المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المغفلة .. (قصة قصيرة من الأدب الروسي)



صادق مهدي حسن
17-04-2015, 04:40 PM
منذ أيام دعوتُ الى غرفة مكتبي مربّية أولادي (يوليا فاسيليفنا) لكي أدفع لها حسابها
- قلت لها : إجلسي يا يوليا … هيّا نتحاسب … أنتِ في الغالب بحاجة إلى النقود ولكنك خجولة إلى درجة انك لن تطلبينها بنفسك .. حسناً .. لقد اتفقنا على أن أدفع لك (ثلاثين روبلاً) في الشهر
- قالت : أربعين
- قلت : كلا .. ثلاثين .. هذا مسجل عندي … كنت دائما أدفع للمربيات (ثلاثين روبلاً) …
- حسناً
- لقد عملت لدينا شهرين
- قالت : شهرين وخمسة أيام
- قلت : شهرين بالضبط .. هذا مسجل عندي .. إذن تستحقين (ستين روبلاً) ..
نخصم منها تسعة أيام آحاد .. فأنت لم تعلّمي (كوليا) في أيام الآحاد بل كنت تتنزهين معهم فقط .. ثم ثلاثة أيام أعياد .
تضرج وجه (يوليا فاسيليفنا) وعبثت أصابعها بأهداب الفستان ولكن لم تنبس بكلمة
واصلتُ …
- نخصم ثلاثة أعياد إذن المجموع (إثنا عشر روبلاً) .. وكان (كوليا) مريضاً أربعة أيام ولم تكن يدرس .. كنت تدرّسين لـ (فاريا) فقط .. وثلاثة أيام كانت أسنانك تؤلمك فسمحتْ لك زوجتي بعدم التدريس بعد الغداء .. إذن إثنا عشر زائد سبعة .. تسعة عشر .. نخصم ، الباقي .. (واحد وأربعون روبلاً) .. مضبوط ؟
- إحمرّت عين (يوليا فاسيليفنا) اليسرى وامتلأت بالدمع ، وارتعش ذقنها .. وسعلت بعصبية وتمخطت ، ولكن … لم تنبس بكلمة
- قلت : قبيل رأس السنة كسرتِ فنجاناً وطبقاً .. نخصم (روبلين) .. الفنجان أغلى من ذلك فهو موروث ، ولكن فليسامحك الله !! علينا العوض .. وبسبب تقصيرك تسلق (كوليا) الشجرة ومزق سترته .. نخصم عشرة .. وبسبب تقصيرك أيضا سرقتْ الخادمة من (فاريا) حذاء .. ومن واجبكِ أن ترعي كل شيء فأنتِ تتقاضين مرتباً .. وهكذا نخصم أيضا خمسة .. وفي 10 يناير أخذتِ مني (عشرة روبلات)
- همست (يوليا فاسيليفنا) : لم آخذ
- قلت : ولكن ذلك مسجل عندي
- قالت : حسناً، ليكن
- واصلتُ : من واحد وأربعين نخصم سبعة وعشرين .. الباقي أربعة عشر
امتلأت عيناها الاثنتان بالدموع .. وظهرت حبات العرق على أنفها الطويل الجميل .. يا للفتاة المسكينة
- قالت بصوت متهدج : أخذتُ مرةً واحدةً .. أخذت من حرمكم (ثلاثة روبلات) .. لم آخذ غيرها
- قلت : حقا ؟ .. انظري وانا لم أسجل ذلك !! نخصم من الأربعة عشر ثلاثة .. الباقي أحد عشر .. ها هي نقودك يا عزيزتي !! ثلاثة .. ثلاثة .. ثلاثة .. واحد ، واحد .. تفضلي .
ومددت لها (أحد عشر روبلاً) ..
فتناولتها ووضعتها في جيبها بأصابع مرتعشة .. وهمست : شكراً
انتفضتُ واقفاً واخذتُ أروح وأجيء في الغرفة واستولى عليّ الغضب
- سألتها : شكراً على ماذا ؟
- قالت : على النقود
- قلت : يا للشيطان ولكني نهبتك .. سلبتك ! .. لقد سرقت منك ! .. فعلام تقولين شكراً ؟
- قالت : في أماكن أخرى لم يعطوني شيئاً
- قلت : لم يعطوكِ ؟! أليس هذا غريبا !؟ لقد مزحتُ معك .. لقنتك درساً قاسياً ..
سأعطيك نقودك .. (الثمانين روبلاً) كلها .. ها هي في المظروف جهزتها لكِ !! ولكن هل يمكن أن تكوني عاجزة الى هذه الدرجة ؟ لماذا لا تحتجّين ؟ لماذا تسكتين ؟ هل يمكن في هذه الدنيا ألاّ تكوني حادة الأنياب ؟ هل يمكن ان تكوني مغفلة إلى هذه الدرجة ؟
- ابتسمتْ بعجز فقرأت على وجهها : “يمكن”
- سألتُها الصفح عن هذا الدرس القاسي وسلمتها ، بدهشتها البالغة ، (الثمانين روبلاً) كلها .. فشكرتني بخجل وخرجت ..
تطلعتُ في أثرها وفكّرتُ : ما أبشع أن تكون ضعيفاً في هذه الدنيا .

صادقة
17-04-2015, 08:04 PM
تطلعتُ في أثرها وفكّرتُ : ما أبشع أن تكون ضعيفاً في هذه الدنيا .

أحيانا لا يكون ضعف الإنسان ناتج عن إرادته
فالمربية في القصة ليست مغفلة لأنها كانت تعقب على كلام سيدها
لكنها كانت مغلوب على أمرها فعلى ما يبدو أنها مرت بظروف قاسية مع أناس أقسى أجبرتها على رفع راية الاستسلام

و مثلها الكثيرين في مجتمعنا
ممن يوقعون على وثيقة ظلمهم مكرهون لا برضاهم
و ذلك لأنهم مجبرين ربما لظروف خاصة بهم وربما لأنهم يعيشون واقع يصعب تغييره
أو لأن الظالم الذي يتعاملون معه أخطبوط إن قطع له ذراع أظهر لهم أذرعه الأخرى


شكرا جزيلا اخي الكريم للقصة و مغزاها
بحق لقد تفاعلت معها كثيرا وشدتني لأعرف النهاية
.. وما أكثر القصص التي تحاكيها في مجتمعي :(


دمت بخير وعافية وعين الله ترعاك


احترامي وتقديري

لواء الطف
18-04-2015, 11:27 AM
أحسنتم أخي الفاضل ..

قد اتفق مع الاخت الكريمة (صادقة ) فلا اسمّي هذه المرأة ( مغفلة ) بل ربما وصف ( مقهورة او مستضعفة ) انسب لها حسب اعتقادي

ذكرتني هذه القصة بحال بعض الناس عند مراجعتهم لبعض دوائر الدولة وكيف يحتال بعض الموضفين عليهم بالتسويف والتأجيل وتحميلهم اخطاء ليست منهم بل قد تكون من الموضف نفسه ..

والمشكلة أنه احيانا لا يجرؤ احد على ان يقول للموضف ( أنت السبب ) أو ( الخطا منك )

والمشكلة الأكبر هي انه اذا نفذ صبر أحد المراجعين وغضب لتأخير انجاز معاملته وهم بالاحتجاج على الموضف ( الذي غالبا ما يتأخر عن موعد بداية الدوام بنصف ساعة او أكثر )او اراد الاستفهام منه لسبب التأخير في الانجاز او الترويج ستجد من ينبري من المراجعين للدفاع عنه وانه ( تعبان !!) ( الله يساعده !!! ) (خل يشتغل !! ) ... الخ

مع ان هذا الموضف ما هو الا (( خادم )) للمواطنين لأنه يعيش على اموالهم ولهم حقوق عليه يجب عليه ان يؤديها شاء ام أبى ..

اظن ان بعض الناس قد اعتاد على سياسة الاستعباد لأنهم وجدوا من يعطيهم الاستسلام والانقياد ...!!

تحياتي لكم اخي المحترم

أبو منتظر
19-04-2015, 12:32 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد


اتفق تماما مع الاخت الكريمة صادقة على ما تفضلت به من تحليل منطقي
واختلف في بعض ماذكره الاخ الكريم لواء الطف مع كون المواطن استسلم لسياسة الاستعباد والاستسلام
واعتقد انك اخي الكريم قد اخذت مثالك من داخل المجتمع العراقي وعليه علقت على مشاركتكم
فانت تعرف كما انا اعرف والكثير من الناس يعرف بانك اذا مااعترضت على الموظف فان معاملتك سوف تتاخر او قد لاتنجز ابدا او قد تضيع
ولو قلت لي بان هناك ابوابا يمكن طرقها لتقديم الشكوى ضد هذا الموظف فاقول لك بصراحة وكما تعرف واقع الحال بان شكواك لن تسمع وقد تقلب الامور ضدك تماما (ويابو بشت بيش بلشت)
ولكن في حالة واحدة انه قد تسمع شكواك وهو ان تكون عندك واسطة متسلطة او عندك مال لتشتري الذمم
وهذا الامر كما تعلم لايرضاه الله
لذا سيبقى الامر على ماهو عليه الى ان يتم الاصلاح من القمة وهذا الكلام فيه كلام وكلام ليس هنا محله

والقصة بصراحة اشارت لي ابعد مما تصوره من سبقني بالعلم قبل المشاركة
فانا تصورت حال شعوبنا المغلوب على امرها وبحال من يتحكم بها من الماكنة والادارة الغربية المتنفذة على جميع اصقاع الارض الا مارحم ربي.
ويمكن هنا ان يرد تصور اخي الكريم لواء الطف حول هذه الشعوب او اكثرها بانها قد استسلمت وسلمت امورها لغيرها مستعبدة اياها

الاخ الرائع صادق مهدي حسن
لقد اجدت كما انت دائما مجد ومجتهد لنشر كل ماهو رائع ومميز، فانت مثال يقتدى به، فلنعم المربي الفاضل
دمت متألقا مسدادا..................

صادق مهدي حسن
19-04-2015, 05:26 AM
الاخ الرائع صادق مهدي حسن
لقد اجدت كما انت دائما مجد ومجتهد لنشر كل ماهو رائع ومميز، فانت مثال يقتدى به، فلنعم المربي الفاضل
دمت متألقا مسدادا..................

الأخ الكريم أبو منتظر..

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

أشكرك جداً لثناءك الطيب ..

جزاك الله الف خير ورحمة وبركة