المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عصرنا بين الزهد والنزعة الدنيويّة



سيدضرغام ابوزهراء
26-08-2013, 08:25 PM
روي عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام فيما ناجى الله عزّ وجلّ به موسى عليه السلام: "يا موسى، لا تركَنْ إلى الدّنيا ركونَ الظّالمين، وركون من اتّخذها أباً وأمّاً. يا موسى، لو وكَلتك إلى نفسك لتنظر لها، إذاً لغلب عليك حبّ الدّنيا وزهرتها. يا موسى، نافس في الخير أهله واستبقهم إليه، فإنّ الخير كاسمه، واترك من الدّنيا ما بك الغنى عنه، ولا تنظر عينك إلى كلّ مفتون بها وموكل إلى نفسه، واعلم أنّ كلّ فتنة بدؤها حبّ الدّنيا. ولا تغبط أحداً بكثرة المال، فإنّ مع كثرة المال تكثر الذنوب لواجب الحقوق، ولا تغبطنّ أحداً برضى النّاس عنه حتى تعلم أنّ الله راضٍ عنه، ولا تغبطنّ مخلوقاً بطاعة النّاس له، فإنّ طاعة النّاس له واتّباعهم إيّاه على غير الحقّ هلاك له ولمن اتّبعه"1.

(عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام فيما ناجى الله عزَّ وجلَّ به موسى عليه السلام) من المسلَّم الواضح أنَّ الباري عزّ وجلّ بصدد بيان أسمى الحقائق والحِكَم لنبيّه العظيم الشّأن، لذلك عبّر في الحديث بلفظ "ناجى"، ولم يقل أوحى، فلعلّ التعبير بلفظ ناجى قرينة على أنّ الله تعالى شاء أن يطرح موضوعاً هامّاً جدّاً لموسى عليه السلام عن طريق الحوار بالمناجاة.

"يا موسى، لا تركن إلى الدّنيا ركون الظالمين"
ويُراد بالركون الميل القلبيّ والوثوق النفسي، وإن أردنا نقلها إلى لغتنا المعاصرة يمكن التعبير عنها بالتعلّق القلبيّ، فيكون المراد: "لا تُعلِّق قلبك بالدّنيا كما تَعلَّق بها الظالمون"، أي إنَّه لولا التعلُّق بالدّنيا لما صدر عن الإنسان ظلم، ولما آذى الإنسانُ عبادَ الله، فالظّلم هو ذروة التعلُّق بالدّنيا والرّغبة فيها.

"ركون من اتّخذها أباً وأمّا"
يعني أن يصبح كلّ تفكيره منحصراً بالدّنيا، فلا يفكّر بشيء غيرها، ولا يُظهر رغبةً أو ميلاً إلاّ لها، فتصبح شغله الشّاغل، كالطّفل الذي يلجأ إلى أبيه وأمّه، ويتعلّق بهما، ولا يفكّر بأحد غيرهما.

"يا موسى، لو وَكَلتُك إلى نفسك لتَنظُر لها، إذاً لغلب عليك حبّ الدّنيا وزهرتها"
فقوله "لتنظر لها" يختلف عن القول "لتنظر إليها"، لأنّ النّظر إلى الدّنيا ليس مذموماً، إنّما المذموم هو"النّظر للدّنيا"، أيّ التفكير والانشغال بها.

وهنا أشير إلى نقطة، وهي: إنّ المراد بالدّنيا في هذا الحديث والأحاديث المشابهة له، ليس الأرض وما يتعلّق بها، ولا إعمارها أو الانشغال بأمور النّاس، وأمثال هذه الأعمال، إنّما المقصود هو المظاهر الدّنيويّة (كالمال، والجاه، والمنصب) التي يريدها الإنسان لنفسه. لذلك فإنّ النعم الإلهيّة كلّها الموجودة على وجه الأرض، والطيّبات والحلي واللذائذ، التي تصبو إليها النّفس الإنسانية وتريدها لذاتها، يعبّر عنها في الروايات والأحاديث بـ (الدّنيا)، وهي مذمومة.

ومن الواضح أنّه كلّما ازداد تفكير الإنسان بالدّنيا وانشغل بها، ازداد رغبةً بها، وشوقاً إليها. وكلّما أعرضَ عنها، خرج حبُّ الدّنيا من قلبه بشكل تدريجيّ. وليس المقصود من هذه الرّواية وأمثالها أن يقعد الإنسان عن العمل والجدّ ويقبع في زاوية بيته - كما تصوَّر بعض الناس هذا المعنى المغلوط لسنوات، وبعضهم لقرون متمادية - فانتهجوا نهجاً خاطئاً، مختارين العزلة والانزواء بعيداً عن صخب الحياة وميادين العمل والجدّ والاجتهاد، ناسبين هذا اللّون الخاطئ من الفهم إلى الإسلام. وعليه، فليس المراد بالدنيا هذا الاستنباط الخاطئ.

"يا موسى، نَافِسْ في الخير أهله واستَبِقهُم إليه، فإنّ الخير كاسمه"
المنافسة هي الرّغبة الممزوجة بالتّسابق التي تظهر في الإنسان بإزاء عمل ما. والمقصود من أنّ الخير كاسمه هو أنّ معاني الخير ومصاديقه كاسمه جميلة ومحمودة. ويبدو أنّ المراد من الخير هو تلك الأعمال الحسنة ذات الطّابع العامّ، من قبيل الإحسان إلى المؤمنين، ومساعدة الإخوان، والاتّحاد والتّعاون، وعبادة الله تعالى، والزُّهد في الدّنيا وغير ذلك من الصّفات الحميدة.

كما أنّ للفظة "خير" معنى أفعل التّفضيل أيضاً، وهي دلالة على الأفضل، وبذلك يكون معنى الحديث: أنّ أفعال الخير كاسمه أفضل من أيّ شيء آخر. فأعمال الخير التي يقوم بها الإنسان أفضل من كلّ ما يخطر بالذّهن، فعيادة المريض، الإحسان إلى الأخ المؤمن، التّعاون، طلب العلم، الإعراض عن الدّنيا وزخارفها، الجهاد في سبيل الله وعبادته عزّ وجلّ، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، كلّ هذه الأعمال هي أعمال خير، وهي أفضَل من أيّ شيء آخر يمكن أن يخطر على بال الإنسان من قبيل المال والأبناء والجاه و المنصب، وما شابه ذلك من أمور مادّيّة ودنيويّة.

وقد أورد المرحوم العلاّمة "المجلسي" في شرحه لهذا الحديث، في كتاب "تحف العقول" عدّة احتمالات، أحدها المعنى الذي أشرنا إليه، وهناك مجموعة من الاحتمالات، يظهر أنّ هذا الاحتمال هو المتيقّن منها.

"واترك من الدّنيا ما بك الغنى عنه"
أي اترك كلّ ما لا تحتاجه من الأمور الدنيويّة، أو إنّه ليس من احتياجاتك، وهو زائد عليها.

"ولا تنظر عينك إلى كلّ مفتون بها"
هنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذه العبارة يمكن قراءتها بأكثر من طريقة: "ولا تَنظُر عَينُك"، والعين هنا فاعلٌ للفعل (تنظر)، فيكون المقصود بذلك: امنع عينك من أن تنظر وترى. أو "ولا تُنظِر عَينَك"، فيكون المقصود لا تُرِ عينك ولا تَعرِض عليها، أو "لا تَنظر عَينَك"، فتكون كلمة (عينك) منصوبةً بنزع الخافض، أي: لا تنظر بعينِك، أو "لا تنظّر عينك"، أي: لا تعرض لعينك.

"وموكل إلى نفسه"
وهو الذي سُلب الحماية والتّوفيق الإلهيّين.

"واعلم أنّ كلّ فتنة بدؤها حبّ الدّنيا"
أي إنّ منشأ الفتن هو حبّ الدّنيا، وواقع الحال كذلك. فإذا نظرنا إلى الدّنيا، وعلى امتداد التّاريخ، نرى أنّ منشأَ وأساس الفتن والانحرافات والخلط بين الحقّ والباطل، كان مردُّه إلى حبّ الدّنيا. وهناك الكثيرون ممّن أثاروا الفتن، وافتعلوا العديد من المشاكل لأجل حبّ الدّنيا والمقام والجاه، وحبّ الأهل والرّفاق. والواقع أنّ هذا الأمر من الحِكَم العجيبة، لأنّه لو نظرت إلى أيّ مكان من الدّنيا لرأيت أنّ واقع الحال كذلك.

"ولا تغبط أحداً بكثرة المال"
وهذا من موارد الابتلاء الموجودة في مجتمعنا، والتي نلمسها بنسب متفاوتة في حياة بعض الأفراد ضعاف النّفوس، الذين يغبطون النّاس على القصور المنيفة، والرّفاهيَة الزّائدة، والسّيارات الكثيرة...

"فإنّ مع كثرة المال تكثر الذّنوب لواجب الحقوق"
أي عندما تكثُر أموال المرء تكثر الحقوق الواجبة عليه، ممّا يؤدي إلى كثرة الذّنوب. ومن المعلوم أنّ الحقوق والواجبات إذا كثرت فإنّ الإنسان يعجز عن تأديتها، وإلاّ لو كان قادراً لمَا ترتّب عليه ذنب من الذّنوب. هذا إن كان المال قد اكتُسب من الحلال، لأنّه إن كان من الحرام فسيكون الأمر أسوأ. ويُحتمل أن يكون المراد هنا إشارة الحديث إلى خصوص كثرة المال عن طريق الحرام، أي إنّ الإنسان عندما يحصل على المال عن طريق الحرام، فلا بدّ أنّه قد ضيَّع حقوقاً كثيرة حتّى أمكنه جمع الكثير من المال.

"ولا تغبطنَّ أحداً برضى النّاس عنه حتّى تعلم أنّ الله راضٍ عنه"
فإذا رأيت النّاس قد اجتمعوا حول شخصٍ ما، وأخذوا يهتفون له ويتقرّبون إليه، فلا تغبطه ما دُمت لا تدري هل الله راضٍ عنه أم لا، فما يُدريك لعلَّ في باطنه - لا سمح الله - خللاً أو فساداً أو عيباً يسلبه رضى الله عزّ وجلّ؟ وحينئذٍ ما نفع رضى النّاس عنه؟! وفي الواقع، ما فائدة رضا النّاس حتّى لو كان حقيقيّاً؟!

"ولا تغبطنّ مخلوقاً بطاعة النّاس له"
فلو رأيت النّاس يطيعون شخصاً ويقبلون أوامره وتوجيهاته، هنا أيضاً لا تغبطه، فليس هذا مَحلاً للغبطة.

"فإنّ طاعة النّاس له واتّباعهم إيّاه على غير الحقّ هلاك له ولمن اتبّعه"
نسأل الله تعالى بحرمة المعصومين عليهم السلام أنّ يصوننا من أن نكون من التّابعين أو المتبوعين على غير الحقّ، وأنْ لا يبتلينا بهذا الأمر.

عصرنا عصر الدعوة إلى الزهد:

لنفترض أنّه ليس لهذه الرّواية سندٌ أصلاً، إلا أنّها بلا شكّ تتضمّن حِكَماً عالية تهدينا سبيل الرّشاد، فهي عبارة عن قانون ونظام للمعارف الإلهيّة والإسلاميّة، فمن المناسب التمسّك بها.

والسبب في اختياري لهذه الرّواية بالذّات، هو أنّ مجتمعنا اليوم يمرّ في ظروف تحتّم علينا التعرّض بالبيان لروايات الزُّهد. فقد ورد في نهج البلاغة الكثير من الخطب والرّوايات الخاصّة بالزُّهد. لكن هذا لا يدلّ على أنّ الزُّهد أعلى تكاليف الإنسان. ففي بعض الأحيان نلاحظ أنّ مرتبة الزُّهد هي الأعلى، وفي مواضع أخرى تكون مرتبة العبادة أو الجهاد أو طلب العلم هي الأعلى.

فظروف الزمان هي التي تحدّد لنا متى يكون الزُّهد أفضلَ وأعلى درجة من غيره من الواجبات. وباعتقادي فإنّ هذا العصر هو الزّمان الذي يجب فيه دعوة النّاس والمجتمع إلى الزُّهد، لأنّ المجتمع يسير باتّجاه جمع المال. والثّروة في البلاد هي في ازدياد، بحيثُ لو وُجد في مكان ما أناس من أهل الدّنيا، فإنّ بمقدورهم أن يجمعوا الثّروات وينفقوها بطرق مختلفة و(على غير حلِّها). ولو فرضنا أنّهم انهمكوا في جمع المال والثّروة عن طريق الحلال، فسيُفتنون بالدّنيا وتسوء عاقبتهم، خاصّةً في الحوزات العلميّة والمجالات التي يشغلها ويعيش فيها المعمّمون وعلماء الدّين وطلبة العلوم الدّينيّة2.

المسؤول قدوة الناس في الزهد:

الحكومة الإسلاميّة لها معنىً خاصّ. وهي ليست حكومة دنيويّة. وهي غير الحكومة الطاغوتيّة. هي ليست حكومة التسلّط على النّاس، والعيش لاغتنام الوصوليّين والمقتدرين فرص الشهوات. الحكومة الإسلاميّة تعني أن يعمل مسؤولوها للإسلام ولله، وليس للنّفس وميولها.

علينا أن نكون في خدمة النّاس، لا على سبيل المجاملة، بل بما تعنيه هذه الكلمة حقيقةً وواقعاً. علينا، وفي أيّ مستوى كنّا، أن نُبعِد تماماً مفهوم (بما أنّه يمكننا الاستفادة من الإمكانات الموجودة في تصرّفنا لتأمين احتياجاتنا وهَوَسنا الشّخصيّ، فعلينا القيام بذلك). على مسؤولي الدّولة أن يكونوا نموذجاً للزّهد بالنّسبة للآخرين بالمعنى الحقيقيّ للكلمة، أي عدم الرّغبة بزخارف الدّنيا، وحدّ ذلك هو حدّ الورع.

... أعينوني بورعٍ واجتهاد:

يشير أمير المؤمنين عليه السلام في رسالته المعروفة إلى "عثمان بن حنيف"، عامله على البصرة - بعد الحديث عن إسراع عثمان إلى الوليمة التي دُعِي إليها - إلى أسلوب حياته الشّريفة، فيقول: "أَلاَ وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْه"3، ثمّ يضيف: "أَلاَ وَإِنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ عَلَى ذلِكَ".

كيف لنا - أنا وأنتم - أن يخطر ببالنا أنّه يمكننا الوصول إلى ذلك المقام الشّامخ؟ هل الأمر بسيط؟ الموضوع ليس في رفع المسؤوليّة عن أنفسن، ما دمنا نستطيع فعلينا العمل، لا أن نُوجد لأنفسنا المبرّرات، لأنّ طريقة الحياة هذه لا يمكن تصنُّعها، إنّما تعتمد على روح فولاذيّة، تلك الرّوح الموجودة في أمير المؤمنين عليه السلام.

ثمّ يُضيف عليه السلام: "وَلكِنْ أَعِينُوني بِوَرَعٍ وَاجْتِهَاد"، فعليكم بالورع قدر المستطاع، اسعوا في هذا الطّريق، فإن لم يكن ذلك ميسَّراً لكم، فليكن بالحدّ الذي تقدرون عليه.

عندما نقرّر ذلك ونُطلق الشّعارات، ونقول: إنّ مجتمعنا يجب عليه الابتعاد عن النّزعة الاستهلاكيّة، والانعتاق من المفاهيم التي يروِّج لها الغرب في ثقافاته، فإنّ هذا الأمر يتوقّف على عملنا، فنحن من يجب علينا تعليم النّاس، لأنّه هل يمكننا التوقّع من النّاس الابتعاد عن الكماليّات، وفي الوقت عينه نغرق في أشكال مختلفة من الكماليّات والتشريفات والزّخرفات الدّنيويّة؟! عندما نُطلق الشّعارات في أماكن أخرى، علينا العمل بها4.

الابتعاد عن النزعة الأرستقراطيّة:

أيّها الإخوة، يدعونا أمير المؤمنين عليه السلام إلى تسيير حياتنا باتّجاه الزُّهد.
في هذا العصر، إن أحسسنا أنّ الحياة تتّجه نحو النّزعة الأرستقراطيّة، فبالتّأكيد هو انحراف غير قابل للعودة عنه. علينا التّحرّك إذاً نحو الزُّهد، ولا نعني بذلك الزُّهد المتعلّق بأولياء الله، كلاّ، فمسؤولو الدّرجة الأولى ومسؤولو الدرجة الثّانية، إلى أولئك المسؤولين في الدّرجات الأخرى، عليهم جميعاً أن يتحرّكوا نحو الزُّهد، كُلٌّ بقدره، حتى نصل إلى عامّة الشّعب. عليهم أيضاً ألاّ يُسرفوا ويَنساقُوا نحو التَّرَف والأُبّهة، فالزُّهد ليس محصوراً بالمسؤولين، فما نراه من المهور العالية التي يضعونها لزواج بناتهم أمرٌ خاطئ، لا نقول هو حرامٌ، ولكنّها ظاهرة سيّئة وقبيحة في المجتمع، لأنّها تضع القيم الإنسانية في دائرة قيمة الذّهب والأموال، ففي المجتمع الإسلامي القضيّة ليست كذلك.

المسألة هي أنّ هذا التّصرّف ليس صحيحاً، ولا ينمّ عن عقلانية، وهو خلاف العقل والحكمة السّليمة. فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم زوَّج ابنته بمهرٍ قدره خمس وعشرون أوقية فضّة، بالمثقال المتعارف في ذلك الزمان، وكذلك فعل أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم السلام.

الانحراف عن الدور الأساس خيانة:

إنّ مظاهر حياة الزّخرفة هذه، وازدياد ظواهر التَّرَف في الحياة الشّخصيّة، كلها أمورٌ خاطئة. أحياناً يكون من الضّروريّ إنشاء السّاحات وشقّ الطّرقات بشكلٍ جميلٍ وجيّد، وهذا ليس محلّ بحثنا، إنّما المقصود ما يتعلّق بأشخاصنا أنا وأنتم5.

إنّ المسؤولين مكلّفون بأداء وظائفهم، وكلّ من ينحرف عن أداء دوره الأساس، ويُشغِل نفسه ويتلهّى بأدوارٍ أخرى، يخون الأمانة، وسيكون مورداً للّعنة الأبديّة.

نحن المسؤولون، علينا إحياء الرّوح الإسلاميّة في داخلنا، والابتعاد عن روح النّزعة الأرستقراطيّة، والانعتاق من الاستفادة الشّخصيّة، ومن السّعي وراء المصالح الشّخصيّة وطلب الثّروات والكماليّات، وما شابهها. وإن وجدنا أنّ بعض مشاكلنا لا تُحلّ، فالسّبب هو هذا، وهو ما يجب علينا إصلاحه6.

آثار الذنوب:

انظروا إلى الذّنوب والمعاصي المتنوّعة التي يقترفها الإنسان، وإلى الأعمال النّاجمة عن الانسياق وراء الشّهوات وحبّ الدّنيا والطمع فيها، والحرص على مالها، والتّعلّق بمناصبها، وبُخل المرء بما يمتلك من إمكانات، إضافة إلى صفات الحسد والغضب. من المؤكّد أنّها تترك في الإنسان أثرين:
أوّلهما: تأثيرٌ معنويّ يُسقِط من الرّوح طهارتها، ويُطفِئ فيها وهج النّور، فيخبو ذلك البعد المعنويّ في الإنسان، وينقطع أمامه سبيل الرّحمة الإلهيّة.

أمّا الأثر الثّاني: فيبَرُز في ساحة النّشاط الاجتماعيّ، حيث تتطلّب حركة الحياة الجدّ والحزم وصلابة الإرادة، هناك تكون الذّنوب لجاماً للإنسان، ويُسقط ما في يده، إذا لم تتوفّر له عناصر أخرى تعوّض هذا الضّعف.

بطبيعة الحال، قد تكون لدى الإنسان، أحياناً، عوامل أخرى تعوّض عن ذلك، كالسّجايا الحسنة والعمل الصّالح، إلاّ إنّها ليست موضع بحثنا، أمّا الذّنب بذاته فهذه آثاره7.

تعظيم العدو نتاج النزعة الدنيويّة:

أصبح الشُّغل الشَّاغل لبعض الأشخاص - وللأسف الشَّديد - تعظيم العدوّ واستصغار نفسه، وترديد مقولة عظمة العدوّ، وتكرار قول: (لا يمكننا)، وهذا يعني أنّنا - كالكثير من الدُّوَل والحكومات - يجب أن نُبتلع من الاستكبار العالميّ، وتُهضم حقوقنا.

هؤلاء مُخطئون، هم ضعفاء وفارغون من الدّاخل، فإمّا أنّهم كانوا كذلك، أو أنّهم أصبحوا فارغين، وملذّات الدّنيا ومتاعها هي ما جعلهم كذلك. النَّزعة الدُّنيويّة جعلتهم بلا قيمة وبلا هويّة، ولذلك فهم يتوهّمون أنّ الجميع مثلهم8.

ولهذا نجد أن بعض من يعمل في ميدان الفكر يتجاوز القانون. ولكن لميدان الفكر والعلم قوانينه التي يجب اتّباعها. فإذا كانت لدى أحدهم شبهةٌ ما حول أحد المباني الفكريّة، فمقتضى القانون أن تُطرح في المراكز التّخصّصيّة والمحافل العلميّة، فإمّا أن يقوم بحلّ هذه الشّبهة وإبعادها عن ذهنه، وإمّا أن يحوّلها إلى نظريّة، ويُقنع بها أهل العلم والنّظر في حال كانت إشكالاً حقيقيّاً. هؤلاء السادة لا يَتَّبِعون هذا القانون، بل بمجرّد أن تَعرُض لهم شبهةٌ يتزلزل إيمانهم، ونتيجة الابتلاءات والشدائد الكثيرة والمتنوّعة، تنخر سوسة الهوى والهوس وطلب الدّعة وحب الدنيا أسس إيمانهم القلبيّ، فيقعون في الشبهة، ثمّ يقومون بنشر الشّبهة بين العامّة، ويسمّونها إعادة نظر، هذه خيانة لأفكار العامّة.

ما معنى إعادة النّظر؟ أحياناً تكون إعادة النّظر بمعنى العودة المستنيرة والمنصفة عن الأخطاء، فهذا الأمر غاية في الحُسن. أمّا إعادة النّظرة السياسيّة الناتجة عن مصالح ضَيّقة ناشئة من تغيُّر الظّروف والأوضاع وتغرير الأعداء، فليست إعادة نظر إنّما هي تفّلت وانحراف مسلكي.

لدينا في الإسلام مبدأ الاجتهاد الدائم، والمقصود منه سعي الإنسان صاحب الرأي لتكميل فكره ونظره.

في مسيرة التّكامل، يقوم الإنسان أحياناً بتصحيح خطئه، هذا أمر صحيح وحسن. وفي مسيرة الفكر الإسلامي، على أهل الرأي والعلماء والذين يملكون قدرة الاجتهاد والاستنباط في المباني الفكريّة والنظريّة للثورة - وليس كلّ من ادّعى ذلك، ولا الذي لم يحُز الكفاءات العلميّة والفكريّة اللاّزمة - التّفكير بشكلٍ دائم، واستكمال هذا الفكر. هذا أمر جيّد.

علينا أن لا نكون من أتباع حزب الرّيح، فنميل معها حيث تميل، أو أن ننظر إلى العدوّ وإلى أي موقف يتخذه، فنطابق مواقفنا معه، فإن عبس نظهر بمظهر الخائف، وإن تكلّم بقَسوة نُبدي له مظاهر الاعتذار، هذا الأمر غير مقبول9.

من نسل عبيدك احسبني ياحسين
27-08-2013, 12:19 PM
السلام عليكم موفق بحق آل محمد

أنصار المذبوح
03-09-2013, 08:58 PM
بارك الله فيك
جـــــــــــــــــــــــــــــ الله خير الجزاء ـــــــــــــــــــــــــــــزاك