المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بما يُناسب حالتك.. ديوان د. محمد سعد شحاته .. قراءة إنسانية في صفحات الديوان/



علي حسين الخباز
25-01-2014, 08:04 AM
بما يُناسب حالتك.. ديوان د. محمد سعد شحاتهقراءة إنسانية في صفحات الديوان
شهادة مجروحة:
* أعرف أن شهادتي تلك مجروحة بقدر ما، ربما أفلح في تجريد قراءتي عن صلة الدم، ولكن هل أفلح في تجريدها عن صداقتي بصاحب الديوان؟! وهو ما يجعل التجرد هنا يحمل لدى البعض هواجسًا، لكن لا ضير؛ فمن يقرأ مثل هذا الشاعر، لن يعنيه في نهاية القراءة غير تلك الحالة التي تسيطر عليك من المحبة الخالصة والدافئة كلما توغلت في قراءته إنسانيا قبل القراءة الشعرية والنقدية، فهنا أجدها: نقل بلا مواربة لحالة تلبستني حين تعمقت في القراءة الأولى والتي استدعت قراءات ترادفت، وهو ما يجعل المقال مجروحًا من زاوية أخرى هي النقد الأدبي، إذن فقراءتي تلك للديوان "بما يُناسب حالتَك" للشاعر د.محمد سعد شحاته، والصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، ضمن سلسلة "حروف"، والذي يحمل الرقم "17" في تاريخ تلك السلسلة المميزة.
الغلاف والعنوان:
يقع الديوان في 120 ورقة تقريبًا من المقطع المتوسط، ويضم "48" نصًا شعريًا، يتأرجح بين الطول والقصر، حتى أنه يمكنك في بعضها ان تُدخلها في باب "الأبيجراما"، بشكل مطمئن، بينما تطول قصائد أخرى. الغلاف منذ اللحظة الأولى يأخذك تصميمه اللافت بلونه "الطوبي الغامق" أو "درجة من البُني"، ويتصدر الشاعر وهو يحمل طفله في صورة الغلاف، وهي صورة لها دلالة شخصية تبدو واضحة فيما بعد ومن خلال قصائد الديوان، حتى تُدرك منذ اللحظة الأولى أنها تجربة ذاتية للغاية، تخلع من الهمّ الفردي ظلالا على الهمّ الجمعي لتلك الجموع التي جاءت في خلفية صورة الغلاف، وتتسلل إلى القاريء وتضمه، فكأن العنوان "بما يناسبك حالة هؤلاء وأنا منهم"، وهو ما تميز فيه الشاعر كثيرا من خلال استيراتيجة خاصة في المزج بين الأشياء والشخوص والمشاعر خلال الديوان.
الإهداء:
تبدأ قراءة الديوان منذ لحظة رؤيتك للغلاف المميز، وهو الذي يسلمك إلى إهدائين مترادفين، الأول إن شئت اجعله عامًا لكل هؤلاء في الغلاف -بما فيهم الشاعر وطفله- ومن يقرأ، فالديوان مُهدى "إلى صاحبة أجمل فناجين القهوة". وهو هنا إهداء بمذاق شديد الخصوصية لكنه ينخلع على المجموع في كتابات هذا الديوان، إذ كلما عرفت صاحبه -الشاعر- المتذوق لقهوتها، كلما زاد استمتاعك مثله بقهوتها التي ألهمت هكذا روعة فائضة. ثم يأتي الإهداء الآخر مسبوقًا بالتأكيد على عنوان الديوان "بما يُناسب حالتَك!" والمُذيل بعلامة التعجب، والتي تستدعي السؤال حول وضع علامة الترقيم تلك، فإن كانت باعتبارها العربي؛ فربما ذلك يشي للقاريء العربي بالحالة العجيبة من المحبة التي أدهشت الشاعر في رحلته، وأثارت عجبه حتى عن نفسه معها، حين كان بصدد تلك الحالة التي رآها مناسبة تمامًا لها ومميزة بشخصنتها إلى الحد الذي جعلته يصرح مباشرة بأن هذه الحالة ليست إلا الإهداء الآخر "كلام لها.. قصائد إلى "إ".. مع التحية". ولعل التذييل "مع التحية" هو ما رآه الشاعر من استحقاق لهذه التحية التي يقدمها بامتنان بالغ إلى من يهديها تلك الحالة التي رأى نفسه -لحظات كتابتها- مناسبًا لها حالةً وامرأةً. وأما إن كانت علامة التعجب بمدلولها غير العربي، فيمكن اعتبارها صرخة بتلك الحالة التي ناسبته وناسبت قدر محبته لكل "المرأة/ النساء" في الديوان.
حول قصائد الديوان:
- تأتي قصيدة "يسقط" في مستهل الديوان، لتبدا بسطرين شعريين في القصيدة بكلمتين على الترتيب "خيالك" ثم "طيفك"، وهو ما يسلمك منذ اللحظة الأولى إلى كوننا قد دخلنا إلى عالمين مختلفين لدى الشاعر، وهما "الخيال" و"الطيف". وكأن الشاعر بذلك يثبِّت لحالة عامة في الديوان ويؤسس لها ابتداء، إذ تأسرك في خيالاتك أنت حول تلك الحالة المتناثرة بين عالم "الخيال" وبين عالم "الطيف"، وما يسبقهما من "الواقع اليومي". فالخيالات بمعناها القريب لا العميق ستتلاحق عليك طوال رسمه لتفاصيل تلك الحالة/ الديوان دون أن يسقط منك أنه عالم مختلف في طبيعته ومفرداته عن عالم "الأطياف" التي لا يخلو منها الديوان بقدر،. وهكذا فإن الشاعر يُقر أن "الخيال" أقرب منه "إلى الطيف". وكلاهما حالتان لهما من خصوصيتهما معه ما يعكس دلالات واقع يومه، ودون أن يمنعنا عن هذا الواقع المفجّر للخيال أو المستدعِي للأطياف تلك، وأن يأتي -هذا الواقع- ولو كان في شكل الرصاص البلاستيكي أو دخان قنابل الخامس والعشرين من يناير 2011، ليجعل من سقوط قنابل الدخان والرصاص البلاستيكي سقوطًا لواقع مرير يسمح للخيال الذي يأتي بضحكتها التي ترن ولبسمتها أن تأتي، ثم تمتزج مزجًا آخر فريدًا حين يهم بالتصريح وسط هتافات الجموع: "عندما أردت أن أقول أحبك"، لتجدها مع الشاعر تتحول إلى "يسقط النظام"، حيث اختصر المشهد ما بين امتزاج الخيال والطيف والواقع اللحظي صورة الحبيبة في صورة بلد تثور، ودون أن تعرف أيهما التي يخاطبها نهاية الأمر، المرأة الحبيبة أم البلدة الحبيبة.
الثورة والقصيدة:
- يستمر الشاعر في طريقه بما يشبه مشهد "الفلاش باك" في عودته إلى قصيدة "إرهاصات" ص11، والتي تُأصل للحالة الجمعية لمن تحلقوا في "ميدان التحرير"، وهو منهم كما يصف حاله "مستندًا على عمود إنارة في التحرير"، وقد وحدهم حال واحد هو المحبة في صورة ما، ليظهر ما عُرف سياسيًا بمصطلح "كسر الخوف"، فالنظام فجأة يمثل دور "العزول" الذي يكسر معه الشاعر خوفه من لومه على محبته تلك، ولا يخجل مثل الجموع من الإدراك والاعتراف حين يقول: "أن لكل واحدًا حبيبًا.. أسكنه في ضلوعه.. وأخرجه للجميع في النور" ص12. وهو ما يجعل ملامح الآخر الممزوج بين الحبيب والوطن تبدو طبيعية في تداخلها حين تقرأ قصيدة "اسمه الحقيقي.. وجهك" ص13، حين تراه يقول لها: "أتمنى أن تزورري كل البلاد التي تئن من حكومات غادرة.. فتنجح شعوبها في أن تتخلص من أنظمة فاسدة.. ساعتها سيمكن لك أن تساعديني كثيرًا.. في أن أسمي وجهك باسمه الحقيقي.. الذي رأيته في ليل الخامس والعشرين من يناير في القاهرة".ص13.
يمزج الشاعر بين عوالم الخيال والطيف والواقع، ويوازيه بمزج آخر ما بين الحبيبة والوطن، وهو مزج يجعلك تستمتع ببعض الصور البلاغية الجديدة والتراكيب اللغوية التي يضيفها الديوان بمهارة لغوية فائقة. وأظنها المرة الأولى إذ ترى مثل هذه الصور كما في قصيدة "فرصة سعيدة" حين قال: " لكن شوارع وسط البلد قالتها عندما.. عانقت قدميك في مشيتها.. وفرشت نفسها لظلك كي يتمدد عليها في راحة....." ص15. هكذا يظل الشاعر مستمرًا في صوره وتراكيبه ومازجًا بين تلك العوالم الثلاثة "الخيال/ الطيف/ الواقع اليومي"، وهو ما يدهشك حيث ينجح في تشكيل نمطًا من "الواقعية السحرية" والممتزجة برومانسية ورقة بالغة، إذ جعل الشاعر من مفرداته اليومية، ومشاهد ثورة 25 يناير، والهتاف "الشعب يريد إسقاط النظام"، وقنبلة الدخان، ونقابة الصحفين، وشوارع وسط القاهرة وميادينها، وحتى التصويت "للفلول"، و"يسقط.. يسقط..حكم المرشد"، يجعلها الشاعر كلها واقعًا مُستَلْهَمًا وبسيطًا في حين ومعقدًا في تفاصيل أخرى، ليرسم بتلك المفردات الجديدة على الجملة الشعرية صورة شديدة البلاغة والجمال، وهو ما لا تخلو منه قصيدة أو نص شعري بطول الديوان، وهي ما يُحسب في ميزان هذا الشاعر.
شيفونية لا غبار عليها:
- مال الشاعر -دون قصد- في بعض طيات النصوص إلى شيفونية مقبولة واستقطاب محمود، فهو يرى في نفسه أحد هؤلاء الذين امتلكوا عالما خاصًا، وصاروا شريحة مجتمعية في بلده، فهم يجيدون لغات غير لغتهم الأم، يعرفون عن السينما، يحللون المواقف السياسية والحكومية للنظام ببراعة وتنظير ما، وهم معاقرون لـ"الفيس بوك" وعالم "التويتر"، ولكن من دون انفصال تام عن واقع الشارع، الذي استلهم الشاعر من صوره ومفرداته، ويُضاف إلى ولعهم بالأخبار، وهو ما عكس مهنية الشاعر كصحفي متمرس، فيأتي بعفوية قوله "قال أصدقاء محاصرون في نقابة الصحفيين" ص20، وهي استلهامات طبيعية لكنها عكست -في نظري- بعضًا من شيفونية خاصة بالشاعر، تجعله وأمثاله يفخرون بتلك الأنوية التي دفعوا ثمنها في عالم الواقع اليومي المجرد من الخيال أو الطيف، فيعلن الشاعر باعتزاز وتهكم مختلطين لولده في ص 22 إذ يقول: "اسمع يا عمر.. غيّر أبوك مهنته إلى بلطجي.. وواحد من القلة المندسة". لكنه سرعان ما يعود إلى منهجه في المزج بين الأشياء في واقعه وفي عوالمه الخاصة، حين تمتزج تصريحاته بالحب بهتافاته اليومية في فعاليات ثورة المصريين على مر أيامها المنصرمة، فبعد أن استبدل لفظ "أحبك" بقوله "الشعب يريد إسقاط النظام" في أول الديوان، نراه يعود في ص23 وقصيدة "مقيدة مثل فراشة تجري لقنديلها"، وبعيدا عن كون الفراشات مقرونة بالطيران لا الجري، نجده يقول: "أردت ان أستأذن كل هذه الملايين وأهتف أحبك.. ولسبب واقعي جدًا لم يكن ممكنًا أن أستأذن نحو مليون شخص.. لأقول أحبك بدلا من يسقط يسقط حكم المرشد". وهو ما يجعلنا نستمر في التساؤل حول هذا المزج، فأي الاثنيين من يخبر عنه المصور في ص32، فيطلب منه الشاعر: "املأ لي الدنيا بصورها.. يجب أن ترى كم تبدو جميلة...."، وهو تساؤل إنما يعكس ما كان يُلم بالشاعر حين كان متنقلا بين واقع ثورة المصريين وبين خيالات الحبيبة/ الوطن وما بين آماله ورؤيته للاثنين في آن واحد.
منهج المزج الممتع:
يستمر الشاعر يأرجحنا مع حالاته اليومية تلك، والتي ربما تكشف عن اضطرابه النفسي -مثل الكثير وقتها- وهو اضطراب لا يُقلق بقدر ما يمتعك، إذ يظل مستعينًا بمفردات غير مستهلكة شاعريًا أو متواترة في لغة الشعر، إنما هي مفردات من واقعه اليومي، ويرسم بها صورة شديدة الشاعرية. وهو ما يمكن أن يكون إضافة لها خصوصيتها في لغة الشاعر، وهي ملاحظة بوضوح في قصيدة "خصوصية" ص35، حيث يمضي الشاعر مطاردا "حالات الظهور"، لحبيبته في "غرفة الدردشة"، حتى يفلح في الإيقاع بك في فخ هذا المزج الممتع الذي يمارسه منذ أول الديوان/ الحالة، وهو بذلك يضيف شركًا جديدًا يفلح في توريط القاريء فيه حين يقول في ص 37 في قصيدة "تصبحين على خير" بوضوح شديد يقول: "سأفتح صورك.. أنتقي أجمل لحظاتك.. أخرج رنات صوتك من داخلي.. ثم تبتسمين...". فمن منا لم يقع في شرك هذا الفعل؟!

لعبة المفردات والمزج:
طرح الشاعر من خلال قصائده بعض التواريخ العامة والخاصة، إلا أنه يعود هكذا بنفس الذاتية التي أخبر بها عن كونه "قلة مندسة"، يعود في ص41 قصيدة "سيرة"، ويطلب من كُتاب السيرة الذاتية أن يؤكدوا على يوم ميلاده "فقولوا إنه يوم الثامن والعشرين من فبراير.. شخصًا (فوق السعيد).. أما ما سواه من تواريخ فلا يهم". وهنا ربما يصدمك للوهلة الأولى قوله، وكيف للشاعر أن يتخلى في لحظة ما عن كل التواريخ اليومية التي مرت به في قصائده السابقة، ليؤكد أن تاريخ الثامن والعشرين من فبراير وحده -في خصوصيته للشاعر- هو التاريخ المستحق للتدوين في حياته. الشاعر هنا يتلاعب بنا بين عالمين أحدهما ذاتي وخاص للغاية، وآخر عامًا يشمل الجميع. فأنت بقدر ما أصل فيك من امتزاج بين خصوصيته وبين العام، تراه مرة واحدة وفجأة ينقض ذلك المنهج في المزج، ليؤكد أنه لا تاريخ غير المشار إليه يستحق التدوين في سيرته الذاتيه، وهو ما قد يربك بعض الشيء نتيجة لخصوصية موغلة في نفس الشاعر، وهو ما يلفتنا إلى المتحدث هل هو الشاعر المحب أم الثائر المحب، وهو ما وجدته بشكل شخصي مفارقة تؤكد أن لهؤلاء من الثائرين المحبين الحالمين قدر من أحلامهم الخاصة التي جاءت باعتبارها الفردي البحت، باعتبارها الأهم عن الحلم الجمعي، بل تراه الضمان الوحيد لصنع العالم العام متى تضافرت تلك الخصوصيات لتكون في النهاية حالة واحدة وواسعة من المحبة والحلم، كتلك التي تجلت في ميدان التحرير حين اختلطت "أحبك" بالهتاف "الشعب يريد..". وتتكرر تلك الخصوصية في قصيدة "لا يعرف"، ومتكئًا على المفردات غير الشاعرية بشكل عفوي مثل "شبكات المحمول"، والتي استطاع كما نبهت ومن خلال موهبة حقيقية ومميزة في جعل تلك المفردات تكتسب حسًا ومذاقًا شديد الشاعرية حين تكتمل القصيدة/الحالة، وهي لعبة شديدة الخطورة مارسها الشاعر مع اللغة ومفرداتها وبلاغتها التي يعرف عنها الكثير، ليؤكد لنا أن صوره الجديدة والمبتكرة، لن تكتمل وحدة جمالها في مفرداتها منفردة، وإنما في مجموعها لتكتشف كما يقول بنفسه "سرت جزيئاتها فيه.. فانتعش"، فهكذا سرت مفردات غير شاعرية في نص شعري، فانتعش، وهو من أروع ما يضيفه هذا الديوان لغة وبلاغة، وهي روعة لا تقل عن روعة الهتاف بــ"أحبك" وسط الملايين التي تهتف "يسقط يسقط.." كأنها تردد صدى صوت الشاعر.
المحب المخادع:
تكتشف وأنت تقرأ الديوان لمرات، أنك أمام محب مخادع للغاية، تتلبسه المرأة على الدوام، وتتلبس كل حرف في قصائده ونصوصه الشعرية، وتبدو بأشكال وصور مختلفة لا تفارق القاريء متى تلبسته هو الاخر. والشاعر ربما يعاني من هذا التلبس الممتع كثيرًا بل يستسلم له حين تطل في "غرفة الدردشة" و"ميدان التحرير"، وحتى في "المترو"، وإن ناله بعض المعاناة التي نحبها ونتوق إليها، ومن منا لا يحب تلك المعاناة حين ترمي بلعنتها الحبيبة على قلوب وأرواح المحبين؟! فهو مستمر في لذة معاناته تلك ويصحبنا مع تلك الأطياف التي تأتي في كل مكان، حتى أنك للحظة تشفق على الشاعر حين يودعها في ص46 حين يقول: "في وداعنا كل الأماني السخيفة.. لن تجفف دمعة.. أو تُلطف نغزة في الصدر.. تُوقف النَفَس". هكذا يورطنا الشاعر في معاناته، ويدخلنا جنبًا إلى جنب إلى عالم أطيافه تلك، ويتلبسنا من معاناته ما يلازمه حتى لو كان الحينُ: "نركب المترو في الاتجاه المعاكس.. أو نمشي على الخط الصحيح" ص47 في قصيدته "الاتجاه المعاكس". ولحظتها تدرك أن تورطك صار بشكل حقيقي مع الشاعر، وهو ما يدفعك وأنت تقرأ إلى محاولة الاجتهاد في التوصل إلى إجابة تشفي الشاعر من تلك المعاناة حين يسأل في ص47: "ماذا ستفعل يا فتى.. وهي لا تريد أن تقول لنفسها.. إنها معك في الاتجاه الصحيح؟!!". ورطنا هكذا الشاعر ببساطة وتلقائية، وأفلح في مزجنا -نحن القُراء- معه، واستمر طوال الديوان في مزجه الذي تسلل بسلاسة إلى دواخلنا، فجعل من تجربته وخصوصيتها الرائعة تلك، تطرح تساؤلا علينا حين تجد إجاباتك المُتخيلة لا تشفي الشاعر ولا روحك التي تورطت، بل تزيد الحيرة معه في قصيدة "مجاز"، حين يسأل في ص49:" ماذا ستفعل.. والذين وضعوا اللغة من قبلك لم يكتبوا للسعادة إلا كلمة وحيدة.. وتركوا ما تبقى للمجاز؟!". لكن ما دمنا قد تورطنا معه إلى هذا الحد، ستجده يخبر ببعض صورنا نحن لا صوره حين يقول في قصيدة "اقتراح صديق" ص53 إذ يقول: "في اقتراحات الذين يشبهونني.. يضعك توتير أول اسم مقترح...". هنا تكتشف حجم التورط الذي أدخلنا فيه الشاعر إلى تجربيته وخصوصيتها، وياله من توريط مدغدغ للروح بلذة ونشوة شفيفة ورائعة.

بين الإيجاز والإطناب:
يعرف الشاعر في ديوانه هنا كيف يسهب ومتى، وكيف يوجز ومتى، وهو تأكيدًا على وعيه بتجربته ومعرفته الحقة لما يناسب الحالة -حالته وحالتها وحالتنا وحال وطن بل إنسانية بتمامها- حيث يوجز ويسهب حسبما تقتضي الحالةأو بما يناسب معها. فمثلا في قصيدة "الماء المالح" ص59 تجد الاختصار في سرده الشعري، واصفًا الحب ومعرفا له بأنه كما يقول: "ماء مالح كالبحر.. لا يروي.. فإذا شربت.. ظمئت.. ثم صمت -في دعة- يقول.. هل من مزيد؟". وهو نفسه الواعي للحالة حين يسهب في ثلاث قصائد مترادفة وتحمل الاسم نفسه "أهل المحبة، وأهل المحبة 2، وأهل المحبة 3" على الترتيب. واللافت حتى القصائد ص74 وقبل أن تبدأ ثلاثية "أهل المحبة"، ترى قدرًا ليس قليلا من هؤلاء اللاتي تقاسمن مع الشاعر تجربته، وفي كل قصيدة تطل عليك أنثى غير الأخرى، وبينهن قاسم مشترك وهو الشاعر نفسه وتجربة محبته الفطرية وتعلق الرجل فيه أو الطفل الذي حمله فوق أكتافه في صورة الغلاف بالمرأة، وكلها لا تعدو أن تخرج عن كونها تأسيس لأنهن "أهل المحبة" كلها، وهو ما جعل الشاعر في ص75 يفرد لثلاثية "أهل المحبة"، ويجعل لها إهداءً خاصًا، يأتي إهداء ثالث، وهو فيها -أهل المحبة- حكى ما قرأناه قبلا، وما كان بعدها من قصائد. ربما اختيار القصائد الثلاثية تلك في منتصف الديوان تقريبا، هو ما يجعل من تلك القصائد الثلاث من المحبة بمثابة قلب الديوان وروح الحالة/ الديوان، بل ربما نعتبرها ميزانًا للديوان بكل تفاصيله المتخمة الثاخنة بجروح متلاحقة على قلوبنا لا قلب الشاعر وحده، بعد أن نجح في توريطنا معه وأدخلنا عن طوع عالمه من الخيال والأطياف والواقع اليومي، وهو ما اختصره الشاعر في ص76 بجملته الشعرية "اللهم أدم علينا التجربة" و"اللهم أذقهم جمال التجربة" و"اللهم اجعلنا من أهل التجربة" و"اللهم اجعلنا أهلا للتجربة". ورغم تكرار المفردة وتشابه التركيب المستعار وما قد يطاله من اتهام بالإفراط في استخدامه، إلا أنه يفضي بنا في النهاية إلى حقيقة واحدة، تؤكد أن تلك التجارب كلها تتلخص في هؤلاء ممن يصح تسميتهم "أهل المحبة". وفي تلك الثلاثية يعود الشاعر إلى منهج المزج، ويتوازى مع ثقافته القرآنية بشكل ما، ويدخلنا بعدًا جديدا من خلال مزجه بين عالم الخيال والطيف والواقع، حيث يدخلنا في بعده المُضاف الجديد وهو الحلم، وأحلام الشاعر هنا ليست من الخيال أو عالم الأطياف أو الواقع اليومي، إنما هي بعدًا خاصًا يؤكد على قدرة الشاعر الرائعة حين يفرق بتنظيره الشعري الفريد بين تلك العوالم ومستوياتها المتشابكة والمختلفة، وهو ما يأتي في قصيدته الرادفة لأهل المحبة، إذ يعود من خيالاته، ومن وسط أطياف كل النساء إلى حلمه الأوحد في الديوان، حين يختار هذا "الملاك" أن يتوسد ذراعه لينام، والحقيقة لا نعرف أيهما توسد ذراع الآخر، فلربما هو تشبيه معكوس إذ في الحقيقة لم يُعرف النوم والتوسد على ذراع واحدة ممن أتيّن من دنيا الخيال أو عالم الأطياف أو قساوة الواقع، مثلما توسد ذراع "الملاك"، كلما جاء بها الحلم في صورة هذا "الملاك" الذي يعرف الكثير عنه، وأن مجيئه وثرثرته في المطبخ ورائحة دخانه التي تعلق بملابسه، وحول مفردات يومية للشاعر، كلها تخالف قوانيين الطبيعة، وهو ما يؤكده لنا الشاعر في نهاية القصيدة، والتي أراها من أصدق ما قِيل حين يسأل في ص84: "ولا نعرف وقتها.. من فينا الذي يمنح الآخر السكينة.. فننام مطمئنين.. غارقين بعمق...". هكذا هي المرأة الوحيدة من دون هؤلاء اللائي تداعت صورهن في التحرير وفي المسيرات وفي غرف الدردشة وفي الصور والإشعارات عبر توتير والفيس بوك، وهي وحدها من استحقت أن يوصفها بالملاك، بل يُعلن أنها تمنحه السكينة حتى لو كانت في حضورها ومناقشاتها ليست واقعًا، وهي ليست خيالا، ولا طيفًا، فقط هي من تأتيه في الحلم حين ينام، وتختصر له السكينة في نوم عميق متوسدًا ذراعها، أو متوسدة ذراعه في صوره هذا الملاك.
الشاعر والحلم وقطار الأربعين:
نام الشاعر بالتالي على السكينة ليصحو على عبيرها، الذي كما وصفه "انتشر كرائحة القهوة في الصباح.. وأن حبة العين قالت ارتويت من طلعتها" ص85 في قصيدة "في يوم عطلتك". تأتي صورة هذا الملاك في واقعه لا تفارقه، ولا تفارق بكوره في يوم "الأجازة" على غير العادة، ولا يجد شافيًا لحاله غير الاعتراف لصورها التي علقت يوم "أجازته"، فيقول: "أفتقدك". ولعل شاعرية هذه القصيدة هي ما أزالت ما قد يحدثه استخدام مفردات قد يراها البعض غير شاعرية مثل "حين ترى سحرة هاري بوتر" ص86، وهو ما لا تنتبه إليه، فالشاعر صار متقنًا صنع هذه الشاعرية الفريدة بتلك المفردات والتراكيب الشعرية الجديدة المبتكرة. ويعود الشاعر إلى تفاصيله اليومية مع المرأة ويركب القطار، ويستمر معها بكل صورها وأشكالها التي تجيء، ويرصد بعضًا من صور المحبة تلك حتى لو كانت كما يقول مع هؤلاء ممن: "لم نشاركهم دقائق من أعمارهم" ص88، وهم الذين يصفهم في النهاية بقوله: "لا يلوح للآخر بيده.. أو يقول وداعًا.. وشكرا على الرحلة العابرة.. يمضي فقط" ص88. وفي النهاية حين تتوقف المحطات على قطاره، سيعترف لها بعدما تفرغ النساء من محطات قطاره، سيعترف: "سأقول بملء الفم..أحبك..وعندما أتحرر من أي ضغوط.. سأقول بأعلى صوت..أفتقدك.. ولا أريد أنثى سواكِ" ذاك ما جاء في قصيدة "وعد" ص89. وهو ما يستدعي السؤال بعفوية "أي أنثى تلك التي يريد الشاعر؟!" من جاءت من دنيا الخيال؟ أو الواقع اليومي؟ أو الصور والأطياف التي تترى على ذاكرته اليوميه الصحفية؟ أم من جاءت من عالم الحلم فتوسد ذراعي بعضهما؟!". لعلهم كل هؤلاء حيث اتفق أن جئن من صورة أنثى ما، ربما أسقطها "الفيس بوك" فيما بعد من قائمة الأصدقاء. ولذلك فالشاعر يريد أن يقاضي "مارك" تعويضًا عن خسارته، حين يتوعد في ص94: "آه يا مارك.. سأقاضيك".
تخطى الشاعر الأربعين وصار أكثر حكمة ورؤية للأمور، فيقرأ ما هو مستور: "نعم أنتِ تحبينني.. حتى لو لم تقوليها..لنفسك".ص95. وهو يعترف بهذه الحنكة التي اكتسبها حين تجاوز الأربعين، ويخلص إلى خلاصة تجربته حين يحادث "ماركيز" في قصيديته "عندما يُصدقون" والمهداه إلى "ماركيز" بإهداء رابع، إذ يقول: "صدقني يا ماركيز..أنهم لا يشيخون فقط عندما لا يعشقون.. بل عندما يصدقون أنهم لا يقدرون" ص96. تلك خلاصة الأمر أننا نشيخ حين نستسلم لهذا الإحساس بأننا لا نصدق حين نُحب، ونخادع أنفسنا بشكل ما. هكذا يطل الشاعر بحكمته التى اكتشفها فيعترف في قصيدته "أحيانًا" ص97 ويقول: "أحيانا.. تضل الروح في معارجها.. فتصبح بعض الإجابات التي تتلقاها عن مواجدها.. خاطئة". إذن لا ضير من الاعتراف بهكذا أخطاء، أو حتى "سوء الظن" كما جاء في ص99. وهو ما يبرر تلك التساؤلات التي يسألها الشاعر لنفسه في قصيدته "التي" ص101، وكأنه يراجع ردود فعله معها، تلك التي أطلت عليه كـ"قمر يطل على دجلة" كما في الإهداء الخاص والخامس في ص103، وفيها وبعد حكمة الأربعين تعلم الشاعر أن يتلمس الأعذار فيجد مبررًا مقنعًا لهذا البعد، ومكتفيًا بكونها ربما فضلت الحفاظ على سريتهما، ليظل هذا "القمر يطل على دجلة"، ولا يمكن لكائن ما أن يكشف ستر العاشقين. هكذا ارتضى الشاعر بحكمته أن يسبر غور هذه المحبة وهذا القمر.ص106.
في آخر الديوان:
أعترف بمعرفتي الإنسانية بالشاعر، وهو ما يجعلني أراه موفقًا في جعل قصيدته "أن تكوني هنا.. إلى نهاد" ص107، ثم "أكثر من فنجان قهوة" ص111، تأتيان ختامًا لتلك الحالة الشعرية الرائعة، التي صارح الشاعر بها نفسه، قبل أن يصارح قاريء الديوان، ولم يرَ خجلا حين أكد على حدوث فعل المحبة مع كل هؤلاء النساء، واللاتي مررن خلال تلك التجربة، ولم ينتهِ مع واحدة فيهن مثلما انتهى إلى "أن تكوني هنا"، وكأن الشاعر يبحث عن صاحبة الإهداء، ويقارن حالتها مع حالة غيرها ممن ظهرن طوال رحلتنا مع الديوان المُتخم بهؤلاء النساء. وتكاد تعجب حين تراه يأنس لها هنا وهي الملاك الذي توسد ذراعها قبلا، وكيف استطاعت في حضورها وغيابها، أن لا تمانع كل صور المحبة تلك التي عالجتها حكمته حين تخطى الأربعين، ورضى عنها، فاعترف بها في شجاعة، على اختلافها وكثرتها واندفاعها وعفويتها وحاجتها، حتى أنها تعطيه خلاصًا من حكمته تلك، حين تحرره من كل إلزام خُلقي نحوها فتقول في قصيدة "أكثر من فنجان قهوة" في مقطعها رقم (10): "من فضلكَ -يا عزيزي-.. استمع إليه جيدًا... وأنت يا حبيبي.. تكلم كما وسعك الكلام.. وانفض كل ريحك في قلوعه.. وعُد إلي صافيًا" ص116. هكذا أضافت بغيابها حكمة جديدة إلى هذا الرجل الأربعيني، فيعرف أنه لا ضير من المحبة، فكلنا نحب من نقابل، نحب ما نريد أن نراه غير غائب في عالمنا، حتى ولو كانت رائحة قهوتها، أو طلتها، أو صوره المعلقةا، وغيرها مما تفلح الحبيبة الأم أن تظهر به في صور النساء الأُخريات اللائي عبرن معه محطات قطاره ولا تنكر محبتهن على الإطلاق.
- أنتهي الآن من رحلة القراءة، وهي ليست قراءة نقدية بقدر ما كانت محاولة إنسانية لاكتشاف صديق وشاعر أحبه، وهي غير ملزمة حتى للشاعر نفسه بما جاء فيها من تأويلاتي المتواضعة للنص وأفكاره التي اندفعت نحوي، بقدر ما ألزمتني وحركت وطرقت القلب وأثرت فيه. وأقول عن صاحب الديوان "هو رجل محب.. وفقط". وأقول له:
"يا ابن سعد هون عليك.. لا ضير من المحبة ولو لكل هؤلاء، فكلهن في نهاية الأمر امرأة وأنت رجل، ولا وجود لنا معشر الرجال إلا بوجودهن".

مختار سعد شحاته.
Bo Mima
روائي.
الإسكندرية. مصر.

من نسل عبيدك احسبني ياحسين
25-01-2014, 04:47 PM
وفقت أستاذي

ابوعلاء العكيلي
25-01-2014, 07:45 PM
احسنت بارك الله فيك

أنصار المذبوح
07-02-2014, 06:02 PM
نقول لمن كتب هذه السطور
بعطر والورد والبخور
وعطرة في أرجائه يجول
كتبت موضوع في قمة الروعـــــــة
جزيت خيرا إن شــــــــاء الله

http://www.enjaztech.com/up/i/00015/maoos4zznc06.gif (http://www.7lwthom.com/vb/t3797/)