إعـــــــلان

Collapse
لا يوجد إعلان.

النظرة الخاطئة الى التاريخ الإسلامي

Collapse
X
 
  • الفلترة
  • الوقت
  • اظهر
Clear All
new posts

  • النظرة الخاطئة الى التاريخ الإسلامي

    في مطلع هذا القرن كان تحدي الغربيين للإسلام والمسلمين كبيراً ، فقد أخذهم الغرور بثورتهم الصناعية وتقدمهم المادي ، ونشطوا لغزوا العالم ، وأخذوا يروجون لنظرية تفوق الإنسان الأوروبي ، بينما كان العالم الإسلامي غارقاً في الركود والتخلف ، تحت حكم الخلافة العثمانية ، والقاجارية
    وبعد استفحال موجة الغزو الغربية ، جاءت موجة المد الشيوعي واليساري في أوائل هذا القرن أيضاً ، وكان تحديهم أكثر صراحة ووقاحة !
    وكان الرد الطبيعي من علماء المسلمين ومثقفيهم أن قالوا لهم: مهلاً أيها الغربيون والشرقيون ، لاتفخروا علينا فنحن أيضاً أبناء دين وحضارة وأمجاد !
    لقد استطاع نبينا(ص)وديننا العظيم أن يؤسس مداً حضارياً ، وينشئ دولة عالمية ، في مدة قياسية ، في حين كنتم أنتم غارقين في الركود والتخلف !
    نحن هزمنا كسرى وقيصر وفتحنا بلادهما ، وأقمنا دولاً حديثة وحضارة عالمية ، أسسنا فيها العلوم ، وعلمنا الشعوب ، ومن جملتهم أنتم !
    إنكم مدينون لنا في ثورتكم الصناعية وحضارتكم ، لأنا نحن الذين أسسنا العلوم الطبيعية فاستثمرتموها وطورتموها ، فنحن المؤسسون والأساتذة ، وأنتم التلامذة النابغون !
    أما العلوم الإنسانية فكنا وما زلنا معلمين فيها لكم ولغيركم ، لأن ما يوجد في الإسلام من مبادئ وقيم وشريعة سماوية عادلة فوق ما عندكم ، وما زالت مجتمعاتكم بجاجة اليه !
    كان هذا المنطق هو السائد عند المسلمين ، وفيه قدر من الصواب ، وفيه ردة فعل وتفاخر بـ(القومية الإسلامية)
    وعندما نجح الغربيون في إسقاط الخلافة العثمانية سنة 1925م بمساعدة الحركة الوهابية وحركة القومية العربية ، وسيطروا على البلاد التي كانت تحكمها ، وأقاموا فيها دولاً قومية عربية وغير عربية طفحت ثقافتهم التي تنتقد الدين والتاريخ الإسلامي ، وتأثر بها أبناء المسلمين ، فتعززت عند المتدينين مكانة ثقافة القومية الإسلامية
    وكان أمثال السيد جمال الدين الأفغاني وتلميذه الشيخ محمد عبده ، والشاعر محمد إقبال لاهوري ، يمثلون فكر إنهاض الأمة ، في مقابل موجة الغزو الغربي وثقافته ، وعلى وَقْع صيحاتهم وأفكارهم تأسست الحركات والأحزاب الإسلامية في أندونيسيا ، ثم في مصر ثم في بقية البلاد ، وتبنت ثقافة التفاخر بأمجاد الإسلام وتاريخه وخلافته
    كان من السهل عليك أن تلاحظ أيام الموجة الشيوعية في العراق وبعدها كتب الإفتخار بأمجاد الإسلام تملأ أسواق الكتب في النجف ، وتختار ما تريده من كتب جمال الدين الأفغاني ، وحسن البنا ، والمودودي ، ثم سيد قطب ، ومحمد قطب ، وظفر الدين خانالى آخر قائمة المؤلفين الذين يجيبون على فكر الغربيين واليساريين ، ويتفاخرون بأمجاد الإسلام وتاريخه
    كانت تلك الكتب مادة المتدينين لمناقشة الشيوعيين في العراق ، ومادة الخطيب في مساجد مصر ولبنان والهند ، ومادة مقدم البرنامج الديني في إذاعات الدول العربية التي تسمح بذلك
    كانت أنشودتنا الفكرية هي النظرة السنِّية الىأمجاد تاريخ الاسلام في فتوحاته وحضارته وشمول دولته لكل آسيا وإفريقيا ، ووصولها الى فرنسا
    هذه النظرة التي تكاد تعتبر أن كل ما حدث في تاريخنا كان صحيحاً بل معجزة ، وتقول إن الأمة ابتعدت عن ذلك الإسلام الصحيح فتسلط عليها أعداؤها وقوضوا كيانها السياسي المتمثل بالخلافة العثمانية ، وأن علينا إعادة دولة الخلافة مجدداً ، مع تحسينات تجعلها تتسع لجميع مذاهبه
    لكن هذا الفكر إن صح جواباً على هجمة الثقافة الغربية والشيوعية ، فلا يصح أن يؤثر علينا نحن أتباع أهل البيت(ع)فنعطي الشرعية لمسار هذا التاريخ وأنظمته ، وننتقص من مقام أهل البيت الطاهرين(ع)بصفتهم أصحاب المشروع البديل لكل التاريخ الإسلامي ، وإن لم يطبق مشروعهم بعدُ
    فلا بد لنا أن نركز أولاً على قضيتهم(ع)بصفتها البرنامج الرباني الذي تركته الأمة ، فتخبطت في ضياعها وصراعاتها وعانت منها ، أكثر مما نَعِمَتْ بما بقي فيها من زَخْم نبوي وهداية ، سلمت من شر برنامجها الأرضي !
    لذلك وجب علينا أن نتعامل بدقة مع مفردات الفتوحات والإنجازات المدنية والحضارية التي حققتها الأمة قبل أن تضعف وتنهار ، فننظر الى كل مفردة على حدة ، ونقيِّمها بميزان الإسلام من وجهة نظر أهل البيت(ع)
    مثلاً الدخول التاريخي للنعمان بن مقرن&على كسرى يزدجرد ، وكان اختاره علي(ع)وأشار على عمر أن يرسله اليه ، فدخل على كسرى باعتزاز ودعاه الى الإسلام أو الجزية !
    فهذا أمرٌ يعتز به المسلم، فإن من أمجاد الإسلام أنه جعل واحداً من شيوخ قبيلة مزينة الصحراوية كالنعمان ، يخاطب رئيس ثاني أمبراطورية في العالم بهذا الخطاب القوي الواثق ! ( تاريخ اليعقوبي:2/143)
    وقصةُ الحمامة التي عششت على خيمة للجيش الإسلامي الذي فتح مصر ، وعندما أرادوا أن يرحلوا أخذتهم الشفقة على فراخها أو بيضها فتركوا لها الخيمة أو الفسطاط ، فسميت المنطقة بفسطاط مصر !
    هذه القصة أيضاً من أمجاد الإسلام لأنها رمزٌ تحول إنساني أحدثه الإسلام في نفوس العرب الذين كان بعضهم يدفنون بناتهم وهن أحياء!(معجم البلدان:4/263)
    وحقيقةُ أن المسلمين كانوا أرحم الفاتحين ، حتى أن كثيراً من أهل البلاد المفتوحة طلبوا منهم فتح بلادهم ، وإنقاذهم من استعمار الروم والفرس !
    هذه أيضاً من أمجاد الإسلام التي تخفف من الأخطاء ، والقتل ، والنهب ، التي ارتكبها المسلمون في عمليات الفتح
    وعلى صعيد الحضارة ، والمدنية ، والقوة السياسية للدولة الإسلامية في القرون الثلاثة الأولى وفي العهد العثماني ، تكثر قائمة الإنجازات الإيجابية
    لكن ذلك لايجيز لنا أن نغمض عيوننا عن السلبيات الكبرى في تاريخ الإسلام ، التي جرَّت الأمة الى أسوأ نتائج الضعف والإنهيار !
    ولو لم يكن منها إلا مواجهة الأمة لنبيها(ص)في حياته ، ورفضها التعهد له بتنفيذ كتابه الذي يؤمِّنُها من الضلال والإنحراف والإنهيار ، لكفى !
    ولو لم يكن منها إلا رفض الأمة منظومة الترتيب الإلهي للحكم بعد نبيها وإقصاؤها آل نبيها(ص)عن الحكم ، وجعلها الخلافة لقبائل قريش ، لمن غلب منهم بالسيف ، لكفى !
    ولو لم يكن منها إلا الحكم الديكتاتوري ومصادرة حريات الأمة ، وتشريع بيعة الحاكم بالتهديد بالسيف ، من يوم السقيفة الى يومنا هذا ، لكفى !
    أليس عجيباً أن نقول إن الإسلام أعطى الإنسان قيمته الإنسانية ، وضمن له حرياته المشروعة ، ثم نرى أنه بمجرد أن أغمض النبي(ص)عينيه صادروا حريات المسلمين في سقيفة قريش ، وسَنُّوا سُنَّة البيعة بالإجبار والتهديد بالقتل وحرق البيوت ! فلم نجد بعد ذلك اليوم في تاريخ الأمة حاكماً لم يجبر المسلمين على بيعته ، غير الإمامين علي والحسن(ص) !
    إن علينا عندما ننظر الى أمجاد الإسلام العظيمة ، أن ننظر الى ما يقابلها من جرائم عظيمة ، أدت الى تبخير كل ذلك الكيان ، وجعله حكايةً في خبر كان!
    وعندما نتحدث عن أزهى عصور الإسلام وقوة دولته في عصر هارون الرشيد ، علينا أن نعرف أيَّ سفاح كان هذا الخليفة ، الذي رأى كرامات الإمام الكاظم(ع)ومعجزاته وشاهد آيات الله على يديه ، فازداد قلبه قسوة ولم يقنع بسجنه الطويل ، حتى قتله !
    أن نعرف أن هذا (الخليفة الرشيد) ظل يتلذذ بسفك الدماء وتقطيع الناس الى أشلاء الى آخر دقيقة من حياته كما يرويه محبوه وليس مبغضوه !
    قال الطبري في تاريخه:6/525: (عن ابن جامع المروزي عن أبيه قال: كنت فيمن جاء إلى الرشيد بأخ رافع ، قال فدخل عليه وهو على سرير مرتفع عن الأرض بقدر عظم الذراع، وعليه فرش بقدر ذلك أو قال أكثر ، وفي يده مرآة ينظر إلى وجهه ، قال فسمعته يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون ، ونظر إلى أخ رافع فقال: أما والله يا ابن اللخناء إني لأرجو أن لا يفوتني خامل ، يريد رافعاً، كما لم تفتني ! فقال له: يا أميرالمؤمنين قد كنت لك حرباً وقد أظفرك الله بي فافعل ما يحب الله ، أكن لك سلماً ، ولعل الله أن يلين لك قلب رافع إذا علم أنك قد مننت عليَّ! فغضب وقال: والله لو لم يبق من أجلي إلا أن أحرك شفتي بكلمة لقلت أقتلوه ! ثم دعا بقصاب فقال: لاتشحذ مداك ، أتركها على حالها! وفَصِّلْ هذا الفاسق وعجل لايحضرنَّ أجلي وعضوان من أعضائه في جسمه ! ففصله حتى جعله أشلاءً ! فقال: عُدَّ أعضاءه ، فعُدَّت له أعضاؤه فإذا هي أربعة عشر عضواً ! فرفع يديه إلى السماء فقال: اللهم كما مكنتني من ثأرك وعدوك فبلغت فيه رضاك ، فمكني من أخيه! ثم أغمي عليه وتفرق من حضره! ) انتهى

    ولم يكن الخلفاء العثمانيين أفضل من هذا الخليفة القصاب ، بل أسوأ !
    إن الذين حكموا الأمة من مخالفي أهل البيت(ع)مَثَلُهُمْ كقراصنة بحرٍ سَطَوْا على سفينة نبيٍّ ، فاعتقلوا ربانها ومعاونيه ، وأبحروا بالسفينة وأهلها وحاربوا لصوصاً آخرين في طريقهم ، وحققوا عليهم انتصارات
    وفي المقابل اضطهدوا أهل السفينة وساموهم سوء العذاب ، واتخذوا بعضهم أعواناً ، ولم يوصلوا السفينة الى الساحل ، بل اختلفوا فيما بينهم وتقاتلوا ، فرسَوْا بها في جزيرة ، فاستلمها لصوص أجانب غنيمةً باردة !

    وخلاصة الأمر: ما دمنا نؤمن بإمامة أهل البيت النبوي(ع)وظلامتهم العظيمة ونقيِّمُ تاريخ الإسلام بميزان الإسلام ، فلا بد أن ننظر معاً الى الوجهين المضئ والمظلم ، فهذا الوجه المظلم هو الذي قوض الكيان الشكلي للإسلام ومكَّن الظلام الغربي من السيطرة !

    العلاقة بين المعصوم(ع)وغاصبي سلطته:
    من أبرز مصاديق الخلل في فهم تاريخ الإسلام ، الخطأ الذي يقع فيه بعض هؤلاء في فهم العلاقة بين الأئمة المعصومين(ع)وغاصبي سلطتهم
    فمن الواضح أن الجدلية بين نبي صادق(ع)ومُدَّعٍ للنبوة ، أو بين إمامٍ مختارٍ من ربه(ع)وبين غاصبٍ لسلطته ، لايمكن أن تكون إلا جدلية النفي التام ! فالقيادة المعصومة والغاصبة ضدان يستحيل أن يجتمعا ومهما بدا لنا من إمضاء المعصوم(ع)لوضعٍ من الأوضاع ، فلا بد أن يكون رحمةً بالأمة من أجل تقليل الضياع ، وتأخير الإنهيار ، وحفظ ما يمكن من المهدور ، وتصريف ما يجب تصريفه من الأمور
    ومحالٌ أن يكون إعطاءَ روحٍ لميت ، أو منحَ شرعيةٍ لغاصب !

    وبهذا نعرف أن كل محاولات التقليل من هذه الجدلية لاتنسجم مع أسِّ أساس المذهب الذي هو بيعة الغدير ، وبقية نصوص النبي(ص)القاطعة على إمامة علي(ع)والعترة الطاهرة وعصمتهم(ع)، ولا مع موقف أمير المؤمنين والصديقة الزهراء وجميع الأئمة(ع)الذي يؤكد على أن كل ترتيب يزعمه أحد في قبال المعصوم فهو ردٌّ على الله تعالى ورسوله(ص)ومَعْلَمٌ من معالم الضلال البشري في مقابل الهدى الإلهي ، وخطُّ انحرافٍ في مقابل الصراط المستقيم
    إن النبي(ص)والأئمة(ع)مهما أمرونا أن نسكت علىنظام حكم من غصبهم سلطانهم الرباني ، أو أن نتعاون معه في المشتركات ، فلم يجيزوا لنا أن نعطي نظامه حرفاً من الشرعية ، إلا ما جاز في خوف وتقية
    sigpic
Working...
X