المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فضل البكاء لمصاب سيد الشهداء ابي عبد الله الحسين(عليه السلام)



السيد حسن الخلخالي
24-07-2014, 08:53 AM
إن مكانة الإمام الحسين ( عليه السلام ) لا ينكرها إلا معاند ، فشأنه ( عليه السلام ) عند الله تعالى يتجلَّى بما ورد إلينا من الرويات في العلامات التي ظهرت في الكون ، وعَبَّرَت عن الغضب الإلهي بعد قتلته ( عليه السلام ) ، مِنْ أنَّ الله تعالى قد أوحى إلى نبيه ( صلى الله عليه وآله ) بأنه عزَّ وجلَّ إذا كان قد انتقم لِدَم يحيى ( عليه السلام ) بقتل سبعين ألف ، فَسَوف ينتقم لدم الإمام الحسين ( عليه السلام ) بسبعين ألف وسبعين ألف .
وقد أجاب الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) بما دَلَّ من القرآن على استمرار حُزن يعقوب عند رَدِّه على من أشكل عليه باستمرار حزنه على أبيه ، كما أورده أبو نعيم الأصفهاني عن الإمام الحسين ( عليه السلام ) في ( حلية الأولياء 3 / 162 ) ، عن كثرة بكاء الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) فقال ( عليه السلام ) : (لا تلوموني ، فإنَّ يعقوب فَقَدَ سِبطاً مِن ولده ، فبكى حَتَّى ابيضَّتْ عيناه ، ولم يَعلَم أنه مات ، وقد نظرتُ إلى أربعة عشر رجلاً من أهـل بيتي في غزاة واحدة ، أفَتَرَون حزنهم يذهب مِن قَلبي ؟ ) .
وسئل الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن أجر النائحة ، فقال : (لا بأس ، قَد نيح على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) )
وفي حديث آخر : ( لا بأس بِكَسب النائحة إذا قالتْ صِدقاً ) .
وروى أبو حمزة عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) : مات ابن المغيرة ، فسألَتَ أمُّ سلمة النبي ( صلى الله عليه وآله ) أن يأذن لها في المُضِيِّ إلى مناحته .
فأذن ( صلى الله عليه وآله ) لها ، وكان ابن عمها - ثم رثته بأبيات - .
وفي تمام الحديث : فما عاب عليها النبي ( صلى الله عليه وآله ) ذلك ، ولا قال شيئاً .

البكاء على الميت مُستحب عند العامَّة :

هذا وقد ورد في مصادر العامة ما يدلُّ على أنَّ البكاء على الميت سُنََّة سَنَّها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
فقد روى إسحاق بن راهويه في مسنده 2 / 599 / ح 1174 ، قال : عن عائشة قالت : مَرَّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حين انصرف على بني الأشهل ، فإذا نسائهم يَبْكِين على قتلاهم ، وكان استمرَّ القتل فيهم يومئذ .
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( لكِنَّ حَمزة لا بواكي له ) .
فأمر سعد بن معاذ نساء بني ساعدة أن يبكين عند باب المسجد على حمزة ، فَجَعلت عائشة تَبكي مَعَهُنَّ .
فنام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فاستيقظ عند المغرب ، فَصلَّى المغرب ، ثم نام ، ونحن نبكي .
فاستيقظ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لعشاء الآخرة ، فصلى العشاء ، ثم نام ، ونحن نبكي .
فاستيقظ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ونحن نبكي ، فقال : ( ألا أراهُنَّ يبكيْنَ حتى الآن ، مُرُوهُنَّ فَلْيَرجِعْنَ ) .
ثم دعا ( صلى الله عليه وآله ) لَهُنَّ ، ولأزواجِهِنَّ ، ولأولادِهِنَّ .
ولعلك تلاحظ في هذه الرواية ، أنها لا تدل على جواز البكاء على الميت وندبه فحسب ، بل إنها تدل على مشروعية تحويل البكاء إلى عادة مستمرة ، ولقرون طويلة .

البكاء على الإمام الحسين ( عليه السلام ) سُنَّة سَنَّها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :

فقد كان ( صلى الله عليه وآله ) أوَّل من أخبر بواقعة شهادة الإمام الحسين ( عليه السلام ) .
فروى ابن حبان في صحيحه 6 / 203 ، عن أنس بن مالك قال : استأذَنَ مَلَك القطر رَبَّه أن يزور النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فأذن له ، فكان في يوم أم سلمة ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : ( اِحفظي علينا الباب ، لا يَدخل علينا أحد ) .
فبينا هي على الباب ، إذ جاء الحسين بن علي ( عليهما السلام ) ، فظفر ، فاقتحم ، ففتح الباب ، فدخل ، فجعل يتوَثَّب على ظهر النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
وجعل النبي ( صلى الله عليه وآله ) يتلثمه ويقبله ، فقال له المَلَك : أتحبه ؟
قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( نعم ) .
قال : أمَا إنَّ أمَّتك ستقتله ، إن شئت أريتُكَ المكان الذي يُقتل فيه ؟ .
قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( نعم ) .
فقبض قبضة من المكان الذي يُقتل ( عليه السلام ) فيه ، فأراه إياه ، فجاءه بسهلة أو تراب أحمر ، فأخذَتْهُ أمُّ سلمة ، فجعلَتْهُ في ثوبها .
وأما بكاء النبي ( صلى الله عليه وآله ) عليه ، فقد روى أحمد في مسنده 2 / 78 ، عن نجي أنه سار مع علي ( عليه السلام ) ، وكان صاحب مطهرته ، فلما حاذى نينوى وهو منطلق إلى صفين فنادى علي ( عليه السلام ) : ( اِصبرْ أبا عبدِ الله ، اِصبرْ أبا عبدِ الله بشط الفرات ) .
قلت : وماذا ؟
قال ( عليه السلام ) : ( دخلتُ على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ذات يوم وعيناه تفيضان ، قال : بل قام من عندي جبريل قبل ، فَحدَّثَني أن الحسين يُقتَل بشط الفرات ، هل لك إلى أنْ أُشِمَّك من تربته ؟
قلت : نعم .
فمدَّ ( صلى الله عليه وآله ) يده ، فقبض قبضة من تراب ، فأعطانيها ، فلم أملك عيني أن فَاضَتَا ) .
وروى الحاكم في المستدرك على الصحيحين 3 / 176 ، عن أم الفضل بنت الحارث ، أنها دخلت على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقالت : يا رسول الله ، إني رأيت حلماً مُنكَراً الليلة .
قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( مَا هُوَ ) .
قالت : إنه شديد .
قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( ما هو ) .
قالت : رأيت كأَنَّ قطعة من جسدك قطعت ، وَوُضِعت في حِجْري .
فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( رَأيتِ خَيراً ، تَلِد فاطمة إن شاء الله غُلاماً ، فيكونُ في حِجرك ) .
فَوَلدت فاطمة ( عليها السلام ) الإمام الحُسين ( عليه السلام ) ، فكان في حجري كما قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .
فدخلتُ يوماً إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فوضعتُهُ في حِجره ، ثم حانَتْ مِنِّي التِفَاتَة ، فإذا عينا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تهريقان من الدموع .
فقلت : يا نبي الله ، بأبي وأمي ، ما لَكَ ؟
قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( أتاني جِبريل عليه الصلاة والسلام ، فأخبرَني أنَّ أُمَّتي ستقتُل ابني هذا ) .
فقلت : هذا !! .
فقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( نعم ) .
وأتاني ( صلى الله عليه وآله ) بتربة من تربته ( عليه السلام ) حمراء .
ونقول : هذه روايات صريحة في أنَّ البكاء على الإمام الحسين هي سُنَّة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وليست بِدْعَة .
والشيعة يتبعون في ذلك سُنَّة النبي ( صلى الله عليه وآله ) في البكاء على سيد الشهداء الإمام الحسين ( عليه السلام ) .

إبك لبكاء الشمس والقمر

فهلـ بعد هذا كلّه ـ تقول: إنّ البكاء على مصائب أهل البيت بدعة؟!
وهب أنّك لا ترجوا شفاعة الزهراء، ولا تبكي
لبكاء الانبياء والاوصياء، فابك لبكاء الشمس والقمر، ولا يكن قلبك أقسى من الحجر، إبك لبكاء عمر بن سعد أو عمرو بن الحجاج والاخنس بن يزيد ويزيد بن معاوية أو خولي والسالب لحليّ فاطمة بنت الحسين (عليه السلام)، إبك لبكاء العسكر بأجمعه، فقد شهدت كتب السير بكاءهم مع خبث أمهاتهم وآبائهم.
أيحسن منك ـ وأنت مسلم ـ أن يصاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)بهذه الفجائع، وتحل بساحته تلك القوارع، ثم تتخذها ظهرياً، وتكون عندك نسياً منسياً؟! ما هذا شأن أهل الوفاء، ولا بهذا تكون المواساة لسيد الانبياء (صلى الله عليه وآله وسلم).
ثم إن الانقلاب الهائل، وتلك الاحوال المدهشة ـ من الخسوف، والكسوف، ورجف الارض، وظلمة الافق، وتهافت النجوم، وحمرة السماء، وبكاء الصخر الاصم دماً ـ لم تكن إلاّ إظهاراً لغضب الله عز وجل، وتنبيهاً على فظاعة الخطب، وتسجيلاً لتلك النازلة في صفحات الافق، لئلاّ تنسى على مرّ الليالي والايام، وفيها من بعث الناس على استشعار الحزن وادثار الكآبة ما لا يخفى على أولي الالباب.