المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ولاده زين العابدين عليه السلام فمن هو زين العابدين



كربلاء الحسين
21-05-2015, 03:27 AM
هي ولادة الإمام زين العابدين(ع)، فمن هو زين العابدين يا ترى؟إن الناس يعرفونه في الدعاء وفي البكاء، ولكن عندما تقرأ زين العابدين(ع)، فإنك تجده في حياته التي بدأت في قلب المأساة، حيث شاهد في يوم واحد كلّ هذه الصفوة الطيّبة من أهل بيته وأصحاب أبيه، وفي طليعتهم أبوه، مجزّرين كالأضاحي، وكان في قمة الصبر، لأنه كان في قمة الروح، ولأنه كان في تلك اللحظة يعيش مع الله سبحانه وتعالى، كما كان أبوه في آخر لحظات حياته يعيش مع الله، وقد صوّر الشاعر مشاعره آنذاك بقوله:
تركتُ الخلق طرّاً في هواك وأيتمت العيال لكي أراك
فلو قطّعتني في الحب إربـاً لما مـال الفؤاد إلى سواك
وعاش الإمام زين العابدين(ع) في تلك المرحلة، ووقف في مجلس ابن زياد ليؤنّبه، وليردّ عليه بما أثار حقده، فكاد أن يقتله لولا تدخّل عمّته السيّدة زينب(ع)، وعاش في الطريق مع السبايا، ولم يضعف، ولم يهن، ووصل إلى الشّام، ورأى كلّ مظاهر الشماتة والفرح بمقتل أبيه وأهله، وبقي قويّاً صامداً، ودخل مجلس يزيد، وتحدّث بكلّ القوّة والعنفوان الرسالي. ولذلك، إن كنتم حقاً أتباعه ومريديه، خفّفوا عن زين العابدين(ع) حديثكم في الشّعر الذي يصوّره ذليلاً، ذلك أن مشكلة الشعراء أنهم يسقطون عنفوان الأبطال في عالم المأساة، وإني لأخجل عندما أسمع شاعراً يكرّر الخطباء شعره:
أُقادُ ذليـلاً في دمشق كأنّني من الـرّوم ضلّ عنه نصير
هل هذا هو زين العابدين(ع)؟!
إنّ أعداءه كانوا يتمثّلون عنفوان العزّة في عينيه، فيخشعون له، ولا يمكن أن يُرى زين العابدين(ع)، الّذي تربّى على العزّة ونهل معانيها، ذليلاً. فلماذا نسيء إلى الإمام زين العابدين(ع) بمثل هذه الأشعار؟ هل من أجل أن نبكي؟ إنّنا لسنا بحاجة إلى هذه الصّورة لتنساب دموعنا، بل يكفي أن نتصوّر المأساة وهي تعيش في كلّ مفصل من مفاصله، وهو يتمرّد عليها ويتغلّب عليها، ويكفي أن نتطلّع إلى ذلك الجوّ الذي عاش فيه، لنبكي على الأمّة كيف تنكّرت لإمامها، ونبكي عليها كيف تقتل مخلّصها ومنقذها وسيّدها، وتنحني للطاغية الّذي يتّخذ مال الله دولاً وعباده خولاً، كما قال الإمام الحسين(ع)، وهو يصوّر حال الأمّة آنذاك.
وعندما كان زين العابدين(ع) يبكي، كان يريد أن يذكّر النّاس بالحسين(ع)، ليبكي النّاس واقعهم الّذي يشابه الواقع الّذي قتل الحسين(ع).
ثم إنّكم تتحدّثون عن الإمام زين العابدين(ع) كإنسان يقضي اللّيل والنّهار في العبادة والدّعاء، وكأن لا شغل له إلا الدّعاء، ولكنّه(ع) أراد أن يجدّد الدّعاء، وأن لا يقتصر على التضرّع، بل أن يدخل الإسلام كله في قيمه وأخلاقه وعقيدته في مفاصل الدعاء؛ فإذا قرأت زين العابدين(ع) في أدعيته، فإنك تشعر بأن الدعاء يثقّفك في العقيدة، وفي الأخلاق، وفي حركة الحياة، وفي الواقع الإسلامي الذي يحارب هنا ويسالم هناك.
إن دعاء الإمام زين العابدين(ع) مدرسة، ولكنّ مشكلتنا أننا كمن يدخل المدرسة ليحفظ دروسها في ذاكرته، ولكنّه لا يُدخل دروسها في عقله وقلبه وروحه، ولذلك، فقد نرى الكثيرين ممن ينجحون في الامتحان، ولكنّهم لا ينجحون في ثقافة ما امتحنوا به، فهم أميّون رغم أنّ معهم أكثر من شهادة جامعية، وهم أميّون رغم أن معهم أكثر من شهادة حوزوية، لأن الدعاء الذي خطّط له الأنبياء وحرّكه القرآن في أكثر من أفق، يراد للإنسان أن يتدبره، ويعيشه، ويتحرّك من خلاله، ويسمو إلى الله في هذا الجوّ، تماماً كما هو القرآن، ولقد كان الإمام زين العابدين(ع) في علاقته مع الله سبحانه وتعالى، وفي تجليّاته وابتهالاته، شاعر الله.
وكان(ع) يقضي النهار مع الناس، وكان يعلّمهم، ويرشدهم، ويعظهم، ويجيب عن أسئلتهم، ويخطّط لهم ما ينبغي معرفته من الحقوق الإنسانية التي ركّزها الإسلام. ولأول مرة نقرأ دستور الحقوق في الإسلام في كلّ ما يتصل بحياة الإنسان المؤمن مع الله ومع نفسه ومع الناس ومع مسؤولياته، حتى إن كل مسؤولية من مسؤولياتك لها حقّ عليك، فالصلاة لها حق عليك، والصوم له حق عليك، والزكاة لها حق عليك، والحج له حق عليك، فرسالة الحقوق هي الرسالة التي سبقت كلّ دساتير حقوق الإنسان، لأنها لم تكتفِ بحقوق الإنسان فقط، وإنما حركت حقوق المسؤولية في الإنسان، وانفتحت في البداية على حقّ الله سبحانه وتعالى.
وعندما نقرأ زين العابدين(ع) في مواعظه، كما في (الكافي)، فإننا نرى أن الإمام(ع) كان يأتي المسجد في كلّ يوم جمعة، ويلتفّ الناس حوله، وكان يعظهم، ويرشدهم، ويقرّبهم إلى الله، ويبصّرهم بمسؤولياتهم، ما يعني أنه كان مشغولاً بتثقيف المجتمع الإسلامي وتوعيته، وكان يريد أن يثقّف المجتمع بالثورة على الظلم، بحيث تكون الثورة على الظلم جزءاً من إسلام الإنسان ومن إيمانه، ومما يتقرّب به إلى الله، لأنه عندما عاش تجربة كربلاء، ورأى أن الناس ساروا مع يزيد وخذلوا الحسين(ع)، وقبل ذلك خذلوا سفيره مسلماً(رض)، وخذلوا أخاه الحسن(ع) وأباه عليّاً(ع)، فإنه كان يرى أن هؤلاء الناس يعيشون الإسلام طقوساً وتقاليد، ولم يعيشوا الإسلام إيماناً بالله العادل الذي أنزل الرسالات ليقوم الناس بالقسط، والذي أراد للناس أن يكونوا الأعزاء، وللمستضعفين الوقوف بوجه المستكبرين، فلا يدفعهم استضعافهم أمام المستكبرين لتنفيذ خططهم.
لذلك، كانت الثورة الإمامية بعد الحسين(ع) ثورة تثقيفية تعبوية توعوية، تريد أن تربط الإنسان بالله، ليرتبط بكلّ القيم الإسلامية، بحيث لو أن الدنيا كلها ضغطت عليه، لبقي واقفاً على قدميه، كما قال علي(ع) لولده محمد بن الحنفية: "تزول الجبال ولا تزل... تِد في الأرض قدمك، أعِر الله جمجمتك، إرم ببصرك أقصى القوم"[12] (http://arabic.bayynat.org.lb/ArticlePage.aspx?id=12003#_edn12)، كانوا يريدون أن يقف الإنسان المسلم راسخاً أمام الطغيان والظلم والاستكبار، يثبّت قدمه، ويصلّب موقفه، ولا يخاف أحداً إلا الله. وكما قال الإمام الصادق(ع) عن المؤمن: "المؤمن أعزّ من الجبل، إنّ الجبل يستقلّ منه بالمعاول والمؤمن لا يستقلّ من دينه شيء