المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يوم الرحيل



خادمة الحوراء زينب 1
14-03-2015, 05:32 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اللهم صل على محمد وال محمد
*******************************
دنت ساعة الرحيل ودقت أجراس الخوف وتسارعت نبضات القلوب وهاجت المشاعر فكان الذهول والوجل سمة من سمات الأحبّة هل يبقى للعليلة النحيلة نفس بعد كلّ هذا؟ وهل سيستمر ذلك القلب الكبير في نبضات حياة الدنيا؟ وهل ستعاود اليد المرتعشة حنانها على فلذات كبدها؟ وهل ستعود في يوم ما إبتسامة البيت النبوي وتدبّ فيه الحياة من جديد؟ وهل يمكن أن ينسى شيء من الفجائع الّتي جرت والأهوال الّتي حدثت والآلآم الّتي هدّت؟هل ينسى فقد الأب النبي العظيم(صلى اللّه عليه وآله وسلم)؟ أم ينسى غصب الخلافة من البعل(عليه السلام)وجرّه بحبائل سيفه حتّى كادوا يقتلونه؟ أم ينسى السقط القتيل المخضّب بالدماء المطبق تحت الثرى؟ أم ينسى فزع أفلاذ الأكباد وقد رُعّبوا بالهجوم على الدار؟
أم دنت ساعة الرحيل؟
تنقل لنا شاهدة عيان، عاشت الأحداث لا ببصرها فقط بل تألّمت وحزنت وانتحبت وفاضت عيناها دموعاً منهمرة وبقيت حزينة متألّمة مفجوعةً طيلة حياتها ولم تكن هذه مجرّد خادمة عند الزهراء(عليها السلام) بل كانت تلميذةً واعية وحبيبةً غالية والكلّ يعرفها بولائها الصادق لأهل بيت النبوة ألا وهي ( فضّة )،
فهل أنت على استعداد أن تعيش إحساساً مع هذه الكلمات الحزينة؟وتتوهج شعوراً مع هذه الفجائع الجسيمة؟ فإن كنت كذلك فهل لك صبر على المواصلة مع كلّ كلمة كلمة؟
لقد ابتدأ الخطاب يلوح عبر الأثير فالأنين والنحيب سبقا تلك الكلمات المثيرة فلا يفوتنّك حرف من حروف النور واجعل قلبك يستقبل ذلك الإرسال عبر الزمن ومن حيث يريد أن يبدأ:
صلّى أمير المؤمنين عليه السلام صلاة الظهر وأقبل يريد المنزل إذ استقبلته الجواري باكيات حزينات فقال لهنَّ: ما الخبر؟ ومالي أراكنَّ متغيّرات الوجوه والصّور؟ فقلن: يا أمير المؤمنين أدرك ابنة عمّك الزّهراء(عليها السلام) وما نظنّك تدركها.
فأقبل أمير المؤمنين(عليه السلام) مسرعاً حتّى دخل عليها وإذا بها ملقاة على فراشها وهو من قباطيِّ مصر وهي تقبض يميناً وتمدُّ شمالاً، فألقى الرِّداء عن عاتقه والعمامة عن رأسه وحلَّ أزراره وأقبل حتّى أخذ رأسها وتركه في حجره وناداها: يا زهراء فلم تكلّمه فناداها: يا بنت محمّد المصطفى! فلم تكلّمه فناداها: يا بنت من حمل الزَّكاة في طرف ردائه وبذلها على الفقراء! فلم تكلّمه فناداها: يا ابنة من صلّى بالملائكة في السماء مثنى مثنى! فلم تكلّمه فناداها: يا فاطمة كلّميني فأنا ابن عمّك عليٌّ بن أبي طالب.
قال: ففتحت عينيها في وجهه ونظرت إليه وبكت وبكى وقال: ما الّذي تجدينه فأنا ابن عمّك عليٌّ بن أبي طالب فقالت: يا ابن العمِّ إنّي أجد الموت
الّذي لا بدَّ منه ولا محيص عنه وأنا أعلم أنّك بعدي لا تصبر على قلّة التزويج فإن أنت تزوَّجت امرأة اجعل لها يوماً وليلة واجعل لأولادي يوماً وليلة يا أبا الحسن ولا تَصحْ في وجوههما فيصبحان يتيمين غريبين منكسرين فإنّهما بالأمس فقدا جدَّهما واليوم يفقدان أُمّهما، فالويل لأمّة تقتلهما وتبغضهما.
ثمَّ أنشأت تقول:
ابكني إن بكيت يا خير هادي واسبل الدَّمع فهو يوم الفراق
يا قرين البتول أوصيك بالنسل فقد أصبحا حليف اشتياق
ابكني وابك لليتامى ولا تنـ ـس قتيل العدى بطفِّ العراق
فقال لها عليٌّ(عليه السلام): من أين لك يا بنت رسول اللّه هذا الخبر
والوحي قد انقطع عنّا؟ فقالت: يا أبا الحسن رقدت الساعة فرأيت حبيبي رسول اللّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) في قصر من الدُّرِّ الأبيض، فلمّا رآني قال: هلمّي إليَّ يا بنيّة فإنّي إليكِ مشتاق فقلت: واللّه إنّي لأشدُّ شوقاً منك إلى لقائك فقال: أنت اللّيلة عندي وهو الصادق لِما وعد والموفي لما عاهد.
فإذا أنت قرأت يس فاعلم أنّي قد قضيت نحبي فغسّلني ولا تكشف عنِّي فإنّي طاهرة مطهّرة وليصلِّ عليَّ معك من أهلي الأدنى فالأدنى ومن رزق أجري وادفنّي ليلاً في قبري بهذا أخبرني حبيبي رسول اللّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم).
فقال عليٌّ: واللّه لقد أخذت في أمرها وغسّلتها في قميصها ولم أكشفه عنها فواللّه لقد كانت ميمونة طاهرة مطهّرة ثمَّ حنّطتها من فضلة حنوط رسول اللّه(صلى اللّه عليه وآله وسلم) وكفّنتها وأدرجتها في أكفانها فلمّا هممت أن أعقد الرِّداء ناديت يا أُم كلثوم! يا زينب! يا سكينة! يافضّة! يا حسن! يا حسين! هلمّوا تزوَّدوا من أُمّكم فهذا الفراق واللّقاء في الجنّة.
فأقبل الحسن والحسين(عليهما السلام) وهما يناديان واحسرتا لا تنطفئ أبداً من فقد جدِّنا محمد المصطفى وأُمِّنا فاطمة الزَّهراء يا أُمَّ الحسن يا أُمَّ الحسين إذا لقيت جدَّنا محمد المصطفى فاقرئيه منّا السلام وقولي له: إنّا قد بقينا بعدك يتيمين في دار الدُّنيا.
فقال أمير المؤمنين عليٌّ(عليه السلام): إنّي أشهد اللّه، أنّها قد حنَّت وأنّت ومدَّت يديها وضمّتهما إلى صدرها مليّا وإذا بهاتف من السّماء ينادي: يا أبا الحسن ارفعهما عنها فلقد أبكيا واللّه ملائكة السّماوات فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب قال: فرفعتهما عن صدرها وجعلت أعقد الرِّداء وأنا أنشد بهذه الأبيات:
فراقك أعظم الأشياء عندي وفقدك فاطم أدهى الثكول
سأبكي حسرة وأنوح شجواً على خلّ مضى أسنى سبيل
ألا يا عين جودي واسعديني فحزني دائم أبكي خليلي
ثمَّ حملها على يده وأقبل بها إلى قبر أبيها ونادى: السلام عليك يا رسول
اللّه السلام عليك يا حبيب اللّه السلام عليك يا نور اللّه السلام عليك يا صفوة اللّه منّي السلام عليك والتحيّة واصلة منّي إليك ولديك ومن أبنتك النازلة عليك بفنائك وإنَّ الوديعة قد استردَّت والرهينة قد أخذت فوا حزناه على الرَّسول ثمَّ من بعده على البتول ولقد اسودَّت عليَّ الغبراء وبعدت عنّي الخضراء فواحزناه ثمَّ واأسفاه.
ثمَّ عدل بها على الرَّوضة، فصلّى عليها في أهله وأصحابه ومواليه وأحبّائه، وطائفة من المهاجرين والأنصار، فلمّا واراها وألحدها في لحدها.
أنشأ بهذه الأبيات يقول:
أرى علل الدُّنيا عليَّ كثيرة وصاحبها حتّى الممات عليل
لكلِّ اجتماع من خليلين فرقة وإنَّ بقائي عندكم لقليل
وإنَّ افتقادي فاطماً بعد أحمد دليل على أن لا يدوم خليل
هل حقّاً ماتت الأمّ المحزونة المكروبة متأثرة بضرب اللئام لها؟ أم ماتت لإسقاط جنينها؟ أم ماتت غُصّة من الذلّ الّذي أصابها من ذلك؟ أم تكالبت عليها الآلآم من كلّ ذلك فاستلقت على فراشها وسلّمت لبارئها؟