المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بعض من حياة الزهراء فاطمة



نور العترة
22-03-2015, 08:41 PM
لقد عاشت الزهراء فاطمة(عليها السلام) في ظلّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) واُ مّها خديجة(عليها السلام) ثمّ انفردت بأبيها حتّى هجرته(صلى الله عليه وآله) الى يثرب إذ كان يرعاها وترعاه بحنان الاُمومة، ثم اقترنت بابن عمّها علي بن أبي طالب(عليه السلام) فأصبحت تستظلّ بظلال أبيها محمد (صلى الله عليه وآله) وفي كنف دولة الإسلام الفتية، تسعى جاهدة لأداء مهامّها الرساليّة والعائلية جنباً إلى جنب، حتى غربت شمس النبوّة العظمى بوفاة الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)، وحدثت الطامّة الكبرى في إفلات زمام الزعامة السياسية للدولة الإسلامية الفتية من يد الإمام علي ابن أبي طالب(عليه السلام) ، فكانت العضد الوحيد للإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) المسؤول عن معالجة الموقف الحرج معالجة رسالية بعيدة عن التحيّز القبلي أو العاطفي.
لقد عاشت الزهراء(عليها السلام) في كنف زوجها الإمام علي(عليه السلام) بعد أبيها(صلى الله عليه وآله) فترة قصيرة جداً وتجرّعت من الغصص والمحن ما لم يعلم مدى مرارتها إلاّ الله سبحانه وتعالى بارئ النفوس وعلاّم الغيوب.

الزهراء(عليها السلام) مع أبيها رسول الله(صلى الله عليه وآله)

وفاة السيّدة خديجة وعام الحزن :

وتمرّ سنون الحصار صعبة ثقيلة، ويخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن معه من الحصار والمقاطعة ، وقد كتب الله تعالى لهم النصر والغلبة ، وتخرج خديجة وقد أثقلتها السنون وأرهقها عناء الحصار والحرمان ، وها هي قد قضت بالجدّ والصبر عمرها الجهادي المشرق وحياتها المثالية الفريدة في دنيا المرأة ، لقد قرب أجل خديجة وشاء الله تعالى أن يختارها لجواره ، فتتوفى في ذلك العام الذي خرج فيه بنو هاشم من الحصار وكان العام العاشر من البعثة .
وتوفّي في العام ذاته أبو طالب عمّ الرسول (صلى الله عليه وآله) وحامي الدعوة الإسلامية وناصر الإسلام، ولقد شعر رسول الله بالحزن والأسى ، وأحسّ بالفراق والوحشة ، إنّه فقد الحبيب والعون والمواسي ، فقد خديجة زوجته وحبيبته وعونه، وفقد عمّه الحامي والمدافع عنه ، فسمّى ذلك العام بــ ( عام الحزن ) .وليس رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحده هو الذي رزئ في ذلك العام، بل وفاطمة الصبية الصغيرة التي لم تشبع من حنان الاُمومة وعطف الوالدة بعد ، فقد شاطرته المأساة ورزئت هي الاُخرى ، فشملتها المحنة في ذلك العام الحزين، وشعرت بغمامة الحزن واليتم تخيّم على حياتها الطاهرة .ويحسّ الأب الرسول (صلى الله عليه وآله) بوطأة الحزن على نفس فاطمة (عليها السلام) ويرى دموع الفراق تتسابق على خديها، فيرقّ القلب الرحيم ، وتفيض مشاعر الود والاُبوة الصادقة ، فيحنو رسول الله (صلى الله عليه وآله) على فاطمة ، يعوضها من حبّه وحنانه ما فقدته في اُمهّا من حبّ ورعاية وحنان .لقد أحبّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة وأحبته وحنا عليها وحنت عليه ، فلم يكن أحد أحبّ إلى قلبه ولا إنسان أقرب إلى نفسه من فاطمة ، لقد أحبها وكان يؤكّد ـ كلّما وجد ذلك ضرورياً ـ هذه العلاقة بفاطمة ، ويوضّح مقامها ومكانتها في اُمّته ، وهو يُمهّد لأمر عظيم وقدر خطير يرتبط بفاطمة ، وبالذريّة الطاهرة التي أعقبتها فاطمة وبالاُمة الإسلامية كلّها ، كان يؤكّد ذلك ليعرف المسلمون مقام فاطمة ومكانة الأئمة من ذريّتها ليعطوا فاطمة حقّها ، ويحفظوا لها مكانتها ، ويراعوا الذرّية الطاهرة حقّ رعايتها ، فها هو رسول الله(صلى الله عليه وآله) يعرّف فاطمة ويؤكد للمسلمين : «فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني»
وتكبر فاطمة (عليها السلام) وتشبّ ويشبّ معها حبّ أبيها لها، ويزداد حنانه عليها، وتبادله هي هذا الحب وتملأ قلبه بالعطف والرعاية فيسميها «أُمّ أبيها » .إنّه النموذج القدوة من العلاقة الأبوية الطاهرة التي تساهم في بناء شخصيّة الأبناء وتوجّه سلوكهم وحياتهم ، لقد كانت هذه العلاقة هي المثل الأعلى في رعاية الإسلام للفتاة والعناية بها وتحديد مكانتها.
فاطمة الممتحنة :

وشاء الله سبحانه وتعالى أن تشهد فاطمة فترة صراع الدعوة في مكة ، وتشهد محنة أبيها (صلى الله عليه وآله) ، فترى الأذى والاضطهاد يقع عليه ، وتشهد جوّ مكة المعادي لبيت النبوّة ، بيت الهدى والإيمان والفضيلة ، وتشاهد أباها والصفوة المؤمنة من دعاة الإسلام والسابقين بالإيمان يخوضون ملحمة البطولة والجهاد ، فيؤثّر هذا الجوّ الجهادي في نفسها ، ويساهم في تكوين شخصيّتها وإعدادها لحياة التحمّل والمعاناة ، لقد عايشت فاطمة كلّ ذلك وهي بعد لمّا تزل صبيّة صغيرة، لقد عايشت المحنة الأشد مع أبيها، بعد فقد اُمها ، المواسي والأنيس والحبيب الذي كان يخفّف عنها متاعب الحياة والآلام والاضطهاد ، وبعد فقده عمّه أبا طالب حامي الدعوة والمدافع عن رسول الله الذي ما تجرأت قريش في حياته أن تؤذيه (صلى الله عليه وآله) أو تنال منه شيئاً ، إلاّ كان لها بالمرصاد، هذه الحماية التي عبّر عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد فقده أبا طالب بقوله : « ما زالت قريش كاعة عنّي حتى مات أبو طالب ».
لقد صبّت قريش حقدها وأذاها على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تلك الفترة العصيبة من عمر الدعوة ، وبكل ما تملك من وسائل الأذى والاستهزاء والسخرية ومحاولات الانتقاص من مكانة محمد (صلى الله عليه وآله) وشخصيته
لقد تحمّل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أجل دعوته وفي سبيل مبادئه ورسالته ما لم يتحمّله أحد من الأنبياء ، فقد بلغ الأمر بأحد سفهاء قريش أن يغترف غرفة من تراب الأرض ويقذفها في وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى رأسه ، فيتحمّل رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذا الأذى ويعود إلى بيته صابراً محتسباً وقد لطخ التراب وجهه ورأسه، ويعود إلى بيته وفاطمة (عليها السلام) تنظر اليه فترى ما لحق به من أذى قريش وتماديها في الصلف والغرور ، فيحزّ الألم في نفسها ويعظم عليها تجرؤ السفهاء والمغرورين من طغاة الجاهلية ومتكبّريها على رسول الله(صلى الله عليه وآله) ثم تقوم لأبيها وتنفض التراب عنه وتأتي بالماء وتغسل رأسه ووجهه الكريم .ولم يمرّ هذا المشهد المؤلم دون أن يؤثّر في نفسها (عليها السلام) فيستبدّ بها الحزن والألم على القائد رسول الله أبيها (صلى الله عليه وآله) فتبكي وتتألّم لجرأة هؤلاء الجاهلين الطغاة على رجل يريد أن يخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم سبيل الهدى والرشاد ، ويؤثّر موقف فاطمة في نفس أبيها (صلى الله عليه وآله) ويشعر بحرارة الألم تمسّ قلبها ، فيحاول (صلى الله عليه وآله) أن يخفّف عنها ويحثّها على التجلّد والتحمّل ، فيمدّ يديه الكريمتين ويضعهما على رأسها فيمسّه برقّة وحنان وهو يقول لها : « لا تبكي يا بنية فإنّ الله مانع أباك ، وناصره على أعداء دينه ورسالته »
بهذه الكلمات الجهادية المربّية يحاول رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يزرع في نفس فاطمة (عليها السلام) روحاً جهادية عالية ، ويملأ نفسها وقلبها بالصبر والثقة بالنصر .
ولم تنته هذه المشاهد المثيرة المؤلمة ولم يقف أذى قريش واستخفافها برسول الله (صلى الله عليه وآله) ودعوة الحقّ والهدى والتحرير إلى هذا الحدّ ، بل راحت تتمادى في غيّها وتصرّ على عنتها وكبريائها ، فقد روي عن عبدالله ابن مسعود أنّه قال : ما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعا على قريش غير يوم واحد، فإنّه كان يصلّي ورهط من قريش جلوس ، وسلى جزور قريب منه ، فقالوا : من يأخذ هذا السلى فيلقيه على ظهره ، فقام رجل ـ وهو عقبة بن أبي معيط ـ وألقاه على ظهره فلم يزل ساجداً حتى جاءت فاطمة (عليها السلام) فأخذته عن ظهره فقال (صلى الله عليه وآله) : « اللهمّ عليك الملأ من قريش ، اللهمّ عليك بعتبة بن ربيعة ، اللهمّ عليك بشيبة بن ربيعة، اللهمّ عليك بأبي جهل بن هشام، اللهمّ عليك بعقبة بن أبي معيط، اللهمّ عليك باُبي بن خلف واُمية بن خلف ». قال عبدالله بن مسعود : فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر جميعاً ثم سحبوا إلى القليب غير أُبي بن خلف أو اُمية فإنّه كان رجلاً ضخماً فتقطع .
http://www.alkafeel.net/forums/attachment.php?attachmentid=23875&stc=1