المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : واقعة الحرة



baraa00
30-11-2009, 04:41 PM
واقعة الحرة
مقدمة:
لقد حكم يزيد بن معاوية ثلاث سنين، وخلال هذه المدّة ارتكب الكثير من الجرائم، ففي السنة الأُولى قتل الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه في كربلاء، وفي السنة الثانية أباح المدينة المنوّرة لجيش مسلم بن عقبة، حيث قتل فيها أولاد المهاجرين والأنصار، وأكثر فيها السفك والهتك، وفي السنة الثالثة أمر برمي الكعبة المشرّفة بالمنجنيق حتّى احترقت أستار الكعبة.
مكان الواقعة:
الحرّة منطقة من مناطق المدينة المنوّرة، حصلت فيها المعركة بين جيش مسلم بن عقبة والثائرين على ظلم يزيد بن معاوية.
تاريخ الواقعة:
13 محرّم 63 هـ.
وفد إلى يزيد بن معاوية:
على أثر الأخبار التي وردت إلى المدينة المنوّرة، والتي تتحدّث عن استهانة يزيد بالإسلام والمسلمين، ذهب وفد من أهل المدينة برئاسة عبد الله بن حنظلة الأنصاري ـ يعرف أبوه بغسيل الملائكة ـ إلى مقر الحكومة في الشام، واطلعوا على أعمال يزيد عن قرب، ورأوا بأعينهم ما يقوم به من هتك لحرمة الإسلام والمسلمين.
رجوع الوفد إلى المدينة:
عاد الوفد إلى المدينة المنوّرة، ونقلوا لأهلها ما شاهدوه في الشام، وأخذوا يحثّون الناس على الثورة والتمرّد على يزيد، فوقف عبد الله بن حنظلة ـ كان شريفاً فاضلاً عابداً ـ أمام أهل المدينة وخاطبهم: (فوالله ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء، إنّه رجل ينكح الأُمّهات والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة) (1).
محاصرة المدينة:
اجتمع الثوّار وقرّروا محاصرة والي المدينة الأموي ـ عثمان بن محمّد بن أبي سفيان ـ، وكذلك دور آل أُمية الذين استنجدوا بالإمام زين العابدين (عليه السلام)، ووضعوا نساءهم وأطفالهم في بيته لحمايتهم من الأذى، ففتح الإمام (عليه السلام) لهم بيته وآواهم.
إرسال الجيش الأُموي:
وصلت أخبار الثورة في المدينة إلى مسامع يزيد، فأرسل جيشاً بقيادة مسلم بن عقبة المزني لإخماد الثورة، ومعه ثلاثين ألف مقاتل، وأوصاه بما يلي: (ادعُ القوم ثلاثاً، فإن أجابوك وإلاّ فقاتلهم، فإذا أظهرت عليهم فأبحها ـ أي مدينة المنوّرة ـ ثلاثاً، فما فيها من مال أو رقة أو سلاح أو طعام فهو للجند) (2).
وصول الجيش الأُموي:
وصل الجيش إلى المدينة المنوّرة، ودار قتال عنيف بين الثوّار المدافعين عن الإسلام، وبين الجيش الأُموي، فاستشهد أغلب المدافعين، ومنهم القائد عبد الله بن حنظلة، وطبقاً لأوامر يزيد أمر مسلم بن عقبة جنوده باستباحة المدينة المنوّرة، فهجموا على بيوت الناس الآمنين، وقاموا بقتل الأطفال والنساء والشيوخ، وأسروا آخرين.
نتائج الواقعة:
كانت النتائج النهائية لهذه الواقعة المأساوية كما يلي:
أوّلاً: إبادة من حضر من البدريين بالكامل.
ثانياً: أبيد من قريش ومن الأنصار سبعمائة رجلاً.
ثالثاً: أبيد من الموالي والعرب عشرة آلاف.
فضائح الجيش الأُموي:
روى المؤرّخون في الفضائح التي قام بها جيش مسلم بن عقبة الشيء الكثير، منها: أنّ جنوده وقعوا على النساء، حتّى قيل: إنّه حملت ألف امرأة في تلك الأيّام، وعن هشام بن حسّان: ولدت ألف امرأة من أهل المدينة من غير زوج (3).
وقال أبو معشر: دخل رجل من أهل الشام على امرأة نفساء من نساء الأنصار، ومعها صبي، فقال لها: هل من مال؟ قالت: لا والله، ما تركوا لي شيئاً، فقال: والله لتخرجن إليّ شيئاً أو لأقتلنّك وصبيّك هذا.
فقالت له: ويحك إنه ولد ابن أبي كبشة الأنصاري صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولقد بايعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) معه يوم بيعة الشجرة على أن لا أزني، ولا أسرق، ولا أقتل ولدي، ولا آتي ببهتان افتريه، فما أتيت شيئاً، فاتق الله. ثمّ قالت لابنها: يا بني، والله لو كان عندي شيء لافتديتك به.
قال: فأخذ برجل الصبي، والثدي في فمه، فجذبه من حجرها، فضرب به الحائط، فانتثر دماغه في الأرض، قال: ولم يخرج من البيت حتّى أسود وجهه، وصار مثلاً (4).
البيعة للطاغية يزيد:
ودعا مسلم الناس إلى البيعة ليزيد على أنّهم خول له، يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء، فمن امتنع من ذلك قتله، وطلب الأمان ليزيد بن عبد الله بن ربيعة بن الأسود، ولمحمّد بن أبي الجهم بن حذيفة، ولمعقل بن سنان الأشجعي، فأتي بهم بعد الوقعة بيوم، فقال: بايعوا على الشرط. فقال القرشيان: نبايعك على كتاب الله وسنّة رسوله، فضرب أعناقهما. فقال مروان: سبحان الله ! أتقتل رجلين من قريش أتيا بأمان؟ فطعن بخاصرته بالقضيب، فقال: وأنت والله لو قلت بمقالتهما لقتلتك! (5).
وعندما جيء إليه بالإمام زين العابدين (عليه السلام) لم يطلب منه البيعة، بناءً على وصية كان قد أوصاه بها يزيد بن معاوية، الذي يبدو أنّه لم يرد أن يجدّد الوقائع الأليمة، التي ظلّت في أذهان المسلمين عمّا أوقعه بآل البيت (عليهم السلام) في كربلاء من القتل والأسر.
وصيّة النبي (صلى الله عليه وآله) بأهل المدينة:
خرج جيش مسلم بن عقبة من المدينة المنوّرة محمّل بالغنائم، بعد أن اعتدى على أعراض النساء، متّجهاً نحو مكّة، ضارباً عرض الجدار وصية النبي (صلى الله عليه وآله) بمدينته الحبيبة، حيث قال: (مَن أخاف أهل المدينة ظلماً أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً) (6).

اعتراف ابن كثير بخطأ يزيد:
قال ابن كثير في البداية والنهاية: (وقد أخطأ يزيد خطأً فاحشاً في قوله لمسلم بن عقبة أن يبيح المدينة ثلاثة أيّام، وهذا خطأ كبير فاحش، مع ما انضم إلى ذلك من قتل خلق من الصحابة وأبنائهم، وقد تقدّم أنّه قتل الحسين وأصحابه على يدي عبيد الله بن زياد.
وقد وقع في هذه الثلاثة أيّام من المفاسد العظيمة في المدينة النبوية ما لا يحد ولا يوصف، ممّا لا يعلمه إلاّ الله عزّ وجل، وقد أراد بإرسال مسلم بن عقبة توطيد سلطانه وملكه، ودوام أيّامه من غير منازع، فعاقبه الله بنقيض قصده، وحال بينه وبين ما يشتهيه، فقصمه الله قاصم الجبابرة، وأخذه أخذ عزيز مقتدر) (7).
ــالمصادرــــــــــ
1ـ تاريخ مدينة دمشق 27/429.
2ـ تاريخ الطبري 4/372.
3ـ عمدة القاري 17/220، البداية والنهاية 8/241.
4ـ الإمامة والسياسة 1/184.
5ـ الكامل في التاريخ 4/118.
6ـ مسند أحمد 4/55، المعجم الكبير 7/143.
7ـ البداية والنهاية 8/243.
بقلم : محمد أمين نجف