البلوي، عن ابراهيم بن عبدالله بن العلاء، عن ابيه، عن زيد ابن علي بن الحسين عليهما السلام ...».
ولا نستبعد الاتحاد، لاتحاد الطبقة ولصدور تلك الاجازة في سنة 305هـ ، وهي تناسب وجود الجعفي في تلك الفترة.
4 - محمد بن احمد بن ابراهيم:
ذكره ابن قولويه ايضاً في كتابه -وهو ثاني الموضعين المشار اليهما آنفا قال: «حدثني محمد بن احمد بن ابراهيم، عن الحسين بن علي الزيدي، عن ابيه، عن علي بن عباس ...» الباب 14، الحديث 2.
وقد ذكر في المستدركات انه متحد مع الجعفي، ولم اظفر بترجمة لمحمد بن احمد بن ابراهيم هذا في كتب الرجال، فالظاهر انه الجعفي سيما مع رواية ابن قولويه عنه.

لكن ذكر السيد الخوئي(قدس ‏سره) انه متحد مع محمد بن احمد بن ابراهيم بن تميم، وهو محمد بن اكمل بن تميم السرخسي ابو نصر من مشايخ الصدوق.

5 - محمد بن ابراهيم الجعفي:
وقد وقع في طريق الكافي، عن علي بن الحكم، عن كامل بن محمد، عن ابيه قال: «دخلت على ابي عبدالله عليه السلام...» الخبر.
ووقع ايضاً في محاسن البرقي -باب البيض: عن نوح بن شعيب، عن كامل، عنه، عن ابي عبدالله عليه السلام قال: «من عدم الولد فلياكل البيض وليكثر منه‏». وفي الطب الرضوي: عن محمد بن عيسى، عن كامل، عنه قال: «شكا رجل الى ابي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام...» الخبر. يستفاد مما ذكر انه من اصحاب الصادق والرضا صلوات الله عليهما.
6 - محمد بن احمد بن محمد الجعفي: وقع في طرق كتاب الاربعين لمنتجب الدين بن بابويه قال: حدثنا محمد بن احمد بن محمد الجعفي. والاختلاف في الجد «محمد» و«ابراهيم‏»، وفي الطبقة ايضاً.
7 - محمد بن احمد بن سليم الصابوني بمصر: وقد افرده صاحب المستدركات بعد ان ذكر المترجم بصفحات، واضاف انه لم يذكره الرجاليون. وهو وهم واضح، فانهما شخص واحد ليس الا.
8 - محمد بن احمد بن ابراهيم بن محمد العلوي الحسيني: والاختلاف -مضافاً الى اللقب في الجد الاعلى، فان الجد الاعلى للجعفي «سليمان‏» او «سليم‏»، والجد الاعلى هنا «محمد».
9 - محمد بن احمد بن ابراهيم بن سليمان بن محمد -المعروف بالعسال المعدل، القاضي، ابو احمد الاصبهاني، الحافظ، (ت = 349هـ). ذكره الذهبي. والتمايز من جهات عديدة ظاهرة.
شيوخه والرواة عنه:
لا نجد في كتب الرجال تفصيلاً وافياً عن شيوخه والرواة عنه كشان سائر الجوانب الاخرى في حياته، ولكنها لم تخل من اشارات وتلويحات نشير اليها والى ما عثرنا عليه في بعض الاسانيد، مع اعتقادنا بان ذلك لا يكشف عن البعد الحقيقي في هذا الجانب.
اما شيوخه فهم:
1 - موسى بن الحسين بن موسى، الذي روى عنه كتاب جعفر بن يحيى ابن العلاء.
2 - موسى بن محمد بن موسى، الواقع في بعض اسانيد كامل الزيارات.
3 - الحسين بن علي الزيدي -الواقع في اسناد كامل الزيارات ص‏112 عنه محمد بن احمد بن ابراهيم الذي استظهرنا انه محمد بن احمد بن ابراهيم الجعفي، على ما تقدم في بحث المشتركات.
4 - محمد بن اسماعيل بن احمد بن اسماعيل بن احمد، الواقع في اسناد «مصباح الانوار»بهذه الصورة:
«ابن قولويه، عن محمد بن احمد بن سليمان، عنه‏». وقد استظهرنا ان المراد بمحمد بن احمد بن سليمان في اسانيد ابن قولويه هو الجعفي، والله العالم.
واما الرواة عنه فهم:
1 - الفقيه المحدث ابوالقاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمي، الذي نقل عنه النجاشي بطريق متصل انه حدث عنه عن موسى بن الحسين بن موسى عن جعفر بن يحيى.
وحدث عنه في كامل الزيارات ايضا.
والظاهر انه التقى به واخذ عنه بمصر كما يبدو من عبارة ابن قولويه حيث قال: «حدثنا محمد بن احمد بن سليم الجعفي بمصر». كما ان عبارة ابن حجر دالة على ذلك في ترجمة جعفر بن قولويه، لكنه عكس الامر فعد الجعفي والحسين بن عبيد الله الغضائري ممن رويا عن ابن قولويه. وهو وان كان ممكناً في ذاته -لامكان تبادل الرواية بين المشايخ الا انه غير تام لامرين:
ا - اختلاف الطبقة، فان الحسين بن عبيد الله قد توفي سنة (411هـ) فهو في طبقة الشيخ المفيد، وقد روى عنه النجاشي بلا واسطة، مع ان الشيخ المفيد قد روى عن الجعفي بواسطة ابن قولويه، كما روى عنه النجاشي والشيخ بواسطتين، مما يعني تقدمه على الحسين بن عبيد الله وكون ابن قولويه قد التقى الجعفي في مقتبل عمره والجعفي في اواخره، مما يمنع -عادة من اخذ الجعفي عنه.
ب - انه لم يذكر الرجاليون -كالنجاشي رواية الجعفي عن ابن قولويه، بل نصوا على العكس.
2 - ابو علي كرامة بن احمد بن كرامة البزاز.
3 - ابو محمد الحسن بن محمد الخيزراني، المعروف بابن ابي العساف المغافري.
وقد وقع الاخيران في طريق الشيخ الى الجعفي، ورويا جميع رواياته وكتبه. وقد ضعف السيد الخوئي طريق الشيخ بهما لكونهما مجهولين.
البعد العلمي في حياة الفقيه الجعفي:
ويدور البحث‏ حول هذا الجانب في عدة نقاط:
الاولى: المكانة العلمية لفقه الجعفي:
للجعفي مكانة ومنزلة في العلم والفضل في مجتمعه الذي عاصره في مصر كما المحت الى ذلك عبارة النجاشي السابقة، الا ان هذه الشهرة والمنزلة لم تتاطر بحدود تلك البقعة من العالم الاسلامي فحسب، بل سارت شهرته وكتبه الى بغداد حاضرة العلم آنذاك، وذلك من خلال الشيخ الاجل الفقيه المحدث جعفر بن محمد بن قولويه صاحب كتاب كامل الزيارات، حيث اتصل به واخذ عنه، ثم اخبر بكتبه ورواياته، فانتقلت الى طبقة الشيخ المفيد والنجاشي، كما انها صلت‏ شيخ الطائفة الطوسي بطريق احمد بن عبدون -ابن الحاشر (ت = 426هـ).
وفي رسالة ابي غالب الزراري (ت = 368هـ) -وهو من احفاد زرارة بن اعين ومن معاصري فقيهنا المعرف نجد انه يستند فيها الى بعض كتب الجعفي.

الا انه لم ينقل عنه فقهاء طبقته ومن تاخر عنهم في مصنفاتهم الفقهية على ما جرت عليه طريقتهم من عدم التعرض والاكثار في نقل الاقوال وتفصيل الاراء، والسبب في ذلك يرجع الى ان كتبهم اما هي غير معدة لذلك كالمقنعة والاركان والاشراف والاعلام من كتب الشيخ المفيد وكذا المبسوط والنهاية للشيخ الطوسي والكافي للحلبي والمراسم لسلار، او ان كتب الخلاف والمقارنة منها -كخلاف الشيخ والانتصار والناصريات للسيد المرتضى والمختصر الاحمدي للاسكافي كان مخصصاً في الخلاف مع العامة (الخلاف العالي) وليس ثمة كتاب في خلاف الامامية قبل مختلف الشيعة للعلامة الحلي.
نعم، نجد التعرض لاراء الجعفي ولاول مرة في كتاب السرائر لابن ادريس الحلي (ت = 598هـ) حيث كان يولي عناية خاصة لاراء من سبقه ودراسة الادلة والحجج عليها. فقد نقل عن صاحب الترجمة رأيا في آخر ابواب القضاء من السرائر قال فيه: «وقال بعض اصحابنا وهو صاحب الفاخر: ومن دبر عبدا لا مال له غيره وعليه دين فدبره في صحته ومات فلا سبيل للديان عليه، وان كان دبره في مرضه بيع العبد في الدين، فان لم يحط الدين بثمن العبد استسعي في قضاء دين مواليه، وهو حر اذا تممه‏».
ونقل عنه في موضع آخر رايا له في مسالة تاريخية، ولم يزد على هذين الموضعين شيئأ.
واما الفترة التي اعقبت عصر ابن ادريس والتي احتضنت فقهاء كباراً عرفوا بكثرة التصنيف وجودة التاليف فقد خلت هي الاخرى كسابقتها من التعرض لاراء هذا الفقيه، حتى ان العلامة الذي قد افرد كتباً مستقلة لذكر آراء الامامية كالمختلف والمنتهى لم يتعرض ولو في مورد واحد لاراء وفتاوى فقيهنا المترجم، ومثله المحقق وابن فهد في كتابه «المهذب البارع‏» الذي اعده للغرض المذكور نفسه.
وعلى كل حال فان ثمة ابهامات فيما يرتبط بوصول كتبه الى ابن ادريس في الحلة وطريقه في ذلك، ثم عدم وصولها الى علماء الحلة وعدم اطلاعهم عليها. نعم وصلت كتبه الى السيد علي بن طاووس (ت = 664هـ)، ونقل عن كتابه الفاخر في رسالة له في المضايقة والمواسعة في قضاء الصلوات، وذكر بعضاً من مضامين خطبة هذا الكتاب، ولا يعلم هل انه اطلع على كتابه هذا في الحلة حيث كان فيها الى سنة (625هـ) ام عند توقفه في بغداد الذي طال خمسة عشر عاماً، ام عند رجوعه اليها او في اسفاره الاخرى؟
وفي القرن الثامن وما بعده دخلت آراء الجعفي كتب الفقه وتداولتها كتب الفقهاء بشكل واسع جداً، واول من فتح الباب في ذلك على مصراعيه ونشر فقه الجعفي واحيا ذكره هو الشهيد الاول (ت = 786هـ) حيث نقل عنه كثيرا في كتبه: البيان، وغاية المراد، والدروس، والذكرى الذي هو الاساس والمعتمد في جميع ما نقل من فقه الجعفي، ونقل عنه ايضاً الشهيد الثاني في الفوائد الملية.
واما سائر من تلا الشهيد من الفقهاء -كالاردبيلي والسبزواري والسيد العاملي والنراقي والفاضل الهندي وصاحب الجواهر وغيرهم فهم ينقلون فتاوى الجعفي وطريقهم في ذلك كتب الشهيد سيما الذكرى منها، نعم نقل صاحب الجواهر في بضع موارد عن الجعفي -حكاية ما لم يذكره الشهيد في كتبه، ولم اقف على ماخذه في ذلك. وعلى كل حال فقد اكثرت هذه الطبقة -منذ زمن الشهيدين الى المتاخرين والمعاصرين النقل عن فقيهنا المترجم كما ينقلون آراء القدماء من فقهائنا، حتى ان صاحب الجواهر استدل لرايه بالمواسعة في القضاء بقول صاحب الفاخر في خطبة كتابه بانه لا يروي فيه الا ما اجمع عليه وصح عنده من قول الائمة عليهم ‏السلام معتبرا ذلك كالاجماع على المسالة.
وقال الشيخ في الفهرست: «له كتب كثيرة منها:
70- كتاب المتخير
71 - كتاب التخيير
وكتاب الفاخر وغير ذلك‏».
وفي هامش المصدر المذكور في نسخة اخرى ورد في ضبط كتاب المتخير والتخيير: كتاب المحبر، وكتاب التحبير.
وفي بعض المصادر تسمية الاخير بـ:
1 - تحبير الاحكام الشرعية، كما هو المنقول ايضاً عن السيد ابن طاووس في فرج المهموم.
2 - بحر الاحكام، كما عن رسالة عدم المضايقة في فوائت الصلوات للسيد ابن طاووس.
3 - تحبير الاحكام، كما ضبطه التستري.
4 - تخيير الاحكام، وهو الذي استظهره المحقق الطهراني وادعى تصحيف الباقي.
5 - المجير.