المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : 17/ربيع الاول نهنئ الامام صاحب العصر والزمان والامة الاسلامية بولادة الامام الصادق(ع)



المؤرخ
01-03-2010, 05:01 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

أسعد الله أيّامكم بهذه المناسبة العطرة والتي اتّفقتْ مع ذكرى مولدِ جدّه المصطفى صلّى الله عليه وآله..
فما أنْ حلّ السابعُ عشر من شهر ربيع الأوّل مِن سنة ثلاثٍ وثمانينَ من الهجرة النبويّةِ الشريفة حتّى وُلد بالمدينة المنوّرة برعمٌ آخَرُ من الشجرة النبويّة المباركة والدوحةِ الهاشميّة الطاهرة.. ذلك هو جعفرُ بنُ محمّدِ بنِ عليِّ بنِ الحسين بن عليّ بن أبي طالب صلواتُ الله عليهم.. فزهر بيتُ الوحيِ والرسالة بهذا الوليد الزكيّ، وابتهجت قلوبُ أهل البيت وهي ترى غُرّته تشعّ نوراً وهدىً وشرفاً وكرامة.
وكان يوماً بهيجاً عظيمَ البركة، إذْ هو يومُ مولدِ أشرفِ الكائنات حبيب إلهِ العالمين، محمّدٍ الصادقِ الأمين صلّى الله عليه وآله ،ولم يزلِ الصالحون مِن آلِ البيت عليهم السّلام مِن قديم الأيّام يُعظّمون حقَّه،ويرعَون حُرمته، ويرَونَ في صومه ـ شكراً لله تعالى ـ فضلاً كبيراً وثواباً جزيلاً،وكذا في استحباب الصدقة وزيارةِ المشاهدِ المشرّفة، والتطوّعِ بالخيرات، وإدخالِ المسرّة على أهل التقوى والإيمان.


وكانَتْ ولادَتُه ( عليه السلام ) في زمن الخليفة الأموي عبد الملك بن مَرْوان ، وتربَّى في أحضان أبيه الإمام الباقر وجَدِّه الإمام السجَّاد ( عليهما السلام ) ، وعنهما أخذَ ( عليه السلام ) علوم الشريعةِ ومعارِفَ الإسلام .




أمّا آباؤه فقد طبّقُواالآفاق شهرةً وفضلاً وعلماً، فهم آل الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأهلبيت الوحي، ومعدِنُ الرحمة.. وأمّا أُمّه، فهي النجيبة الجليلة المكرّمة، فاطمة،المعروفةُ بـ « أُمّ فَروة » بنتُ القاسمِ بنِ محمّد بن أبي بكر.. مِن خِيْرةِالنساء، ولابدَّ أن تكون كذلك، فأئمّةُ الهدى تقلّبُوا في أصلابِ الساجدين وأرحامالساجدات، وانحدروا عن الموحّدين والطاهرين، لم تنجّسْهُمُ الجاهليّةُ بأنجاسها،ولم تُلبِسْهُمْ مِنْ مُدْلَهِمّاتِ ثيابها.. حاشاهم، فلا عيبَ فيهم ولا فيسلالتهم، بل كلُّ واحدٍ منهم طُهْرٌ طاهرٌ مُطَهَّرٌ مُطهِّر، عن طُهْرٍ طاهرٍمطهَّرٍ مطهِّر، وأُمّهاتُهمُ النساءُ الزاكياتُ النجيبات.


يقول الإمامُ الصادق عليه السّلام ويَشهدُ الناس على ما يقول: كانت أُمّي ممّن آمنت، واتّقت وأحسنت،واللهُ يحبّ المحسنين. أجل، ومِن هنا كان ابن خَرَّبوذ يُعبّر عن الإمام الصادقعليه السّلام بـ ( ابنِ المكرَّمة ).

ومِن هنا.. تكون هذه المرأةُ الشريفةُ مهيّأةً لتكون قرينةَ الإمام محمّدٍ الباقر سلامُ الله عليه وزوجتَه الوفيّةَ المخلصة، ولتكونَ بعد ذلك المنجِبةَ عنه إماماً زاكياً، ينمو في أحشائها، ويربو في حِجْرِها الطاهر، فتحظى بهذهِ الكرامة العظمى أنْ تكون أمّاً للإمام جعفر الصادق عليه أفضلُ الصلاة والسلام.. فيُقرُّ الله تعالى عينَها بهذه المنقبة الكبرى.





ويدرج الإمامُ جعفر الصادق عليه السّلام في هذه الحياة، فتتشرف الألقابُ بخصالهِ الفاخِرة، فيُدعى بها، وهو أهلٌ لها وفوقَها،وقد أُثِر عن النبيّ المعظَّم صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه كان قد قال: إذا وُلد ابني جعفرُ بنُ محمد بنِ عليِّ بنِ الحسين بن علي بن أبي طالبٍ فسَمُّوه « الصادق ».
ثمّ لم يكنْ صادقاً وحسْب، بل لُقِّب فيما بعدُ بـ « الفاضل »، و « الطاهر »،و « الكامل »، و « المنجي ».. وكم أنجى هذه الأمّةَ من ضلالاتها وضُلاّلها بهُداه،ومن جهالاتِها وجُهّالها بعلومه السامقة، ومِن مفاسدِها ومفسديها بوصاياه المرشِدة!
وكان يُلقَّب بـ « القائم ».. نعم، فقد كان القائمَ على دين الله « جَلّ وعَلا »، مطبّقاً لشرائعهِ، محامياً على حرُماتهِ، منافحاً عن أصولهِ وفروعه،رافعاً عن العقول كلَّ غفلةٍ أو شبهةٍ حول حِكَمهِ وأحكامه. وبذلك أحيى الإمامالصادقُ سلامُ الله عليه دينَ جدّهِ رسولِ الحقّ صلّى الله عليه وآله بأنْ نشرمعارفَه، وردَّ أراجيفَ المُرجِفين، وشكوك المظلّلين والواهمين والمُغرِضين.
حتّى رُوي أنّه عليه السّلام كان يجلس للعامّةِ والخاصّة، ويأتيه الناسُ من الأقطار يسألونه عن الحلال والحرام، وعن تأويل القرآن وفصْلِ الخِطاب.. فلا يخرجُ أحدٌ منهم إلاّ راضياً بالجواب. وقد أقرّ ببعضِ ذلك أهلُ الخلافِ عليه،فذاك ابن أبي العوجاء يقول: ولقد سمع جعفرُ بنُ محمّدٍ كلامَنا أكثرَ ممّا سمعت،فما أفحشَ في خطابنا، ولا تعدّى في جوابنا، وإنّه الحليمُ الرزين، العاقلُ الرصين،لا يعتريه خرْق، ولا طيشٌ ولا نزْق، يسمع كلامنا ويُصغي إلينا، ويتعرّف حجّتَنا،حتّى إذا استفرَغْنا ما عندنا، وظننّا أنّا قد قطعناه.. دحض حجّتَنا بكلامٍ يسير،وخطابٍ قصير، يُلزِمُنا به الحُجّة، ويقطع العُذْر، فلا نستطيع لجوابه ردّا.
وذُكر عن بعض العلماءِ أنّهم كانوا من تلامذته، وكان بعضُهم مِن خدمتهِ وأتْباعهِ والآخذين عنه والمتعلّمين المتأدّبينَ على يديه.. وكان منهم: أبو حنيفة النعمانُ بنُ ثابت الذي سُئل عن أفقه الناس أو أفقهِ من رأى، فقال: جعفربنُ محمّد، وقال: لولا السنتان، لَهلكَ النعمان.. مشيراً إلى السنتين اللّتين تتلمذَ فيهما على يَدَي أبي عبدالله الصادق عليه السّلام.


* * *

وأبو حنيفة يقول ـ كما سمع ونقل عنه الحسن بن زياد ـ: لمّاأقدم المنصورُ جعفرَ بنَ محمّدٍ بعثَ إليّ فقال: يا أبا حنيفة! إنّ الناس قد فُتِنُوا بجعفرِ بنِ محمّد، فهيّئْ له من مسائلكَ الشِّداد. يقول أبو حنيفة: فهيّأتله أربعين مسألة، ثمّ بعث إليَّ أبو جعفر [ المنصور ] وهو بالحيرة فأتيتُه فدخلتُ عليه، وجعفر جالس عن يمينه، فلمّا بصرتُ به دخلني من الهيبة لجعفر، ما لم يدخلني لأبي جعفر، فسلّمتُ عليه فأومأ إليّ، فجلستُ ثمّ التفَتَ إليه المنصور فقال: يا أباعبدالله، هذا أبو حنيفة، قال: نعم، أعرفه. ثمّ التفت إليّ فقال: يا أبا حنيفة! ألقِ على أبي عبدالله من مسائلك.
قال أبو حنيفة: فجعلت أُلقي عليه فيجيبني فيقول: أنتم [ أي أهلُ العراق ] تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا.. فربّما تابعناكم وربّما تابعناهم، وربّما خالفنا جميعاً. قال: حتّى أتيتُ على الأربعينَ مسألةً فما أخلّ منها بشيء. ثمّ قال أبو حنيفة: أليس أنّ أعلمَ الناسأعلمُهم باختلاف الناس ؟!
وأمّا الشبلنجيُّ الشافعيّ فيقول في كتابه الشهير ( نورُ الأبصار ) فيما يبيّنه من أحوال الإمام الصادق عليه السّلام:
ـ ومناقبُه كثيرة.. تكاد تفوتُ عَدَّ الحاسب، ويَحارُ في أنواعِها فهْمُ اليقِظِ الكاتب. روىعنه جماعةٌ مِن أعيان الأئمّة وأعلامِهم، كـ: يحيى بنِ سعيد، وابن جَريح، ومالكِبنِ أنس، والثوريّ، وابنِ عُيَينة، وأبي حنيفة، وأيّوبِ السجستانيّ، وغيرهم. قال أبو حاتم [ وهو رجاليّ ]: جعفر بن محمّدٍ ثقةٌ لا يُسأل عن مِثْله. وقال ابن قتيبةَ في كتاب ( أدب الكاتب ): وكتابُ الجَفْر.. كتبه الإمام جعفرُ الصادقُ بنُ محمدٍالباقر، فيه كلّ ما يحتاجون إلى علمه إلى يوم القيامة
أيُّها الإخوةُ تعالَوا نمتّع قلوبنا وعقولَنا وأرواحَنا بشيءٍ يسير من وصايا أبي عبدالله جعفر بنِ محمّدٍالصادق عليه السّلام حيث يقول لأحدِ أصحابه:
ـ واعلمْ أنّه لا ورعَ أنفعُ منتجنّبِ محارمِ الله، والكفِّ عن أَذى المؤمنينَ واغتيابِهم، ولا عيشَ أهنأُ مِن حُسنِ الخُلق، ولا مالَ أنفعُ من القنوعِ باليسير المُجْزي، ولا جهلَ أضرُّ من العُجْب. وقال لآخر:
ـ أُوصيك بتقوى الله وصدقِ الحديثِ وأداءِ الأمانة وحسنِ الصحابة لمَن صحِبَك.. وإذا كان قبلَ طلوع الشمسِ وقبل الغروب فعليكَ بالدعاء.
• وفي إحدى وصاياه يقول: واقنعْ بما قسمه اللهُلك.. ولا تتمنَّ ما لستَ تناله، فإنّ مَن قنَع شبِع، ومَن لم يقنعْ لم يشبع، وخذ حظّكَ مِن آخرتك،ولا تكنْ بطِراً في الغِنى، ولا جزِعاً في الفقر، ولا تكنْ فظّاًغليظاً يكره الناسُ قُربَك، ولا تكن واهناً يحقّرُك مَن عرفك، ولا تَشارَّ مَنفوقك، ولا تسخرْ بمَن هو دونك، ولا تنازعِ الأمرَ أهلَه، ولا تُطعِ السفهاء، ولاتكنْ مَهيناً تحت كلِّ أحد، ولا تتّكلنَّ على كفاية أحد، وقفْ عند كلِّ أمرٍ حتّىتعرفَ مدخلَه مِن مَخرجِه، قبل أن تقعَ فيه فتندم..
• وأرشد أحدَهم فقال له: أقِلَّ النومَ باللّيلِ والكلامَ بالنهار، فما في الجسد شيءٌ أقلُّ شكراً من العينِ واللّسان.
ولا يقف الواقفُ على كلمات الإمام الصادق عليه السّلام، إلاّ ويرى ثروةً غنيّةً هائلة من المعارف الآخذةِ بالعقول إلى آفاق الهداية، وبالقلوب إلى رحاب التقوى والعبادة.. فهي تُوصل إلى كلّ خير، وتجنّب مِنكلّ شرّ، فهنيئاً للمُغترفِ مِن مناهله العذبةِ الصافية، المتّصلة بمنبع جدّه المصطفى رسول الهدى صلّى الله عليه وآله

الحمد لله رب العالمين

المؤرخ
02-03-2010, 05:37 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


بعد ثلاث وعشرين سنةً من واقعة كربلاء، رزق أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه واله)، وليداً ذكراً أسموه جعفر، وأبوه هو الإمام محمد الباقر (عليه السلام)، أمّا أمه فهي السيدة فاطمة. وجده هو الإمام زين العابدين (عليه السلام)، عاش جعفر مع أبيه وإلى جانب جدّه زين العابدين، وحين بلغ الثالثة عشرة من عمره، توفّي جدّه العظيم بعد حياةٍ مليئةٍ بالتقوى والعمل الصالح.
نشأ جعفر نشأةً صالحةً في بيت طاهر، تلّقى فيه أصول الصدق والإيمان، وقد لقّب فيما بعد بـ «الصادق»، أي الذي يقول الحقّ والصدق دائماً، وصار يعرف بـ « جعفر الصادق ». في تلك الأيام كان عبد الملك بن مروان حاكماً في بلاد المسلمين، وكان ممثله يدعى الحجاج بن يوسف، وهو رجل قاسي القلب عديم الرحمة، أنزل أشدّ العذاب والأذى بأصحاب وأهل أميرالمؤمنين عليّ عليه السلام، فكان يلقي بهم في السجون، وينكّل بهم، وكان بيت الإمام زين العابدين (عليه السلام) موضوعاً تحت مراقبة شديدة، وقد حظر على الجميع أن يقربوا هذا البيت الكريم، وفي الوقت الذي كان فيه أعداء آل البيت أحراراً يقولون ما شاءوا، فقد حرم أهل بيت الرسول من هذه الحرّيّة.
وبعد موت عبد الملك بن مروان استلم الحكم ابنه الوليد، وكان هذا أشدّ من أبيه ظلماً وجرأةً على آل بيت رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)، كما كان يجهر بعدائه للإسلام وأحكامه، لكنّ حكمه لم يطل كثيراً، فتسلّمه من بعده عمر بن عبد العزيز.
كان الإمام الصادق عليه السلام، في تلك الفترة من الزمن قد تجاوز أيّام شبابه، وكان أبوه الباقر عليه السلام إماماً وقائداً للأمّة. وفي عهد عمر بن عبد العزيز صار بمقدور الإمام الباقر عليه السلام أن يجلس إلى الناس، يحدّثهم ويعلّمهم أحكام الإسلام والقرآن الكريم، إلى جانب علوم أخرى كثيرةٍ. لكنّ حكم عمر بن عبد العزيز كان قصيراً جدّاً. وخلفه في الحكم هشام بن عبد الملك.
كان هشام رجلاً شديداً وقاسياً، لا يكتم بغضه لأهل البيت، وقد عانى الإمام الباقر كثيراً من شدة هشام، لكنّ قسوته - على أي حالٍ - لم تصل إلى درجة أسلافه. ويذكر أنّ هشاماً استدعى الإمام الباقر مرّةً، وطلب منه أن يسأله حاجةً يقضيها له، لكنّ الإمام طلب منه أن يدعه ليرجع إلى أهله في المدينة، ليتابع عمله في الوعظ والإرشاد. فوافق هشام، وعاد الإمام إلى المدينة، كما عاد إلى دروسه ومجالسه في مسجد جدّه الرسول (صلى الله عليه واله وسلم). وقد اجتمع حوله خلق كثير من طلاب العلم، والتحق بدروسه الشباب والشيوخ، ومنذ ذلك الحين، أصبحت عائلة الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) موضع اهتمام كبير من الناس، وكان الباقر على درايةٍ بعلومٍ كثيرةٍ، يتلقّاها عنه تلاميذه فينتشرون في كلّ اتّجاه نحو المدن والقرى، يجلسون إلى الناس ويعلمونهم ما تعلموه من الإمام، حتى انتشرت أحكام الإسلام وعلومه ومعارفه انتشاراً كبيراً.
شعر أعوان هشام بالخطر الذي تشكّله مجالس الإمام في توعية الناس، وكشف الحقائق أمامهم، ولكن لم يكن بمقدورهم عمل شيءٍ، لأنّ حكم بني أميّة كان قد بدأ يتّجه نحو الضعف، وصار الناس في كل مكانٍ يجابهون عمّال هشامٍ ويتمردون على أوامرهم، وهكذا تمكّن الإمام (عليه السلام) من الاستمرار في دروسه، كما استمرّ تلاميذه بالازدياد والانتشار.