إعـــــــلان

Collapse
No announcement yet.

نهج البلاغة: مثال الأدب الاسلامي الرفيع ج3

Collapse
X
 
  • الفلترة
  • الوقت
  • اظهر
Clear All
new posts

  • نهج البلاغة: مثال الأدب الاسلامي الرفيع ج3



    * الرسالية الثورية والتربوية:


    ونجد في هذا النهج أدباً رسالياً ثورياً تربوياً معاً اذ يسعى الى هدم أركان الشر وإقامة دعائم الخير في المجتمع فيتناول قضية الصراع بين الخير والشر بل يصوّر الخير والشر قاصداً من ذلك الى الترغيب بالخير والحضّ عليه وتزيينه في النفوس، والتنديد بالشر واجتثاثه من القلوب، ولهذا نجده ينتقد الفئة الظالمة والافراد الظالمين اياً كان انتماؤهم الى الطبقة العليا او الوسطى او الدنيا على السواء، وهذا ما يمنحه صفة تربوية فضلاً عن صفته الجهادية باعتبار أن منتجه يعلم أنه صاحب رسالة وطالب غاية ويؤمن بأن عطاءه لله ولهذا تنتفي عنه الاباحية ومسايرة الاهواء، وتثبت له صفة الادب الثوري لانه يهدم فكرة ويبني اخرى، وصفة(الادب التربوي) لأن الغاية منه أن يعمل على تنقية الذهنية المسلمة القائمة من شوائب الانحراف الى اليمين او اليسار ومن أوضار الرجعية الى الشرك او الالحاد.

    وبالجملة يهتم الادب الاسلامي في نهج البلاغة بالحياة الاجتماعية ومشكلات العصر على اطلاقها ويختار شخوصه من عامة المجتمع وجميع طبقاته "لان الخير والشر ليسا قاصرين على طبقة بعينها ولكنهما موجودان في النفس البشرية اياً كانت طبقتها او انتماؤها الطبقي، وان الانسان يمكن أن يكون خيراً او شريراً وفقاً لاختياره وعوامل اخرى مؤثرة في هذا الاختيار من قبيل التربية والتوجيه والقدوة والظروف المحيطة...الخ، لذا فان الطبقة ليست هي العنصر الحاسم في الصراع بين الخير والشر وانما الارادة الفردية ومكوناتها وهو ما يتسق مع التصور الاسلامي"(31). فإذا كانت الواقعيتان: الانتقادية والاشتراكية توجهان سهام نقدهما للطبقة الوسطى (البرجوازية) لانها ظلمت الطبقة الدنيا وانزلت بها اسوأ انواع القهر والغبن عندما وصلت الى السلطة، فان الواقعية الاسلامية تنتقد الفئة الظالمة والافراد الظالمين اياً كان انتماؤهم الى الطبقة العليا او الوسطى او الدنيا على السواء، ومصداق هذا ما نجده في أدب نهج البلاغة الذي ينتقد شخصيات الظالمين والمارقين ويكشف زيفها، كما نشهد ذلك في خطابات الامام(ع) الموجهة الى رؤوس الفتنة والنفاق في عصره، ومن ذلك ما كتبه الى معاوية بن أبي سفيان قائلاً: "فسبحان الله! ما أشد لزومك للأهواء المبتدعة، والحيرة المتّبعة، مع تضييع الحقائق واطّراح الوثائق، التي هي لله طلبة، وعلى عباده حجة. فأما إكثارك الحجاج على عثمان وقتلته، فإنك إنما نصرت عثمان حيث كان النصر لك، وخذلته حيث كان النصر له. والسلام"(32)، وكتب (ع) الى عمرو بن العاص قائلاً: "فإنك قد جعلت دينك تبعاً لدنيا امرئ ظاهر غيّه، مهتوك ستره، يشين الكريم بمجلسه، ويسفّه الحليم بخُلطته، فاتبعت أثره، وطلبت فضله، اتّباع الكلب للضرغام يلوذ بمخالبه، وينتظر ما يُلقى اليه من فضل فريسته، فأذهبت دنياك وآخرتك ! ولو بالحق أخذتَ أدركت ما طلبت. فإن يمكّنّي الله منك ومن ابن أبي سفيان أجزكما بما قدمتما، وإن تُعجزا وتبقيا فما أمامكما شر لكما "(33)

    وهناك شواهد عديدة في نهج البلاغة لهذا الأدب الثائر على الظلم والظالمين الذين نصبوا أنفسهم ولاة وأمراء على الناس دون أن يحوزوا الحدّ الأدنى من صفات الحاكم العادل والتي يشير اليها أمير المؤمنين(ع)بقوله: "وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيلُ، فتكونَ في أموالهم نَهمتُه، ولا الجاهلُ فيضلَّهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائفُ للدول فيتخذَ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهبَ بالحقوق، ويقفَ بها دون المقاطع، ولا المعطّلُ للسنّة فيهلكَ الأمة"(34) فمن هذه أوصافه لا يصلح أن يكون اماماً أو والياً أو خليفة يأمر الناس وينهاهم وهو بعيد عن الحق وإصلاح البلاد وإنصاف المظلوم وإقامة شرع الله وحدوده. ومن خلال ما تقدم من أمثلة يتبين اهتمام الأدب الاسلامي في نهج البلاغة بالجانب السياسي في حياة الأمة المسلمة، والثورة على أسباب الألم والشقاء في حياة الانسان، دون أن يكون أدب نحيب وبكاء وتعبّد للألم كما هو عند الرومانسيين، ودون أن يجعل من الحياة ابتسامة عريضة دائماً كما تتوهم الواقعية الاشتراكية، بل هو تصوير لهذا الاسى النفسي وتصوير يرتبط بمعاني المعاناة والتطهر والثورة على اسباب العذاب والمعاناة، وهو نقطة تحريض وانطلاق الى آفاق الانشراح والابتسام والسعادة بتحقيق العدل واحياء السنن واماتة البدع والقضاء على رؤوس الفتنة والضلال. وهذا النهج الثوري التربوي معاً هو ما ينبغي أن يلتزمه الأدب الاسلامي في عصرنا الحاضر، بخاصة "وان المجتمع المسلم اليوم يعيش قلقاً نفسياً واضطراباً عقائدياً وضياعاً في السلوك، لأنه عاد الميدان الذي تتصارع فيه العقائد الكافرة، بغية انتزاع عقيدته الاسلامية ولأجل أن تحل هي في موضعها "(35) فالتربية هنا عملية تطوير وتهذيب وتنقية مما ينحرف بالسلوك فكرياً وعملياً، فيكون للادب الاسلامي حين ذاك ابعد الاثر في التوعية ونشر الفكرة واعداد الارضية الصالحة للدعوة والمناخ المناسب لانطلاقها. ونحن واجدون في نهج البلاغة زاداً وفيراً من هذا الأدب التربوي الثوري اذ يتغلغل في اعماق الذهن ليزرع الفكرة وفي اغوار النفس ليخلق العاطفة وفي محيط الامة ليوجه السلوك، فيقوم بالدور المهم في التغيير والتطوير.
    * الصدق الشعوري والفني:

    من المؤكد أن التوازن الجوهري في العمل الأدبي لا يتحقق إلاّ بصدق الاديب واخلاصه في تجربته، ونحن نشهد هذا الصدق على الصعيدين الشعوري والفني في نصوص نهج البلاغة. وقد " ذهب افلاطون الى اعلان الاهتمام بالصدق وهو أن أساس كل عمل جيد وخالد في الادب هو الاخلاص التام من الفرد لنفسه والاخلاص التام منه لتجربته الخاصة في الحياة... وكم من الناس فقدوا قيمتهم بكبتهم نفوسهم وجريهم وراء غيرهم في اسلوبه وموضوعه، وهذا هو الذي يفسر لنا اننا نرى الرجل كبيراً في ملكاته الطبيعية واسع الثقافة كامل الفن، قد فاقه غيره بسبب أن الاول أقل صراحه وأضعف جرأة في التعبير عن نفسه.
    فبدون الاخلاص لا يمكن أن يوجد في الادب عمل حي، وميزة التجديد في الادب التي يدأب الناس في البحث عنها ليست في الجدة ولكنها في الصدق. والانسان سواء كان محيط تجربته وقوته الخاصة كبيراً أو صغيراً فإنه يجب أن يكتب كما تقوده اليه اقدامه وأن يهتم بوصف ما عاشه هو وما رآه وفكر فيه واحس بصدق وامانة ونعني بالصدق أن يعبر عن احساسه وشعوره لا عن احساس غيره وشعوره"(36)، إن هذا الصدق الشعوري ليتجلى واضحاً في قول الامام(ع) مثلاً: "وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء، أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه! فرأيت الصبر على هاتا أحجى، فصبرت وفي العين قذىً، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا"(37) وفي قوله(ع): "فيا عجباً! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته- لشدّ ما تشطّرا ضرعيها- فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ويخشن مسّها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم، وإن أسلس لها تقحّم، فمُني الناس- لعمرُ الله- بخبط وشماس، وتلوّن واعتراض، فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة "(38) وفي قوله(ع) أيضاً: "أما والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألاّ يقارّوا على كِظّة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز"(39)
    ففي هذه النصوص نشهد الانسجام التام بين صدق الامام في مشاعره وصدقه في التعبير الفني عنها، وحسبنا دليلاً على ذلك استخدام الامام(ع) للألفاظ والتراكيب والصور التشبيهية والاستعارية، الموحية بمعاني الألم والمعاناة والتوتر والصبر على ما قاساه في الواقع من ظلام وظلم دام سنين عديدة، فلا نجد هنا تجربة أدبية مصطنعة كتلك التجارب التي كثيراً ما نجدها في الأدب الحديث من شعر وقصة ومسرحية وخاطرة وغيرها، حيث يصطنع المنشيء حدثاُ او شخصية او موقفاً يخضع لما هو محتمل او ممتنع من السلوك.
    وهنا ربما يتساءل البعض عن موقف التصور الاسلامي حيال أمثال هذه التجارب المصطنعة، ويجيب الدكتور محمود البستاني وهو احد النقاد والمنظّرين الاسلاميين ـ عن هذا التساؤل بقوله: "بالنسبة الى ماهو ممتنع من السلوك يبقى خاضعاً لنفس الحظر بطبيعة الحال مادام التصور الاسلامي لا يحبّذ التعامل مع الوهم، حينئذ فان التعامل مع ماهو ممتنع كما لوتخيلنا بطلاً لا إمكانية لوجوده على الارض كالشخصية الاسطورية، يبقى مشمولاً بنفس الحظر اما بالنسبة الى ماهو محتمل فيمكننا أن نقرّر سلفاً مشروعيته"(40).
    ومصداق هذا الحكم ما نشهده في أدب نهج البلاغة من التعامل مع الواقع سواء كان حسياً أوغيبيا، والابتعاد عن الأوهام والأساطير والخيالات الباطلة رغم الاستخدام المجازي للغة وادهاش السامع بكسر المألوف والمعتادً من لغته اليومية إذ يعمد الامام(ع) الى التصوير والتخييل في التعبير عن مراده الجدّي دون أن يكون ذلك التصوير أو التخييل محالاً أو ممتنعاً في العقل، ولذلك فهو يخرج عن دائرة الكذب التي يدخل فيها القول المشهور عن بعض شعراء العربية ونقادها بأن أعذب الشعر أكذبه، ولتعليل هذا القول حاول بعض المفكرين وأصحاب المنطق أن يميزوا بين مرادين أحدهما جدّي بقصد الواقع واشترطوا فيه أن يكون صادقاً، والآخر استعمالي بقصد التخييل لم يروا بأساً في كذبه "ولا سيما أن اكثر ما يأتي فيه التخييل بالمبالغات كالمبالغة بالمدح او الذم او التحسين او التقبيح، والمبالغة ليست كذباً في المراد الجدّي اذا كان واقعه كذلك ولكنها كاذبة في المراد الاستعمالي و ليس هذا من الكذب القبيح المذموم مادام هو ليس مراداً جدياً يراد الاخبار عنه حقيقة. مثلاً قد يشبه الشعراء الخصر الدقيق بالشعرة الدقيقة فهذا تصوير لدقة الخصر فإن اريد به الاخبار حقيقة وجدّاً عن أن الخصر دقيق كالشعرة أي أن المراد الجدّي هو ذلك فهو كذب باطل وسخيف وليس فيه أي تأثير على النفس ولا تخييل فلا يعدّ شعراً ولكن في الحقيقة أن المراد الجدي منه اعطاء صورة للخصر الدقيق لبيان أن حسنه في دقته يتجاوز الحدّ المألوف في الناس، وانما يكون هذا كذباً اذا كان الخصر غير دقيق لأن الواقع يخالف المراد الجدي. اما المراد الاستعمالي وهو التشبيه بالشعرة فهو كاذب ولا ضير فيه ولا قبح مادام المراد به التوصل الى التعبير عن ذلك المراد الجدي بهذه الصورة الخيالية.

    وبمثل هذا يكون التعبير تخييلاً مستغرباً وصورة خيالية قد تشبه المحال فتجلب الانتباه وتثير الانفعال لغرابتها. وكلما كانت الصورة الخيالية غريبة بعيدة تكون اكثر اثراً في تلذذ النفس واعجابها "(41). ويبدو لي أن هذا التحليل المنطقي قد بني على مقدمات لا يقطع العقل السليم بصحتها المطلقة، فما كل نفس تلتذ وتعجب بالمبالغات والمحالات والخيالات البعيدة والاوهام، بل النفس المؤمنة الزاكية تجد التذاذها واعجابها فيما تحسه من التوازن والتوسط في الاشياء والاقتراب من حقائقها وليس بالبعد عنها.
    وفي الواقع فإن معظم النقاد الاسلاميين في العصر الحديث لا يؤيدون قضية الكذب في الشعر ولا في الادب عامة. بل يدعون الى الصدق سواء في التجربة الشعورية او في التعبير عنها، ومن دواعي هذا الصدق أن يكون الاديب متوحداً متوازناً منسجماً مع حقيقة نفسه وحقائق الوجود المحيطة به دون مبالغة او رياء او كذب وهذه هي حقيقة الادب الاسلامي وفضيلته التي تميزه عن سائر الآداب الجاهلية القديمة والحديثة التي ترى جمالها وعذوبتها فيما تتبّرج به من مبالغات فجة واكاذيب ومحالات " إن مقاييس (اعذب الشعر اكذبه) و(الشعر لا يجود إلاّ في الشرّ) صحيحة تماماً اذا انطلقنا من المنطلقات الجاهلية، هذه المنطلقات البلهاء التي استطاعت بصورة عجيبة أن تجمع في وقت واحد بين المتناقضات: بين العذوبة والكذب، وبين الجودة والشر، اما المقياس الاسلامي بمنطلقه الالهي السليم فلا تقبل موضوعيته (نوعاً عذباً من الكذب) او(شكلاً جيداً من الشرّ) ولو عادت الجاهلية الحديثة الى منطقها العلمي المتطور – إن سلم من الانحراف – لو جدت أن الجمع بين هذه المتناقضات يدخل في باب المستحيل وأنه لا سبيل للتفريق بين متعة العذوبة الفنية في الشعر ومتعة الصدق الفكري فيه او بين جمالية الجودة الفنية وجمالية الخير في هذا الشعر، وأن أي متعة فنية انسانية يبطل عملها وتأثيرها اذا قرنت بقيم غير انسانية كالكذب او الشر مطلقاً"(42). وبهذا تتقرر صفة الصدق في الادب الاسلامي انطلاقاً من التزامه بقيم الحق والخير والجمال التي يفرضها التصور الاسلامي للوجود. وتظهر صفة الصدق الشعوري والفني بأجلى صورها في أدب نهج البلاغة، وقد ضربنا له بعض الأمثلة في هذا البحث وتركنا أضعافها توخياً للاختصار.
    تابع معي الموضوع ف الجزء 4


  • #2
    بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله على محمد وآله الطاهرين
    الشكر لك الأخت الفاضلة على الموضوع القيم والنقل الهادف
    جزاك الله كل خير وتقبل منك صالح الأعمال ورزقك شفاعة أمير المؤمنين
    مَوالِىَّ لا اُحْصى ثَنائَكُمْ وَلا اَبْلُغُ مِنَ الْمَدْحِ كُنْهَكُمْ وَمِنَ الْوَصْفِ قَدْرَكُمْ

    Comment


    • #3
      شكرالكم كثيرا
      وبارك الله بكم

      Comment

      Working...
      X