المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بقلم : علي الخاقاني صاحب مجلّة (البيان)



من نسل عبيدك احسبني ياحسين
19-09-2013, 09:31 AM
حياة سيدحيدرالحلي رض
أسرته


لا أُغالي إذا قلت أنّ العراق له نصيبه الأوفر في سجّل الأدب العربي من صدر الإسلام حتى يومنا هذا ، كما لا أُغالي أيضاً إذا قلت أنّ مدينة (الحلّة) بلد الشاعر لها النصيب الأوفر من هذا النصيب . ولعلّي في غنىً عن الإدلاء بالبرهان ، غير أنَّ
الصفحة (6)

ما جاء في كتابي (البابليات) الماثل للطبع والذي اقطتفته من كتابي الكبير (أدب العراق في القرون المظلمة) سيكشف عن سرّ هذا القول .
وإذا ما نظرنا مليّاً نجد أنّ مدينة (الحلة) الزاخرة بالأدباء في القرون الثلاثة الماضية قد استطال فيها بيت الشاعر ، واتضحت أسرته وضوحاً غمر تأريخ الأدب في هذه المدينة ، فقد اجتمع لهذا البيت ما لم يجتمع لغيره على الأكثر من أسبابه ، وعوامل أدّت إلى خلوده وانتشار صيته ، كما إنّ شاعرنا استطال من بين هذه الأُسرة واحتلأ أسمى مقامٍ فيها ، فاتفق له ما لم يتفق لغيره في سِيَر الأدباء ، فتراه شاعراً وابن شاعر ، وابن أخي شاعر ، وحفيد شاعر ، وأباً لشاعر ، وعمّاً لشاعر .
أمّا كونه ابن شاعر : فأبوه السيد سليمان الصغير ، شاعر مُجيد ، سجّلنا له شعراً كثيراً في كتابنا ، وهو من الشعر المقبول ، ساجل فيه فريقاً من شعراء عصره .
وأمّا كونه ابن أخي شاعر : فعمّه السيد مهدي السيد داود من أشهر مشاهير شعراء عصره ، وشيخ من شيوخ الأدب في عهده ، وديوانه المخطوط كافٍ لأن يُعرب عن مكانته السامية في صرح الأدب الرفيع .
وأمّا كونه حفيد شاعر : فجدّه السيد سليمان الكبير من مؤسسي دولة الأدب في (الحلّة) ، فقد نزلها في سنة 1175هـ وامتزج بأعلامها ، وساجل الأفذاذ منهم ، كالنحويين والشيخ أحمد بن حمد الله ، والشيخ درويش بن علي الفقيه ، ومحمد بن إسماعيل الشهير بابن الخلفة .
وأمّا كونه والد شاعر : فابنه السيد حسين شاعر أديب ، اشترك في رثاء أبيه ، وساجل الأدباء من أخدانه ، ونال مكانة مقبولة بين إخوانه الأدباء .
وأمّا كونه عمّ شاعر : فابن أخيه الشاعر المفلق السيد عبد المطلب الحليّ الذي شارك في بعث النهضة الأدبية ، وديوانه حافل بالقصائد الوطنية ومحاربة الاستعمار
الصفحة (7)

الانكليزي بصرامة وقوّة وعقيدة .
فهذه المصادفات لم تتفق إلاّ لأفراد يعدّون بالأصابع في تأريخ الأدب العربي ، وأُسرته من أنبه الأُسر الحليّة ، وأعرفها في المجد والسؤدد ، والعلم والأدب ، وقد انتشرت في كافة ربوع العراق ما بلغ عددها الآلاف ، ومعظمهم أصبح يتولّى شؤون الزراعة .
نسبه

هو أبو الحسين : حيدر بن سليمان بن داود بن سليمان بن داود بن حيدر بن أحمد بن محمود بن شهاب بن علي بن محمد بن عبد الله بن أبي القاسم بن أبي البركات ابن القاسم بن علي بن شكر بن محمد بن أبي محمد الحسن (الحسين) الأسمر ابن شمس الدين النقيب ابن أبي عبد الله أحمد بن أبي الحسين (الحسن) علي بن أبي طالب محمد بن أبي علي عمر الشريف ابن يحيى بن أبي عبد الله الحسين النسّابة ابن أحمد المحدّث ابن أبي علي عمر بن يحيي بن الحسين ذي الدمعة ابن زيد الشهيد ابن الإمام زين العابدين علي ابن الإمام الحسين السبط ابن الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ، صريحة يُعرب وعنوانها ، وفخر عدنان ومجدها ، وما أجدره بمصداق قول أبي تمام الطائي :
نسبٌ كأنَّ عليهِ من شمسِ الضحى نورٌ ومن فلقِ الصباحِ عمودا

كما هو مصداق قوله (رحمه الله) :
نسبٌ عقدنَ أصوله بذوائبِ العلياءِ فروعه

الصفحة (8)

ولادته ونشأته

ولد المترجم له في الحلّة 15 شعبان من عام 1246 هـ‍ ، ونشأ بها يتيماً ؛ فقد مات أبوه وهو طفل صغير ، فتولّى تربيته عمّه السيد مهدي السيد داود على أرقى الأساليب التربوية إذ ذاك ، وتعهّده كما يتعهّد أحد أولاده ، فقد شمله برعاية وعناية ، وقرّبه منه وجعله ثالث ولديه في الميراث ، وترى أثر هذا العطف يبدو عليه في الحزن الذي شمله ، والذي أعرب عنه في رثائه لعمّه هذا بقوله :
أضبا الردى أنصلتي وهاكَ وريدي ذهبَ الزمانُ بعدّتي وعديدي

ممّا ستقرؤها في المجلّد الثاني من هذا الديوان ، فقد سار على النهج الذي رسمه له مَنْ تتبع الفضائل والتحلّي بها ، وانصرف إلى صقل مواهبه التي خلقت منه شاعراً فاق عمّه في كثير من الحلبات الأدبية ، ولا بدع فقد غذّاه عمّه بما وسعه أن يغذّيه من لبان أدبه وعلمه ، وأورثه كثيراً من صفات الرجولة والبطولة .
شعره وشاعريته

لعلّ التحدّث عن شاعرية السيد حيدر في غنى عن البسط والتحليل بالنظر لما عرفه الأدباء وغيرهم ، ولما سمعوه ووعوه من شعره الذي طرق الأسماع وخاصة في الرثاء ، فلقد نال إعجاب الجميع وهيمن على مشاعرهم فامتلكها ، ولقد كنت يوماً في مأتم فتليت قصيدته التي مطلعها :
تركتُ حشاكََ وسلوانها فخلّي حشايَ وأحزانها

برواية جميلة واضحة ، فشاهدت جماعة الأدباء قد سادهم إصغاءٌ وتفكير ، وعند الفراغ سألت الذي عن يميني هل تستطيع أن تعلّل هذه الظاهرة في الوقت الذي
الصفحة (9)

غمر الناس الحزن في هذا اليوم (عاشر المحرَّم) ؟
أجابني : وكيف تعجب وشعر السيد حيدر يأخذ بالأديب فيحلّق به إلى أجواء واسعة من الفن والخيال ، كما يشغل التفكير برصفه وحسن انسجامه ، وبليغ قوله ومليح نكته ؟! وكيف تعجب والسيد حيدر أمير شعراء الرثاء الذين خلدوا مع واقعة الطفّ خلوداً لا يطرأ عليه التلاشي ولا النسيان ؟!
حقاً إنّ السيد حيدر شاعر مجلسيّ في كافة الحلبات ؛ فقد كان يشعر بالزعامة الأدبية رغم منافسة أعلامِ الشعر في النجف له وملاكمتهم إيّاه .
ولعلّ القصّة التي ذُكرت غير مرّة وهي : عندما رثى العلاّمة السيد ميرزا جعفر القزويني بقصيدته المعروفة :
قد خططنا للمعالي مضجعا ودفنّا الدينَ والدنيا معا

وسكوت أُدباء النجف عن الاستعادة والاستجادة لها ؛ دفعه أن يثور ثورته التي خاطب بها الأديب الكبير الشيخ محسن الحضري بقوله : (إذا كان في المجلس مَنْ أعتب عليه لصمته وتغافله من أداء حقّ هذه المرثية فهو أنت) ، فلم يبقَ للشيخ الخضري إلاّ أن أجابه بقوله :
ميّزتني بالعتبِ بينَ معاشر سمعوا وما حيٌّ سواي بسامعِ

أخرستني وتقولُ ما لكَ صامتا وأمتّنى وتقولُ ما لكَ لا تعي

ممّا أوجب أن يتضاءل أمامه الأدباء من خصومه ، وينسحبوا عن تعصّبهم ، ويضجّوا بالاستحسان لمرثيته والاستعادة لها ، والإشادة بها .
وما ذلك إلاّ لأنّ السيد حيدر أديب قرأ الكثير من شعر العرب ، وحفظ المجلّدات من أخبارهم ، وتتبّع الفصيح من أقوالهم ، والمأثور من كلامهم ، والبديع من صناعتهم ؛ لذا تراه في شعره فصيح المفردات ، قوي التركيب ، بديع الصنعة ، وقلَّ أن تشاهد شاعراً متأخّراً سلم من المعايب كما وقع له . يصطاد اللفظ الرقيق ويقرنه
الصفحة (10)

بمعنى أرق منه دون أن تجد نبوة أو حشوة ؛ ومن ذلك فقد فات على بعض الأدباء ملاحظاته وأغراضه الشعرية ، والتبس عليهم قصده وما يرمي إليه ، وهاك مثلاً واحداً وهو بيت من مرثيته للإمام أمير المؤمنين علي (عليه السّلام) وهو :
وانقلبَ الإسلامُ للفجرِ بها للحشرِ إعوالاً على مصابه

بينما الصحيح : وانقلب السلام للفجر . فقد فاتهم قصده الذي لاحظه بالإشارة إلى قوله تعالى : (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) من سورة القدر ، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك ببيتين منها بقوله :
لقد أراقوا ليلةَ القدرِ دما دماؤها انصببنَ بانصبابه

وكثير من أمثال هذا تجده في هامش هذا الديوان ، ممّا يتّضح لك عدم الالتفات والخطأ الذي وقع في المطبوع .
ولتفوّق السيد حيدر ونبوغه أسباب وعوامل شحذت ذهنيته وأذاعت صيته ، أهمّها بيئته التي نبغ فيها ، وصراعه العنيف مع الشعراء والعلماء ، ومراثيه لجدّه الحسين (عليه السّلام) ، وتسجيله واقعة الطفّ ؛ فقد كان ينظم فيها بلهجة الأروع الموتور .
وللعامل الأخير أبلغ الأثر فقد دفع بكثير من أعلام عصره أن يفضّله على كثير من الشعراء الذين تقدّموه والذين تأخّروا عنه ، كالسيد الرضي ، ومهيار ، وكشاجم ، والكعبي ، والكوّازين ، والأعسمين ، ولقد سبق أن ذكرت في ترجمتي لشيخ الأدب الشيخ
حمادي نوح الحلّي رأيه وتفضيله لشاعرين : الأوّل : أبو الطيّب المتنبي . والثاني : السيد حيدر الحلّي .
كما حدّثني أحد شيوخ الأدب اليوم الشيخ قاسم الملا الحلّي ما قاله العلاّمة السيد ميرزا صالح القزويني لصاحب الديوان عند سماعه مرثية منه بعض الأعلام : (إنَّ رثاءَك يحبّبُ إلينا الموت)(1) .
وهي كلمة وإن لم تكن مبتكرة ولكنّها شهادة قيّمة تصدر من زعيم ديني وأديب كبير ، وإنّ هيام الأُسر العريقة في العراق وخطبهم لوداده ، واحترامهم له
ــــــــــــــــــــ

1 ـ سبق وأن قال مثل هذه الكلمة عضد الدولة البويهي عند سماعه مرثية أبي الحسن التهامي .

الصفحة (11)

يدلّنا بوضوح على ما له من منزلة كبرى بين أخدانه من الشعراء الذي كثر عددهم في عهده .
ولقد سُمع من العلاّمة الكبير السيد مهدي القزويني أنّه كان يمدحه ويثنى عليه ، ويفضّله على جميع الشعراء من المتقدّمين .
وملاحظة واحدة تبينتها في شعر السيد حيدر هي : توفّر فنّ الإعجاز فيه ، فتراه كلّما كُرّر على السمع ازداد اشتياقاً لسماعه ، وهذه الظاهرة لم يحز عليها شاعر من المتأخرين غيره ، ولعلّي لا أحتاج إلى توضيح ذلك فإنّ ما يلقيه الخطباء على كثرتهم يومياً يخاله المستمع شعراً جديداً .
هذا ، بالإضافة إلى أنّه تفرّد عن معاصريه بتوسّعه وطرقه لفنون الشعر وأنواعه فقد أجاد في كثير منها ؛ وهذا ما دفعني إلى تبويب الديوان رغم الجهد الذي لاقيته والكلفة التي أحاطت بي ، مراعياً كلّ باب على الحروف ، ومعرباً للقارئ عن ميزة هذا الشاعر وتنوّعه في النظم ، ومنفّذاً رغبة القارئ وتذوّقه هذا اللون من النشر .
مراثيه لآل البيت (عليهم السّلام)

إنّ أدب الرثاء عند العرب قبل الإسلام وبعده بقليل كان محدوداً ، وله قالب خاص لا يحيد عنه الشاعر ؛ لضيق دائرة المتوفّى والصفات التي لحقته مهما بلغ الفقيد من العظمة ، حتّى صار أكثر الأدباء يعتقدون من جرّاء ذلك بأنَّ فنّ الرثاء أضيق دائرة من غيره من سائر فنون الشعر ، كالغزل والنسيب ، والمدح والفخر ،
والحماسة والوصف إلى غير ذلك ، ولكنّ فنّ الرثاء بعد (واقعة الطفّ) أخذ يتطوّر بشكل خاص ؛ لما حدث في هذه الواقعة من عوامل وأسباب تتعلّق بصميم الخلافة الإسلامية من جهة ، ومن جهة أُخرى اصطدمت بالشعور الإنساني ؛ لما جرى فيها من فضائع
الصفحة (12)

وأهوال ، وهتك لحرم مصونات ، وقتل لأطفال أبرياء ؛ ممّا أثار كوامن النفوس البشرية على الإطلاق .
ولو تأمّلنا في معرفة الفروق التي حدثت بين أدب الرثاء قبل وقعة الطفّ وبعدها لرجعنا إلى البيت الذي تغنّت به الركبان من كونه أحسن بيت قيل فيه ، وهو قول ليلى بنت طريف ترثي أخاها :
أيا شجرَ الخابور ما لكَ مورقا كأَنّكَ لم تجزعْ على ابنِ طريفِ

ومع ما في هذا البيت من سموّ فإنّه يتضاءل إزاء فنّ الرثاء بعد وقعة الطفّ ، ولو دققنا النظر في معرفة مقياس تطوّره لظهر لنا أنّ أدب الرثاء عند الفراتيين سما إلى أن بلغ الذروة من هذا الفنّ ؛ لما اتّصف به أدباء الفرات من خيال خصب ، وذهن متوقد ، وفكر نيّر ، وشجاعة مشفوعة بعروبة متواصلة حقاً إذا ما بعثت هذه الواقعة هذا الأثر ، فقد تعاقبت الزمر تلوم الزمر يندبون بطلها الإمام الحسين (عليه السّلام) بشتى الأساليب ، وبمختلف اللغات ، وقد عُرف لهذه الواقعة شعراء خلدوا بخلود هذه الواقعة آخرهم صاحب الديوان ، فقد ناح جدّه الإمام الحسين وأولاده الأئمّة من بعده (عليهم السّلام) نوح الثكالى ، وخلّد له في هذا الميدان من القطع التي حازت على الإعجاز الأدبي بكونها تتضوّع كلّما كُرّرت على السمع .
عُرف صاحب الديوان كما تناقلت الرواة أخباره أنّه موتور لم يهدأ في كلّ عام يمرّ عليه دون أن يسجّل فيه مثالب قاتلي جدّه الإمام الحسين (عليه السّلام) ، ومنتهكي حرمته بأنواع من القول تعدّت إلى ما وراء التصوّر .

مهندسة كهرباء
19-09-2013, 06:57 PM
بورررررررركت

من نسل عبيدك احسبني ياحسين
20-09-2013, 07:10 PM
موفقة بحق آل محمد

ابوعلاء العكيلي
20-09-2013, 09:48 PM
احسنت اخي الكريم
جهود رائعة مباركة

من نسل عبيدك احسبني ياحسين
21-09-2013, 12:02 AM
عفوا خادمة صغيرة

أنصار المذبوح
21-09-2013, 01:05 AM
بارك الله فيك
وجزاك الله خيرا على هذا الموضوع

من نسل عبيدك احسبني ياحسين
21-09-2013, 08:55 AM
شكرررررررررررررررررررا