المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مناظرة الإمام الرضا عليه السلام مع علماء الأديان والمذاهب



عطر الولايه
26-08-2015, 09:01 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وسهل مخرجهم
وصل اللهم على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها عدد ماأحاط به علمك

وعجل فرج يوسفها الغائب ونجمها الثاقب واجعلنا من خلص شيعته ومنتظريه وأحبابه يا الله
السلام على بقية الله في البلاد وحجته على سائر العباد ورحمة الله وبركاته

يعتبر مجلس المأمون الذي عقده للمناظرة بين الإمام الرضا عليه السلام وبين علماء الأديان والمذاهب، مجلساً فريداً حيث لم ينعقد مجلس مثله من ظهور الإسلام الى غيبة ولي الأمر أرواحنا فداه ! فلم يحدث أن جمع رئيس أقوى دولة كل القدرات العلمية على وجه الأرض ، وعرضوا قوتهم في مناظرة مع إمام معصوم عليه السلام !
لقد استعمل المأمون كل ما أوتي من دهاء وشيطنة ليحرج الإمام الرضا عليه السلام ويغلبه ولو واحد من أولئك العلماء فباؤوا جميعاً بالفشل!

وقد وررد في الحديث القدسي الذي أهداه جبرئيل عليه السلام مكتوباً على لوح الى الصديقة الكبرى فاطمة عليها السلام فيه أسماء الأئمة من ولدها عليهم السلام ، ورد وصف المأمون بأنه: عفريت مستكبر ! (الكافي ج1ص527) ، والعفريت أطلق في القرآن في قصة سليمان عليه السلام على ذلك الجني الذي كان في مقابل وصي سليمان الذي عنده علمٌ من الكتاب: قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ. قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ. ( سورة النمل:38-40).


والتعبير عن المأمون بعفريت يدل على أنه جمع القدرة والشيطنة، مع تكبره وتنمرده !
إن ابتلاء كل معصوم بحاكم عصره يتم بقانون للإبتلاء حسب خصائص ذلك العصر والإمام وعلى هذا الإمتحان الرباني يبتني مقام الإمام ودرجته عليه السلام !
كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في وصف الإمام الرضا عليه السلام قولها: (يخرج رجل من ولد ابني موسى اسمه اسم أمير المؤمنين عليه السلام إلى أرض طوس وهي بخراسان يقتل فيها بالسم فيدفن فيها غريباً. من زاره عارفاً بحقه أعطاه الله عز وجل أجر من أنفق من قبل الفتح وقاتل). (من لايحضره الفقيه:2/583، وعيون أخبار الرضا:1/285).
وروى حمزة بن حمران قال: (قال أبو عبدالله عليه السلام : يقتل حفدتي بأرض خراسان في مدينة يقال لها طوس، من زاره إليها عارفاً بحقه أخذته بيدي يوم القيامة فأدخلته الجنة، وإن كان من أهل الكبائر. قال: قلت جعلت فداك وما عرفان حقه؟ قال: يعلم أنه إمامٌ مفترض الطاعة شهيد. من زاره عارفاً بحقه أعطاه الله تعالى أجر سبعين ألف شهيد ممن استشهد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حقيقة) (من لايحضره الفقيه :2/584، وعيون أخبار الرضا عليه السلام :1/289 ) (1)
وإن كان من أهل الكبائر.. هذا تعبير عجيب يدل على مقام الإمام الرضا عليه السلام ومقام زواره ! والكلمة المحيرة أكثر بعده: أجر سبعين ألف شهيد..الخ! حيث أن المستشهدين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منهم شهداء على المعنى الحقيقي، ومنهم شهداء على المعنى المجازي ، وزائر الإمام الرضا عليه السلام له أجر سبعين ألف شهيد حقيقي !!
إن فرق الإكسير عن الكيمياء كما يقول القدماء ، أن الكيمياء مادة تُحول المعدن الى ذهب، لكن الإكسير مادة تغير طبيعة المواد الأخرى وتعطيها خصائص الإكسير ! والإنسان إذا وصل الى مرحلة من النجاح في الإمتحان الإلهي الذي قرره الله له واختصه به ، يصبح مثل الإكسير بحيث لو تحركت شفتا إنسان عند قبره ينتقل أثر الإكسير عبر ضريحه اليه ، فيُحدث انقلاباً في روح الزائر ، ويصير شهيداً مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بدر !

إن ذلك من تأثير الإمام فيمن يزوره، وخاصية إكسيره التي أثرت في زائره!



فماذا فعل الإمام الرضا عليه السلام حتى وصل الى هذه الدرجة ؟




لقد عَبَرَ امتحانات ربه ، ومنها ابتلاؤه بذلك العفريت المستكبر ! وتحمل في جميع تلك الشدائد وصبَر ، حتى تعجبت الأنبياء عليهم السلام من صبره !


وماذا عسانا عرفنا عن الإمام الرضا عليه السلام : عن شخصيته، وكيف عاش ، وكيف كان يمضي نهاره وليله؟ وكيف امتحنه الله، ونجح في الإمتحان؟!
عندما أهدى قميصه الى دعبل قال له: إحتفظ بهذا القميص، فقد صليت فيه ألف ليلة ألف ركعة ، وختمت فيه القرآن ألف ختمة . (أمالي الطوسي ص359 ) (2)
وكان يختم القرآن في ثلاثة أيام، لكن كيف ؟ لا يمر بآية حتى يرى جوانبها وأطرافها ، وسبعة أعماقها ، ويستخرج من جواهرها ولآليها !
هذا عمله اليومي عليه السلام ، وعندما ابتلي بولاية العهد للمأمون كان مجلسه ينعقد كل يوم ، ويواجه أنواع الأحداث والمؤامرات !

ذات يوم قرر المأمون أن يجمع كيده فيجمع له (السحرة)من العلماء والمفكرين من أقطار الدنيا ليناظروه ويفحموه ! وخطط لذلك واستعمل فنون دهائه، وأنواع سلطته، وبريق ذهبه! (أمر الفضل بن سهل أن يجمع له أصحاب المقالات مثل الجاثليق(رئيس الأساقفة)ورأس الجالوت (عالم اليهود) ورؤساء الصابئين والهربذ الأكبر( عالم المجوس وقيل عظماء الهنود ) وأصحاب زردهشت (زرادشت) ونسطاس الرومي (عالم بالطب) والمتكلمين (الفلاسفة وعلماء المذاهب الإسلامية) ليسمع كلامه وكلامهم، فجمعهم الفضل بن سهل ثم أعلم المأمون باجتماعهم ! ) (عيون أخبار الرضا عليه السلام :2/139)

عطر الولايه
26-08-2015, 09:04 AM
إقرؤوا هذه المناظرة واعرفوا أئمة المسلمين عليهم السلام ! فقد روى العلماء والرواة قطعاً من أخبار ذلك المجلس حسب استيعابهم ، أو حسب ما وصلهم منها ، ومن ذلك: (عن الحسن بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون يوماً وعنده علي بن موسى الرضا عليه السلام وقد اجتمع الفقهاء وأهل الكلام من الفرق المختلفة ، فسأله بعضهم فقال له: يا بن رسول الله بأي شئ تصح الإمامة لمدعيها؟قال بالنص والدليل. قال له: فدلالة الإمام فيما هي؟ قال في العلم، واستجابة الدعوة) .(عيون أخبار الرضا عليه السلام :1/216) (3) ما معنى هذه الكلمة: قال بالنص والدليل؟ هل فكرت لماذا ذكر الإمام عليه السلام طريقين لمعرفة الإمام ، فأضاف الدليل والمعجزة الى النص؟!روحي وأرواح العالمين لتراب مرقدك الفداء، ماذا جمع الله فيك؟ لستَ بحر علم فقط ، بل لقد لخص الله فيك عالم الوجود فقلت: بالنص والدليل ! مع ضيق الوقت، نستفيد من هذه الكلمة الشريفة من ولي الله وحجته الإمام الرضا عليه السلام ، فإن الإمامة دعوى تثبت عن طريقين: النص والدليل ، أي بالعلم الذي خص الله به الامام ، والقدرة التي منحه الله إياها !ذلك أن الإمام موجود تجتمع فيه خلاصة المقامات الإلهية التي يعطيها الله لخاصة أوليائه ! فله صفة: أمين الله، التي نقرؤها في زيارة: أمين الله، وهذه الزيارة على علو سندها تبدأ بعبارة: السلام عليك يا أمين الله في أرضه، وفيها فصول من العلم ، كقوله بعد وصف الإمام بأمين الله: أشهد أنك جاهدت في الله حق جهاده، وفي الربط بينهما بحث مهم ، فالإمام إنسان كامل ، وأحد مقومات كماله أنه أمين الله، ومعناه أن الإمام عنده خزائن التشريع والتكوين!راجعوا معنى الأمانة والأمين في القرآن والأحاديث لتعرفوا هذا المقام العظيم، فقد وصف الله به كبار الرسل:إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، ووصف به سيد الملائكة جبرئيل: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم. ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ. (سورة التكوير: 19-21) ووصف مسؤولية الأمانة الإلهية وثقلها: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَة َعَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً. ( سورة الأحزاب:72) .وإضافة الأمانة الى"الله"من بين الأسماء الحسنى، تعطيها الشمولية التي ذكرناها ، لأن لفظ الجلالة "الله" يحوي خصائص الأسماء الحسنى كلها ! هذا هو معنى: أمين الله في أرضه. والأمين يحتاج الى سند من المستأمِن يثبت أنه مستأمَن ، وإلا كانت دعوى استئمانه بلا دليل ، ولذا احتاج الإمام عليه السلام إلى نص يشهد له ! وهذا معنى قوله عليه السلام : بالنص والدليل.والدليل هنا معناه الدلالة: وأن الإمام مضافاً الى النص عليه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو ممن نص عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، يعرف بدلالة العلم واستجابة الدعاء !أما لماذا صار الدليل مركباً منهما ؟ فلأن الكمال في العالم منحصر فيهما ، فكل الكمالات الإنسانية ترجع الى العلم والقدرة ! والإنسان الكامل هو المتصل بمنبع علم: لا نفاد لكلماته، وبمخزن القدرة الذي: إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون . ( سورة آل عمران:47) هذا هو البرهان، أما العيان فقد تجسدت الدلالة في علم الإمام الرضا عليه السلام ودعواته المستجابةومعجزاته الباهرة! ويكفي في إثبات علمه عليه السلام هذه المناظرة التي هي مؤتمر ، بل مباهلة ، أعدَّ لها المأمون بكل ما أعطي من قدرة ، وكان حاكم أكبر دولة في العالم ، وكانت دولته في أوج قوتها ، فأمر رئيس وزرائه الفضل بن سهل أن يكتب الى حكام الولايات ويجمع له من أرجاء البلاد علماء الأديان ، والمذاهب ، والفلاسفة ، وأصحاب الإتجاهات الفكرية ، حتى الإلحادية ! إن ما وصلنا عن مؤتمر المأمون ، يدل على أنه كان أعظم مما عرفنا عنه ! فقد جمعوا كبار علماء العالم من بلاد الهند وفارس والروم وبلاد العرب ، وذكرت بعض الروايات أنهم كانوا أربعة آلاف شخص ، جمعهم العفريت المستكبر ليحاجوا الإمام الرضا عليه السلام ، واستضافهم وبذل لهم ، وشجعهم على مناقشته حتى بالكفر والإلحاد، وربما جعل الجوائز العظيمة لمن يغلب الإمام! وقد امتدت الجلسة من بكرة الصباح الى الظهر ، ثم استؤنفت بعد الظهر الى المغرب !وعندما أرسل المأمون ياسر الخادم وهو برتبة وزير الى الإمام عليه السلام قبل يومٍ من المؤتمر يدعوه الى الحضور غداً ، أجابه الإمام عليه السلام : أبلغه السلام وقل له قد علمتُ ما أردت، وأنا صائرٌ اليك بكرةً إن شاء الله! وهو تعبير كافٍ لإفهام المأمون بقبول التحدي !وقل له قد علمتُ ما أردت ! واطلعت على نيتك وخطتك، فقد استعملت أقصى شيطنتك، وجمعت لي شياطين العلم في الأرض، لكنك لن تستطيع إطفاء نور الله تعالى ، ولا إبطال حجته ! قال الحسن بن النوفلي: (فلما مضى ياسر التفت إلينا ثم قال لي: يا نوفلي أنت عراقي ورقَّة العراقي غير غليظة، فما عندك في جمع ابن عمك علينا أهل الشرك وأصحاب المقالات؟! فقلت: جعلت فداك يريد الإمتحان ويحب أن يعرف ما عندك ؟!) .ومع أن الإمام أعرف من النوفلي والحاضرين في مجلسه بنوايا المأمون وخططه ، لكنه أراد أن يكشفها لهم ، وأن يتم حجة الله تعالى.وقد خاف النوفلي على الإمام عليه السلام من ذلك المجلس، ليس من علم العلماء بل من شيطنتهم، لأنهم رؤساء أديان وفرق ومذاهب واتجاهات ، ومن شيطنة المأمون الذي يقف وراءهم ! فالعالم يدلي برأيه لكن إذا ظهر له الحق يقبله ، أما رئيس الفرقةوالمذهب فليس عنده استعداد لقبول الحق مهما كان واضحاً، فهو يدافع عن دينه ومنصبه حتى بإنكار البديهيات !قال النوفلي: قلت: (إن أصحاب الكلام والبدعة خلاف العلماء ، وذلك أن العالم لا ينكر غير المنكر ، وأصحاب المقالات والمتكلمون وأهل الشرك أصحاب إنكار ومباهتة ، إن احتججت عليهم بأن الله واحد قالوا صحح وحدانيته! وإن قلت إن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا أثبت رسالته ! ثم يباهتونه وهو يبطل عليهم بحجته، ويغالطونه حتى يترك قوله، فاحذرهم جعلت فداك. قال النوفلي: فتبسم الإمام عليه السلام ثم قال لي: يا نوفلي أفتخاف أن يقطعوا عليَّ حجتي؟! فقلت: لا والله ما خفت عليك قط ، وإني لأرجو أن يظفرك الله بهم إن شاء الله تعالى.فقال لي: يا نوفلي أتحب أن تعلم متى يندم المأمون ؟ قلت: نعم.قال: إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم ، وعلى أهل الإنجيل بإنجيلهم، وعلى أهل الزبور بزبورهم، وعلى الصابئين بعبرانيتهم، وعلى أهل الهرابذة بفارسيتهم، وعلى أهل الروم بروميتهم، وعلى أصحاب المقالات بلغاتهم ! فإذا قطعت كل صنف ودحضت حجته ، وترك مقالته ورجع الى قولي.. علم المأمون الموضع الذي هو سبيله ليس بمستحق له ! فعندها تكون الندامة ، ولا حول ولا قوه إلا بالله العلي العظيم) .يعني بذلك عليه السلام أنه إذا وصل الأمر من النص الى الدلالة ، ومن النظري الى العملي ، فسوف يندم المأمون لأنه سيتضح له ولغيره أن كرسيه في خلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كرسي، مغصوب ، وأن صاحب هذا الكرسي غيره !وبدأ المجلس بكرةً ، بهجوم من رئيس الأساقفة ، وامتد الى العصر بهجوم الفيلسوف العلماني عمران الصابي ! ولا يتسع الوقت لبيان تلك المطالب واللطائف التي استطاعت أن تحملها روايات النوفلي ، وهو عالم هاشمي له علاقة حسنة بالإمام عليه السلام وبالمأمون !وما لبث رئيس الأساقفة أن هوى أرضاً ، وتحول حاخام اليهود رأس الجالوت الى مسكين منكسر ، وآمن الهزبر الأكبر ، وتمرغ نسطاس الرومي بالتراب ! وواصل الإمام عليه السلام عمله يحصد بمنجل علومه الربانية أباطيل علماء الأديان والمذاهب واحداً بعد الآخر، وهم يتهاوون صرعى في قاعة المجلس! ولم يبق إلا بهلوان العلمانيين الملحدين عمران الصابي الذي ادخره المأمون ليكون آخر نبل في كنانته ! ونزل عمران الصابي الى الميدان فإذا هو بحرٌ في علوم عصره ، متضلعٌ في كل فروع الفلسفة التي كانت في ذلك العصر ، لم يغلبه أحد في مناظرة في كل عمره ! وتكلم بما يملك من تعمق وتفنن في مبدأ الوجود وفي أفعال الله تعالىمن المبدأ الى المنتهى، وطرح إشكالاته وأسئلته، وأخذ الإمام عليه السلام يفندها ويجيبه عليها، حتى وصل عمران الى سؤال مفصلي ، وما أن أجابه الإمام عليه السلام بعلمه الرباني حتى خرَّ عمران أرضاً وهو يعلن أمام أربعة آلاف حاضر: أشهد أن لا إله إلا الله.. أشهد أن لا إله إلا الله !لقد خُتم المجلس بعد الظهر بإسلام عمران الصابي , ورأى النوفلي والجميع أن الإمام عليه السلام هو المعني بالنص والمعجزة التي تصدق كلامه! (4)لقد رأى المأمون والمسلمون من الإمام الرضا عليه السلام آيات في العلم وفي استجابة الدعوة! لكن المأمون عفريت متكبر وقد قال الله تعالى: قُلِ انْظُرُوا مَاذَافِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (سورة يونس:101) رأوها في قضايا صغيرة وكبيرة ، وظهرت للعيان الحجج الرضوية منعالم آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، أمام نخبة العالم من شرقه وغربه . ثم رأوها في صلاة الإستسقاء العجيبة وما تلاها مما هو أعجب!قال الصدوق في عيون أخبارالرضا:1/179: (باب استسقاء المأمون بالرضا عليه السلام وما أراه الله عز وجل من القدرة في الإستجابة له، وفي إهلاك من أنكر دلالته تلك: حدثنا أبوالحسن محمد بن القسم المفسر رضي الله عنه قال: حدثنا يوسف بن محمد بن زياد وعلي بن محمد بن سيار، عن أبويهما، عن الحسن بن علي العسكري ، عن أبيه علي بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي صلى الله عليه وآله وسلم أن الرضا عليه السلام علي بن موسى لما جعله المأمون ولي عهده، احتبس المطر فجعل بعض حاشية المأمون والمتعصبين على الرضا يقولون أنظروا لمَّا جاءنا علي بن موسىوصار ولي عهدنا فحبس الله عنا المطر! واتصل بالمأمون فاشتد عليه فقال للرضا عليه السلام قد احتبس المطر ، فلو دعوت الله عز وجل أن يمطر الناس ؟فقال الرضا عليه السلام : نعم . قال: فمتى تفعل ذلك ؟ وكان ذلك يوم الجمعة . قال يوم الإثنين فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتاني البارحة في منامي ومعه أميرالمؤمنين عليه السلام وقال: يا بني انتظر يوم الإثنين فابرز إلى الصحراء واستسق ، فإن الله تعالى سيسقيهم وأخبرهم بما يريك الله مما لايعلمون من حالهم ، ليزداد علمهم بفضلك ومكانك من ربك عز وجل !فلما كان يوم الإثنين غدا عليه السلام إلى الصحراء وخرج الخلائق ينظرون فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: اللهم يا رب، أنت عظمت حقنا أهل البيت فتوسلوا بنا كما أمرت، وأملوا فضلك ورحمتك، وتوقعوا إحسانك ونعمتك، فاسقهم سقياً نافعاً عاماً غير رايث ولاضائر، وليكن ابتداء مطرهم بعد انصرافهم من مشهدهم هذا إلى منازلهم ومقارهم.قال: فو الذي بعث محمداً بالحق نبياً ، لقد نسجت الرياح في الهواء الغيوم وأرعدت وأبرقت، وتحرك الناس كأنهم يريدون التنحي عن المطر، فقال الرضا عليه السلام : على رسلكم أيها الناس فليس هذا الغيم لكم، إنما هو لأهل بلد كذا ! فمضت السحابة وعبرت ، ثم جاءت سحابة أخرى تشتمل على رعد وبرق فتحركوا فقال: على رسلكم فما هذه لكم ، إنما هي لأهل بلد كذا ، فما زالت حتى جاءت عاشرسحابة وعبرت، ويقول علي بن موسى الرضا في كل واحدة: على رسلكم ليست هذه لكم إنما هي لأهل بلد كذا ، ثم أقبلت سحابة حادية عشر فقال: أيها الناس هذه سحابة بعثها الله عز وجل لكم ، فاشكروا الله على تفضله عليكم، وقوموا إلى مقاركم ومنازلكم،فإنها مسامتة لكم ولرؤوسكم ممسكة عنكم إلى أن تدخلوا إلى مقاركم ثم يأتيكم من الخير مايليق بكرم الله تعالى وجلاله.ونزل من على المنبر وانصرف الناس ، فما زالت السحابة ممسكة الى أن قربوا من منازلهم ثم جاءت بوابل المطر فملأت الأودية والحياض والغدران والفلوات ، فجعل الناس يقولون: هنيئاً لولد رسول الله كرامات الله عز وجل.ثم برز إليهم الرضا عليه السلام وحضرت الجماعة الكثيرة منهم فقال: ياأيها الناس إتقوا الله في نعم الله عليكم فلا تنفروها عنكم بمعاصيه، بل استديموها بطاعته وشكره على نعمه وأياديه، واعلموا أنكم لا تشكرون الله بشئ بعد الايمان بالله وبعد الإعتراف بحقوق أولياء الله من آل محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحب إليه من معاونتكم لإخوانكم المؤمنين على دنياهم ، التي هي معبر لهم إلى جنان ربهم، فإن من فعل ذلك كان من خاصة الله تبارك وتعالى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك قولاً ما ينبغي لقائل أن يزهد في فضل الله عليه فيه، إن تأمله وعمل عليه، قيل يا رسول الله هلك فلان وكان يعمل من الذنوب كيت وكيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بل قد نجى ولا يختم الله عمله إلا بالحسنى، وسيمحو الله عنه السيئات ويبدلها حسنات! إنه كان يمر مرة في طريق عرض له مؤمن قد انكشفت عورته وهو لا يشعر فسترها عليه ولم يخبره مخافة أن يخجل !ثم إن ذلك المؤمن عرفه في مهواه فقال له: أجزل الله لك الثواب وأكرم لك المآب ولا ناقشك في الحساب، فاستجاب الله له فيه ! فهذا العبد لا يختم الله له إلابخير بدعاء ذلك المؤمن،فاتصل قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الرجل فتاب وأناب وأقبل على طاعةالله عز وجل،فلم يأت سبعة أيام حتى أغير على سرح المدينة، فوجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أثرهم جماعة ذلك الرجل أحدهم ، فاستشهد فيهم !قال الإمام محمد بن علي بن موسى عليهم السلام : وعظم الله تبارك وتعالى البركة في البلاد بدعاء الرضا عليه السلام وقد كان للمأمون من يريد أن يكون هو ولي عهده من دون الرضا عليه السلام وحساد كانوا بحضرة المأمون للرضا عليه السلام فقال للمأمون بعض أولئك:يا أميرالمؤمنين أعيذك بالله أن تكون تاريخ الخلفاء في إخراجك هذا الشرف العميم والفخر العظيم من بيت ولد العباس إلى بيت ولد علي! لقد أعنت على نفسك وأهلك ، جئت بهذا الساحر ولد السحرة ، وقد كان خاملاً فأظهرته ، ومتضعاً فرفعته ، ومنسياً فذكرت به ، ومستخفاً فنوهت به ، قد ملأ الدنيا مخرقةً وتشوفاً بهذا المطر الوارد عند دعائه! ما أخوفني أن يخرج هذا الرجل هذا الأمر عن ولد العباس إلى ولد علي! بل ما أخوفني أن يتوصل بسحره إلى إزالة نعمتك والتواثب على مملكتك ، هل جنى أحد على نفسه وملكه مثل جنايتك ؟!فقال المأمون: كان هذا الرجل مستتراً عنا يدعو إلى نفسه ، فأردنا أن نجعله ولي عهدنا ليكون دعاؤه لنا ، وليعترف بالملك والخلافة لنا ، وليعتقد فيه المفتونون به أنه ليس مما ادعى في قليل ولا في كثير وأن هذا الأمر لنا دونه ، وقد خشينا إن تركناه على تلك الحالة أن ينفتق علينا منه ما لا نسده ويأتي علينا منه ما لا نطيقه! والآن فإذ قد فعلنا به ما فعلنا، وأخطأنا في أمره بما أخطأنا ، وأشرفنا من الهلاك بالتنويه به على ما أشرفنا ، فليس يجوز التهاون في أمره، ولكنا نحتاج أن نضع منه قليلاً قليلاً حتى نصوره عند الرعايا بصورة من لا يستحق لهذا الأمر ، ثم ندبر فيه بما يحسم عنا مواد بلائه !قال الرجل: يا أمير المؤمنين فولني مجادلته فإني أفحمه وأصحابه وأضع من قدره، فلولا هيبتك في نفسي لأنزلته منزلته، وبينت للناس قصوره عما رشحته له . قال المأمون: ما شئ أحب إليّ من هذا . قال فاجمع جماعة وجوه مملكتك من القواد والقضاة وخيار الفقهاء ، لأبين نقضه بحضرتهم ، فيكون أخذاً له عن محله الذي أحللته فيه ، على علم منهم بصواب فعلك ! قال فجمع الخلق الفاضلين من رعيته في مجلس واسع قعد فيه لهم ، وأقعد الرضا عليه السلام بين يديه في مرتبته التي جعلها له ، فابتدأ هذا الحاجب بالكلام المتضمن للوضع من الرضا عليه السلام ، وقال له: إن الناس قد أكثروا عنك الحكايات وأسرفوا في وصفك بما أرى إنك أن وقفت عليه برئت إليهم منه ، قال وذلك أنك قد دعوت الله في المطر المعتاد مجيئه، فجاء فجعلوه آية معجزة لك أوجبوا لك بها أن لا نظير لك في الدنيا، وهذا أمير المؤمنين أدام الله ملكه وبقاءه لا يوازى بأحد إلا رجح به ، وقد أحلك المحل الذي قد عرفت ، فليس من حقه عليك أن تسوغ الكاذبين لك وعليه ما يتكذبونه.فقال الرضا عليه السلام : ما أدفع عباد الله عن التحدث بنعم الله عليَّ، وإن كنت لا أبغي أشراً ولا بطراً . وأما ما ذكرت عن صاحبك الذي أحلني ما أحلني، فما أحلني إلا المحل الذي أحله ملك مصر يوسف الصديق عليه السلام وكانت حالهما ما قد علمت ! فغضب الحاجب عند ذلك وقال: يا ابن موسى لقد عدوت طورك وتجاوزك قدرك ، إن بعث الله بمطر مقدر وقته لا يتقدم ولا يتأخر ، جعلته آيةً تستطيل بها ، وصولةً تصول بها ، كأنك جئت بمثل آية الخليل إبراهيم عليه السلام لما أخذ رؤوس الطير بيده ودعا أعضاءها التي كان فرقها على الجبال فأتينه سعياً وتركَّبْنَ على الرؤوس وخَفَقْنَ وطِرْنَ بإذن الله تعالى، فإن كنت صادقاً فيما توهم فأحييِ هذين وسلطهما علي ، فإن ذلك يكون حينئذ آية معجزة ، فأما المطر المعتاد مجيؤه ، فلست أنت أحق بأن يكون جاء بدعائك من غيرك الذي دعا كما دعوت ! وكان الحاجب أشار إلى أسدين مصورين على مسند المأمون الذي كان مستنداً إليه ، وكانا متقابلين على المسند ، فغضب علي بن موسى صلى الله عليه وآله وسلم وصاح بالصورتين:دونكما الفاجر فافترساه ولا تبقيا له عيناً ولا أثراً ! فوثبت الصورتان وقد عادتا أسدين فتناولا الحاجب ورضضاه وهشماه وأكلاه ولحسا دمه! والقوم ينظرون متحيرين مما يبصرون! فلما فرغا منه أقبلا على الرضا عليه السلام وقالا: يا ولي الله في أرضه ماذا تأمرنا نفعل بهذا ، أنفعل به ما فعلنا بهذا؟ يشيران إلى المأمون! فغشي على المأمون مما سمع منهما ، فقال الرضا عليه السلام : قفا ، فوقفا ! قال الرضا عليه السلام : صبوا عليه ماء ورد وطيبوه ، ففعل ذلك به وعاد الأسدان يقولان: أتأذن لنا أن نلحقه بصاحبه الذي أفنيناه ؟ قال: لا ، فإن لله عز وجل فيه تدبيراً هو ممضيه . فقالا: ماذا تأمرنا؟ قال: عودا إلى مقركما كما كنتما ، فصارا إلى المسند وصارا صورتين كما كانتا !!فقال المأمون: الحمد لله الذي كفاني شر حميد بن مهران ، يعني الرجل المفترَس ، ثم قال للرضا عليه السلام : يا ابن رسول هذا الأمر لجدكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم لكم ، فلو شئت لنزلت عنه لك ! فقال الرضا عليه السلام : لو شئت ناظرتك ولم أسألك، فإن الله تعالى قد أعطاني من طاعة سائر خلقه مثل ما رأيت من طاعة هاتين الصورتين، إلا جهال بني آدم فإنهم وإن خسروا حظوظهم فلله عز وجل فيه تدبير، وقد أمرني بترك الإعتراض عليك وإظهار ما أظهرته من العمل من تحت يدك ، كما أمر يوسف بالعمل من تحت يد فرعون مصر !قال: فما زال المأمون ضئيلاً في نفسه إلىأن قضى في علي بن موسى الرضا عليه السلام ما قضى) ! (ورواه الطبري في دلائل الإمامةص 376 ، وابن حمزة في المناقب ص467) (5)هذا هو علي بن موسى الرضا صلوات الله عليه ، الذي سطعت شمس براهينه على العالم ، وأفحمت عدوه وحاسده المستكبر ، فرأى أنه لا بد أن يتخلص منه بقتله ، قبل أن أن يعشو المسلمون الى ضوء هداه.اللهم بجاه الرضا عندك، وبحرمته لديك :أكتب أسماءنا في دفتر محبيه ومواليه، ولا تمحها.ولنتوجه جميعاً في صباحنا ومسائنا الى حرمه المقدس ولو بكلمتين: أللهم صل على وليك علي بن موسى الرضا ، عددَ ما في علمك صلاةَ دائمة بدوام ملكك وسلطانك . أللهم سلم على وليك علي بن موسى الرضا ، عددَ ما في علمك، سلاماً دائماً بدوام مجدك وعظمتك وكبريائك.والحمد لله رب العالمين

عطر الولايه
26-08-2015, 09:05 AM
--------------------------------------------------------------------------------
التعليقات
(1) في عيون أخبار الرضا عليه السلام :1/288: (حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله عنه قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم قال: حدثنا محمد بن عيسى بن عبيد قال: حدثنا محمد بن سليمان المصري عن أبيه عن إبراهيم بن أبي حجر الأسلمي ، قال: حدثنا قبيصة بن جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت وصي الأوصياء ووارث علم الأنبياء أباجعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام يقول: حدثني سيد العابدين علي بن الحسين ، عن سيد الشهداء الحسين بن علي ، عن سيد الأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ستدفن بضعة مني بأرض خراسان ما زارها مكروب إلا نفس الله كربته ، ولا مذنب إلا غفر الله ذنوبه ).
وفي عيون أخبار الرضا عليه السلام :1/290: (حدثنا جعفر بن محمد بن مسرور رضي الله عنه قال: حدثنا الحسين بن محمد بن عامر عن عمه عبد الله بن عامر ، عن سليمان بن حفص المروزي قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من زار قبر ولدي علي كان له عند الله تعالى سبعون حجة مبرورة قلت: سبعون حجة ؟ قال: نعم وسبعون ألف حجة ثم قال: رب حجة لاتقبل . ومن زاره أو بات عنده ليله كمن زار الله تعالى في عرشه قلت: كمن زار الله في عرشه ؟ قال: نعم إذا كان يوم القيامة كان على عرش الله تعالى أربعة من الأولين وأربعة من الآخرين، فأما الأولين فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ، وأما الأربعة الآخرون فمحمد وعلي والحسن والحسين صلوات الله عليهم، ثم يمد المطمار فتقعد معنا زوار قبور الأئمة. ألا إن أعلاهم درجة وأقربهم حبوةً زوار قبر ولدي علي . قال مصنف هذا الكتاب رحمة الله عليه: معنى قوله عليه السلام : كان كمن زار الله تعالى في عرشه ليس بتشبيه ، لأن الملائكة تزور العرش وتلوذ به وتطوف حوله ، وتقول نزور الله في عرشه كما نقول: نحج بيت الله ونزور الله ، لأن الله تعالى ليس بموصوف بمكان ، تعالى عن ذلك علواً كبيرا ).
(2) في عيون أخبار الرضا عليه السلام :1/294: (حدثنا الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المؤدب وعلي بن عبد الله الوراق رضي الله عنهما قالا: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه إبراهيم بن هاشم عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: دخل دعبل بن علي الخزاعي رحمه الله علي موسى الرضا عليه السلام بمرو فقال له: يا بن رسول الله إني قد قلت فيك قصيدة وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحداً قبلك . فقال عليه السلام : هاتها ، فأنشده:
مدارسُ آياتٍ خلتْ من تلاوةٍ ومنزل وحي مقفر العرصات ...
فلما بلغ إلى قوله:
أرى فيئهم في غيرهم متقسماً وأيديهم من فيئهم صفرات
بكى أبو الحسن الرضا عليه السلام وقال له: صدقت يا خزاعي.
فلما بلغ إلى قوله:
إذا وُتروا مدوا إلى واتريهم أكفاً عن الأوتار منقبضات
جعل أبو الحسن عليه السلام يقلب كفيه ويقول: أجل والله منقبضات !
فلما بلغ إلى قوله:
لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي
قال الرضا عليه السلام : آمنك الله يوم الفزع الأكبر.
فلما انتهى إلى قوله:
وقبر ببغداد لنفس زكية تضمنها الرحمن في الغرفات
قال له الرضا عليه السلام :أفلا ألحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك ؟
فقال: بلى يا ابن رسول الله ، فقال عليه السلام :
وقبر بطـوس يا لهـا من مصيبـة تَوقَّدُ في الأحشاء بالحرقات
الى الحشر حتى يبعث الله قائماً يفرج عنا الهمَّ والكربات
فقال دعبل: يا ابن رسول الله هذا القبر الذي بطوس قبر من هو ؟
فقال الرضا عليه السلام :قبري، ولا تنقضي الأيام والليالي حتى تصير طوس مختلف شيعتي وزواري ، ألا فمن زارني في غربتي بطوس كان معي في درجتي يوم القيامة مغفوراً له.
ثم نهض الرضا عليه السلام بعد فراغ دعبل من إنشاد القصيدة ، وأمره أن لايبرح من موضعه ، فدخل الدار فلما كان بعد ساعة خرج الخادم إليه بمائة دينار رضوية فقال له: يقول لك مولاي إجعلها في نفقتك. فقال دعبل: والله ما لهذا جئت ولا قلت هذه القصيدة طمعاً في شئ يصل إليَّ ، ورد الصرة وسأل ثوباً من ثياب الرضا عليه السلام ليتبرك ويتشرف به ، فأنفذ إليه الرضا عليه السلام جبة خز مع الصرة وقال للخادم: قل له خذ هذه الصرة فإنك ستحتاج إليها ، ولا تراجعني فيها ، فأخذ دعبل الصرة والجبة وانصرف وسار من مرو في قافلة ، فلما بلغ ميان قوهان وقع عليهم اللصوص فأخذوا القافلة بأسرها، وكتفوا أهلها وكان دعبل فيمن كتف وملك اللصوص القافلة وجعلوا يقسمونها بينهم ، فقال رجل من القوم متمثلاً بقول دعبل في قصيدته:
أرى فيئهم في غيرهم متقسماً وأيديهم من فيئهم صفرات
فسمعه دعبل فقال له: لمن هذا البيت؟ فقال لرجل من خزاعة يقال له دعبل بن علي ، قال: فأنا دعبل قائل هذه القصيدة التي منها هذا البيت ! فوثب الرجل إلى رئيسهم وكان يصلي على رأس تل ، وكان من الشيعة فأخبره فجاء بنفسه حتى وقف على دعبل وقال له: أنت دعبل ؟ فقال نعم . فقال له أنشدني القصيدة فأنشدها فحل كتافه وكتاف جميع أهل القافلة ، ورد إليهم جميع ما أخذ منهم لكرامة دعبل !
وسار دعبل حتى وصل إلى قم ، فسأله أهل قم أن ينشدهم القصيدة فأمرهم أن يجتمعوا في المسجد الجامع ، فلما اجتمعوا صعد المنبر فأنشدهم القصيدة ، فوصله الناس من المال والخلع بشئ كثير ، واتصل بهم خبر الجبة فسألوه أن يبيعها بألف دينار ، فامتنع من ذلك ، فقالوا له: فبعنا شيئاً منها بألف دينار فأبى عليهم ، وسار عن قم ، فلما خرج من رستاق البلد لحق به قوم من أحداث العرب وأخذوا الجبة منه ، فرجع دعبل إلى قم وسألهم رد الجبة فامتنع الأحداث من ذلك وعصوا المشايخ في أمرها ، فقالوا لدعبل: لا سبيل إلى لك إلى الجبة ، فخذ ثمنها ألف دينار فأبى عليهم ، فلما يئس من ردهم الجبة سألهم أن يدفعوا إليه شيئاً منها فأجابوه إلى ذلك ، وأعطوه بعضها ودفعوا إليه ثمن باقيها ألف دينار . وانصرف دعبل إلى وطنه فوجد اللصوص قد أخذوا جميع ما كان في منزله فباع المأة الدينار التي كان الرضا عليه السلام وصله بها فباع من الشيعة كل دينار بمأة درهم ، فحصل في يده عشرة آلاف درهم ، فذكر قول الرضا عليه السلام : إنك ستحتاج إلى الدنانير ، وكانت له جارية لها من قلبه محل فرمدت عينها رمداً عظيماً ، فأدخل أهل الطب عليها فنظروا إليها فقالوا: أما العين اليمنى فليس لنا فيها حيلة وقد ذهبت ، وأما اليسرى فنحن نعالجها ونجتهد ونرجو أن تسلم ، فاغتم لذلك دعبل غماً شديداً وجزع عليها جزعاً عظيماً ، ثم إنه ذكر ما كان معه من وصلة الجبة فمسحها على عيني الجارية وعصبها بعصابة منها ، أول الليل فأصبحت وعيناها أصح ما كانتا من قبل ببركة أبي الحسن الرضا عليه السلام . قال مصنف هذا الكتاب رحمة الله عليه: إنما ذكرت هذا الحديث في هذا الكتاب وفي هذا الباب ، لما فيه من ثواب زيارة الرضا عليه السلام .
ولدعبل بن علي خبر عن الرضا عليه السلام في النص على القائم عليه السلام أحببت ايراده على أثر هذا الحديث: حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله عنه قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم ، عن أبيه عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول: لما أنشدت مولاي الرضا عليه السلام قصيدتي التي أولها:
مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات
فلما انتهيت إلى قولي:
خروج إمام لا محالة خارج يقوم على اسم الله والبركات
يميز فينا كل حق وباطل ويجزي على النعماء والنقمات
بكى الرضا عليه السلام بكاء شديداً ثم رفع رأسه إلي فقال لي: يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين ، فهل تدري من هذا الإمام؟ ومتى يقوم؟ فقلت: لا يا سيدي، إلا أني سمعت بخروج إمام منكم يطهر الأرض من الفساد ويملؤها عدلاً ، فقال: يا دعبل الإمام بعدي محمد ابني ، وبعد محمد ابنه علي ، وبعد علي ابنه الحسن ، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم ، المنتظر في غيبته ، المطاع في ظهوره . لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملؤها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً . وأما متى؟ فإخبار عن الوقت ، ولقد حدثني أبي عن أبيه عن آبائه عن علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قيل له: يا رسول الله متى يخرج القائم من ذريتك؟ فقال: مثله مثل الساعة لايُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إلا بَغْتَةً ( سورة الأعراف: 187) .
(3) في عيون أخبار الرضا عليه السلام :1/216: (حدثنا تميم بن عبد الله بن تميم القرشي رضي الله عنه قال: حدثني أبي قال: حدثنا أحمد بن علي الأنصاري عن الحسن بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون يوماً وعنده علي بن موسى الرضا عليه السلام وقد اجتمع الفقهاء وأهل الكلام من الفرق المختلفة ، فسأله بعضهم فقال له:
يا بن رسول الله بأي شئ تصح الإمامة لمدعيها ؟ قال عليه السلام : بالنص والدليل.
قال له: فدلالة الإمام فيما هي؟ قال عليه السلام : في العلم واستجابة الدعوة.
قال: فما وجه إخباركم بما يكون ؟ قال عليه السلام : ذلك بعهد معهود إلينا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
قال: فما وجه إخباركم بما في قلوب الناس؟ قال عليه السلام له: أما بلغك قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : إتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ؟ قال: بلى.
قال عليه السلام : وما من مؤمن إلا وله فراسة ينظر بنور الله على قدر إيمانه ومبلغ استبصاره وعلمه ، وقد جمع الله للأئمة ما فرقه في جميع المؤمنين وقال عز وجل في محكم كتابه: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ( سورة الحجر: 75 ) فأول المتوسمين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم أمير المؤمنين عليه السلام من بعده ، ثم الحسن والحسين والأئمة من ولد الحسين عليهم السلام إلى يوم القيامة.
قال: فنظر إليه المأمون فقال له: يا أبا الحسن زدنا مما جعل الله لكم أهل البيت.
فقال الرضا عليه السلام : إن الله عز وجل أيدنا بروح منه مقدسة مطهرة ليست بملك ، لم تكن مع أحد ممن مضى إلا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهي مع الأئمة منا تسددهم وتوفقهم ، وهو عمود من نور بيننا وبين الله عز وجل !
قال له المأمون: يا أبا الحسن بلغني أن قوماً يغلون فيكم ويتجاوزون فيكم الحد !
فقال الرضا عليه السلام : حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن علي ، عن أبيه علي بن أبي طالب عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لاترفعوني فوق حقي، فإن الله تبارك تعالى اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبياً ، قال الله تبارك وتعالى: مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ. وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( سورة آل عمران: 79-80)
وقال علي عليه السلام :يهلك فيَّ اثنان ولا ذنب لي: محب مفرط، ومبغض مفرط.
وأنا أبرأ إلى الله تبارك وتعالى ممن يغلو فينا ويرفعنا فوق حدنا، كبراءة عيسى بن مريم عليه السلام من النصارى، قال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّاتَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَئٍ شَهِيدٌ (سورة المائدة: 116-117). وقال عز وجل: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً للهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ( سورة النساء:172)
وقال عز وجل: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ ( سورة المائدة:75) ومعناه أنهما كانا يتغوطان، فمن ادعى للأنبياء ربوبية وادعى للأئمة ربوبية أو نبوة ، أو لغير الأئمة إمامة ، فنحن منه براء في الدنيا والآخرة.
فقال المأمون: يا أبا الحسن فما تقول في الرجعة ؟
فقال الرضا عليه السلام : إنها لحق ، قد كانت في الأمم السالفة، ونطق به القرآن وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يكون في هذه الأمة كل ما كان في الأمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة . وقال صلى الله عليه وآله وسلم : إذا خرج المهدي من ولدي نزل عيسى بن مريم عليه السلام فصلى خلفه. وقال: إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء. قيليا رسول الله ثم يكون ماذا؟ قال: ثم يرجع الحق إلى أهله.
فقال المأمون: يا أبا الحسن فما تقول في القائلين بالتناسخ ؟
فقال الرضا عليه السلام : من قال بالتناسخ فهو كافر بالله العظيم ، مكذب بالجنة والنار.
قال المأمون: ما تقول في المسوخ ؟
قال الرضا عليه السلام : أولئك قوم غضب الله عليهم فمسخهم ، فعاشوا ثلاثة أيام ثم ماتوا ولم يتناسلوا. فما يوجد في الدنيا من القردة والخنازير وغير ذلك مما وقع عليهم إسم المسوخية ، فهو مثل ما لايحل أكلها والانتفاع بها.
قال المأمون: لا أبقاني الله بعدك يا أبا الحسن، فوالله ما يوجد العلم الصحيح إلا عند أهل البيت ، وإليك انتهت علوم آبائك ، فجزاك الله عن الاسلام وأهله خيراً.
قال الحسن بن جهم: فلما قام الرضا عليه السلام تبعته ، فانصرف إلى منزله فدخلت عليه وقلت له: يا ابن رسول الله الحمد لله الذي وهب من جميل رأي أمير المؤمنين عليه السلام ما حمله ما أرى من إكرامه لك وقبوله لقولك.
فقال عليه السلام : يا ابن الجهم لايغرنك ما ألفيته عليه من إكرامي والاستماع مني فإنه سيقتلني بالسم وهو ظالم لي ! أن أعرف ذلك بعهد معهود إليَّ من آبائي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاكتم هذا مادمت حياً. قال الحسن بن الجهم: فما حدثت أحداً بهذا الحديث إلى أن مضى عليه السلام بطوس مقتولاً بالسم، ودفن في دار حميد بن قحطبة الطائي، في القبة التي فيها قبر هارون الرشيد ، إلى جانبه ! ).
(4) في عيون أخبار الرضا عليه السلام :2/139: (باب ذكر مجلس الرضا عليه السلام مع أهل الأديان وأصحاب المقالات في التوحيد عند المأمون:
حدثنا أبو محمد جعفر بن على بن أحمد الفقيه القمي ثم الإيلاقي رضي الله عنه قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن علي بن صدقه القمي قال: حدثنا أبو عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الأنصاري الكجي قال: حدثني من سمع الحسن بن محمد النوفلي ثم الهاشمي يقول: لما قدم علي بن موسى الرضا عليه السلام على المأمون أمر الفضل بن سهل أن يجمع له أصحاب المقالات مثل الجاثليق (رئيس الأساقفة) ورأس الجالوت (عالم من اليهود) ورؤساء الصابئين والهربذ الأكبر (الهرابذة خدم نار المجوس وقيل عظماء الهنود) وأصحاب زردهشت (زرادشت) ونسطاس الرومي (بالرومية عالم بالطب)والمتكلمين (تشمل الفلاسفة وعلماء المذاهب الإسلامية) ليسمع كلامه وكلامهم، فجمعهم الفضل بن سهل، ثم أعلم المأمون باجتماعهم فقال: أدخلهم عليَّ ففعل ، فرحب بهم المأمون ثم قال لهم: إني إنما جمعتكم لخير وأحببت أن تناظروا ابن عمي هذا المدني القادم عليَّ، فإذا كان بكرةً فاغدوا ولا يتخلف منكم أحد ، فقالوا: السمع والطاعه يا أمير المؤمنين نحن مبكرون إن شاء الله.
قال الحسن بن محمد النوفلي: فبينا نحن في حديث لنا عند أبي الحسن الرضا عليه السلام إذ دخل علينا ياسر الخادم(خادم للمأمون برتبة وزير) وكان يتولى أمر أبي الحسن عليه السلام فقال له: يا سيدي إن أمير المؤمنين يقرؤك السلام ويقول: فداك أخوك إنه جُمع اليَّ أصحاب المقالات وأهل الأديان والمتكلمون من جميع الملل ، فرأيك في البكور إلينا إن أحببت كلامهم، وإن كرهت ذلك فلا تتجشم ، وإن أحببت أن نصير إليك خف ذلك علينا. فقال أبو الحسن: أبلغه السلام وقل له: قد علمت ما أردت وأنا صائر إليك بكرةً إن شاء الله.
قال الحسن بن النوفلي: فلما مضى ياسر التفت إلينا ثم قال لي: يا نوفلي أنت عراقي ورقة العراقي غير غليظة ، فما عندك في جمع ابن عمك علينا أهل الشرك وأصحاب المقالات؟! فقلت: جعلت فداك يريد الإمتحان ويحب أن يعرف ما عندك؟ ولقد بني على أساس غير وثيق البنيان ، وبئس والله ما بنى !
فقال لي: وما بناؤه في هذا الباب؟ قلت: إن أصحاب الكلام والبدعة خلاف العلماء ، وذلك أن العالم لا ينكر غير المنكر، وأصحاب المقالات والمتكلمون وأهل الشرك أصحاب إنكار ومباهتة ، إن احتججت عليهم بأن الله واحد قالوا صحح وحدانيته ! وإن قلت إن محمداً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا أثبت رسالته! ثم يباهتونه وهو يبطل عليهم بحجته ، ويغالطونه حتى يترك قوله ! فاحذرهم جعلت فداك.
قال فتبسم ثم قال لي: يا نوفلي أفتخاف أن يقطعوا عليَّ حجتي؟!
فقلت: لا والله ما خفت عليك قط ، وإني لأرجو أن يظفرك الله بهم إن شاء الله تعالى.
فقال لي: يا نوفلي أتحب أن تعلم متى يندم المأمون ؟ قلت: نعم .
قال: إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم ، وعلى أهل الإنجيل بإنجيلهم ، وعلى أهل الزبور بزبورهم ، وعلى الصابئين بعبرانيتهم ، وعلى أهل الهرابذة بفارسيتهم ، وعلى أهل الروم بروميتهم ، وعلى أصحاب المقالات بلغاتهم ! فإذا قطعت كل صنف ودحضت حجته، وترك مقالته ورجع الى قولي، علم المأمون الموضع الذي هو سبيله ليس بمستحق له ! فعندها تكون الندامة ، ولا حول ولا قوه إلا بالله العلي العظيم.
فلما أصبحنا أتانا الفضل بن سهل فقال له: جعلت فداك إن ابن عمك ينتظرك ، وقد اجتمع القوم فما رأيك في إتيانه ؟
فقال له الرضا عليه السلام : تقدمني فإني صائر إلى ناحيتكم إن شاء الله.
ثم توضأ وضوء للصلاة ، وشرب شربه سويق وسقانا منه ، ثم خرج وخرجنا معه حتى دخلنا على المأمون ، وإذا المجلس غاص بأهله: محمد بن جعفر وجماعة من الطالبيين والهاشميين ، والقواد حضور ، فلما دخل الرضا عليه السلام قام المأمون وقام محمد بن جعفر وجميع بني هاشم ، فما زالوا وقوفاً والرضا جالس مع المأمون حتى أمرهم بالجلوس فجلسوا، فلم يزل المأمون مقبلاً عليه يحدثه ساعة، ثم التفت الى الجاثليق فقال يا جاثليق هذا ابن عمي علي بن موسى بن جعفر ، وهو من ولد فاطمة بنت نبينا ، وابن علي بن طالب صلوات الله عليهم ، فأحب أن تكلمه أو تحاجه وتنصفه . فقال الجاثليق: يا أمير المؤمنين كيف أحاج رجلاً يحتج على بكتاب أنا منكره ، ونبي لا أؤمن به؟
فقال له الرضا عليه السلام : يا نصراني فإن احتججت عليك بإنجيلك أتقر به ؟ قال الجاثليق: وهل أقدر على رفع ما نطق الإنجيل ؟ نعم والله أقرُّ به على رغم أنفي.
فقال له الرضا عليه السلام : سل عما بدا لك واسمع الجواب.
فقال الجاثليق: ما تقول في نبوة عيسى وكتابه ، هل تنكر منهما شيئاً ؟
قال الرضا عليه السلام : أنا مقر بنبوة عيسى وكتابه ، وما بشر به أمته وأقرت به الحواريون ،
وكافر بنبوة كل عيسى لم يقر بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبكتابه ، ولم يبشر به أمته.
قال الجاثليق: أليس إنما نقطع الأحكام بشاهدي عدل ؟ قال عليه السلام : بلى.
قال: فأقم شاهدين من غير أهل ملتك على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ممن لا تنكره النصرانية ، وسلنا مثل ذلك من غير أهل ملتنا.
قال الرضا عليه السلام : الآن جئت بالنصفة يا نصراني ، ألا تقبل مني العدل المقدم عند المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ؟
قال الجاثليق: ومن هذا العدل ؟ سمه لي.
قال عليه السلام : ما تقول في يوحنا الديلمي ؟
قال: بخ بخ ، ذكرت أحب الناس إلى المسيح.
قال: فأقسمت عليك هل نطق الإنجيل أن يوحنا قال: إنما المسيح أخبرني بدين محمد العربي ، وبشرني به أنه يكون من بعده ، فبشرت به الحواريين فآمنوا به.
قال الجاثليق: قد ذكر ذلك يوحنا عن المسيح وبشر بنبوة رجل ، وبأهل بيته ووصيه ، ولم يلخص متى يكون ذلك ، ولم يسم لنا القوم فنعرفهم. قال الرضا عليه السلام :فإن جئناك بمن يقرأ الإنجيل فتلا عليك ذكر محمد وأهل بيته وأمته أتؤمن به ؟ قال: سديداً.
قال الرضا عليه السلام : لنسطاس الرومي كيف حفظك للسفر الثالث من الإنجيل ؟ قال: ما أحفظني له .ثم التفت عليه السلام الى رأس الجالوت فقال: ألست تقرأ الإنجيل؟ قال: بلى لعمري.
قال: فخذ عليَّ السفر، فإن كان فيه ذكر محمد وأهل بيته وأمته فاشهدوا لي، وإن لم يكن فيه ذكره فلا تشهدوا لي !
ثم قرأ عليه السلام السفر الثالث حتى بلغ ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقف ، ثم قال: يا نصراني إني اسألك بحق المسيح وأمه أتعلم أني عالم بالإنجيل ؟ قال: نعم .
ثم تلا عليه السلام علينا ذكر محمد وأهل بيته وأمته ، ثم قال: ما تقول يا نصراني هذا قول عيسى مريم عليه السلام ؟فإن كذبت بما ينطق به الإنجيل فقد كذبت موسى وعيسى عليها السلام ! ومتى أنكرت هذا الذكر وجب عليك القتل لأنك تكون قد كفرت بربك ونبيك وبكتابك!
قال الجاثليق: لا أنكر ما قد بان لي في الإنجيل، وإني لمقر به.
قال الرضا عليه السلام : إشهدوا على إقراره.
ثم قال عليه السلام : يا جاثليق سل عما بدا لك ؟
قال الجاثليق: أخبرني عن حوارى عيسى بن مريم عليه السلام كم كان عدتهم؟ وعن علماء الإنجيل كم كانوا ؟
قال الرضا عليه السلام :على الخبير سقطت، أما الحواريون فكانوا اثني عشر رجلاً، وكان أعلمهم وأفضلهم ألوقا، وأما علماء النصارى فكانوا ثلاثه رجال: يوحنا الأكبر بأج (قيل موضع بالبصرة)، ويوحنا بقرقيسيا (بلد على الفرات بسوريا)، ويوحنا الديلمي برجاز (رجاز واد بنجد وأج مكان هناك) وعنده كان ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذكر أهل بيته وأمته ، وهو الذي بشر أمة عيسى وبني إسرائيل به ، ثم قال له:
يا نصراني والله إنا لنؤمن بعيسى الذي آمن بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وما ننقم على عيساكم شيئاً إلا ضعفه وقلة صيامه وصلاته !
قال الجاثليق: أفسدت والله علمك، وضعفت أمرك! وما كنت ظننت إلا أنك أعلم أهل الاسلام ! قال الرضا عليه السلام :وكيف ذاك ؟
قال الجاثليق: من قولك إن عيسى كان ضعيفاً قليل الصيام قليل الصلاة وما أفطر عيسى يوماً قط، ولا نام بليل قط، وما زال صائم الدهر، وقائم الليل ! قال الرضا عليه السلام :فلمن كان يصوم ويصلي ؟!
قال فخرس الجاثليق وانقطع !!
قال الرضا عليه السلام :يا نصراني أسألك عن مسألة .
قال: سل فإن كان عندي علمها أجبتك.
قال الرضا عليه السلام : ما أنكرت أن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى بإذن الله عز وجل ؟
قال الجاثليق: أنكرت ذلك من أجل أن من أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص ، فهو رب مستحق لأن يعبد.
قال الرضا عليه السلام : فإن اليسع قد صنع مثل صنع عيسى عليه السلام مشى على الماء وأحيا الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص، فلم تتخذه أمته رباً ولم يعبده أحد من دون الله عز وجل!
ولقد صنع حزقيل النبي عليه السلام مثل ما صنع عيسى بن مريم ، فأحيا خمسة وثلاثين ألف رجل من بعد موتهم بستين سنة !
ثم التفت الى رأس الجالوت فقال له: يا رأس الجالوت، أتجد هؤلاء في شباب بني إسرائيل في التوراة ، اختارهم بخت نصر من سبي بني إسرائيل حين غزا بيت المقدس ثم انصرف بهم الى بابل ، فأرسله الله عز وجل إليهم فأحياهم ؟! هذا في التوراة لا يدفعه إلا كافر منكم !
قال رأس الجالوت: قد سمعنا به وعرفناه . قال: صدقت.
ثم قال: يا يهودي خذ عليَّ هذا السفر من التوراة .فتلا عليه السلام علينا من التوراة آيات، فأقبل اليهودي يترجج لقرائته ويتعجب !
ثم أقبل على النصراني فقال: يا نصراني أفهؤلاء كانوا قبل عيسى أم عيسى كان قبلهم ؟ قال: بل كانوا قبله.
فقال الرضا عليه السلام : لقد اجتمعت قريش على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألوه أن يحيي لهم موتاهم فوجه معهم علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له: إذهب الى الجبانة فناد باسماء هؤلاء الرهط الذين يسألون عنهم بأعلى صوتك: يا فلان ويا فلان ويا فلان، يقول لكم محمد رسول الله قوموا بإذن الله عز وجل ، فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم ! فأقبلت قريش تسألهم عن أمورهم ثم خبروهم أن محمداً بعث نبياً ، فقالوا: وددنا أنا أدركناه فنؤمن به ! ولقد أبرأ الأكمه والأبرص والمجانين، وكلمه البهايم والطير والجن والشياطين، ولم نتخذه رباً من دون الله عز وجل ، ولم ننكر لأحد من هؤلاء فضلهم، فمتى اتخذتم عيسى رباً جاز لكم أن تتخذوا اليسع وحزقيل رباً ، لأنهما قد صنعا مثل ما صنع عيسى بن مريم عليهم السلام من إحياء الموتى وغيره . وإن قوماً من بني اسرائيل خرجوا من بلادهم من الطاعون وهم ألوف حذر الموت فأماتهم الله في ساعة واحدة، فعمد أهل تلك القرية فحظروا عليهم حظيره ، فلم يزالوا فيها حتى نخرت عظامهم وصاروا رميماً ، فمر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل فتعجب منهم ، ومن كثرة العظام البالية، فأوحى الله عز وجل إليه: أتحب أن أحييهم لك فتنذرهم؟ قال: نعم يا رب ، فأوحى الله عز وجل إليه: أن ناداهم فقال: أيتها العظام البالية قومي بإذن الله عز وجل، فقاموا أحياء أجمعون ، ينفضون التراب عن رؤوسهم !
ثم إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام حين أخذ الطير فقطعهن قطعاً ، ثم وضع على كل جبل منهن جزءً ، ثم ناداهن فأقبلن سعياً إليه .
ثم موسى بن عمران عليه السلام وأصحابه السبعون الذين اختارهم صاروا معه الى الجبل فقالوا له: إنك قد رأيت الله سبحانه فأرناه ، فقال لهم إني لم أره فقالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً (سورة البقرة:55) فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم وبقي موسى وحيداً فقال: يا رب اخترت سبعين رجلاً من بني إسرائيل فجئت بهم، وأرجع وحدي فكيف يصدقني قومي بما أخبرهم به ؟! فلو شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا (سورة الأعراف:155) فأحياهم الله عز وجل من بعد موتهم .
وكل شئ ذكرته لك من هذا لاتقدر على دفعه ، لأن التوراة والإنجيل والزبور والفرقان قد نطقت به . فإن كان كل من أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص والمجانين، يتخذ رباً من دون الله، فاتخذ هؤلاء كلهم أرباباً !! ما تقول يا يهودي؟!
فقال الجاثليق: القول قولك ، ولا إله إلا الله.
ثم التفت الى رأس الجالوت فقال: يا يهودي أقبل عليَّ أسألك بالعشر الآيات التي أنزلت على موسى بن عمران عليه السلام هل تجد في التوراة مكتوباً بنبأ محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمته: إذا جاءت الامه الأخيرة أتباع راكب البعير يسبحون الرب جداً جداً تسبيحاً جديداً في الكنائس الجدد، فليفرغ بنو إسرائيل إليهم وإلى ملكهم ، لتطمئن قلوبهم ، فإن بأيديهم سيوفاً ينتقمون بها من الأمم الكافرة في أقطار الأرض ! أهكذا هو في التوراة مكتوب ؟
قال رأس الجالوت: نعم إنا لنجده كذلك.
ثم قال للجاثليق: يا نصراني كيف علمك بكتاب شعيا عليه السلام ؟
قال: أعرفه حرفاً حرفاً .
قال لهما: أتعرفان هذا من كلامه: يا قوم إني رأيت صورة راكب الحمار لابساً جلابيب النور، ورأيت راكب البعير ضوؤه مثل ضوء القمر !
فقالا: قد قال ذلك شعيا عليه السلام .
قال الرضا عليه السلام : يا نصراني هل تعرف في الإنجيل قول عيسى عليه السلام : إني ذاهب الى ربكم وربي والبارقليطا جاءٍ هو الذي يشهد لي بالحق كما شهدت ، وهو الذي يفسر لكم كل شئ ، وهو الذي يبدأ فضائح الأمم وهو الذي يكسر عمود الكفر !
فقال الجاثليق: ما ذكرت شيئاً من الإنجيل إلا ونحن مقرون به.
فقال: أتجد هذا في الإنجيل ثابتاً يا جاثليق ؟ قال: نعم.
قال الرضا عليه السلام : يا جاثليق ألا تخبرني عن الإنجيل الأول ، حين افتقدتموه عند من وجدتموه ؟ ومن وضع لكم هذا الإنجيل؟
فقال له: ما افتقدنا الإنجيل إلا يوماً واحداً حتى وجدناه غضاً طرياً فأخرجه الينا يوحنا ومتى.
فقال له الرضا عليه السلام : ما أقل معرفتك بسنن الإنجيل وعلمائه ؟! فإن كان هذا كما تزعم ، فلم اختلفتم في الإنجيل وإنما وقع الاختلاف في هذا الإنجيل الذي في أياديكم اليوم ، فلو كان على العهد الأول لم تختلفوا فيه ، ولكني مفيدك علم ذلك: إعلم أنه لما افتقد الإنجيل الأول اجتمعت النصارى الى علمائهم فقالوا لهم: قتل عيسى بن مريم عليه السلام وافتقدنا الإنجيل وأنتم العلماء فما عندكم؟ فقال لهم ألوقا ومرقابوس: إن الإنجيل في صدورنا ونحن نخرجه اليكم سفراً سفراً في كل أحد ، فلا تحزنوا عليه ولا تخلوا الكنائس، فإنا سنتلوه عليكم في كل أحد سفراً سفراً ، حتى نجمعه كله. فقعد ألوقا ومرقابوس ويوحنا ومتى، فوضعوا لكم هذا الإنجيل بعد ما افتقدتم الإنجيل الأول، وإنما كان هؤلاء الأربعة تلاميذ تلاميذ الأولين! أعلمت ذلك ؟
فقال الجاثليق: أما هذا فلم أعلمه وقد علمته الآن ، وبان لي من فضل علمك بالإنجيل وسمعت أشياء مما علمته شهد قلبي أنها حق فاستزدت كثيراً من الفهم.
فقال له الرضا عليه السلام : فكيف شهاده هؤلاء عندك ؟
قال: جائزة، هؤلاء علماء الإنجيل وكلما شهدوا به فهو حق.
قال الرضا عليه السلام للمأمون ومن حضره من أهل بيته ومن غيره: إشهدوا عليه ، قالوا: قد شهدنا.
ثم قال عليه السلام للجاثليق: بحق الإبن وأمه هل تعلم أن متى قال: إن المسيح هو ابن داود بن إبراهيم بن اسحاق بن يعقوب يهوذا بن خضرون، فقال مرقابوس في نسب عيسى مريم: إنه كلمة الله أحلها في جسد الآدمي فصارت إنساناً ، وقال ألوقا: إن عيسى بن مريم عليه السلام وأمه كانا إنسانين من لحم ودم ، فدخل فيها الروح القدس .
ثم إنك تقول من شهادة عيسى على نفسه: حقاً أقول لكم: يا معشر الحواريين إنه لا يصعد الى السماء إلا من نزل منها ، إلا راكب البعير خاتم الأنبياء فإنه يصعد إلى السماء وينزل . فما تقول في هذا القول ؟
قال الجاثليق: هذا قول عيسى لا ننكره.
قال الرضا عليه السلام :فما تقول في شهاده ألوقا ومرقابوس ومتى على عيسى وما نسبوه إليه؟
قال الجاثليق: كذبوا على عيسى.
فقال: الرضا عليه السلام : يا قوم أليس قد زكاهم وشهد أنهم علماء الإنجيل وقولهم حق ؟
فقال الجاثليق: يا عالم المسلمين أحب أن تعفيني من أمر هؤلاء.
قال الرضا عليه السلام : فإنا قد فعلنا . سل يا نصراني عما بدا لك؟
قال الجاثليق: ليسألك غيري فلا وحق المسيح ما ظننت أن في علماء المسلمين مثلك.
فالتفت الرضا عليه السلام الى رأس الجالوت فقال له: تسألني أو أسألك ؟
فقال: بل أسألك ولست أقبل منك حجه إلا من التوراة أو من الإنجيل أو من زبور داود أو بما في صحف إبراهيم وموسى.
قال الرضا عليه السلام : لا تقبل مني حجة إلا بما تنطق به التوراة على لسان موسى بن عمران ، والإنجيل على لسان عيسى بن مريم ، والزبور على لسان داود.
فقال رأس الجالوت: من أين تثبت نبوه محمد ؟
قال الرضا عليه السلام : شهد بنبوته موسى بن عمران وعيسى بن مريم وداود خليفة الله عز وجل في الأرض . فقال له: ثبت قول موسى بن عمران ؟
فقال له الرضا عليه السلام : هل تعلم يايهودي أن موسى أوصى بني إسرائيل فقال لهم: إنه سيأتيكم نبي من إخوانكم فبه فصدقوا ، ومنه فاسمعوا ؟ فهل تعلم ان لبني اسرائيل إخوة غير ولد إسماعيل؟! إن كنت تعرف قرابة إسرائيل من إسماعيل والسبب الذي بينهما من قبل إبراهيم عليه السلام ؟!
فقال رأس الجالوت: هذا قول موسى لا ندفعه.
فقال له الرضا عليه السلام :هل جاءكم من إخوه بني إسرائيل نبي غير محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟
قال: لا . قال الرضا عليه السلام : أو ليس قد صح هذا عندكم ؟
قال: نعم ، ولكني أحب أن تصححه لي من التوراة.
فقال له الرضا عليه السلام : هل تنكر أن التوراة تقول لكم: جاء النور من قبل طور سيناء ، وأضاء لنا من جبل ساعير ، واستعلن علينا من جبل فاران ؟
قال رأس الجالوت: أعرف هذه الكلمات وما أعرف تفسيرها !
قال الرضا عليه السلام : أنا أخبرك به: أما قوله جاء النور من قبل طور سيناء ، فذلك وحي الله تبارك وتعالى الذي أنزله على جبل طور سيناء . وأما قوله: وأضاء لنا من جبل ساعير ، فهو الجبل الذي أوحى الله عز وجل الى عيسى بن مريم عليه السلام . وأما قوله: واستعلن علينا جبل فاران ، فذلك جبل من جبال مكه بينه وبينها يوم ، وقال شعياء النبي عليه السلام فيما تقول أنت وأصحابك في التوراة رأيت راكبين أضاءت لهم الأرض ، أحدهما على حمار والآخر على جمل ، فمن راكب الحمار ومن راكب الجمل ؟
قال رأس الجالوت: لا أعرفهما فخبرني بهما.
قال: أما راكب الحمار فعيسى عليه السلام ، وأما راكب الجمل فمحمد عليهما السلام أتنكر هذا من التوراة؟! قال: لا ما أنكره.
ثم قال الرضا عليه السلام : هل تعرف حيقوق النبي عليه السلام ؟ قال: نعم إني به لعارف.
قال عليه السلام : فإنه قال: وكتابكم ينطق به جاء الله تعالى بالبيان من جبل فاران وامتلأت السموات من تسبيح أحمد وأمته ، يحمل خيله في البحر كما يحمل في البر ، يأتينا بكتاب جديد بعد خراب بيت المقدس ، يعني بالكتاب الفرقان ! أتعرف هذا وتؤمن به ؟
قال رأس الجالوت: قد قال ذلك حيقوق النبي عليه السلام ولا ننكر قوله.
قال الرضا عليه السلام : فقد قال داود في زبوره وأنت تقرأه: اللهم ابعث مقيم السنة بعد الفترة ، فهل تعرف نبياً أقام السنة بعد الفتره غير محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟!
قال رأس الجالوت: هذا قول داود نعرفه ، ولا ننكر ولكن عنى بذلك عيسى وأيامه هي الفترة . قال له الرضا عليه السلام :جهلت أن عيسى عليه السلام لم يخالف السنة وكان موافقاً لسنة التوراة ، حتى رفعه الله إليه ، وفي الإنجيل مكتوب: إن ابن البرة ذاهب والبارقليطا جاءٍ من بعده ، وهو الذي يحفظ الآصار ويفسر لكم شئ ، ويشهد لي كما شهدت له . أنا جئتكم بالأمثال وهو يأتيكم بالتأويل ! أتؤمن بهذا في الإنجيل؟ قال: نعم . فقال له الرضا عليه السلام : يا رأس الجالوت أسألك عن نبيك موسى بن عمران عليه السلام . فقال: سل.
قال: ما الحجة على أن موسى ثبتت نبوته ؟
قال اليهودي: إنه جاء بما لم يجئ به أحد من الأنبياء قبله.
قال له: مثل ماذا؟ قال:مثل فلق البحر وقلبه العصا حية تسعى، وضربه الحجر فانفجرت منه العيون ، وإخراجه يده بيضاء للناظرين ، وعلاماته لا يقدر الخلق على مثلها.
قال له الرضا عليه السلام : صدقت في أنه كانت حجته على نبوته أنه جاء بما لا يقدر الخلق على مثله. أفليس كل من ادعى أنه نبي ثم جاء بما لا يقدر الخلق على مثله وجب عليكم تصديقه ؟! قال: لا, لأن موسى عليه السلام لم يكن له نظير لمكانه من ربه وقربه منه ولا يجب علينا الإقرار بنبوة من ادعاها حتى يأتي من الأعلام بمثل ما جاء به.
فقال الرضا عليه السلام : فكيف أقررتم بالأنبياء الذين كانوا قبل موسى عليه السلام ولم يفلقوا البحر ، ولم يفجروا من الحجر اثنتي عشره عيناً ، ولم يخرجوا أيديهم مثل إخراج موسى يده بيضاء ، ولم يقلبوا العصا حية تسعى؟ قال اليهودي: قد خبرتك أنه متى ما جاؤوا على نبوتهم من الآيات بما لا يقدر الخلق على مثله ، ولو جاؤا بما يجئ به موسى ، أو كان على غير ما جاء به موسى وجب تصديقهم.
قال له الرضا عليه ا