المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سلسلة هولاء قادتنا 10/ محمد بن مسلم الطائفي (قدس سره)



الصريح
30-03-2013, 03:36 PM
محمد بن مسلم الطائفي (قدس سره)

هو الفقيه الورع، المحدث الثقة ابو جعفر او (ابو محمد) محمد بن مسلم ابن رياح (او رباح) الثقفي الطائفي.
كان من فقهاء الكوفة واعلامها البارزين الذين عاصروا الامامين الباقر والصادق عليهما السلام وتخرجوا من مدرستهما.

استقبل امره بادئ ذي بدء سنة ثمانين هجرية في حاضنته الاولى في ثقيف الطائف ففيها كانت ولادته ونشاته، ثم‏انتقل منها الى الكوفة(1)، ولم يؤرخ لسنة ذلك تحديدا كما لم يظهر بقاؤه فيها الى آخر حياته، الا ان وصفه في‏ عبارة النجاشي بانه وجه اصحابنا بالكوفة تدل على بقائه فيها فترة ليست بالقصيرة وربما تكون الى آخر حياته ‏حيث لم ينقل مترجموه اعراضه عنها او انتسابه الى بلد آخر، وتصفه بعض الروايات الاتية بانه كان من اهل الكوفة،نعم اقام في المدينة بعد انتقاله الى الكوفة اربع سنين يتلمذ فيها على الامام ابي جعفر الباقر عليهما السلام.
اما اسرته فلا نملك معلومات مفصلة عنها، ولكن وردت اسماء بعض ولده في اسانيد الاخبار، و المذكور منهم ‏شخصان:
1 ابراهيم بن محمد بن مسلم، ولم يذكروه في كتب الرجال، وقد روى عن ابيه حديثا نقله في البحار عن تنبيه‏ الخواطر للشيخ ورام(2)، ورواية اخرى عن امالي الشيخ المفيد.
2 احمد بن محمد بن مسلم، روى عنه ايضا العلامة المجلسي نقلا عن طب الائمة رواية واحدة(3). والظاهر انهما لم يكونا من المكثرين في الرواية.
وقد كان بريد العجلي ومحمد بن مارد ختنيه(4). وذكربعضهم الكاهلي ايض(5).
واما مولاه فهو سويد وكان قد صحبه وفقه عليه، وله كتاب يرويه جماعة وكان من الثقات الوجوه(6).
واما ختناه فكانا ايضا من الرواة والثقات، فان حال بريد العجلي اشهر من ان يذكر، واما محمد بن مارد فهو عين ثقة‏كما يصفه النجاشي وكان له كتاب يرويه الحسن بن محبوب، وكان كوفيا، عربي صميم(7).
منزلته عند الائمة عليهم السلام ورعايتهم له: لقد حظيت شخصية محمد بن مسلم بمرتبة سامقة لدى الامامين الباقرين عليهما السلام، حيث كانا يكنان لشخصه احتراما ووداً خاصين، مما جعله موردا لعناياتهم وتفقدهم. ولا شك انه انما نال ذلك لاستحقاقه واهليته علما وعملا وسلوكا.
ولقد كانت هذه الرابطة متينة ومتبادلة بينه وبينهم عليهم السلام سيما وانها قد امتدت عدة عقود من الزمن.
وثمة اخبار تكشف عن عمق هذه العلاقة نكتفي منها بخبر واحد.
قال محمد بن مسلم: خرجت الى المدينة وانا وجع ثقيل فقيل له: محمد بن مسلم وجع، فارسل الي ابو جعفر عليه السلام بشراب مع الغلام مغط‏ى بمنديل، فناولنيه الغلام وقال لي: اشربه فانه قد امرني ان لا ارجع حتى تشربه، فتناولت، فاذا رائحة المسك منه، واذا شراب طيب الطعم بارد، فلما شربته قال لي الغلام: يقول لك اذا شربت فتعال، ففكرت فيما قال‏ لي ولا اقدر على النهوض قبل ذلك على رجلي، فلما استقر الشراب في جوفي، كانما انشطت من عقال، فاتيت بابه ‏فاستاذنت عليه، فصوت بي: نصح الجسم، ادخل، فدخلت وانا باك، فسلمت وقبلت يده وراسه، فقال لي: وما يبكيك يامحمد؟ فقلت: جعلت فداك ابكي علي اغترابي وبعد الشقة وقلة المقدرة على المقام عندك والنظر اليك، فقال لي: اما قلة‏المقدرة فكذلك جعل اللّه اولياءنا واهل مودتنا وجعل البلاء اليهم سريعا، واما ما ذكرت من الغربة فلك بابي عبد اللّه عليه السلام اسوة بارض ناء عنا بالفرات صلى اللّه عليه.
اما ما ذكرت من بعد الشقة فان المؤمن في هذه الدنيا غريب وفي هذا الخلق ‏منكوس حتى يخرج من هذه الدار الى رحمة اللّه، واما ما ذكرت من حبك قربنا والنظر الينا وانك لا تقدر على ذلك فاللّه يعلم ما في قلبك وجزاؤك عليه ثم قال لي: كيف وجدت الشراب؟ فقلت: اشهد انكم اهل بيت الرحمة وانك وصي ‏الاوصياء، لقد اتاني الغلام بما بعثت وما اقدر على ان استقل على قدمي، ولقد كنت آيسا من نفسي، فناولني الشراب ‏فشربته، فما وجدت مثل ريحه ولا اطيب من ذوقه ولا طعمه، ولا ابرد منه، فلما شربته قال لي الغلام: انه امرني ان‏اقول لك اذا شربته فاقبل الي، وقد علمت شدة ما بي، فقلت: لاذهبن اليه ولو ذهبت نفسي: فاقبلت اليك وكاني انشطت‏ من عقال. فالحمد للّه الذي جعلكم رحمة لشيعتكم. فقال: يا محمد ان الشراب الذي شربته فيه من طين قبور آبائي وهو افضل ما استشفي فلا تعدلن به، فانا نسقيه صبياننا ونساءنا فنرى فيه كل خير... قال محمد بن مسلم: فسقاني منه ‏مرتين، فما اعلم اني وجدت شيئا مما كنت اجد حتى انصرفت(8).
ومن هنا فان ثمة روايات كثيرة صدرت منهم عليهم السلام لبيان فضله ومنزلته وهي تشيد بدوره في احياء مذهب اهل البيت عليهم السلام.وقد بلغت هذه الاخبار حد الاستفاضة في الكثرة.
قال المحقق السيد الخوئي(قدس سره): والروايات في مدح محمد بن مسلم وجلالة شانه وعظم مقامه متظافرة ‏مستفيضة(9):
1 الكشي عن جميل بن دراج قال: سمعت ابا عبد اللّه عليه السلام يقول: «بشر المخبتين بالجنة: بريد بن معاوية العجلي وابوبصير ليث بن البختري المرادي ومحمد بن مسلم وزرارة، اربعة نجباء امناء اللّه على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء انقطعت ‏آثار النبوة واندرست‏»(10).
2 عن الفضل بن عبد الملك قال: سمعت ابا عبد اللّه عليه السلام يقول: «احب الناس الي احياء وامواتا اربعة: بريد بن معاوية‏ العجلي وزرارة ومحمد بن مسلم والاحول، وهم احب الناس الي احياء وامواتا»(11).
3 عن سليمان بن خالد الاقطع قال: سمعت ابا عبد اللّه عليه السلام يقول: «ما اجد احدا احيا ذكرنا واحاديث ابي عليه السلام الا زرارة ‏وابو بصير ليث المرادي ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء ما كان احد يستنبط هذا، هؤلاء حفاظ‏ الدين وامناء ابي عليه السلام على حلال اللّه وحرامه، وهم السابقون الينا في الدنيا والسابقون الينا في الاخرة‏»(12).
4 عن ابي عبيدة الحذاء قال: سمعت ابا عبد اللّه عليه السلام يقول: «زرارة وابو بصير ومحمد بن مسلم وبريد من الذين قال اللّه تعالى: (والسابقون السابقون # اولئك المقربون)(13) »(14).
5 عن جميل بن دراج عن ابي عبد اللّه عليه السلام في حديث انه ذم رجلا فقال: «لا قدس اللّه روحه ولا قدس مثله، انه ذكر اقواما كان ابي عليه السلام ائتمنهم على حلال اللّه وحرامه وكانوا عيبة علمه، وكذلك اليوم هم عندي مستودع سري واصحاب‏ ابي عليه السلام حقا، اذا اراد اللّه باهل الارض سوءا صرف بهم عنهم السوء، هم نجوم شيعتي احياء وامواتا، يحيون ذكر ابي عليه السلام، بهم يكشف اللّه كل بدعة، ينفون عن هذا الدين انتحال المبطلين وتاويل الغالين‏» ثم بكى، فقلت: من هم؟ فقال:«من عليهم صلوات اللّه وعليهم رحمته احياء وامواتا: بريد العجلي وزرارة وابو بصير ومحمد بن مسلم..»(15).
6 عن داود بن سرحان قال: سمعت ابا عبد اللّه عليه السلام يقول: «اني لاحدث الرجل بالحديث وانهاه عن الجدال والمراء في ‏دين اللّه، وانهاه عن القياس فيخرج من عندي فيتاول حديثي على غير تاويله الى ان قال: ان اصحاب ابي كانوا زينا احياء وامواتا، اعني: زرارة ومحمد بن مسلم ومنهم ليث المرادي وبريد العجلي، هؤلاء القوامون بالقسط، هؤلاء القوامون بالصدق، هؤلاء السابقون اولئك المقربون‏»(16).
7 عن عبد اللّه بن ابي يعفور قال: قلت لابي عبد اللّه عليه السلام: انه ليس كل ساعة القاك ولا يمكن القدوم، ويجي‏ء الرجل من ‏اصحابنا فيسالني وليس عندي كل ما يسالني عنه، فقال: «فما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي!فانه قد سمع من ابي ‏وكان عنده وجيها»(17).
ولكن ورد في مقابل هذه الاخبار، روايات في ذمه، وقد اجاب عنها المحققون وناقشوا في طرقها.
قال الامام الخوئي(قدس سره): «ولو صحت اسانيد هذه الروايات لم يعتد بها في قبال الروايات المستفيضة المتقدمة، وقد اسبقنا في ترجمة زرارة مادل من الروايات ان المعصوم سلام اللّه عليه ربما كان يصدر منه ذم اصحابه حفظا لهم‏»(18).
مدحه:
لقد اجمع الرجاليون وائمة الفقه والحديث على مدحه واطرائه وتوثيقه بما يعرب عن منزلته وفضله العظيم. واليك‏ بعض كلماتهم فيه: قال عبد الرحمان بن الحجاج وحماد بن عثمان وهما من معاصريه : ما كان احد من الشيعة افقه من محمد بن‏ مسلم(19).
وقال النجاشي: محمد بن مسلم بن رباح ابو جعفر الاوقص الطحان مولى ثقيف وجه اصحابنا بالكوفة، فقيه ورع،صحب ابا جعفر وابا عبد اللّه عليه السلام وروى عنهما وكان من اوثق
الناس(20).
وعده الشيخ الكشي ممن اجتمعت العصابة على تصديقهم من الاولين من اصحاب ابي جعفر وابي عبد اللّه عليه السلام الذين‏ انقادوا لهم بالفقه، بل هم افقه الاولين(21).
واشاد الشيخ المفيد معلم الامة بدوره عادا له من الفقهاء والاعلام الرؤساء الماخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والاحكام الذين لا يطعن عليهم ولا طريق الى ذم واحد منهم. (22)
وعده البرقي (تارة) في اصحاب الباقر عليه السلام قائلا: محمد بن مسلم الثقفي الطائفي و (اخرى) من اصحاب الصادق عليه السلام قائلا: ابو محمد محمد بن مسلم بن رياح ثم الثقفي الطائفي، ثم انتقل الى الكوفة، عربي، والعامة تروي عنه وكان منا،وانس الراوي يروي عنه(23).
وعده الشيخ الطوسي تارة في اصحاب الباقر عليه السلام واخرى في اصحاب الصادق عليه السلام قائلا: محمد بن مسلم بن رباح (رياح)الثقفي ابو جعفر الطحان الاعور اسند عنه، قصير حداج، و روى عنهما واروى الناس منه: العلاء بن رزين القلاء، مات‏ سنة خمسين ومئة وله نحو سبعين سنة. وثالثة من اصحاب الكاظم عليه السلام قائلا: محمد بن مسلم الطحان لقي ابا عبداللّه عليه السلام(24).
سيرته الذاتية:
تميزت شخصية مترجمنا رضوان اللّه عليه بسجايا كريمة وخصال رفيعة، كما هو شان العظماء الذين تجتمع فيهم ‏خصال الخير فتكون ذواتهم معدنا للنبل وسيرتهم مثال يحتذى، سيما اذا اقترنت تلك الخصال بالعلم والفقاهة. وفيما يلي اشارة الى بعض مزايا شخصية فقيهنا المترجم في حدود ما بايدينا من معلومات في هذا المجال.



الهوامش:
(1) قال احمد بن محمد البرقي: ابو محمد محمد بن مسلم بن رياح، ثم الثقفي الطائفي، ثم انتقل الى الكوفة. انظر: معجم رجال الحديث 17:248.

(2) بحار الانوار 42: 252.

(3) المصدر السابق 95: 5.

(4) تهذيب الاحكام 7: 3، ح 8.


(5) معجم رجال الحديث 18: 191.

(6) رجال النجاشي: 298.

(7) المصدر السابق: 357.

(8) بحار الانوار 101: 120، ح 9.

(9) معجم رجال الحديث 17: 254.

(10) رجال الكشي: 152، الرقم 68.

(11) المصدر السابق: 123، الرقم 62.

(12) المصدر السابق: 125.

(13) الواقعة: 10 11.

(14) رجال الكشي: 124، الرقم 62.

(15) المصدر السابق: 125.

(16) المصدر السابق: 207، الرقم: 115.

(17) المصدر السابق: 145، الرقم: 67.

(18) معجم رجال الحديث 17: 255.

(19) رجال الكشي: 149، الرقم: 67.

(20) رجال النجاشي: 323، الرقم: 882.


(21) رجال الكشي: 206.


(22) نقلا عن معجم رجال الحديث 17: 248.

(23) معجم رجال الحديث 17: 248.

(24) رجال الطوسي: 135، 300، 358.